الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الخطاب الصهيوني المراوغ: فك الشفرة

 

د. عبد الوهاب المسيري

مفكر - مؤلف الموسوعة الصهيونية

صحيفة الاتحاد الإماراتية 26/7/2003

 

الخطاب الصهيوني، كما أسلفنا في مقالاتٍ سابقة، يتسم بعدم التجانس والإبهام والمراوغة نظراً لاستخدامه آليات أسلوبية عديدة مثل استخدام أسماء مختلفة لنفس المسمى، أو كلمات لها معنى مبهم تخبئ التحيزات والمفاهيم الصهيونية العنصرية، أو ترك فراغات عديدة داخل الخطاب، أو استخدام اعتذاريات وديباجات متنوعة.

وإذا كان جوهر المراوغة هو فصل الظاهرة عن سياقها التاريخي والمعلومة عن النمط الذي تنتمي إليه والسبب عن النتيجة، فإن فك شفرة أي نص صهيوني يتطلب أن نفعل العكس، فنتجاوز الأوهام والأكاذيب، ونقرأ ما بين السطور، ونملأ الفراغات، ونحاول التوصل للمعنى الحقيقي للمصطلحات والمفاهيم المتحيزة الكامنة خلفها، ونحدد العلاقة بين الأسماء والمسميات وبين السبب والنتيجة. ويمكن أن يتم هذا من خلال عملية تفكيك وإعادة تركيب، فالتفكيك هو استدعاء حقائق الماضي والحاضر التاريخية والإحصائية ومضاهاة الادعاء الصهيوني بالواقع، أما التركيب فهو ربط الأسباب بالنتائج والظاهرة بالسياق التاريخي والمعلومة بالنمط.

وثمة خطوات عديدة لإنجاز هذه المهمة، من أهمها ما يلي:

- استعادة الثقة بالذات: لعل أولى الخطوات لفك شفرة الخطاب الصهيوني هي استعادة الثقة بالذات ونفض غبار الهزيمة. ولنتذكر الانتصارات العربية على العدو الصهيوني، في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، ثم في جنوب لبنان. وهناك انتفاضة عام 1987 وبعدها انتفاضة الأقصى، اللتان تركتا أعمق الأثر على التجمع الصهيوني. ومن شأن هذا الإحساس بالثقة أن ينأى بالباحثين عن قبول تعريفات ومصطلحات وادعاءات العدو عن نفسه أو عن أنفسنا، وأن يدفعهم إلى وصف الواقع كما نراه نحن لا كما يراه العدو، ثم الانطلاق بعد ذلك إلى تفسيره.

- عدم قبول الصيغ اللفظية الشائعة الجاهزة: يجب الحذر من مصطلحات وعبارات مثل عملية السلام والحوار وستة ملايين، فهي مصطلحات وعبارات نجح الصهاينة في إشاعتها كما لو كانت بديهيات، فيجب رفضها أو إعادة تعريفها أو التحفظ عليها كأن نقول الحوار في إطار قبول الشرعية الدولية وهكذا.

- رفض الثنائيات المتعارضة: يجب أن يبتعد الباحث عن السقوط في الثنائيات المتعارضة الاختزالية التي تقسم كل الظواهر إلى سالب وموجب، قابل ورافض، صقور وحمائم··· إلخ. ولعل أحد المثالب الأساسية للخطاب السياسي العربي هو سقوطه في الثنائيات المتعارضة التي استوردها من العلوم الطبيعية من خلال المراجع الأجنبية. فالواقع الإنساني، بما يتضمنه من ثغرات واستمرار وانقطاع، أكثر تركيبية ورحابة وأقرب إلى قوس قزح تتداخل فيه الألوان برغم استقلالها، لا توجد له بداية حادة ولا نهاية حادة ولا حتى وسط مطلق. ومع هذا توجد نقطة تركز للظاهرة يمكن أن يجتهد الإنسان في اكتشافها، ولهذا يدعو النموذج التركيبي إلى رصد الواقع من خلال متصل مستمر من المقولات المتداخلة التي لا تكون بالضرورة سالبة أو موجبة. وعادةً ما تكون هذه المقولات الوسطية أكثر تركيباً ودلالة من المقولات المتطرفة، كما أنها تعبر عن نفسها من خلال مصطلحات جديدة استبعدها الصهاينة والمعادون لليهود. فبين ثنائية الرفض اليهودي للصهيونية والإذعان اليهودي لها يوجد التملص اليهودي منها، وبين العداء لليهود والتحيز لهم يوجد التحامل عليهم وعدم الاكتراث بهم.

- التمييز بين المصطلح والمفهوم الكامن وراءه: يجب أن يدرك الباحث أن المصطلح يختلف عن المفهوم الكامن وراءه، ولهذا عليه أن يلجأ إلى سبل كثيرة للوصول للمفهوم الكامن، وهي سبل تختلف من مصطلح لآخر. فهناك مصطلحات مبهمة وأخرى تجتزئ من الواقع ما يخدم الرؤية الصهيونية. وهناك مصطلحات تعبر عن أكاذيب، وأخرى عن أمنيات وثالثة عن مخطط يود الصهاينة تنفيذه ويمكن التصدي له وإفشاله. ولعل من أهم الطرق للتوصل إلى المفهوم الكامن تعريض المصطلح للواقع التاريخي المباشر، ووضعه في سياقه الحقيقي وداخل نمط متكرر. ففي مقابل الادعاء الصهيوني بأن اليهود يشكلون شعباً واحداً يجب الرجوع إلى حقائق التاريخ ورصد مظاهر عدم التجانس بين أعضاء الجماعات اليهودية، والذي تزايد على مر الأيام حتى أصبح سمةً أساسية لهذه الجماعات.

- تعريف مرجعية المصطلح: يحاول العدو دائماً استخدام مصطلحات عامة مثل السلام والتطبيع ويتجاهل مرجعياتها، أو فرض مرجعيات صهيونية عليها. ولذلك يجب أن يحاول الباحث تحديد مرجعية المصطلح كما يستخدمه العدو، ثم تحديد مرجعيته من وجهة النظر العربية المضادة.

- إدراك البعد الاستيطاني: الجيب الصهيوني هو جيب استعماري استيطاني إحلالي، وهذه هي حقيقته التاريخية القائمة ومرجعيته النهائية التي يحرص على إخفائها. وعلى الباحث أن يستخدم دائماً كلمة استيطاني أو استعماري أو محتل فهذه المصطلحات تستدعي المرجعية النهائية وتذكر بحقيقته.

- البحث عن نصوص صهيونية دالة: من أسهل السبل لفك شفرة الخطاب الصهيوني العثور على نصوص صهيونية تفصح عن وجه الصهيونية الحقيقي، ومثل هذه النصوص موجودة وبكثرة في الكتابات الصهيونية التي نُشرت قبل تأسيس الدولة، وخاصة كتابات من يوصفون بالتطرف مثل جابوتنسكي وشارون.

- التدليل من خلال الواقع الصهيوني: المصطلحات الصهيونية هي محاولة للتغطية على المجازر الصهيونية وعلى فعل الاغتصاب الصهيوني، ولهذا ينبغي التدليل من خلال الإشارة إلى السلوك الصهيوني والواقع الذي تشكل من خلال الغزو.

- اصطلاحية المفردات الصهيونية: يجب التنبه إلى أن المفردات التي ترد في نص صهيوني عادةً ما يكون لها مضمون مختلف تماماً حين ترد في نص سياسي عادي. فكلمة ديمقراطية تعني ديمقراطية المستوطنين وكلمة حقوق تشير إلى حقوق المستوطنين، وهكذا.

- البعد عن المقولات التحليلية ذات الأصل الإنجيلي: يجب عدم الخلط بين ما جاء في التوراة وما حدث في التاريخ، فالخطاب الإنجيلي يرى اليهود باعتبارهم شعباً بلا سياق تاريخي محدد، يتسم بالتماسك والوحدة بشكلٍ مطلق، وهذه مقولات دينية لها شرعية داخل سياقها الديني، ولكن حين تُنقل إلى السياق التاريخي الزمني، فإنها تصبح المقولات الصهيونية التي تعطي اليهود حقوقاً مطلقة في فلسطين.

- تأكيد البعد التاريخي والنسبي للظواهر اليهودية والصهيونية: يجب عدم السقوط في مقولات عامة مطلقة مثل إن اليهود كانوا دائماً عبر التاريخ عباقرة أو مجرمون، فمثل هذه المقولات ليست لها قيمة تفسيرية أو تحليلية، وعليه، أن يُنظر دائماً لليهود باعتبارهم جماعات موجودة في الزمان والمكان تتفاعل معه وتتأثر به، وليس كجماعة بشرية متفردة لها طبيعة ثابتة.