الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الأسئلة حول مكانة بني إسرائيل

في المسطرة التاريخية لفلسطين القديمة

 

بقلم / المهندس خليل أبو عرفة – القدس

 

يثار في السنوات الأخيرة العديد من الاسئلة حول مكانة و دور بني (إسرائيل) في تاريخ فلسطين القديم ، في الوقت الذي كان فيه هذا الموضوع نوعاً من المسلّمات العلمية و التاريخية ، بل و الدينية ، إلى درجة لم يكن من السهل الخوض فيه و إثارة الشكوك حوله .

من هذه المسلّمات ، على سبيل المثال ، ما يدرّس في مادة التربية الوطنية للصف السابع في مدارسنا ، حول المسطرة التاريخية لفلسطين عبر العصور ، حيث يرد فيها إشارة واضحة لمملكة داوود في فلسطين  (1000 - 923 ق. م) و مملكة يهودا (923 - 586 ق.م) ، و كذلك مملكة إسرائيل الشمالية (923 - 722 ق.م) .

إن الدافع الرئيسي وراء هذه الأسئلة المثارة هو تقدّم علوم التاريخ و الآثار و اللغويات و الأديان المقارنة و الجغرافيا إلى درجة كبيرة ، بدأت على ضوئها تتضح تناقضات صارخة بين الواقع التاريخي الأثري الملموس و التاريخ الذي نتداوله و نتوارثه و ندرّسه لأبنائنا .

فالتطور العلميّ بات يسمح بمعرفة تاريخ الأثر الدقيق عن طريق مادة الكربون فيه ، و فكّ رموز الكثير من اللغات القديمة بات يسمح بقراءة النقوش و تحليلها ، و تحليل الفخار و طبقاته و الأدوات المعدنية في منطقة ما ، بات يسمح بإعطاء صورة أوضح عن سكان تلك المنطقة و ماهيتهم .

 

           

التوراة – كمصدر للتاريخ

 

لقد اتضح حديثاً ، أن المصدر "العلميّ" ، الوحيد تقريباً ، و الذي جرى الاعتماد عليه في تفسير تاريخ الشرق الأدنى القديم ؛ مصر و بلاد ما بين الرافدين و بلاد الشام ، بما في ذلك فلسطين ، كان التوراة – العهد القديم و الأسفار الملحقة به ، بتفسيرها القديم الذي يتبيّن يوماً بعد يومٍ أنه يعاني الكثير من الثغرات و العيوب .

و عليه فلقد أعطى هذا التفسير غير الدقيق دوراً محورياً لبني إسرائيل و العبرانيين في الحضارات القديمة منذ بداية الخلق (سفر التكوين) إلى ما قبل ولادة السيد المسيح .

لقد كرّست هذا التفسير سلسلة من ا لجمعيات و البعثات الأركيولوجية متعدّدة الجنسيات بدأت تعمل في فلسطين منذ عام 1865 (صندوق استكشاف فلسطين) . و لقد أشار إلى هذه الجمعيات بالتفصيل الدكتور معاوية إبراهيم – مدير معهد الآثار و الأنتروبولوجيا في جامعة اليرموك - في الموسوعة الفلسطينية - المجلد الثاني 1990 ، و شدّد على هدفها المعلن في اكتشاف البقايا القديمة لممالك بني إسرائيل في فلسطين من أجل تأكيد صحة التفسير المشاع للتوراة .

كان من أبرز الباحثين في آثار فلسطين دعاة علم الآثار التوراتي : عالم الآثار الأمريكي" وليام فوكسويل أولبرايت" الذي ترأس "المدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية" في القدس من عام 1919 حتى العام 1936 ، حيث سميت المدرسة فيما بعد على اسمه ، و قد سار إلى جانبه "بنيامين مازار" مؤسّس الفرع (الإسرائيلي) لعلم الآثار التوراتي ، حيث قاما بإجراء عمليات تنقيب واسعة في مجيدو و عسقلان و نابلس و أريحا و الخليل و القدس و بيسان .

لقد تعامل أولبرايت و معاونوه و تلاميذه بشكلٍ تعسّفي مع كثير من الاكتشافات الأثرية على أساس أنها توراتية ، دون بذل الكثير من الجهد لمعرفة حقيقة هذه الآثار و تاريخها ، و مثال على ذلك آثار الخليل التي تبيّن لاحقاً أنها لا تعود للفترة الزمنية التي يشار إليها في التوراة ، الأمر الذي نسف استنتاجات أولبرايت و دعا البروفيسور زئيف هيرتسوع من جامعة تل أبيب إلى القول صراحة بانهيار أسس مدرسة علم الآثار التوراتية و معظم ما توصّلت إليه من استنتاجات .

 

 

من يثير التساؤلات؟

 

على الرغم من ذلك فقد برز من بين هذه البعثات من وقف موقفاً رافضاً للربط بين الآثار و التوراة : الألماني البرشت ألت و غوردون تشايلد و كاثلين كانيون التي يشهد لها دورها في حقل الآثار الفلسطينية ، حيث عملت ما بين 1952 إلى 1958 و من 1960 إلى 1961 في البحث و التنقيب في أريحا و القدس و خرجت باستنتاجاتٍ جريئة نقضت الفرضيات القائمة على المدلولات التوراتية غير العلمية و لم يلبث جميع الذين خالفوها في البداية أن أعلنوا صواب و موضوعية اكتشافها .

فمن اكتشافاتها أن سور أريحا المكتشف يعود إلى العصر البرونزي القديم ، و أن أريحا لم تكن مسوّرة خلال العصر البرونزي الأخير ، أي زمن يشوع  بن  نون ، و أن ما حسب المنقبون من أسوارٍ و أبراج تعود إلى عهد داوود ، أو من قوس اعتقد روبنسون أنه يعود إلى عهد داوود أيضاً ، هو خطأ ، بل إن جميع هذه المنشآت تعود إلى القرن الثاني الميلادي ، أي العصر الروماني . و نفت أن تكون الأحجار من بقايا الهيكل .

بالإضافة إلى ذلك فقد أثار التساؤلات في الآونة الأخيرة مجموعة من علماء التاريخ المعاصرين و الباحثين الذين يتمتعون بمصداقية عالية في المنطقة و في العالم أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :

1. توماس ل. طومسون : لقد أصدر طومسون ، و هو أستاذ علم الآثار في جامعة "ماركويت" في ميلواكي في الولايات المتحدة الأمريكية ، كتابه الأول : " التاريخ القديم للشعب (الإسرائيلي)" عام 1992 . و في كتابه هذه دعا صراحة إلى "نقض تاريخانية التوراة" أي عدم الاعتماد على التوراة ككتاب لتاريخ المنطقة و الحضارات و إلى اعتماد الحفريات الأركيولوجية و ثروة الآثار الكتابية القديمة كمصادر لإعادة كتابة تاريخ المنطقة .

و في دراسته المنشورة في مجلة "الكرمل" الفلسطينية 2001 تحت عنوان "هل نستطيع كتابة تاريخ فلسطين القديم ؟" دعا إلى بلورة استقلالية المناهج التاريخية و الأركيولوجية عن المجازات اللاهوتية من أجل كتابة علميّة للتاريخ .

    

2. كيث وايتلام : و هو يعمل أستاذاً للدراسات الدينية في جامعة "ستيرلينغ" في سكوتلاندا ، أصدر كتابه "اختراع (إسرائيل) و حجب فلسطين" سنة 1996 في كلّ من نيويورك و لندن في نفس الوقت . و وايتلام يتفق مع طومسون في كثير من الاستنتاجات و يشير إلى أن هناك عمليّة طمس ممنهجة لكثير من الدلالات التاريخية للمكتشفات الأثرية و محاولة لتفسيرها بطريقة مغلوطة  في أغلب الأحيان .

و يركّز وايتلام على البعد السياسي من وراء محاولات الطمس و التفسير المغلوط للتاريخ ، حيث يذكر "أن تاريخ (إسرائيل) المخترَع في حقل الدراسات التوراتية كان و ما زال صياغة لغوية و أيديولوجية لما كان ينبغي أن تكون الممالك اليهودية عليه ، و ليس ما كانت عليه في الواقع" . و هو يرى أن (إسرائيل) الدراسات التوراتية القديمة كانت و ما زالت مصدر شرعية تاريخية للأيديولوجية الصهيونية و دليل استمرارية زمنية و عقارية للدولة اليهودية في فلسطين .    

 

3. عفيف بهنسي : و هو عالم تاريخ سوريّ ، أشار في دراسته المعمّقة بعنوان "حديث الحفريات الأثرية –  فلسطين لم تكن وطناً لبني  إسرائيل" ، و نشرت في مجلة الكتب وجهات نظر آذار 2001 ، إلى مجموعة من الحقائق التي تثبِت أن الحفريات الأثرية المكثفة في فلسطين و الأردن و سورية و مصر للبحث عن شواهد تؤكّد ما ورد في التوراة ، بيّنت للعلماء أن التوراة تاريخ دينيّ ، و أن علم الآثار تاريخ موضوعيّ ، و ليس من علاقة بين أحداث التوراة الدينية و أحداث  التاريخ الحقيقيّة التي تؤكّدها و تكشِف عنها حتى اليوم الحفريات الأثرية و التي تمّت بجهود علماء الآثار العالمييين ، و لم يستطع علماء الآثار (الإسرائيليون)  و منهم سياسيّون تقديم أي دليل يؤكّد التاريخ التوراتي .

و يصف بهنسي ما حصل بأنه "انتصار أثريّ تاريخيّ" أعقب ظهور دراسات تبيّن أن تاريخ التوراة حدث خارج (إسرائيل) حيث إن حركة التاريخ التوراتي لا تنسجم مع جغرافية المنطقة من العراق إلى الشام و حتى مصر .

 

 

منهج د. كمال الصليبي

 

4. د. كمال الصليبي : دكتور التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت و رئيس معهد الدراسات الملكية الدينية في عمان حالياً . لقد أصدر الدكتور الصليبي كتابه الأول حول تاريخ اليهود و فلسطين سنة 1985 بعنوان "التوراة جاءت من جزيرة العرب" ، أتبعه بثلاثة كتب أخرى  حول نفس الموضوع و هي "حروب داوود" و "خفايا التوراة و أسرار شعب بني إسرائيل" و "تاريخانية إسرائيل التوراتية" و الذي  صدر باللغة الإنجليزية تحت عنوان : "The Historicity of Biblical Israel" .

لقد قام الدكتور الصليبي في كتابه الأول بتفنيد المستندات الأثرية التي اعتمد عليها دعاة مدرسة علم الآثار التوراتي في إثبات علاقتهم بالبلاد و تأكيد الروايات  التوراتية ؛ ففي فصل "ما لم يكتشف في فلسطين" يكشف الصليبي التزوير الذي اعتمده أولبرايت في تحليل نتائج حفريات بئر السبع و مناجم النحاس قرب إيلات و النقش الحجري الذي عثِر عليه عام 1880 في سلوان قرب القدس و نقوش تلّ الدوير أو ما يعرَف بنقوش "لاخيش" قرب عسقلان و "النقش المؤابي" ، بالإضافة إلى كشف الخطأ في تحليل سجلات تل العمارنة و التي هي عبارة عن لوحات مسمارية تعود بتاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد اكتشفت في مصر في العام 1887 .

و الخطأ ورد حين تم تفسير الرسائل و التعامل معها على أنها تتعلق بمقاطعات موجودة في فلسطين على الرغم من عدم تطابق الأسماء فيها مع أسماء المناطق هنا ، فقام الدكتور الصليبي بإيراد ثلاثين اسماً لأماكن وردت في الرسائل و أوجد مكانها في الجزيرة العربية ، حيث ما زالت موجودة هناك منذ ذلك التاريخ مع بعض التحوير أحياناً .

و تكمن إضافة الصليبي أنه بالاستناد إلى الدراسة اللغوية لأسماء الأماكن ، و هي ضرب من علم الآثار ، لأن أسماء الأماكن هي في الواقع آثار ، قام بربط بني إسرائيل و الروايات التوراتية عموماً ببيئتها الجغرافية الأولى في الجزء الجنوبي الغربي للجزيرة العربية ، و هو ما يعرف اليوم بمناطق عسير و السراة و جيزان و الحجاز و تهامة ...

و بالنظر إلى غياب الآثار في فلسطين و سيناء و مصر لإثبات علاقة بني إسرائيل بالمنطقة في تلك الفترة ، و التناقض الكبير بين تاريخ و آثار المنطقة هنا مع ما ورد في التوراة ، و وصول الصليبي إلى نتائج منطقية علميّة تتلاءم مع النص التوراتي العبري الأصلي ، فإن نظريته تكتسب أهمية فائقة .

لقد قام الصليبي بإعادة دراسة تاريخ بني إسرائيل على ضوء الواقع الجغرافي الجديد ، و أعاد قراءة التوراة بناء على ذلك . و استنادًا إلى معرفته الواسعة باللغة العبرية القديمة و اللغات السامية القديمة عموماً ، فقد أجاب على الكثير من الأسئلة العالقة في تفسير التوراة و التي لم تجد لها جواباً شافياً منذ زمن بعيد .

فعلى سبيل المثال يذكر الصليبي كلمة "تهوم" التي وردت في التوراة أكثر من ثلاثين مرة ، حيث وردت لها عدة تفسيرات متناقضة حسب وقوعها في النص ، و لم يخطر ببال المفسرين أبداً أن "تهوم" ما هي إلا "تهامة" كما يفسّرها الصليبي حيث يستقيم المعنى حينذاك في النصوص جميعها .

و من المثير للاهتمام في أبحاث الصليبي كذلك ما يتعلّق بتاريخ فلسطين و الشعب الفلسطيني استناداً إلى منهجه الجديد ، فالفلسطينيون لم يقدُموا من جزيرة كريت من بحر إيجة ، بل هم عرب كنعانيون قدِموا من الجزيرة العربية . فهو ينسبهم إلى "فلسة" التي ما زالت تحتفظ بهذا الاسم ، و كريت ما هي إلا "كرث" و هو اسم الواقعة التي خسرها الفلسطينيون في حربهم مع العبرانيين ، الأمر الذي أجبرهم على الانسحاب و السفر عبر "البحر الكبير" الذي هو البحر الأحمر وصولاً إلى فلسطين التي بدأت تحمل اسمهم .

و على غرار هذه الأمثال يسوق الصليبي مئات الأمثلة ، و التي تضيف معلومات جديدة و مثيرة للاهتمام و تفيد بأن تاريخنا القديم و ليس فقط تاريخ بني إسرائيل قد تعرّض لكثيرٍ من التزوير بسبب التفسير المغلوط للتوراة ، و هو ما اصطلح على تسميته بـ "الإسرائيليات" .

 

5. البروفيسور زئيف هرتسوغ : أستاذ قسم الآثار و حضارة الشرق القديم في جامعة تل أبيب . قام هرتسوغ بنشر مقالة جريئة في ملحق جريدة "هآرتس" العبيريّة في تشرين أول عام 1999 ، قال فيها : "إن سكان العالم سيذهلون ، و ليس فقط مواطنو (إسرائيل) و الشعب اليهودي ، عند سماع الحقائق التي باتت معروفة لعلماء الآثار الذين يتولّون الحفريات منذ مدة من الزمن" .

و يصف هرتسوغ ما حصل بأنه : "انقلاب حقيقي في نظرة علماء الآثار (الإسرائيليين) إلى التوراة باعتبارها مصدراً تاريخياً" ، و قال أيضاً : " إن من الصعب قبول هذه الحقيقة ، و لكن من الواضح للعلماء و الباحثين اليوم أن شعب (إسرائيل) لم يقم في مصر و لم يته في الصحراء و لم يحتل الأرض من خلال حملة عسكرية و لم يستوطنها من خلال أسباطه الإثني عشر" .

و تبدو شهادة زئيف هوتسوغ مثيرة للاهتمام و ذات أهمية بالغة ، كونها تصدر عن عالم آثار يهوديّ ، يشاركه الرأي - كما يقول هو - معظم علماء الآثار (الإسرائيليين) ، الأمر الذي يزيد من مصداقية التساؤلات المثارة حول التوراة و تاريخ بني إسرائيل و علاقته بالمنطقة عموماً .

إن من الصعب التشكيك بنزاهة هؤلاء العلماء و توجيه الاتهام لهم بالعداء للسامية .

 

 

"تحرير التاريخ"

 

إن النتيجة التي يمكن الخروج بها بعد هذا العرض هي أنه لا بد من إعادة دراسة تاريخ فلسطين القديم ، بل و الشرق القديم عموماً ، اعتماداً على نتائج الاكتشافات الأثرية و الأبحاث التاريخية التي أحدثت "انقلاباً حقيقياً" كما وصفه هيرتسوغ حين أعلن انهيار مدرسة التاريخ و الآثار التوراتية و كلّ ما أشاعته من أوهام حول مكانة و دور بني (إسرائيل) في التاريخ في العصور القديمة (البرونزي و الحديدي) ، أي بكلمات أخرى تحرير التاريخ القديم مما دخل عليه من "إسرائيليات" .

هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى فلا بد من التعامل بجديّة عالية مع ما يطرحه تيّار كامل من المؤرّخين العرب المعاصرين حول تاريخ بني إسرائيل في الجزيرة العربية و اليمن . و من هؤلاء المؤرّخين إضافة إلى الدكتور كمال الصليبي الدكتور أحمد داوود (سوريا) و كتابه "العرب و الساميون و العبرانيون و بنو إسرائيل و اليهود" 1991 ،  و الدكتور فرج الله صالح ديب (اليمن) في كتابه "التوراة العربية و أورشليم اليمنية" 1995 .