الفلاشا مرة ثالثة من أثيوبيا لـ"إسرائيل"
محمـد أبو
الفضـل
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 27/1/2004
إذا كانت
الاتهامات المتبادلة بين أريتريا وكل من أثيوبيا والسودان مفهومة في
أبعادها وأسبابها السياسية، فان مضامينها الجديدة تشير إلى دخول
العنصر الإسرائيلي عليها من نواح متباينة. وهو ما يؤكد أن التكهنات
بشأن اهتمام "إسرائيل" بالقرن الأفريقي ومنطقة شرق أفريقيا برمتها
أصبح هناك دلائل ملموسة تدعمه، إذ من الشائع أن ثمة حضوراً
إسرائيلياً، لكنه ظل في حدود التخمينات التي لا تستند إلى أدلة
قاطعة. لكن خلال الأيام والأسابيع الماضية ظهرت بعض التجليات التي
قلبت التخمينات إلى وقائع قابلة لمزيد من التطورات في الفترة
القادمة.
فقبل أيام
أوضح مسؤول دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الأريترية
أن السودان اتفق مع أثيوبيا على ترحيل 18 ألفاً من يهود الفلاشا إلى
"إسرائيل" عبر أراضيه، وأكد أن بلاده تملك أدلة على هذا الاتهام. ما
يتفق مع ما سبق أن قام به الرئيس السوداني جعفر نميري في هذا المجال.
ومع نتائج الزيارة التي قام بها أخيراً سلفان شالوم وزير خارجية
"إسرائيل" لأثيوبيا، حيث أشارت إلى رغبة تل أبيب في استكمال تهجير ما
تبقى من الفلاشا إليها. وفي هذه الأجواء اتهمت بعض الدوائر السودانية
أسمرة بدعم المتمردين في دارفور بمعلومات ومساعدات إسرائيلية. الأمر
الذي أصبح يثير تساؤلات وتوقعات مختلفة حيال النتائج المنتظر لهذه
الشبكة من التداخلات السياسية.
الوقائع أن
زيارة شالوم ولقائه مع موسيفين رئيس وزراء أثيوبيا تنطوي على عدد
كبير من الدلالات المهمة. فقد جاءت في وقت تجدد فيه الحديث حول اتساع
نشاط "إسرائيل" في المنطقة ومساعيها الدائبة للاستفادة من السيولة
السياسية والأمنية العالية في بعض دولها، لتوثيق علاقاتها الإقليمية
وتمتين مصالحها الاقتصادية وترسيخ أهدافها الاستراتيجية. وفي أول
زيارة لوزير خارجية "إسرائيل" لدولة أفريقية منذ أكثر من عشر سنوات.
صاحبه فيها 30 رجل أعمال ويمثلون 20 شركة إسرائيلية لتوطيد التعاون
الاقتصادي بشكل خاص، لاسيما أن صادرات التكنولوجيا لأثيوبيا شهدت
العام الماضي زيادة بنسبة 500%. ما يعني أن هناك آفاقاً واعدة في
المجالات الاستثمارية الأخرى.
وتكشف بعض
عناوين الزيارة العريضة أن علاقات "إسرائيل" مع بعض الدول الأفريقية
أضحت تجرى في العلن، بخلاف المرحلة الماضية التي راج فيها الجدل
واللغط، بسبب السرية التي كانت تحيطها، انطلاقاً من حسابات إقليمية
وعربية متباينة. وإذا كانت الجرأة التي تصاحب العلاقات الأفريقية مع
"إسرائيل" حالياً تؤكد أن هناك تغيرات حدثت وتحولات إقليمية متوقعة،
فإنها يمكن أن تضع حدوداً للتخمينات بشأن طبيعتها وآفاقها المستقبلية
بشكل يتسم بالوضوح أكثر من ذي قبل.
دلالات رمزية
حملت جولة
شالوم الميدانية في منطقة جوندار التي يقطنها الفلاشا بشمال أثيوبيا
دلالة رمزية تشي بحفاوة "إسرائيل" الظاهرة بهم، والتي عكستها رغبة
شالوم نفسه في نقلهم جميعاً في أقرب وقت ممكن. وهو ما تتحسب منه
أثيوبيا، ليس لأنها معترضة على خطوة من هذا النوع، لكن لأن ذلك قد
يرخي بظلال سلبية على علاقاتها مع بعض الدول العربية التي شهدت
انفتاحاً لافتاً في الآونة الأخيرة. وتبدو أديس أبابا أكثر حذراً من
نتائج الهجرة الجماعية في هذه المرة. لذلك عطلت محاولة إسرائيلية في
هذا الاتجاه العام الماضي، لأن هجرة آلاف الفلاشا عامي 1948 و1991
أدت إلى زيادة حساسية علاقاتها مع بعض دول الجوار العربية، لا تريد
تكراره، في وقت تعاني فيه من مشكلات سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة.
وبالتالي
فموافقة الحكومة الأثيوبية على هجرة الفلاشا سريعاً، كما تريد
"إسرائيل"، سوف تشير إلى حدوث نقلة عميقة في توجهاتها الإقليمية.
ويعيد للأذهان ما يتردد منذ فترة إزاء تعاونها مع "إسرائيل" في عدد
من المجالات الحيوية. ويدخلها في سباق مع أريتريا في أيهما يستحوذ
على علاقات أكثر متانة معها. فهناك أحاديث متناثرة حول لجوء حكومة
أسمرة لتوثيق تعاونها مع تل أبيب لمساعدتها في الخروج من مأزقها
المعقد حالياً. وربما يكون هذا الطريق هو الخيار الوحيد أمامها
لمكايدة أثيوبيا والضغط على السودان، بعد اهتزازها أمام الإجراءات
الأثيوبية الناجحة وضعف المساومة بورقة المعارضة السودانية.
والحاصل، أن
الإشارة لهجرة الفلاشا يتوافق مع جملة من التطورات على الساحة
الإسرائيلية الداخلية، حيث تزايد تكرار الاجتهاد في عدد من الأوساط
حيال مخاطر الخلل الديموجرافي وارتفاع احتمالات تكاثر نسب المواطنين
من أصول فلسطينية. الوضع الذي يؤثر على مزاعم المخططات الإسرائيلية
لتكوين دولة يهودية خالصة. في ظل تواصل انخفاض أعداد المهاجرين
لإسرائيل في العامين الأخيرين، بسبب أجواء التصعيد التي تخيم على
المنطقة بفعل الممارسات الإسرائيلية. فضلاً عن زيادة معدلات الهجرة
العكسية إلى خارج "إسرائيل"، التي تساهم حصيلتها في ترسيخ المخاوف من
الخلل المتوقع. كما أن تراجع الاعتماد على الأيدي العاملة الفلسطينية
أخيراً، من جراء إنشاء جدار الفصل العنصري وإحكام سياسية الحصار
والتجويع وتدشين مخططات فك الارتباط، يتطلب توفير أيدي عاملة بديلة
ورخيصة ربما يكون الفلاشا هم الحل في هذه الزاوية الذي يتكفل بإيجاد
مخرج من هذا الموقف المعقد. علاوة على ترتيبات توسيع المستوطنات في
الأراضي الفلسطينية المحتلة وهضبة الجولان السورية التي تحتاج إلى
تعميرها بالمستوطنين الجدد (الفلاشا). خاصة أن بعض التجمعات
الاستيطانية تعاني من فراغ سكاني لافت للانتباه. أصبح موضع حرج
لحكومة شارون اليمينية التي تواصل بناء المستوطنات وتتركها غير
مأهولة بالسكان. ويجعل تحمل مشاكل الفلاشا الاجتماعية ثمناً ضئيلاً،
مقابل المكاسب التي يمكن أن يحققها تهجير هؤلاء. فالمعروف أن المجتمع
الإسرائيلي يموج بسلسلة من التناقضات والفواصل التي تنخر فيه بهدوء.
لكن تداعياتها لم تظهر بوضوح بعد، بسبب مناخ التصعيد والتوتر الذي
تقوده "إسرائيل" مع الفلسطينيين ويغطي على نتائجها السلبية.
خريطة سياسية جديدة
من جهة أخرى،
يأتي الكلام عن ترحيل آلاف الفلاشا في خضم إشارات ومعلومات متفرقة عن
إعادة ترسيم علاقات "إسرائيل" بعدد من الدول الأفريقية، والاستفادة
من المتغيرات التي حدثت في أدبيات الصراع بين العرب و"إسرائيل" وميل
معظم دول القارة السمراء للتعامل ببرجماتية مع المستجدات الإقليمية
والدولية والتخلي عن الثوابت التي حكمت آليات التعاطي مع "إسرائيل"
طوال السنوات الماضية. كما أن هذا الاهتمام يتزامن مع تقديرات بعض
الدوائر الأميركية لإعادة ترتيب كثير من مكونات الخريطة السياسية في
أفريقيا. وقيام الإدارة الأميركية بالانخراط في بعض أزماتها الدقيقة
ومشكلاتها المزمنة، خاصة في قضية جنوب السودان التي أضحت تستحوذ على
اهتمام لافت من قبل واشنطن. وقد بدا أن هناك إعلاءً من شأن الدولة
الأثيوبية في المنظومة الغربية بعامة (زيارة شرودر أخيراً لأديس
أبابا) والأميركية بخاصة لتكون محوراً لارتكاز عدد من التحركات خلال
الفترة المقبلة. وكذلك رواج بعض التكهنات بوجود دور لإسرائيل في حض
كينيا على عدم الاعتراف بالواقع الذي فرضته اتفاقية 1929 التي تنظم
حصص المياه بين دول حوض النيل، مما تسبب في توتير علاقات نيروبي مع
القاهرة. بالإضافة إلى ملامح الاهتمام الإسرائيلي بالكونغو
الديمقراطية عبر استخدام سياسة الأداتين، أي الحوار مع والدعم لكل من
الحكومة والمعارضة وزيادة نسبة الاستثمارات هناك.
وإذا كانت
هذه التطورات المتسارعة تحقق لإسرائيل مجموعة من الأهداف، فإنها تفرض
على الدول العربية عدم التهاون في مواجهتها. لأن الافتقار لأجندة
عربية للتعامل معها يفضي إلى تكريسها كأمر واقع ويشجع "إسرائيل" على
توسيع وتيرتها وزيادة نطاقها في المجالات المختلفة. وهو ما يعزز في
النهاية من استئثارها بالساحات الإقليمية، ويقود إلى إبعاد أي دور
للدول العربية في التصدي للمشكلات التي يمكن أن تتفجر على خطوط
التماس مع أفريقيا. ولعل الغياب العربي الواضح في المسألة السودانية
شاهد على هذا الاستنتاج حالياً. وتتأكد صعوبة مواجهة النتوء والثغرات
التي سوف تظهر على أثر التحولات المتوقعة في عدد من الدول الأفريقية
قريباً.
|