الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الدولة اليهودية أم دولة اليهود؟

د. عبد الوهاب المسيري

كاتب ومؤلف الموسوعة الصهيونية

صحيفة الاتحاد الإماراتية 25/10/2003

ثمة خلل في طريقة تصنيف الدولة الصهيونية في كثيرٍ من الكتابات العربية، إذ تصنفها على أنها دولة يهودية، متبعةً في ذلك الكتاب الغربيين بل والصهاينة أنفسهم. ولكن هذه الكتابات لم تكلف نفسها عناء النظر في الأسباب التي دعت العالم الغربي لتصنيف الدولة الصهيونية على هذا النحو، ولا عناء اكتشاف بعض التناقضات الكامنة في التصنيف الصهيوني الغربي للدولة الصهيونية.

فقد كانت القوى الاستعمارية الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر تريد إنشاء جيبٍ استيطاني في فلسطين يضم بعض أعضاء الجماعات اليهودية، حتى يتسنى لها التخلص مما كان يُسمى الفائض البشرى اليهودي  Jewish surplus، وحتى تؤسس قاعدة للاستعمار الغربي تخدم المصالح الغربية. ولتغطية هذه الدوافع ادعت القوى الغربية أن هذه القاعدة المنشودة ستكون دولة يهودية يحقق اليهود فيها هويتهم وينفذون تعاليم شريعتهم، وتمكنت بذلك من تجنيد بعض العناصر البشرية اليهودية ونقلها إلى فلسطين، كما أمكنها توظيف هذه العناصر في خدمة الاستعمار الغربي الذي يدعمها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ويصب فيها مليارات الدولارات. وهي تبرر هذا الدعم السخي أمام جماهيرها بأن تخبرها أن هذه دولة يهودية، وأنها جزء من التراث اليهودي المسيحي.

وتصنيف الدولة الصهيونية باعتبارها دولة يهودية يجعل من طردها للفلسطينيين واحتلال أراضيهم مسألة تحرير للوطن القومي، ويجعل من الاستمرار في قتل الفلسطينيين وتشريدهم عملية دفاع مشروع عن النفس، ويجعل من مقاومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني عملاً إرهابياً. فالخطأ في التصنيف هنا ليس مسألة أكاديمية، بل مسألة تحدد كثيراً من المفاهيم والمواقف. وهذا ما أكده مناحم بيجين، رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، في خطابٍ أمام بعض أعضاء كيبوتس عين حرود في الستينيات، إذ قال: لو كانت هذه الأرض فلسطين وليست أرتس يسرائيل (أي لو كانت هذه الأرض هي وطن الفلسطينيين وليست أرض الميعاد التي ورد ذكرها في التوراة) فأنتم مجرد غزاة ولصوص، لأن تصنيف الدولة الصهيونية باعتبارها دولة يهودية تستند إلى العهد القديم هو الذي يسبغ عليها الشرعية ويكفل لها تأييد الرأي العام في الغرب.

والجدير بالذكر أن مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هرتزل، لم يكن يكترث بالعقيدة اليهودية وكان يتعمد خرق تعاليمها، شأنه في هذا شأن معظم الزعماء الصهاينة الأوائل. وكان عنوان الكتاب الذي عرض فيه رؤيته لحل المسألة اليهودية هو دولة اليهود وليس الدولة اليهودية، وشتان ما بين الاثنين. فإذا كانت دولة يهودية تستند شرعيتها إلى ما جاء في العهد القديم، وجب عليها تنفيذ التعاليم اليهودية في كل مجالات الحياة، لتكون متسقة مع نفسها. أما إذا كانت دولة اليهود، فهذا يعني أنها لا تكترث بالشرعية اليهودية ولا بالحياة الدينية اليهودية، وإنما تهتم بأعضاء الجماعات اليهودية، فتحاول إنقاذ اليهود أينما كانوا والحفاظ على هويتهم اليهودية وتراثهم اليهودي وعلى الأشكال الثقافية اليهودية المختلفة.

وقد انقسمت الحركة الصهيونية حول هذه المسألة منذ البداية، فكان هناك منْ يصر على أن الصهيونية حركة دينية وأن الدولة الصهيونية دولة يهودية، وهؤلاء هم دعاة الصهيونية الدينية، وفي المقابل كان هناك دعاة ما يسمى الصهيونية الثقافية ممنْ يرون أن الصهيونية حركة علمانية لا تدافع عن الدين اليهودي وإنما تدافع عن اليهود وعن هويتهم.

وعلى رغم التناقض الظاهري بين الاتجاهين الصهيونيين، فكلاهما يدور حول مفهوم الشعب اليهودي الواحد وينطلق منه، وكلاهما يضفي القداسة على هذا الشعب ويفترض وجود حقوق مطلقة له في أرض فلسطين. إلا إن أتباع الاتجاه الأول يرون أن مصدر القداسة هو الإله، بينما يرى أتباع الاتجاه الثاني أن مصدر القداسة هو الشعب نفسه.

ولم يمنع هذا الاتفاق المنهجي من ظهور الخلافات بين الفريقين في مجال الممارسة في الدولة الصهيونية. فدعاة الصهيونية الدينية يرون أنه إذا لم تكن الدولة الصهيونية يهودية حقاً ومحكومة بالشريعة اليهودية وبأوامرها ونواهيها، سواء في المسائل العامة أو الشخصية، فإنها تفقد شرعيتها ولا يحق لها المطالبة بأرض فلسطين. ولكن الأوامر والنواهي الدينية اليهودية كثيرة ومعقدة إلى درجة يصعب تصورها، ويضيق بها المواطنون الإسرائيليون العاديون والمهاجرون الجدد، ويتزايد ضيقهم مع تصاعد معدلات العلمنة في "إسرائيل".

وقد ظهر الصراع بين التيارين لدى إعلان الدولة الصهيونية، حيث أصر المتدينون على أن ترد عبارة أن الدولة تؤسس تحت رعاية الإله وهذا ما رفضه العلمانيون بطبيعة الحال. وحُلت المشكلة مؤقتاً باستخدام العبارة العبرية "تسور يسرائيل" أي "صخرة إسرائيل" وهي عبارة مبهمة، فهي أحد أسماء الإله في العقيدة اليهودية، ولكن يمكن للصهيوني العلماني أن يفسرها على أنها تعني الأساس القوي الراسخ أو الهوية القومية الثابتة.

ولكن هذا التوافق المؤقت لم يحل المشكلة بل أجَّلها لبعض الوقت ليس إلا، كما بينت تطورات الأحداث فيما بعد. فهناك المهاجرون الجدد والعمال الأجانب الذين لا يؤمنون بالعقيدة اليهودية، ولكنهم لا يمانعون في الاندماج في المجتمع الصهيوني كيهود إثنيين، شأنهم في هذا شأن الإسرائيليين العلمانيين. وهناك المطالبة بإقرار شرعية الشذوذ الجنسي والزواج بين شخصين من الجنس نفسه وهو ما يرفضه المتدينون. بل وأصبح الدفن يثير مشكلةً، فالمؤسسة الدينية ترفض دفن غير اليهود في مدافن اليهود، وهنا تُثار قضية من هو اليهودي؟.

وقد تنبه الكاتب المسرحي (الأميركي اليهودي الشهير) آرثر ميللر لهذا التناقض الذي وقع هو نفسه فيه. ففي مقال له في مجلة التايمز اللندنية (3 يوليو 2003) يقول إنه عند إعلان الدولة الصهيونية عام 1948، تصور أن ذلك الحدث السياسي يشبه أحداث العهد القديم، واهتزت مشاعره بعنف، ولكنه تنبه بعد ذلك إلى أن أبطال هذا الحدث بشر عاديون، تجد من بينهم سائقي الحافلات ورجال الشرطة والكناسين والقضاة والمجرمين والعاهرات ونجمات السينما والنجارين ووزراء الخارجية. واعترف بأنه نسي في غمرة فرحه أنه إذا أصبحت الدولة اليهودية مثل كل الدول فإنها ستتصرف كأي دولة تدافع عن بقائها بكل الوسائل المتاحة، شرعية كانت أم غير شرعية، بل وستحاول أن تتوسع على حساب الآخرين.

وبعبارةٍ أخرى، فإن ميللر يعترف بأنه أخطأ في تصنيف الدولة الصهيونية ولم يستطع التمييز بين الدولة اليهودية ودولة اليهود. فالدولة اليهودية، كما تصورها، لا تنتمي إلى التاريخ لأنها خرجت من صفحات الكتب المقدسة، أما دولة اليهود فتخضع للقوانين التاريخية التي تنطبق على الظواهر المماثلة. وحينما استرد ميللر وعيه، صنف الدولة الصهيونية التصنيف الصحيح، فرأى عنفها وبطشها، وسجل احتجاجه عليها.