من فجر فضيحة الليكود.. ولماذا؟
الحسابات الانتخابية للعلاقات الإسرائيلية -
الأمريكية
بقلم: د.
محمد السيد سعيد
نائب مدير
مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
صحيفة
الأهرام 22/1/2003
سيكون من
الممكن لشارون وحزبه الفوز في الانتخابات المقبلة في 28 يناير
الحالي، ولكن بأغلبية نسبية ضئيلة قد تكفي لبقائه في الحكم لفترة
تحددها قوى مختلفة، وعندما يكون مناسباً إسقاط شارون لصالح صيغة
حكومية جديدة.
قد يكون في
ذلك إجابة على الشق الثاني من السؤال، فتلك الإجابة تتفق مع نمط
تاريخي للسياسة الداخلية في "إسرائيل" فأغلبية الفضائح كانت تثور
قبيل الانتخابات العامة، وكذلك كثيراً ما سقطت حكومات إسرائيلية
بفضل فضائح تفجرت في الوقت المناسب ومن دبر تفجير الفضيحة الأخيرة
كان يعلم ماذا يريد ويبدو أنه حسبها بدقة.
فمن يا ترى
هو العقل المدبر لتلك الفضيحة؟ لايمكن تعيين الفاعل بالتلبس،
وغالباً ما يفضي التحليل الظرفي إلى نتائج احتمالية في أفضل
الأحوال، وفي جميع الأحوال تكون الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ذاتها
وراء الفضائح وهو مالايفسر بذاته أي شيء، ثمة طريقة أخرى تأملية أو
منطقية تبدأ بالبحث عمن له مصلحة، وقد يبزغ هنا السؤال: هل
للأمريكيين مصلحة؟
مثل هذا
السؤال لايمكن الإجابة عليه إذ يجب أن نسأل أولاً من هم الأمريكيون
الذين قد يضغطون لإنتاج تغيرات معينة مرغوبة بالنسبة لهم داخل
"إسرائيل"، فالإدارة الأمريكية مثلاً ليس لها تراث في استخدام
الفضائح كأسلوب للتدخل غير المباشر في السياسة الإسرائيلية،
وغالباً ما يكفي أن تبدو بعض أعراض التأزم في العلاقات الأمريكية -
الإسرائيلية لكي يفهم الرأي العام الإسرائيلي أن من المربح التصويت
لمصلحة مرشح ما لرئاسة وزراء الحكومة.
وعندما نتحدث
عن الإدارة، في هذا السياق، يجب أن نحصر المعنى المقصود في قمة
الادارة: أي الرئيس ومساعدوه الكبار من وزراء ومستشارين ورؤساء
هيئات أمنية وتنفيذية عليا فاستخدام أي رئيس أمريكي لمثل هذا الأسلوب
في التدخل هو مخاطرة كبرى قد تعرضه لضربات مضادة من جانب كثرة من
الفعاليات السياسية الصهيونية في الولايات المتحدة.
ومع ذلك فلا
يمكن قط استبعاد أن تقوم جهات أو قوى معينة أوحتى أفراد داخل جهاز
الحكم الفيدرالي، أي الإدارة بالمعنى الواسع، بإشعال فتيل فضيحة
سياسية في "إسرائيل" من خلال تسريب معلومات أساسية للإعلام ويستخدم
هذا الأسلوب على نطاق واسع من جانب أطراف غاية في التباين داخل
الأجهزة الفيدرالية للتأثير في السياسة الداخلية أو على قرارات
استراتيجية أو على المستقبل السياسي لشخصيات سياسية كبرى في الولايات
المتحدة ذاتها.
وقد كثر
استخدام أسلوب التسريبات دون نجاح كبير خلال العام الماضي كله
بالارتباط مثلاً بالصراع الدائر بين العسكريين المحترفين من ناحية
وقمة وزارة الدفاع من ناحية أخرى، وبنهاية العام الماضي تم تسريب
أخبار مناسبة حول مسئولية (دونالد رامسفيلد) وزير الدفاع الحالي عن
تسليح صدام حسين خلال عقد الثمانينات أملاً في الإطاحة به، أو ربما
قطع الطريق على سيناريو غزو العراق الذي لايزال بعض العسكريين
يعارضه.
ولكن هناك
جانباً أخر من الصورة فلم يعد من الممكن رسم حدود دقيقة بين ما هو
أمريكي وما هو إسرائيلي عندما يتعلق الأمر بتطورات الموقف من الصراع
العربي ـ الإسرائيلي ومن ثم بطبيعة التحولات السياسية داخل "إسرائيل"
نفسها، ولا يمكن في هذا الاطار استبعاد دور أمريكي في تفجير
الفضيحة الأخيرة ضد شارون مثلاً، ولكن الأرجح أن هذا الدور ينبثق من
داخل السياسات اليهودية وبالتحديد السياسات الصهيونية داخل الولايات
المتحدة.
لكي نفهم هذه
المسألة يتعين علينا أن نلاحظ بروز ظواهر كبرى جديدة في نمط العلاقة
بين "إسرائيل" والسياسات اليهودية في الولايات المتحدة.
*
أولى هذه الظواهر هي حدوث تحول (نسبي) مضاد لاتجاه الحركة
في العلاقة بين الجالية اليهودية الأمريكية و"إسرائيل" فالاتجاه
التاريخي الذي تحقق بفضل الدور الساحق لشخصية بن جوريون في الحركة
الصهيونية هو نقل الثقل المركزي للحركة من الخارج وتحديداً من
الجالية اليهودية الأمريكية إلى "إسرائيل" وبسبب هذا الانتقال تحولت
الحركة الصهيونية خاصة المؤتمر الصهيونية العالمي إلى كيان تابع
لـ"إسرائيل".
وهناك ما
يكفي من المؤشرات للقول بأن عقد التسعينيات قد شهد حركة مضادة بحيث
تحرك مركز الثقل في الحركة الصهيونية العالمية من "إسرائيل" إلى
الجالية اليهودية والحركة الصهيونية في الولايات المتحدة ويجب فهم
هذا الانتقال بمعنى نسبي. فـ"إسرائيل" أو قيادة الدولة لا تزال
تلعب دوراً مهماً، ولكن الدور الذي تلعبه الحركة الصهيونية العالمية
ربما صار أكبر وأكثر ديناميكية ويعود ذلك بكل تأكيد إلى أن مصير
"إسرائيل" نفسه قد صار معلقاً بمسار المعركة السياسية والايديولوجية
داخل أمريكا بأكثر كثيراً مما يتعلق بحالة المجتمع الإسرائيلي. ولو
حدث أن خسر اللوبي الصهيوني هذه المعركة لصارت "إسرائيل" في أفضل
الأحوال دولة عادية أي تابعة في علاقتها بأمريكا وبالنظام العالمي.
ولا يمكن فهم
هذه الظاهرة دون تأكيد مصطلح معركة فرغم مايبدو من هيمنة "إسرائيل"
على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط هناك بداية انتفاضة غير
رسمية أمريكية ضد تبعية أمريكا لـ"إسرائيل" وضد السياسات الإسرائيلية
في الولايات المتحدة خاصة خلال العام الماضي، ولم يحدث قط أن تم
نقد أوحتى فضح الطبيعة الحقيقية لـ"إسرائيل" مثلما حدث خلال العام
الماضي في الإعلام الأمريكي المطبوع بالذات، وبتعبير أخر فرغم أن
"إسرائيل" تقوم بهجوم مضاد كبير لاستعادة مواقعها، فهي في داخل
أمريكا ذاتها تعيش في الحقيقة حالة دفاعية لأول مرة في تاريخها.
*
الظاهرة الثانية: هي تحول التركيبة المؤسسية للحركة الصهيونية
العالمية خاصة في الولايات المتحدة - ففي عقدي الأربعينيات
والخمسينيات لعب المؤتمر الصهيوني والوكالة اليهودية الدور القيادي
ولم يكن من الممكن سوى لأقلية ضئيلة من اليهود في الولايات المتحدة
أو اتخاذ موقف انشقاقي في مواجهة هذه الكيانات، والآن لم يعد
كثيرون حتى من اليهود الأمريكيين يتعرف على تلك المسميات.. فصارت
الإيباك هي الكيان السياسي الرئيسي للحركة الصهيونية الأمريكية،
وعلى الدرجة نفسها من الأهمية صار من الممكن لعشرات من المنظمات
الأصغر وآلاف من الشخصيات اليهودية المهمة في الحياة الأمريكية اتخاذ
مواقف مناهضة للسياسات الإسرائيلية، بل وللمواقف الرسمية الصادرة
عن إيباك. هناك إذن نوع من التحول إلى قدر ملموس من اللامركزية في
الحركة الصهيونية العالمية والأمريكية بصورة خاصة بحيث صارت هناك
طائفة من المنظمات المركزية بمعنى الكبيرة والأكثر تأثيراً وهوامش
مطردة الاتساع وليست بالضرورة محدودة التأثير على الجالية اليهودية
الأمريكية وترتب على ذلك تلقائياً أن قبضة "إسرائيل" على الجالية
اليهودية الأمريكية قد قلت كثيراً جداً عما مضى، وصار على المجتمع
السياسي الإسرائيلي بما في ذلك الجهاز الحاكم أن يعطي أذنه لعشرات من
الفعاليات اليهودية الأمريكية وليس للهياكل شبه التابعة لـ"إسرائيل"
مثل إيباك وحدها.
*
الظاهرة الثالثة: هي تمدد الصراعات الداخلية في "إسرائيل"
أو تشابكها مع الصراعات داخل جميع هياكل وروافد الحركة الصهيونية
الأمريكية، بحيث لم يعد من الممكن في الواقع العملي التمييز بين
الجانبين، فالتيار اليميني في "إسرائي" يدرك أن مصيره متوقف بوجه
عام على تزايد التحول إلى اليمين، فيما يتعلق بالصراع
العربي-الإسرائيلي على الأقل داخل المنظمات الصهيونية الكبيرة وداخل
الجالية اليهودية في الولايات المتحدة بوجه عام، وقد وقع هذا
التحول بفضل انتصار الليكود في انتخابات عام 1977 في "إسرائيل"
ولكنه سريعاً ما اكتسب قوة دفع خاصة به، فصارت السياسات اليمينية
داخل الحركة الصهيونية الأمريكية أكثر أهمية وثقلاً من السياسات
والأحزاب اليمينية داخل "إسرائيل" بل وصارت الأولى تابعة للأخيرة،
فقوة الشد نحو اليمين داخل المنظمات الصهيونية الأمريكية الكبيرة هي
العلة الأكبر وراء التشدد الإسرائيلي فيما يتعلق بالصراع مع العرب
والموقف من الفلسطينيين، بالمقارنة مع ثقل الأحزاب اليمينية داخل
السياسة الإسرائيلية ربما حتى انبثاق الانتفاضة الفلسطينية.
*
الظاهرة الرابعة: هي امتداد منطقي للظواهر السابقة، ونعني
أن التشدد الذي تبديه بعض المنظمات الصهيونية الأمريكية الكبيرة
وتبنيها لسياسات ومواقف اليمين الإسرائيلي، أو حتى مزايدتها على
هذا الأخير قاد إلى اشتداد الصراع والفرز السياسي داخل الجالية
اليهودية، بل وبوسعنا القول إن هذا التحول إلى اليمين الصهيوني قاد
إلى مضاعفة شدة الانشقاق عن هذه المنظمات وعمق الطابع الكفاحي للتيار
الليبرالي واليساري بين اليهود الأمريكيين، خاصة فيما يتعلق بقضايا
الصراع العربي الإسرائيلي.
ومن بين
السمات المميزة لهذا الفرز المتعاظم أن غالبية اليهود الأمريكيين
يعبرون في استطلاعات الرأي عن مواقف تنتمي إلى التيارين الليبرالي
واليساري داخل الحركة الصهيونية وداخل الجالية اليهودية ومنها
الاعتراف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، ولكن يظل التيار
اليميني هو الأكثر والأقوى تأثيراً على الحكومة الأمريكية خاصة
الكونجرس، هذه المفارقة يمكن تفسيرها بما يمكن تسميته الإلزامية
التنظيمية فبينما الأكثرية المعتدلة ليست منظمة بفعالية، فالأقلية
المتشددة تكاد تحتكر النفوذ في الهياكل المؤسسية الكبيرة وذات الخبرة
في الضغط والتلاعب السياسي خاصة إيباك.
*
الظاهرة الخامسة والأخيرة فيما يتعلق بموضوعنا هنا هي تبلور
نوع فريد من التحالف المتوازي والاستقطابي بين اليمين الصهيوني
والحزب الجمهوري من ناحية، والليبرالية الصهيونية والحزب
الديمقراطي الأمريكي من ناحية ثانية، ويجب أن نفهم هذا التمدد أو
التحالف بمعنى نسبي ومرن، فالرئيس الأسبق (جورج بوش) الأب انتهى إلى
تفضيل حكومة إسرائيلية برئاسة رابين برغم أن سلفه (رونالد ريجان) كان
يفضل اليمين برئاسة بيجين وشامير، وبفضل هذا الاستقطاب يمكن القول:
إن الصراع الحقيقي داخل أمريكا، وحول سياسات تسوية الصراع العربي ـ
الإسرائيلي لايدور بين أمريكا و"إسرائيل" ولا بين الحزبين،
فالأمريكيون غير اليهود سلموا بأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
هي أمر يخص الجالية اليهودية بمختلف أقسامها، ولا يستطيع سياسي
أوحتى رئيس أن يخوض صراعاً مع أي طرف صهيوني بنفسه، بل عليه أن
يعبر عن مواقفه بتفويض أحد أطراف اللعبة السياسية الصهيونية، ومن
هنا تبدى الدهاء السياسي الحقيقي للرئيس السابق كلينتون في أنه وظف
الليبرالية الصهيونية في خوض الصراع لمصلحة أمريكا ضد اليمين
الصهيوني، وهذا هو مايفسر توسعه في توظيف الليبراليين اليهود في
السلك السياسي الأمريكي وفي المواقع ذات الصلة بإدارة دبلوماسية
التسوية، وبالمقابل فإن سياسات الرئيس الحالي بوش الابن نحو الصراع
العربي الإسرائيلي تنعكس بدورها في التوسع في تعيين المتطرفين
الصهاينة في هذه وغيرها من الوظائف، ويستطيع من يقبض على الوظائف
المهمة في الإدارة الأمريكية من عناصر الحركة الصهيونية الأمريكية أن
ينقل ثقل أمريكا إلى تأثير محدد داخل السياسة الإسرائيلية - بهذه
الطريقة تمكن الرئيس السابق كلينتون من إسقاط نيتانياهو والمساهمة في
انتصار حزب العمل بقيادة باراك بهدف إنجاح سياسته الرامية لتسوية
الصراع العربي - الإسرائيلي سلمياً.
هل يلعب
الرئيس الحالي بوش اللعبة نفسها لإنجاح سياساته نحو الصراع العربي ـ
الإسرائيلي ولو عن طريق تدبير الفضيحة الحالية؟ تتوقف الإجابة على ما
يريده الرئيس بوش بالضبط، فالقليلون جداً هم من يفهون ما يريده
الرئيس بوش بالضبط، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فتحالفه مع
شارون يبدو أحد محاور استراتيجيته في الشرق الأوسط غير أنه لا يخفي
كذلك أن علاقته بشارون لم تكن بالضرورة مريحة له تماماً، فبوش تعرض
لإهانات علنية كبيرة من شارون خاصة في أثناء الاجتياح الإجرامي للضفة
الغربية في مارس وأبريل من العام الماضي، ومن ناحية أخرى فهناك
مصلحة أمريكية في دفع المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية لتحقيق
نجاح ما في وقت ما من هذا العام.
ومن الناحية
الشكلية على الأقل هناك مصلحة لبوش في إعادة انتخاب شارون وإضعافه في
الوقت نفسه، وبتعبير أخر من مصلحة بوش إجبار شارون على التوقيع على
إتفاق ما مع الفلسطينيين ولو مجرد خطة طريق صاغها اليمين اليهودي
الأمريكي، هل يقدم ذلك تفسيراً للفضيحة الشارونية الأخيرة ؟ الله
أعلم. |