الدولة اليهودية
مصطفى
الفقي/عضو البرلمان المصري
صحيفة
الحياة 5/8/2003
استرعى
انتباه المشاهدين والمستمعين والقراء ما تضمنته كلمة الرئيس الأمريكي
جورج دبليو بوش في قمة شرم الشيخ في حزيران (يونيو) 2003 عندما أشار
إلى دولة "إسرائيل" بتعبير "الدولة اليهودية"، إذ لم يكن ذلك أمراً
عفوياً، فالخطاب مكتوب والمعنى لا يحتاج إلى كثير من الجهد لتفسيره
وإدراك الهدف من استخدامه خصوصاً في هذه الظروف. فـ"إسرائيل" التي
قبلت شكليا "خريطة الطريق" رغم تحفظاتها الأربعة عشر عليها والتي
أرجأت مناقشتها إلى مراحل التفاوض المقبلة لأنها ترى أن خريطة الطريق
هي مجرد ورقة للتفاوض تمثل مرجعية له وليست صفقة متكاملة للحل
النهائي كما تراها الرباعية Quartet
ويفهمها الفلسطينيون والعرب، إنها "إسرائيل" التي تطلب دائماً
مقابلاً كبيراً للقليل الذي تقدمه أحياناً بل وتتراجع عنه غالباً.
ولقد عكف
المعنيون بتطورات القضية الفلسطينية على البحث في مغزى استخدام
الرئيس الأمريكي لتلك التسمية بشكل رسمي ومن خطاب مكتوب وفي مناسبة
دولية كبيرة إذ كان استخدام تعبير "الدولة اليهودية" قاصراً من قبل
على الساسة الإسرائيليين والدوائر اليهودية في الغرب خصوصاً في
الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن هذا التحول يشير من وجهة نظرنا
إلى نتيجتين رئيستين ينطوي عليهما استخدام تعبير "الدولة اليهودية"
هما المساس بحق عودة الشعب الفلسطيني إلى دياره وتشجيع الهجرة
اليهودية إلى الدولة العبرية.
حق العودة
يمثل حق عودة
الفلسطينيين إلى ديارهم جوهر قضية اللاجئين بعد العام 1948
Palestinian Refugees وقضية النازحين بعد العام
1967Palestinian Displaced
ولقد اصطدمت المفاوضات الفلسطينية -
الإسرائيلية دائماً بمسألتين رئيستين هما "القدس" و"حق العودة"، وإذا
كنا نرى أن للقدس مكانةً خاصة لدى أصحاب الديانات وموقعاً فريداً لدى
الشعب الفلسطيني إلا أننا نرى أن حل مشكلتها يبدو الآن أيسر من
التعامل مع مسألة "حق العودة"، فالأخير يبدو شديد التعقيد بالغ
الحساسية رغم أنه لا يمثل من الناحية الواقعية ما يجسده من الناحية
النظرية، فلو أخذنا مفهومه بشكل نظري لوجدنا أنه يعني عودة ملايين
الفلسطينيين إلى أراضيهم ما قبل 48 وما قبل 67 بينما تشير المتابعة
العملية إلى أن عدد الراغبين من الفلسطينيين في العودة والاستقرار في
وطنهم، يبدو أقل من ذلك بكثير، فما أكثر الفلسطينيين الذين استوطنوا
دول الخليج العربي والأردن وسورية ولبنان ومصر، بل لقد أصبحت نسبة لا
بأس بها منهم تحمل جنسيات أوروبية متعددة فضلاً عن من استقر منهم في
الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا. فإذا كان التاريخ تحدث
من قبل عن اليهود في الشتات، فإن الأولى به أن يتحدث الآن عن
الفلسطينيين في الشتات بعد نكبة 1948 ونكسة 1967. وإذا ترجمنا ذلك
إلى لغة الأرقام فإن العدد الحقيقي من الفلسطينيين الذين يستفيدون
عملياً من حق العودة المستند إلى قرار مجلس الأمن 194 لن يتجاوز مئات
الألوف ولن يكون بالملايين كما يبدو نظرياً، فالفلسطيني الذي استقر
بعيداً عن وطنه وارتبط بأسباب جديدة للرزق وممتلكات خاصة في الدول
التي انتقل إليها، تجعله يطلب "حق العودة" كسند تاريخي ودعم نفسي
يريد أن يشعر معهما أنه يمكن أن يزور وطنه الأول عندما يريد ويفتش عن
بيت العائلة إذا كان لا يزال موجوداً ولم تدمره آلة الحرب
الإسرائيلية ويريد أن يكون له قبر فوق تراب وطنه يحتويه إذا حانت
ساعة الأجل، "فحق العودة" مطلب يستحيل التفريط فيه ويصعب التنازل
عنه، ولذلك فإن تعبير "الدولة اليهودية" الذي استخدمه الرئيس
الأمريكي أخيراً في قمة البحر الأحمر في شرم الشيخ ليس تعبيراً
عفوياً ولكنه استخدام متعمد يمثل محاولة للانتقال من مرحلة "حق
العودة" إلى مرحلة "مطلب العودة" وهي عملية إجهاض حقيقية لجوهر
القضية الفلسطينية. بل إننا لا نزال نتذكر أن مفاوضات "كامب ديفيد"
الثانية بين الفلسطينيين والإسرائيليين العام 2000 ثم اجتماعات شرم
الشيخ وطابا بعدهما في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون تحطمت
كلها فوق صخرة "حق العودة". بل إنني أزعم - وأرجو ألا أكون مخطئاً -
أن الإسرائيليين كانوا مستعدين لبعض المرونة في مسألة "القدس" في
مقابل العبث "بحق العودة" بل إن هناك طرحاً إسرائيلياً خبيثاً دعت
إليه الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها في مرحلة معينة ومؤداه أنه
إذا كانت هناك دولتان إحداهما إسرائيلية والثانية فلسطينية فإن حق
العودة يكتسب لديهم مفهوماً جديداً وهو عودة الفلسطينيين إلى الدولة
الفلسطينية وحدها بينما تكون هناك هجرة يهودية إلى الدولة
الإسرائيلية، فالفلسطيني واليهودي يعود إحدهما ويأتي الثاني كل إلى
دولته! وهذا تفكير مغلوط وتصور خطير لمستقبل الدولتين معاً فهو يحيل
ببساطة حق العودة للفلسطينيين إلى مجرد فتح باب جديد لهجرة اليهود
إلى الدولة العبرية في "إسرائيل".
الهجرة اليهودية
لقد كانت
الهجرة اليهودية إلى فلسطين ولا تزال تمثل أكبر المخاطر على مستقبل
المنطقة لأنها تعني التهام مزيد من الأراضي الفلسطينية وإزاحة المزيد
من الفلسطينيين من ديارهم فضلاً عن بناء مستوطنات جديدة وتعديل
للتركيبة السكانية بحيث لا تجعل من اليهود في المستقبل أقلية عديدة
أمام عرب 1948 مضافاً إليهم بقية الفلسطينيين في تداخل جغرافي يصعب
معه إلى حد كبير فض الاشتباك البشري فيه، وإذا أخذنا عبارة "الدولة
اليهودية" التي استخدمها الرئيس الأمريكي في حزيران (يونيو) 2003
فسوف نشتم منها مباشرة رائحة الدعوة إلى مزيد من هجرة اليهود إلى
الدولة الإسرائيلية في ظل أجواء تتحدث عن السلام وتتبنى خريطة الطريق
وتفكر في المستقبل الجديد. ونحن نعلم من تاريخ النزاع الفلسطيني -
الإسرائيلي بل والصراع العربي - الإسرائيلي كله أن موجات الهجرة
اليهودية التي وفدت إلى "إسرائيل" منذ قيامها كانت هي التكريس
الحقيقي لكيان تلك الدولة سواء جاءت تلك الهجرة من شرق أوروبا
والاتحاد السوفياتي أو من اليهود العرب أو يهود أثويبيا "الفلاشا".
ولقد توسعت "إسرائيل" في احتواء تلك الهجرات، بل لقد اكتشف
الفلسطينيون أن آلافاً من القادمين خصوصاً من الاتحاد السوفياتي لم
يكونوا بالضرورة من اليهود ولكنهم جاؤوا تحت بريق الهجرة إلى دولة
جديدة خلاصاً من ظروف حياتية صعبة قبل سقوط النظام الشيوعي في موسكو.
فـ"إسرائيل" - في الواقع - لا يعنيها الدين بمعناه الروحي ولكنها
تستخدمه فقط للحصول على ميزات سياسية بدءاً من مسألة القدس، مروراً
بحق العودة، وصولاً إلى التكوين الحقيقي للهجرة اليهودية إليها. كذلك
فإننا نضيف إلى مخاطر تشجيع الهجرة في هذه المرحلة ما يمكن أن تؤدي
إليه من نتائج وتعقيدات على أية محاولة جادة لتسوية عادلة للنزاع
الفلسطيني – الإسرائيلي.
فالمزيد من
الهجرة يعني مباشرة مزيداً من الاحتلال ومزيداً من الممارسات
العدوانية التوسعية التي برعت فيها "إسرائيل" خصوصاً في السنوات
الأخيرة، لذلك فإننا ننظر إلى احتمال وفود موجات جديدة من الهجرة
اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية بكثير من الريبة والحذر خصوصاً
وأننا نعلم أن الهجرة المتقطعة مستمرة لم تتوقف ولكن ما نتخوف منه هو
محاولة استيعاب مئات الآلاف من المهاجرين اليهود الجدد خلال السنوات
القليلة المقبلة.
إن الذي
دعانا إلى الحديث عن الدولة اليهودية في هذه الظروف هو الاستخدام
الأمريكي الرسمي على أعلى مستوى لتعبير "الدولة اليهودية" عند
الإشارة إلى "إسرائيل" في ظل إدارة أميركية تتبنى رسمياً - وفي الوقت
ذاته - الدعوة إلى التعايش بين دولتين مستقلتين إحداهما إسرائيلية
والأخرى فلسطينية. وهنا يجب أن نشير إلى غرابة وصف دولة بالنقاء
الديني كأن نجعل من "إسرائيل" دولة يهودية بينما هي تحتوي في سكانها
مسلمين ومسيحيين أيضاً، وهو ما يعني العودة إلى الوراء لنعيد إلى
الذاكرة مفهوم الدولة الدينية الذي تجاوزته البشرية عندما بلغت مرحلة
النضج ووصلت إلى مفهوم الدولة القومية التي تحتوي الأعراق المتعددة
والأصول المتباينة والديانات المختلفة، ولكن "إسرائيل" ومعها
الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تعيد على أسس دينية وما زالت
مستمرة في استخدام الدين لأهداف سياسية. وخلاصة القول إننا نريد أن
نقول بإيجار إن تعبير "الدولة اليهودية" يعني إشارة مزدوجة إلى أمرين
لا يمكن تجاهلهما، الأول منهما يحاول أن يهبط "بحق العودة"
للفلسطينيين بحيث يتحول إلى مجرد "مطلب للعودة" ويشير الثاني إلى
احتمالات القيام بعملية تشجيع واسعة للهجرة اليهودية تجاه الدولة
الإسرائيلية. والإشارتان معاً تمهدان لمراحل مقبلة من المفاوضات
الشاقة مع الفلسطينيين التي يحصلون بها على الحد الأدنى من حقوقهم،
ولكن "إسرائيل" تريد - كما أرادت دائماً - أن تحصل على الحد الأعلى
من ممتلكات غيرها، إنه صراع طويل وكفاح مرير ضد الاحتلال المستمر
ومعاناته اليومية وآلامه القاسية وأحزانه العميقة.
|