أزمة "إسرائيل" بين يهودية الدولة وإسرائيلية
اليهود
بقلم : د.
سمير غطاس
صحيفة
الأهرام القاهرية 5/7/2003
رغم انقضاء
فترة على انتهاء أعمال قمة العقبة، فلاتزال المنطقة تعيش في أجواء
وردود الفعل التي صدرت على البيانات الثلاثة لكل من الرئيس بوش،
ورئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، ومحمود عباس - أبو مازن رئيس
الوزراء الفلسطيني. واللافت للنظر هو تركيز وانشغال المعارضة في كل
من الجبهتين الإسرائيلية والفلسطينية بشكل أحادي الجانب على ما ورد
في بيانات هذه القمة.
فالمعارضة
الإسرائيلية ركزت اهتماماتها فقط على ما اعتبرته تنازلاً من قبل
شارون، عندما أقر في بيانه بقيام دولة فلسطينية، ليس فقط قبل
التوصل إلى اتفاق نهائي، ولكن حتى قبل أن تبدأ المفاوضات نفسها،
معتبرة ذلك سابقة لا مثيل لها في تاريخ "إسرائيل"، وكانت كبرى الصحف
في "إسرائيل" - يديعوت - صدرت في اليوم التالي للقمة بمانشيت عريض
يقول: في العقبة تأسست دولة فلسطين. فضلاً عن عودة المعارضة
للنزول بثقلها إلى ميدان صهيون، هذه المرة ضد شارون وليس تحت
قيادته كما كان عليه الحال في الماضي القريب.
وبالمقابل لم
تعر هذه المعارضة اهتمامها لكل ما تضمنه بيان أبو مازن في العقبة،
وفي استطلاع للرأي نشرت نتائجه بعد هذه القمة في "إسرائيل" أوضحت
أغلبية من 63% من الإسرائيليين عن تشككهم في إمكانية أن يفي رئيس
الوزراء الفلسطيني أبو مازن بالتعهدات التي قطعها على نفسه في قمة
العقبة.
وفي الجانب
الآخر، ركزت المعارضة الفلسطينية هجماتها، فقط أيضاً على ما جاء
في بيان أبو مازن وعلى ما لم يرد بهذا البيان، خاصة تأكيده رفض
الإرهاب والعنف ضد الإسرائيليين أينما كانوا...، وكذا لأن بيانه
خلا من أي مطالبة بإطلاق سراح الأسرى، ومن إعادة التأكيد على حق
اللاجئين في العودة... الخ، وبالمقابل لم تعر المعارضة
الفلسطينية أدنى اهتماماتها لما ورد في بيان شارون معتبرة إياه مجرد
تخريجة كلامية تفتقد لأي ضمانات جدية. ولكن من بين هذه القائمة
الطويلة من ردود الفعل على بيانات العقبة لفت أنظار جميع الأطراف تلك
العبارة التي وردت في متن بيان الرئيس بوش، والتي أكد من خلالها
الالتزام الأمريكي، والتزامه هو الشخصي بما أسماه أمن "إسرائيل"
كدولة يهودية
بينما خلا
بيان أبو مازن من أي ذكر أو أية إشارة لإسرائيل بصفتها دولة
يهودية، كان شارون بدوره قد أشار في بيانه، في عبارة واحدة،
لإسرائيل كدولة يهودية.
ورغم الجلبة
الشديدة التي أثارتها عبارة الدولة اليهودية هذه في أوساط فلسطينية
وعربية عديدة، فإنه مع ذلك يمكن القول بأن هذه العبارة لم تكن
أبداً جديدة على أسماع أحد، وليس لأحد أن يدعي غير ذلك، كما أنها
لم تكن لتثير كل هذا القدر من التخوف والتحفظ والاعتراض بل والرفض،
ما لم ترتبط بالسياق السياسي المحدد الذي وردت فيه، وفي هذه اللحظة
التاريخية الفاصلة بالذات.
فمن الوجهة
التاريخية، كان ت.هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية هو من ألف ونشر
على نطاق واسع كتابه المعروف، دولة اليهود: محاولة لحل عصري
للمسألة اليهودية وذلك قبل أكثر من قرن كامل، وتحديداً في عام
1896، وعلى غير ما يعتقد الكثيرون، فإن دولة هرتزل لم تكن دولة
يهودية بالمعنى الديني، كما لم يكن يعنيه في البداية موقع هذه
الدولة وموضعها، أكانت في فلسطين أو الأرجنتين أو قبرص أم في شرق
أفريقيا، كان الأمر كله يعتمد على ما يمكن أن تعطيه إياه الدول
الغربية لإقامة دولة اليهود هذه. وربما لهذا خلا كتابه دولة اليهود
وكذا وثائق المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في العام التالي على
صدور هذا الكتاب، من أي ذكر أو إشارة لمصير السكان الأصليين في
الوطن الذي ستقام عليه دولة اليهود، ولكن في مرحلة لاحقة على صدور
هذا الكتاب، صدرت عن هرتزل إشارات محدودة، في كتب ورسائل، عما
سماه بحالة الرفاهية التي زعم أن المواطنين العرب في فلسطين سينعمون
بها في ظل إقامة الدولة اليهودية.
ولكن التاريخ
ذاته يوضح لنا، كيف أن دولة اليهود هذه أقيمت في عام 1948، بالدم
والنار، وعلى حساب شعب آخر جرى اقتلاعه وتهجيره، والاستيلاء على
أرضه ونهب ممتلكاته. وربما كان من الضروري عند هذا المنعطف الإشارة
إلى بعض الملاحظات الأساسية ذات الصلة لموضوعنا.
فإقامة
الدولة اليهودية أصبح ممكناً فقط في عام 1947، وذلك بعد أن نجحت
الحركة الصهيونية بمساعدة أجنبية حثيثة، فيما فشل العرب في منعه أو
إعاقته، نعني بذلك تحقيق زيادة مطردة في حجم كتلة المهاجرين اليهود
وتوطينهم في فلسطين، بحيث وصل تعدادهم إلى ما يقارب نصف عدد السكان
تقريباً، فمقابل 1.732.00 مواطن عربي فلسطيني، كان هناك حوالي
620 ألف يهودي ورغم أن ملكية هؤلاء لم تكن تتجاوز 7% فقط مما كان
يملكه الفلسطينيون من الأرض في حينه، فقد استند القرار الدولي
الجائر رقم 181 لسنة1947 في تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية
وعربية، إلى ما يسمى بالمبدأ الطبيعي أي إلى إقامة الدولة اليهودية
في المناطق التي كانوا يشكلون فيها أغلبية سكانية في ذلك الوقت،
ومع أن الفلسطينيين كانوا أكثر من ضعف عدد اليهود في ذلك الوقت،
ويملكون أكثر من عشرة أضعافهم من الأرض، فإن قرار التقسيم خصص
للدولة اليهودية مساحة تصل إلى 56.4% من فلسطين.
ومع ذلك فإن
ما يعنينا هنا هو إبراز أهمية وثقل العامل الديمغرافي الذي كان
الذريعة التي استند إليه قرار إنشاء الدولة اليهودية، والذي سيحدد
لاحقاً مستقبل ومصير هذه الدولة.
والملاحظة
الثانية، تتعلق بطبيعة الأرض التي خصصها قرار التقسيم في عام
1947 للدولة اليهودية، والتي كانت أبعد ما يكون عن المزاعم
اليهودية فيما يسمى الأراضي التوراتية فلم تكن أرضي لدولة اليهودية
تضم الخليل، الذي يزعم اليهود أنها صخرة وجودهم، ولا القدس كلها
التي كان يفترض وضعها تحت إدارة دولية، كما لم تكن تضم شبراً
واحداً من أراضي الضفة الغربية، التي يسمونها يهودا والسامرة
ويعتبرونها قلب التوراة، ومع ذلك واجه ديفيد بن جوريون كل احتجاجات
معارضيه، وقبل في حينه إقامة الدولة اليهودية حتى ولو لم تكن تضم
تحت سيادتها أيا مما يسمى بالأرضي التوراتية المقدسة، لأنه كان
يعتقد أن الأولوية المطلقة، كانت في حينه هي إقامة الدولة كحقيقة
جغرافية/ سياسية يتم تثبيتها على خريطة المنطقة والعالم أجمع.
والملاحظة
الثالثة، تتعلق بالتركيب الديمغرافي لهذه الدولة اليهودية، التي
كانت من المفترض أن تضم، حسب قرار التقسيم حوالي 405 آلاف
فلسطيني، مقابل حوالي 498 ألف يهودي، أي بنسبة 55% يهودي إلى
45% فلسطيني. وكان ذلك يعني من الناحية الواقعية أن الدولة
اليهودية هي في حقيقة الأمر دولة ثنائية القومية، وأن التطور
السكاني في هذه الدولة اليهودية كان ينبئ بقوة عن تكريس هذا الواقع
وعن تحوله المؤكد لصالح أغلبية سكانية فلسطينية في هذه الدولة.
ولكن حرب عام
1948، بما انتهت إليه من هزيمة عسكرية كانت قد أحدثت انقلاباً
عميقاً على خريطة الدولة اليهودية، فاستولت هذه الدولة على 6.6 ألف
كيلومتر مربع إضافية من مساحة فلسطين، وكما انتهت هذه الحرب إلى
اقتلاع الأغلبية العظمى من الفلسطينيين الذين لم يتبق منهم داخل هذه
الدولة اليهودية سوي أقل من 10%، بدلاً من النسبة التي أشرنا إليها
والتي كانت تصل إلى 45% من مجموع السكان.
والملاحظة
الرابعة، تتعلق بمتابعة التطورات الديمغرافية الخطيرة التي شهدتها
الدولة اليهودية في غضون نصف قرن فحسب، إذ رغم كل النشاط الصهيوني
المحموم لتهجير اليهود، وغير اليهود بدعوى أنهم يهوداً من كل أرجاء
العالم إلى "إسرائيل"، فإن الأقلية الفلسطينية هناك كانت تنمو بصبر
واطراد، حتى أنها تتجاوز الآن عتبة الـ18% من مجموع السكان،
وكان البرفيسور يحزقئيل درور الذي يعد واحداً من أهم المفكرين في
شئون الأمن القومي، قد أشار إلى الاحتمال الوشيك بتجاوز
الفلسطينيين في "إسرائيل" لعتبة الـ20% من مجموع السكان، بما
يحول الدولة اليهودية بالضرورة إلى دولة ثنائية القومية، بينما يرى
مفكرون آخرون في "إسرائيل" أنها تحولت، رغما عنها ورغم إنكارها،
عملياً، من دولة يهودية إلى دولة ثنائية القومية ورغم وجود ملاحظات
أخرى إضافية هامة في السباق ذاته، فإنه يبدو أنه من الضروري التوقف
عند هذا الحد لتفحص مفهوم الدولة اليهودية، الذي أثار ولا يزال كل
هذه العاصفة من ردود الفعل الاجتماعية.
إذ يدلنا
السياق التاريخي للحركة الصهيونية ذاتها، وما آلت إليه اليوم، عن
وجود تباين داخلي لمفهوم الدولة اليهودية، فتيار اليسار
الصهيوني، على نحو عام، ينطلق أساساً في كل مواقفه من مشاريع
التسوية مع الفلسطينيين من إدراكه لخطورة الساعة الديمغرافية في
"إسرائيل"، ومن ضرورة ضمان أغلبية يهودية في هذه الدولة، ولا يري
هذا التيار سبيلاً سوى الانفصال جغرافياً وسياسياً عن الفلسطينيين في
الضفة وغزة للتفرغ لتعزيز الطابع اليهودي للدولة.
وفي الجبهة
المقابلة يقف تيار اليمين الصهيوني والديني بشكل عام، والذي لا
يزال يتمسك بالاحتلال والاستيطان في الأراضي المحررة حسب مزاعمه،
ولا يقيم هذا التيار وزناً كبيراً للأغلبية الديمغرافية العربية التي
تتبلور في الأراضي الواقعة ما بين النهر.. والبحر. وفيما يخفي
قسم من هذا التيار مشاريعه لهذا الخصوص، فإن أحزاباً يمينية أخرى
في "إسرائيل" تدعو علنا إلى اعتماد سياسة الترانسفير أو الترحيل
الجماعي للفلسطينيين، حتى أولئك الذين يحملون منذ عام 1948
الجنسية الإسرائيلية (كانت وزيرة التربية والعلوم في حكومة شارون
قد دعت علناً في الكنيست، قبل أسابيع، النواب العرب للرحيل عن
"إسرائيل" إلى أي دولة عربية)، والدولة اليهودية هنا هي دولة
التطهير العرقي التي تتجاوز في عنصريتها دولة الابارتهيد والعزل
والتمييز.
وفي
الحالتين، فإن الطابع العنصري، المستبطن، أو المتواقع في
فجاجته المباشرة لاعتبار إسرائيل دولة يهودية، إنما يعكس هذه
الأزمة العميقة التي تعيشها "إسرائيل" منذ فترة كدولة تبحث عن هوية
بل وعن مبرر للبقاء والوجود.
أعمدة الأزمة السبعة يهودية "إسرائيل" وإسرائيلية
اليهود
برغم المخاطر
التي قد تترتب على وصف "إسرائيل" بالدولة اليهودية كما جرى في بيانات
العقبة فإن ذلك لن يحل أزمة هذه الدولة والتي تتلخص أهم عواملها فيما
يلي:
1 - أن
دولة "إسرائيل"، التي كان يفترض أنها دولة اليهود، لم تستطع،
بعد أكثر من نصف قرن، أن تستوعب أكثر 18% من يهود العالم، وما
هو أكثر خطورة من ذلك ليس فقط تواضع هذه النسبة، وإنما ثباتها
تقريباً وعدم القدرة على تحسينها أو زيادتها.
2 - أن
هناك أعراضاً مؤكدة على وجود تآكل حاد، آخذ في الازدياد في عدد
اليهود في العالم، مما دفع عالم الاجتماع الفرنسي - اليهودي جورج
فريدمان إلى نحت عبارة موت الشعب اليهودي، تعبيراً عن هذا التطور
السلبي للوضع الإحصائي لليهود في العالم، وقد تنبأ عدد من
الديمغرافيين باحتمال فقدان اليهود في العالم لحوالي مليوني نسمة من
عددهم الحالي في غضون العقدين القادمين، وكان شمعون بيرس واحداً من
أبرز من تنبهوا لخطورة هذه الظاهرة، مما دفعه للقول في 26/10/1987:
لقد أصبحت المشكلة الديمغرافية، - المشكلة العددية للشعب اليهودي
في عصرنا- مشكلة مصيرية بكل معنى الكلمة، فلا يهودية بدون يهود،
ونحن نشهد ظاهرة مزدوجة من انخفاض الروح اليهودية لدى اليهود وتناقص
عدد اليهود في العالم، فنحن لم نعد أقل الشعوب عدداً فحسب بل أيضا
أكثرها تناقصاً.
3 - أن
"إسرائيل" كدولة يهودية فشلت في أن تكون ملجأ آمنا ليهود العالم،
ويعترف آفي ايثام زعيم حزب المفدال ووزير البناء والاسكان في حكومة
شارون بأن "إسرائيل" هي المكان الأقل ملاءمة من بين دول العالم
بالنسبة لليهودي الذي تطلع إلى العيش في مكان آمن، وهناك ملايين
اليهود يعيشون في أماكن أخرى غير "إسرائيل" في هدوء، ولم يقض وجود
دولة "إسرائيل" على اللاسامية في العالم، بل تحولت الدولة إلى
ذريعة للاساميين القدامى والجدد من اليسار واليمين.
4 - أن
هناك خطراً حقيقياً على مصير دولة "إسرائيل"، حتى وهي في حدود عام
1948 نتيجة تحولها المطرد إلى دولة ثنائية القومية وفضلاً عما أشرنا
إليه سابقاً حول هذه النقطة، فإن الدراسات الديمغرافية تشير إلى أن
الأطفال من أبناء الأقلية الفلسطينية في "إسرائيل" في عمر من 4
-15 سنة، تصل نسبتهم إلى أكثر من 28% من أبناء اليهود في نفس
المرحلة العمرية، كما تشعر الدولة اليهودية بمزيد من القلق من
تمركز أغلبية من الفلسطينيين في مناطق حيوية من "إسرائيل" مثل منطقة
الشمال التي لا يزال التفوق فيها بنسبة تصل إلى 75% للسكان
الفلسطينيين.
5 - من جهة
أخرى تنشغل القيادة الاشكنازية (اليهود من أصول غربية) المهيمنة
في "إسرائيل"، بالمعدلات المرتفعة لمواليد أسر اليهود من أصول
شرقية، نظراً للمترتبات الناجمة عن هذا الوضع مثل تزايد الطابع
الشرقي للدولة، وتزايد حدة الانقسامات الداخلية، تفاقم الصراع
الديني - العلماني، وزيادة الأعباء الاقتصادية التي تخصص من دون
عائد للأسر كبيرة العدد والمتدينة.. الخ.
في هذا
الإطار اضطرت قيادة الدولة إلى غض الطرف عن أعداد هائلة من غير
اليهود الذين تسربوا مع موجات هجرة اليهود الروس، والتي يقدر
البرفيسور ماجد الحاج من جامعة حيفا نسبتهم بحوالي ثلث هؤلاء
المهاجرين الذين تقدر الأوساط الإسرائيلية عددهم بحوالي مليون من
القادمين من بلدان الاتحاد السوفيتي سابقاً.
6 - ومع
إدراك كل النتائج السلبية الخطيرة للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي في
الضفة وغزة، فإن هذا النشاط يعاني في جوهره من أزمة حقيقة، لأنه
برغم كل الدعم الحكومي الرسمي لم يصل أبداً إلى المستوى الذي
استهدفته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولأن المستوطنين تحولوا
إلى عبء جماعي على المجتمع والاقتصاد والأمن الإسرائيلي، وتشير
أغلب نتائج استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية في المجتمع الإسرائيلي
تؤيد تجميد الاستيطان والمستوطنات من الآن، بل وحتى تفكيك كل
المستوطنات في ظل اتفاق دائم مع الفلسطينيين.
7 - من جهة
أخرى، كان احتلال "إسرائيل" أراضي الضفة وغزة عام 1967، قد أدى
عملياً إلى وضع أكثر من 3.5 مليون فلسطيني تحت الحكم العسكري
المباشر. وكان أيهود باراك قد أدرك ما ينطوي عليه هذا الوضع من
تبعات مقال في 31/12/2001، أنه إذا لم ننفصل عن الفلسطينيين فسنجد
أنفسنا في وضع مثل بلفاست والبوسنة أو مثل ابرتهايد جنوب أفريقيا،
واجب الفصل هو أمر أساسي وينطوي على منطلق ديمغرافي.
وكانت
"إسرائيل" كلها قد هزتها من الأعماق النتائج التي أعلن عنها الباحثون
في الشئون الديمغرافية. خاصة البرفيسور آرنون سوفير من جامعة
حيفا، وسرجيو وي لا فريجولا من القدس، والتي أكدت بشكل قاطع على
أن الاستمرار في الوضع الراهن سيؤدي خلال عقد واحد أو عقدين على
الأكثر إلى وجود أغلبية سكانية ستحكم "إسرائيل" وتذهب بالدولة
اليهودية إلى متاحف التاريخ أو مقابر نفاياته.
وقد يكون
واضحاً الآن، من هذا العرض، أن استدعاء شعار الدولة اليهودية،
لم يكن، برغم خطورته، سوى تعبير عن تلك الأزمة العميقة التي تلم
بـ"إسرائيل"، وتدفعها لإعادة البحث عن هويتها بل وعن مبرر وجودها
ذاته، وفي هذا الإطار أيضاً يمكن تفسير تشبث شارون بالدولة
اليهودية لقطع الطريق على مطالبة الفلسطينيين بحق العودة طبقاً لقرار
194، فيما يأتي تعبير الدولة اليهودية كما ورد في بيان الرئيس بوش
كنوع من التضمينات الأمريكية لحالة الجزع التي تجتاح "إسرائيل"،
وربما لإعادة التأكيد على الالتزامات التي كان قد قطعها كل رؤساء
الولايات المتحدة بدءاً من الرئيس هاري ترومان ووصولاً إلى الرئيس
بوش الابن.
وأياً كانت
تداعيات ما صدر عن الدولة اليهودية في قمة العقبة، فإنها قد لا تحل
أزمة هذه الدولة بالأبعاد التي طرحناها، والتي لا تملك "إسرائيل"
في مواجهتها سوى عدد محدود من الخيارات، فيما تبقى أمام
الفلسطينيين فرص عدة، وخيارات مفتوحة على مصراعيها، من ذلك مثلا
التوصل إلى اتفاق بشأن إقامة دولة فلسطينية على كل أو حتى على جزء من
الأراضي المحتلة عام 1967 في إطار استراتيجية المراحل، أو
التخطيط لدولة ثنائية القومية، أو الدفع باتجاه إقامة دولة
ديمقراطية لكل مواطنيها.. وغيرها من الخيارات التي قد تحتاج إلى
بحث آخر، والتي من شأنها أن تعجل بتحويل شعار الدولة اليهودية إلى
شهادة وفاة لواحدة من آخر الكيانات العنصرية في عالمنا المعاصر.
|