العداء للسامية حتى في "إسرائيل"
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 6/9/2003
لا يزال
موضوع العداء للسامية (أي العداء لليهود) موضوعاً أساسياً في الصحافة
الأميركية، ولكنه يُثار بحدة هذه الأيام بسبب فيلم آلام المسيح، الذي
يركز على الأيام الأخيرة في حياة المسيح. وقد عُرض الفيلم في عروضٍ
خاصة على بعض النقاد ورجال الدين من المسيحيين واليهود، ورأى معظمهم
أنه يصوِّر حياة المسيح بصدقٍ، وأنه يتفق تماماً مع ما جاء في
الإنجيل. ولكن بعض النقاد قالوا إنه يصور اليهود كشعبٍ متعطشٍ للدماء
وللمال والانتقام، وإنه سيسبب أزمة في العلاقات المسيحية اليهودية.
وقد ظهر عنصر
جديد في المعادلة، وهم الأصوليون المسيحيون، ممن يُطلق عليهم اسم
الصهاينة المسيحيين، الذين يؤيدون الدولة الصهيونية باعتبار أنها
تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس، وهؤلاء يشكلون جماعة ضغطٍ صهيونية
(لوبي) أقوى من جماعة الضغط الصهيونية اليهودية. فقد صرح أحد ممثلي
هذا التيار بأن المسيحيين الأصوليين من أهم المؤيدين لإسرائيل، ثم
ألمح إلى أن اعتراض المؤسسات اليهودية على الفيلم قد يؤدي إلى تراجع
هذا التأييد. وأثار هذا التصريح غضب أحد المتحدثين الصهاينة إذ قال:
هذه هي المرة الأولى التي تُطرح فيها العلاقة على هذا النحو: نحن
نؤيد "إسرائيل" فلتلزموا الصمت إذن بخصوص معاداة السامية.
ومما زاد
الطين بلة أنه عقب تصوير الفيلم في إيطاليا نشرت صحيفة لاستامبا
La Stampa سماً
كاريكاتورياً يصور دبابة إسرائيلية توشك أن تدوس المسيح، وهو لا يزال
في المهد صبياً، وكُتب تحتها عبارة: هل تريدون قتلي مرة أخرى؟
والحادثة
الثانية التي أثارت اهتمام الصحافة الأميركية والصحافة الأميركية
اليهودية هي ما تكشف مؤخراً من أن الرئيس ترومان كان معادياً
للسامية. وتحتوي الوثائق، التي أُميط عنها اللثام حديثاً، على حوارٍ
دار عام 1947 بين ترومان وهنري مورجنتاو، وزير المالية آنذاك وهو
أميركي يهودي، إذ طلب الأخير من الرئيس أن يتدخل للضغط على حكومة
الانتداب البريطاني حتى تسمح لسفينةٍ تحمل بعض المهاجرين الصهاينة
بإفراغ حمولتها في فلسطين، فكتب ترومان في مذكراته قائلاً: ليس من
حقه على الإطلاق أن يطلب مني ذلك. إن اليهود لا يعرفون حدودهم ولا
يدركون حقيقة العلاقات الدولية. إنهم أنانيون للغاية، لا يكترثون
بعدد القتلى أو الذين فقدوا المأوى بسبب الحرب من أبناء الشعوب
الأخرى، ما دام اليهود يتلقون معاملةً خاصةً. ولكن حين تكون لديهم
السلطة (المادية أو المالية أو السياسية) فلا هتلر ولا ستالين
يضاهيهم في القسوة أو الإساءة إلى المظلومين، وفى مجالٍ آخر قال: إذا
كان المسيح لم يستطع إرضاء اليهود عندما كان على الأرض، فكيف يمكنني
أن أفعل أنا ذلك؟
وقد أوردت
مجلة جيروزاليم ريبورت (يوليو 2003) هذا الموضوع، ثم تساءلت كيف يمكن
لترومان بسجله المؤيد للصهيونية أن يكون معادياً للسامية؟ ومن
المعروف أن ترومان ضغط على الحكومة البريطانية لتسمح بتوطين مزيدٍ من
اليهود في فلسطين، وسمح بهجرة اليهود الذين فقدوا مأواهم بسبب الحرب
إلى الولايات المتحدة، كما اعترف بالدولة الصهيونية فور إعلانها،
متجاهلاً توصيات وزارة الخارجية الأميركية، فكيف يمكن لهذا الرئيس
الذي ساند المشروع الصهيوني بكل هذه القوة أن يكون معادياً لليهود
واليهودية؟
والإجابة
بسيطة للغاية، وهى أن ترومان كان مؤيداً للصهيونية لأنه كان كارهاً
لليهود. فمن يكره اليهود لا يرغب في رؤيتهم مواطنين في بلده، بل يفضل
أن يراهم وقد هاجروا إلى أي مكانٍ آخر. ومع وجود حكومة الانتداب
البريطانية في فلسطين ثم الدولة الصهيونية، أصبحت فلسطين المكان
المناسب لتوطين هؤلاء اليهود غير المرغوب فيهم.
وموقف ترومان
هذا يؤكد الفكرة التي نشدد عليها دائماً، وهي أن المشروع الصهيوني
ليس مشروعاً يهودياً، بل هو مشروع استعماري غربي لتخليص أوروبا من
اليهود، تماماً كما تم تخليص أوروبا من الساخطين دينياً من
البيوريتان Puritan بتوطينهم في أميركا
الشمالية، وتخليص إنجلترا من المجرمين والفاشلين اجتماعياً بتوطينهم
في أستراليا.
ولم تعد
"إسرائيل" نفسها بمنأى عن تيارات العداء للسامية. فقد رصد المركز
الإعلامي لضحايا معاداة السامية، وهو هيئة غير حكومية، حوالي 500
حادثة اعتداء في "إسرائيل" في الأعوام الثلاثة الماضية. وهنا يبرز
السؤال: ما معنى الاعتداء على اليهود في الدولة اليهودية؟ ومن الذي
يعتدي عليهم؟ وقد يعتقد القارئ لأول وهلة أن المعتدين هم من العرب
ومنظمات المقاومة الفلسطينية، ولكن الأمر غير ذلك تماماً. فالمقصود
هم عشرات الألوف من العمال الأجانب ومن المهاجرين الذين وفدوا إلى
"إسرائيل" من روسيا باعتبار أنهم يهود، إما بادعاء ذلك، وإما لأن أحد
أجدادهم يهودي، أي أنهم يهود اسماً ولكنهم لا يعرفون شيئاً عن
اليهودية ولم يمارسوا شعائرها قط. ودخول هؤلاء المهاجرين في علاقة مع
إحدى العائلات اليهودية الأرثوذكسية يولد التوتر، كما حدث في حالة
ديبورا بيتون التي دعت إحدى عائلات المهاجرين إلى منزلها لعشاء
السبت، وهو مناسبة دينية يهودية مهمة. وحين اكتشف أفراد عائلة بيتون
أن الضيوف ليسوا يهوداً قطعوا علاقتهم معهم، مما أثار حفيظتهم بطبيعة
الحال، ورداً على هذه الإهانة، كان أعضاء الأسرة المهاجرة يتعمدون
رسم علامة الصليب كلما رأوا أحد أفراد عائلة بيتون ثم يبصقون على
الأرض ويشتمونهم.
وقد بدأ
المدعي العام الإسرائيلي إلياكيم روبنشتاين تحقيقاً فيما صرح به وزير
العدل يوسف لبيد لرئيس الوزراء من أن النازيين الجدد وصلوا
"إسرائيل". ويتركز التحقيق حول موقعٍ على الإنترنت يُسمى الاتحاد
الإسرائيلي الأبيض يشرف عليه عدد من الأشخاص وصفوا أنفسهم بأنهم
يعتزون بأنفسهم، وقد سئموا الحياة مع الأوباش القذرين. وتظهر على
الموقع صور لعلم "إسرائيل" وقد مُزق، وأخرى لشبانٍ إسرائيليين يرتدون
زياً عسكرياً ويرفعون أيديهم بالتحية النازية المعروفة. ويعرف الموقع
الأعداء بأنهم اليهود المهاجرون من الجمهوريات الإسلامية السابقة
والعمال الأجانب والعرب. وتوجد في "إسرائيل" الآن سلسلة مكتبات روسية
تسمى أربات تبيع كتباً مستوردة من موسكو تتحدث عن الفاشية اليهودية
في روسيا، وتحاول إنكار المذابح النازية ليهود أوروبا (الهولوكوست)،
وهذه بطبيعة الحال جريمة لا تغتفر. ومن المفارقات أن كثيراً من
اليهود الروس الذين هاجروا إلى "إسرائيل" تعرضوا لمعاداة السامية
لأول مرة في حياتهم في أرض الميعاد!!
ويبدو أن
حوادث معاداة السامية قد تزايدت إلى درجة أن بعض الأصوات بدأت تطالب
بإلغاء قانون العودة حتى لا يظل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام
أشباه اليهود ومدعي اليهودية. ولكن إذا أُلغي قانون العودة، فماذا
يبقى من الصهيونية؟
|