الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الحسابات الجنائزية

 

د. عبد الوهاب المسيري 

صحيفة الاتحاد الإماراتية 6/3/2004

 

بادئ ذي بدأ لابد من التأكيد على أن الإبادة النازية ليهود أوروبا هي جريمة بشعة ضد الإنسانية جمعاء بأية مقاييس، وأنها جزء لا يتجزأ من نمط إبادي غربي يمتد من القرن السابع عشر (إبادة ملايين الهنود الحمر في الأمريكتين) حتى القرن العشرين (إبادة الملايين في الكونغو وفيتنام والجزائر والشيشان)، وأنه لا ناقة ولا جمل للعرب أو المسلمين في هذه الإبادة النازية لليهود، وأن انشغالنا بهذه القضية ناجم عن أنها تُوظف لتبرير جرائم الغرب ضدنا. فالعالم الغربي يدعي أن فلسطين أُعطيت ليهود أوروبا تعويضاً لهم عما حدث في معسكرات الإبادة النازية، وهذا بطبيعة الحال كذب وافتراء. فوعد بلفور صدر عام 1917 قبل واقعة الإبادة بعشرات السنين، وإذا كان الهدف هو تعويض اليهود عما حل بهم من بطش ألمانيا النازية، فلماذا لم تمنحهم الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية أجود قطعة من ألمانيا لينشئوا فيها دولة لهم؟

 

وقد يظن المرء لأول وهلة أن كل القضايا المرتبطة بالإبادة النازية مثل عدد الضحايا اليهود، وهل يبلغ ستة ملايين بالفعل أم أنه أقل من ذلك بكثير، هي قضايا حُسمت تماماً في الأوساط العلمية. والأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهناك دراسات علمية، ذات مقدرة تفسيرية معقولة، تبين أن هذه قضايا خلافية، وهي دراسات تطرح وجهة نظر قد تكون متطرفة أو خاطئة (والوصول إلى قدر من الحقيقة في مثل هذه الأمور الخلافية أمر جد عسير)، إلا إنها تدلل على وجهة نظرها من خلال الأرقام والحقائق والمعلومات.

 

ولكن الإعلام الغربي والصهيوني يُهاجم هذه الدراسات بشدة، ويشجبها بعصبية واضحة، ويهيج ضدها بطريقة غوغائية، ويوجه الاتهام لكل من تسول له نفسه أن يثير الشكوك حول موضوع الملايين الستة حتى لو كان من العلماء المتخصصين، رغم أن هناك دراسات كتبها علماء إسرائيليون يُعبرون فيها عن شكوكهم بخصوص رقم الستة ملايين.

وقبل الخوض في هذا الموضوع الخلافي الشائك، لابد وأن نؤكد مع روجيه جارودي التزامنا بالقيم الأخلاقية المطلقة، فليس الغرض من مناقشة الموضوع "القيام بعملية حسابية جنائزية" لعدد ضحايا الإبادة النازية لليهود، أو مسك دفاتر حسابية مؤلمة؟ فهذا يشكل سقوطاً في العقلية التكنولوجية والعقلانية المادية، فقتل إنسان برئ واحد، سواء كان يهودياً أو غيره، هو جريمة ضد الإنسانية. وكما ورد في الذكر الحكيم (مَنْ قتلَ نفْسَاً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنما قتلَ الناسَ جميعاً) (سورة المائدة، 32).

 

وتوجد على معسكر أوشفيتس (وهو أحد معسكرات الإبادة) لوحة كُتبت عليها عبارة تقول إن أربعة ملايين شخص لقوا حتفهم في أوشفيتس. ولكن هناك عالماً متخصصاً في ظاهرة الإبادة النازية ليهود أوروبا يؤكد أن عدد من لقوا حتفهم في أوشفيتس ليس أربعة مليون بل مليونين فحسب. فمن هو هذا الشخص؟ هل هو روجيه جارودي، أم أحد المتحدثين العرب، أم أحد المعادين لليهود واليهودية؟ ولماذا لم يتهمه أحد بالعداء للسامية؟ ولماذا لم يقدم للمحاكمة؟ الإجابة بسيطة فصاحب التصريح هو (يهودا باور)، وهو ليس شخصاً عادياً وإنما أحد أهم مؤرخي الهولوكوست في "إسرائيل" ويرأس قسم دراسات الهولوكوست في معهد دراسة يهود العصر الحديث في الجامعة العبرية، ويُوصف بأنه عدو شرس لكل من ينكر حادثة الإبادة النازية ليهود أوروبا. وقد ورد تصريحه في صحيفة "نيويورك تايمز" منذ حوالي عشر سنوات. ويساند باور في موقفه (يسرائيل جاتمان)، وهو محرر موسوعة من أربعة مجلدات عن الهولوكوست، ويُعتبر مصدراً أساسياً للمعلومات لأنه قاد المقاومة اليهودية في أوشفيتس. ويؤكد باور أن مؤرخي الهولوكوست رفضوا أعداد الضحايا المبالغ فيها، ولكن الأعداد الحقيقية التي تقل عنها بشكل ملحوظ لم تصل قط إلى الرأي العام. كما وافق إيلان ستاينبرج، المدير التنفيذي للمؤتمر اليهودي العالمي، على الإحصائيات التي تقلل من عدد الضحايا اليهود، وأضاف أن معظم العلماء قبلوا بهذه الإحصائيات، وأن تكرار الادعاءات القائلة إن عدد الضحايا اليهود في أوشفيتس كان أربعة ملايين جعل كثيراً من اليهود يقبلون الرقم الزائف.

 

وطرحت صحيفة "نيويورك تايمز" السؤال التالي: لماذا يصر (يهودا باور) على تأكيد أن عدد من لقوا حتفهم في أوشفيتس أقل بكثير مما تزعمه بعض الأدبيات الصهيونية. ويرد باور قائلاً: إن "دور المؤرخ هو أن يقول الحقيقة، ويقاوم إغراء خلق الأساطير، بل عليه أن يختبر كل الأساطير، وإن كان من الضروري كشفها، فعليه أن يفعل. والحقيقة في هذه الحالة بشعة بما فيه الكفاية. ولهذا فالمبالغة في عدد الموتى ستكون بمثابة زاد لمن ينكرون الهولوكوست، فهم يعرفون كيف يجمعون الأرقام، وإذا أضافوا الأربعة ملايين إلى أعداد الموتى في أماكن أخرى فإن عدد ضحايا الهولوكوست سيزيد عن ستة ملايين.

 

وقد أثارت تصريحات باور ضجة كبيرة في الدولة الصهيونية، وتلقى كثيراً من الخطابات والمكالمات التليفونية التي تقول: "لماذا يدلي هذا الرجل بهذه التصريحات التي تؤكد أن عدد اليهود الذين لقوا حتفهم في أوشفتس أقل مما هو معلن؟" وكأن قول الحقيقة أمر مشين، خاصة حين تُوظّف الأساطير في قمع الآخرين.

 

إلا إن باور يصر على موقفه من الأسطورة الصهيونية الزائفة عن أعداد الضحايا، بل ويقدم الأدلة على زيف أسطورتين أخريين، وأولهما تصوير الأغيار بأنهم كانوا معادين لليهود ولم يقدموا لهم يد المساعدة أثناء الاضطهاد النازي. ويعلق باور على ذلك بقوله "إن هذا هراء، مجرد هراء"، ففي عدة بلدان أنقذ السكان المحليون أفراد الجماعات اليهودية. ورغم أن بعض الشعوب ساعدت النازيين، كما حدث في النمسا، فإن البعض الآخر ساعد اليهود وآواهم كما حدث في بلغاريا، خصوصاً في أوساط المسلمين، وفي الدنمارك وفنلندا ورومانيا وإيطاليا وهولندا. وفي فرنسا سُلم خمسة وسبعين ألف يهودي للقوات النازية، ولكن أضعاف هذا العدد حظوا بالحماية في الوقت نفسه. كما رفض عاهل المغرب محمد الخامس تطبيق القوانين النازية على يهود المغرب رغم مطالبة حكومة فيشي الفرنسية بذلك. ولا يمكن أيضاً تجاهل جهود الحكومة السوفيتية في نقل مئات الآلاف من اليهود بعيداً عن المناطق التي احتلها النازيون، رغم تحالفها في بداية الأمر مع هتلر. وتتجاهل التواريخ الصهيونية كل هذا، تماماً مثلما تتجاهل العلاقة الفكرية والفعلية بين النازية والصهيونية والقيادات الصهيونية التي تعاونت مع النازيين. أما الأسطورة الأخرى فهي مقارنة العداء لليهود واليهودية في الوقت الحاضر بالإبادة النازية لليهود، ويقول باور: إن هناك عناصر نازية في العداء الحديث لليهود واليهودية، ولكن هناك اختلافات جوهرية بينهما. ولذلك ينبغي توخي الحذر من المقارنات السطحية.

والله أعلم.