الفلاشا يأكلون البرتقال ويكنسون شوارع تل أبيب
.. طلائعهم وصلوا بعملية (موسى) وتم
التشكيك بيهوديتهم
أحمد خضر
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 26/1/2004
لا شيء يمنع
النظام الأثيوبي من الموافقة على ترحيل بقية (الفلاشا) والبالغ عددهم
ثمانية عشر ألفاً إلى "إسرائيل" كي يأكلوا من بيارات يافا وعنب
الخليل ويقطفوا زيتون نابلس فالجوع أبو الكفار كما يقولون، إضافة إلى
أن "إسرائيل" ذكية في اقتناص الفرص، وتحت غطاء ما يسمى بالمساعدات
الخارجية لبعض الدول في أفريقيا وآسيا، فإنها تسعى للوصول إلى تحقيق
مصالحها.
مجرد زيارة
قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم إلى أثيوبيا، ولقائه
مع المسؤولين فيها، ومع أولئك الذين من المفترض أن يكونوا البقية
الباقية من يهود (الفلاشا) والمقدر عددهم بثمانية عشر ألفاً كانت
كافية للإعلان عبر وسائل الإعلام بالموافقة على المطلب الإسرائيلي
بجلب آخر (الفلاشا) إلى "إسرائيل".
دولة اليهود
إن "إسرائيل"
كما يدعي زعماؤها هي دولة اليهود، لذلك لا بد من البحث عنهم في كل
مكان، وتهجيرهم من بلدانهم، على حساب أصحاب الأرض الأصليين وهم
الفلسطينيون الذين يتعرضون للإبادة ويزج بهم في كانتونات مغلقة
وتصادر أراضيهم التي تنشأ فيها المواقع الاستيطانية لإجبارهم بشتى
الوسائل على الهجرة، وهذه هي النظرية الصهيونية من أساسها، وهم يرون
أنه لا يمكن أن يكون لكل الشعوب في المنطقة دولها باستثناء اليهود،
لذا فإن عرب 1948 الذين يشكلون 20% من السكان أيضاً مهددون من
الناحية العملية والاستراتيجية ووجودهم في أرض ما يسمى (إسرائيل)
مشروط، إضافة إلى الخطر الذي يتهددهم في تهويد الجليل من أجل ضمان
أغلبية يهودية في مناطقهم، وعليه فإن (الفلاشا) أو غيرهم من اليهود
في مناطق مختلفة من العالم يهيأ لهم عبر المذابح المروعة التي تجري
في الأرض المحتلة، أو خطة تهويد الجليل مكاناً للإقامة.
عملية موسى
وبخصوص
(الفلاشا) فإن الطلائع التي وصلت منهم "إسرائيل" أواخر الثمانينات
عبر ما يسمى (عملية موسى) والتي جرت بشكل سري في ذلك الوقت، وساهم
فيها الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري قد تم التشكيك بديانتهم
اليهودية داخل المجتمع الإسرائيلي، وتعرضوا لعملية تطهير وكأنهم
أنجاس، وبقوا طيلة الوقت عرضة للنبذ والتمييز العنصري ويعملون في
الأعمال الشاقة، والتي يتأفف بقية الإسرائيليين من القيام بها مثل
تكنيس الشوارع، وإزالة القمامة وتنظيف البيوت والحمامات العامة،
إضافة إلى عدم تلبية الحد الأدنى من الوعود التي أوهموهم بها عند
مجيئهم، مما دفعهم أكثر من مرة إلى التظاهر والإضرابات للمطالبة
بحقوقهم.
الاختراق
لكن
"إسرائيل" ماضية في ألاعيبها السياسية، وتعد اليهود بأنهم ذاهبون إلى
(جنتهم الموعودة في أرض الآباء والأجداد)، وحين تتوجه إلى بلد مثل
أثيوبيا أدمت الجروح جسدها المنهك، سواء من خلال الحرب التي لا تكاد
تتوقف مع أرتيريا، أو بسبب الفقر المدقع، وحالة التصحر الذي ينشب
مخالبه مهدداً آلاف الأثيوبيين بالفناء، فإنها في الواقع تلعب لعبة
متعددة الأطراف، تشكل الصفقة الجديدة في تهجير (الفلاشا) إحدى
تجلياتها المعلنة، لكن الأخطر من ذلك يكمن في محاولة التجسس الأمني
على مصر والسودان واليمن ودول الخليج، عبر محطات تنصت تبنيها على
الأراضي الأثيوبية، وأيضاً التأثير على مصالح مصر والسودان
الاقتصادية بمساعدة النظام الأثيوبي في إقامة سدود على نهر النيل
الذي ينبع من الهضبة الأثيوبية، والتأثير العسكري المباشر في مساعدة
طرفي الحرب في أثيوبيا وأرتيريا للإبقاء على الحروب مشتعلة في
المنطقة.
دموع "إسرائيل"
إن بلداً
يعاني من فقر مزمن، وفيه ملايين الأفواه الجائعة لا يستدر دموع
"إسرائيل" كي تقدم له بعض فضلات موائدها، ولكن الدولة العبرية قامت
بعملية اختراق واضحة، ووضعت موطئ قدم ثابتة هناك، وشاركت مشاركة
فعلية في تأجيج الصراعات والمشاكل المتفاقمة بين تلك الدول التي
تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات، وإقامة نوع من التنسيق
فيما بينها، وآخر ذلك المؤتمر الذي عقد في صنعاء وغابت عنه أرتيريا،
حيث جاءت هجرة (الفلاشا) وحبره لم يجف بعد. لذا فإنه على المستوى
الاقتصادي فإن الجوع هو الذي يدفع التوجه السياسي الأثيوبي ويرسم
مساراته، ومن أجل هذه الغاية فإن أثيوبيا تمد يدها للشيطان اعتقاداً
منها أن ذلك يستطيع احتواء خطر الجوع والتصحر خاصة أن ما تقدمه الأمم
المتحدة في هذا المجال لا يعدو أن يكون نوعاً من المسكنات ولا يوجد
ثمة علاج شاف للمشكلة، وهي تتصور أن الاقتراب من "إسرائيل" سوف يقدم
لها الحلول الجذرية لمشاكلها.
أما على
الصعيد السياسي الذي دفع بأثيوبيا إلى تصدير (الفلاشا) فإن العالم
كله قد فتح الأبواب أمام اليهود للهجرة إلى "إسرائيل"، ولم تعد هذه
المسألة محرمة أو مثيرة للتقولات، إذ ما النسبة التي يشكلها (18)
ألفاً مقابل مليون روسي هاجروا إلى فلسطين المحتلة مطلع التسعينات؟!
لكن الخطأ تحمله أثيوبيا للعرب حين يقولون إن العلاقات مع "إسرائيل"
لم يعد لها أي مبرر بعد أن انسحبت من سيناء وهي أرض أفريقية كانت
محتلة، وأقامت مصر علاقات مع "إسرائيل" بعد كامب ديفيد، لكن المسألة
لم تقف عند هذا الحد بطبيعة الحال، بل تجاوزت ذلك إلى دور تآمري
تلعبه أثيوبيا مع "إسرائيل" ضد البلدان العربية، وأفريقيا، ولم يتردد
سليفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي من القول خلال زيارته: إن
أثيوبيا هي بوابة إسرائيل" إلى أفريقيا التي تتطلع إلى إقامة علاقات
طبيعية معها، ومن المعروف أن هذه القارة البكر كانت دائماً تقف إلى
جانب القضايا العربية، باعتبار دولها من بلدان العالم الثالث لذا فإن
"إسرائيل" تسعى إلى سحب البساط من تحت أقدام العرب، وتحقيق نصر
دبلوماسي عليهم في مواقعهم التقليدية، إضافة إلى وجود الثروات
الطبيعية التي تغري "إسرائيل" للوصول إليها، والاستثمار فيها، حيث
وعد بأن "إسرائيل" سوف تقدم التكنولوجيا الحديثة في مجالات الصناعة
والزراعة والري .
علاقات مفتوحة
أما زيناوي
رئيس وزراء أثيوبيا فقد وصف زيارة سليفان شالوم بالتاريخية، مؤكداً
أن التعاون بين أثيوبيا و"إسرائيل" سوف لن يكون له سقف، وسوف يعملان
معاً في المرحلة المقبلة على تعزيز جهودهما لمحاربة الإرهاب، لحماية
أمنهما القومي، ومصالحهما المشتركة، وقد طلبت أثيوبيا من "إسرائيل"
المساعدات في مجال التجارة والاستثمار وتكنولوجيا الزراعة والصناعة،
حيث أوضح رئيس وزراء أثيوبيا أن بلاده مفتوحة للشركات الإسرائيلية
العملاقة واستثمار رؤوس الأموال الإسرائيلية الضخمة في المجالات كافة
في أثيوبيا، بالإضافة إلى تقديم الخبرات والتقنية للأثيوبيين. وتأخذ
أثيوبيا على العرب أنهم لم يساهموا في الاستثمار وإنعاش اقتصادها،
ويقفون موقفاً متردداً حيال دعواتها المستمرة لاستثمار الرأسمال
الأجنبي في القطاع الزراعي وغيره من القطاعات، وهذا موقف أوهى من خيط
العنكبوت لأن الرأسمال لا يستثمر في مناطق الحروب والاضطرابات، بينما
"إسرائيل" لها دوافع سياسية محضة في العلاقات مع أثيوبيا تتجاوزها
إلى قضايا اقتصادية وسياسية وعسكرية أوسع .
الغرام القديم
وفي الواقع
فإن قصة العلاقات بين الجانبين قديمة فعلى المستوى الوجداني كان
الإمبراطور هيلاسيلاسي واقع في غرام "إسرائيل" حتى الأذنين، ويقيم
معها علاقات عاطفية متميزة حيث كان يعتبر نفسه يهودياً من نسل
سليمان، ولكن حين وقع الانقلاب العسكري الذي أزاحه عن السلطة بقيادة
منغيستو هيلا مريام كان من المؤمل أن يكون هناك نوع من المراجعة سيما
وأن نظام منغيستو رفع شعارات دفعت ببعض العرب إلى الاقتراب منه،
ونعته بالرفيق، فيما هو يعقد صفقات تآمرية مع "إسرائيل" في كافة
المجالات، ويرى فيها الجسر الذي سيوصله بواشنطن. وفي ظل الموازيين
العالمية الحالية، والنظام العالمي الجديد، وكل ما طرأ على المنطقة
والعالم من تغيرات، فإن تهجير (الفلاشا) إلى "إسرائيل" بصورة سافرة
تحصيل حاصل.
إن "إسرائيل"
لها في علاقاتها مع كل بلد على حدة غاياتها ومصالحها الخاصة، وإذا
كانت محاولة خنق البلدين العربيين مصر والسودان اقتصاديا إحدى أهم
المبررات في علاقاتها مع أثيوبيا، فإن علاقاتها مع أرتيريا تهدف إلى
وجود قواعد عسكرية لها على البحر الأحمر، وضمان المرور عبر مضيق باب
المندب. إنها تحديات حقيقية تواجه الأمة العربية من المحيط إلى
الخليج، اغتصاب وقتل وإرهاب ومؤامرات وسرقة للمياه، فهل أصبح الدفاع
عن الحقوق العربية ضرورة ملحة بعد كل هذه الدروس، بل والصفعات
المتكررة ؟!
|