الاستعمار الغربي مهد لتواجدها
"إسرائيل" تؤدلج علاقاتها بأفريقيا كأساس
استراتيجي
صحيفة
البيان الإماراتية 18/7/2003
تعود علاقة
"إسرائيل" بأفريقيا إلى فترة نشأة الكيان الصهيوني وفق المراجع
التاريخية السياسية، ويبدو أن القارة الأفريقية كانت مستهدفة بالدرجة
الأولى داخل المخطط الصهيوني الذي يضع بعض مناطقها كمواقع تبادلية
«احتياطية» في حالة تهديد المركز الأصلي «فلسطين».
وتعد منطقة
شرق أفريقيا (أثيوبيا - جنوب السودان - وشمال أوغندا) أبرز هذه
المواقع، رغم أن الامتداد الصهيوني شمل معظم أجزاء القارة السمراء،
إذ وجد الباحثون أن التطلع الصهيوني يضع جنوب نيجيريا كموقع ثان حيث
مناطق «الايبو»، وتشكل جنوب أفريقيا موقعاً ثالثاً، مشكلة مثلثاً
يحتوي المد الإسلامي في أفريقيا تمهيداً للقضاء عليه.
وربط
الباحثون إيديولوجياً بين الصهيونية وفكرة الجماعة الأفريقية، وبين
الفكر الصهيوني وتقاليد وتراث بعض الجماعات الأفريقية الذي من شأنه
أن يخدم فكرة «المواقع التبادلية» ويضمن لها إمكانية التحقيق.
أخذت
الدراسات التي تتبعت علاقة "إسرائيل" بأفريقيا مناحي مختلفة يبن حروب
العرب بإسرائيل، وبين الأهداف الحقيقية التي تجعل أفريقيا ذات أهمية
استراتيجية للكيان الصهيوني، بينما انصرف آخرون لمتابعة التكالب
الإسرائيلي - الغربي على أفريقيا.
ومع هذا
التنويع في الدراسات فإنها جميعاً أكدت على وجود أهداف قديمة
للإسرائيليين في أفريقيا وتركز معظمها في إيجاد بيئة محيطة ببيئة
الوجود للكيان الصهيوني تضمن هذا الوجود وتدعمه إضافة إلى أنه قد
يكون معيناً لا ينضب لما للقارة الأفريقية من مزايا استراتيجية
وثروات بشرية وغير بشرية.
ولعل أهم
الأهداف التي سعت "إسرائيل" لتحقيقها في القارة السمراء هو ضمان بقاء
"إسرائيل" ووجودها وضمان أمنها، فقد أتاحت لها البيئة الأفريقية
مجالاً لكسر حاجز عزلتها العربية والطوق المفروض سياسياً واقتصادياً
والخروج من طوق العزلة الإقليمي المفروض إلى ما وراء أفريقيا وهو ما
كان يهمها في سعيها للحصول على تأييد دولي أكبر، إضافة إلى أهدافها
في تطويق الأمن المائي العربي وتهديد أمن مياه النيل عدا عن السيطرة
على الملاحة في البحر الأحمر عبر السيطرة على موانئه.
وتدخل قضية
السيطرة على اقتصادات الدول العربية ضمن هذا الهدف لعرقلة نموها،
إضافة لخلق تيارات مناهضة للعرب ومؤيدة لإسرائيل في أفريقيا.
وتشكل
أفريقيا مجالاً حيوياً لطاقات الكيان الصهيوني وإمكانياته الإنتاجية
والفنية إذ طمحت "إسرائيل" ومنذ البداية إلى الحصول على مكاسب
اقتصادية عبر التبادل التجاري وإيجاد سوق كبيرة لصادرات الصناعة
الإسرائيلية، كما سعت لضمان مورد مهم للخامات المعدنية وتصدير طاقات
العمل الفائضة لديها من خبرات وخبراء، ولتحقيق ذلك كان ينبغي عليها
توثيق صلتها بالمستعمر الغربي في أوروبا لضمان التمويل ومواجهة
الكتلة الشيوعية في أفريقيا عدا عن خدمة الاستعمار نفسه.
ويرى
الباحثون أن هذه الأهداف كانت ضمن منظومة أولويات السياسة الخارجية
الإسرائيلية رغم أن الكثيرين أهملوها وأغفلوا فرز طبيعتها التكتيكية
المرحلية أو الاستراتيجية طويلة المدى، كما أن وجود "إسرائيل" الذي
أصبح واقعاً في خاصرة الشرق الأوسط حمل التصور على أن استراتيجية
"إسرائيل" قاصرة على المنطقة، مما أتاح مساحة واسعة للسياحة
الإسرائيلية ومشروعها الصهيوني بالتمدد بارتياح على جسد القارة
السمراء.
وفي الواقع
فإن دوافع التوجه الإسرائيلي إلى أفريقيا ترتبط بأبعاد السياسة
الخارجية الإسرائيلية وما تحمله من مخططات تستهدف تطويق الوطن العربي
بغية التحكم في أمن الدول العربية والإضرار بعلاقتها مع الدول
الأفريقية.
وترى
الدراسات أن نسبة كبيرة من الواقع السكاني للكيان الصهيوني المصطنع
جاءت من أقطار أفريقيا خلال الفترة الممتدة من عام 1948 حتى عام
1967، وقد تراوحت بنسبة الوجود الأفريقي في الكيان الصهيوني من 15%
إلى 17%.
لقد مهد
الاستعمار الغربي للقارة الأفريقية الظروف لإسرائيل حيث سمح لها
بالتغلغل إلى مستعمراته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والتبشير
بمشروعها الذي استهدف التمكن والسيطرة الكاملة على مقدرات تلك
البلدان الأفريقية بعد أن نالت استقلالها.
ويرى
الباحثون أن هناك خلفيتين حكمتا أهداف "إسرائيل" السياسية الخارجية
في أفريقيا:
- تمثلت
الأولى في الخلفية المرتبطة بالأمن القومي.
- وتمثلت
الثانية في الهيمنة.
عمق استراتيجي
في كتابه
«إسرائيل إلى أين» قال ناحوم غولدمان رئيس المنظمة الصهيونية
العالمية بين عامي 1956 - 1968: لقد أكد كل المفكرين الآخرين والآباء
المؤسسين للصهيونية على الصفة الإنسانية والكونية لهذه الدولة بالقدر
نفسه على صفتها الوطنية والخاصة، ولم يقم طموح هؤلاء المحركين
الإيديولوجيين للحركة الصهيونية على إيجاد أرض غالبيتها من اليهود
فقط حيث يصبح اليهود أسياد مصيرهم، بل استخدام هذه البقعة لتطبيق
الأفكار الأساسية في التاريخ اليهودي(1).
ويضيف
غولدمان: أن الخطر الكبير الذي تقع فيه "إسرائيل" هو نسيان صفتها
الفريدة، إذ أنشئت في محاولة لخلق دولة وحيدة من نوعها، ومن المؤكد
أن دولة "إسرائيل" لا يمكن أن تبقى إلا إذا شكلت ظاهرة لا مثيل لها
في العالم.
ويؤكد
الدكتور علي مزروعي: أن مؤسس الصهيونية واصل التفكير في أفريقيا على
أنها امتداد ممكن لإسرائيل أكثر من كونها وطناً لليهود، ولما كانت
هناك أعداد كبيرة من اليهود الذين أرادوا الاستقرار معاً في مناطق
يستطيعون فلاحتها بأنفسهم ويسمونها وطناً مشتركاً فقد اعتبرت فلسطين
مكاناً غير مناسب لكل اليهود الذين أرادوا الاستقرار معا بهذه
الطريقة، ولذلك فإن هرتزل - مثله مثل وزارة الهند في العشرينيات
والثلاثينيات - رأي أن شرق أفريقيا يعتبر مكاناً مناسباً للموجة
الثانية من الاستعمار اليهودي لا الموجة الأولى(2).
وهكذا نجد أن
"إسرائيل" أعطت الأولوية في التفاعل مع أفريقيا على فكرة التواجد
اليهودي المكثف إذ قامت الفكرة الصهيونية على تجميع يهود الشتات في
«أرض الميعاد» ويمكن تلخيص الأسباب الأخرى لاهتمام "إسرائيل"
بأفريقيا في (3):
- الموقع
الاستراتيجي فالقارة تطل على البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط
والمحيط الأطلسي وبها أهم ثلاثة مضائق لها تأثيرها على حركة التجارة
العالمية وقد ظهرت بالنسبة إليها أهمية البحر الأحمر مضيق باب المندب
بعد أن ظهرت فيه البحرية المصرية في معاركها مع "إسرائيل".
- شل الوجود
العربي في أفريقيا ومحاصرة المصالح المشتركة بين الدول العربية جنوب
الصحراء وشمالها «الوصول إلى منابع النيل بالنسبة لمصر والسودان».
- وجود
جاليات يهودية كبيرة في عدد من الدول الأفريقية في جنوب أفريقيا،
أثيوبيا، زيمبابوي، كينيا، الكونغو الديمقراطية، وقد قالت غولدا
مائير عن أهمية وجود الجاليات: «أن على "إسرائيل" في مواجهتها للدول
العربية داخل حدودها وعلى المسرح الدولي أن تبذل جهوداً فائقة
لاكتشاف مسالك جديدة تمكنها من اختراق الحصار المفروض عليها فإن لها
حليفاً مخلصاً وأخوياً في يهود العالم».
- ربط الوجود
اليهودي في أفريقيا بأرض الميعاد عبر الزيارات والجباية المالية
كمقدمة لتوصيلهم نهائياً لإسرائيل، وقد عبر ليفي اشكول عن زيارة
اليهود للدولة العبرية قائلاً: «نعمل معهم ليعود كل واحد منهم حاملاً
معه شيئاً من روح "إسرائيل" وصدى منجزاتها وبهجة كلامها» ربما لهذا
السبب فسر البعض هجرة اليهود الفلاشا بأنها خطوة لإعادة صياغة
العلاقة الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بين "إسرائيل" وأفريقيا
على أسس جديدة وكادر بشري جديد له انتماء مشترك لأفريقيا و"إسرائيل"،
ففي السنين المقبلة ستقود النشاط الإسرائيلي في أفريقيا عناصر سمراء
من أصول أفريقية.
- عوامل
خارجية ساهمت في دعم الوجود الإسرائيلي في أفريقيا مثل تشجيع الدول
التي استعمرت القارة «فرنسا ـ بريطانيا ـ البرتغال.. الخ» وتهيئة
القارة لقبول "إسرائيل" بدأ بالسماح لها بفتح قنصليات لها في مدن
أفريقية قبل الاستقلال وإعطائها حرية الحركة من وإلى هذه الدول إضافة
للتسهيلات التي قدمت لها خدمة لمصالحها، فقد استثمرت "إسرائيل" نفوذ
الدول الاستعمارية القديم والحديث لدعم علاقاتها مع دول أفريقيا وما
يؤكد هذا القرار الذي اتخذته السوق الأوروبية المشتركة بأن تكون
"إسرائيل" مقراً لتدريب المبعوثين القادمين من الدول الأفريقية وسعي
الولايات المتحدة لإدخالها في أفريقيا عبر وكالات الأمم المتحدة
المتخصصة(4).
عدا عن ذلك
نجد أن "إسرائيل" تربط إيديولوجياً وحركياً بين الصهيونية وحركة
الجامعة الأفريقية والزنوجية وذلك من خلال التعامل بخصوصية مع
أفريقيا عدا عن تعمدها التعامل مع جماعات أفريقية بعينها تدعيماً
لاستمرارها في السلطة إن كانت حاكمة أو توسيعاً لدورها في نشر حالة
عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول الأفريقية.
ويرى
الباحثون أن هذه الخصوصية تنطلق من عدة أوجه منها الزعم بخضوع كل
اليهود الأفارقة من «الزنوج» لاضطهاد مشترك فكلاهما ضحايا للاضطهاد
وللاثنين ماض مؤلم، وضحايا للتمييز العنصري، كما أن الشعب الأفريقي
عانى من المآسي مثلما عانى اليهود ويشير موسى ليشم الذي كان رئيساً
للإدارة الأفريقية في الخارجية الإسرائيلية إلى أن العلاقات القوية
التي تطورت بين "إسرائيل" وأفريقيا إنما تتصل بالروابط التي قامت بين
اليهود والأفريقيين، فجذور التعاطف بينهما تمتد أساساً في أن المدنية
السائدة اعتبرت اليهود والزنوج أجناساً منحطة على حد سواء وأن
التجربة التاريخية والنفسية متشابهة بينهما وتمثلت في تجارة الرقيق
وذبح اليهود، وهذا التماثل ليس ذا طبيعة تاريخية أو مجردة فقط بل
يتأكد من خلال التطلع اليهودي لتجديد الوجود القومي(5).
ويمكن
الإشارة إلى أن الروابط الإسرائيلية الأفريقية قد توحدت بشكل أعمق في
العقدين الأخيرين وهذا ما يفسر كون المخطط الإسرائيلي في أفريقيا
وأبعاده وأهدافه تعمق وتعزز المصالح الإسرائيلية في أفريقيا على حساب
تهديد السلامة الإقليمية لبعض الدول الأفريقية مثل (السودان
ونيجيريا) من جهة، كما تعمل على تكريس التفرقة العنصرية ضد بعض
الشعوب الأفريقية من جهة أخرى (6).
هوامش:
1 - ناحوم
غولدمان: «إسرائيل إلى أين» ترجمة د. سخي خوري «بيروت ودمشق ـ دار
الشرق العربي الكبير 1985» الصفحات 28، 31/ 110، 111 .
2 - نقلا عن د.
عواطف عبد الرحمن، وحلمي شعراوي، م س ذ، ص12 .
3 - التغلغل
الإسرائيلي في أفريقيا - مركز زايد للتنسيق والمتابعة مرجع 10115.
4 - المصدر
السابق.
5 - يشوع رش:
إسرائيل وأفريقيا - من الفكر الصهيوني المعاصر (بيروت: مركز الأبحاث
- منظمة التحرير الفلسطينية 1986) ص 407 .
6 - د. السيد
على أحمد فليفل: «الأصول التاريخية للتفرقة العنصرية في جنوب
أفريقيا، دراسة في كتاب: النظام العنصري في جنوب أفريقيا بين النظر
والممارسة، (القاهرة: مركز اتحاد المحامين العرب للبحوث والدراسات
القانونية، 1978) ص20 .
|