الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

شرعية الجدار وشرعية الدولة الصهيونية

 

د. عبد الوهاب المسيري 

 

صحيفة الاتحاد الإماراتية 17/7/2004

 

ما أن صدر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، في 9 يوليو، والذي قضى بعدم شرعية جدار الفصل العنصري الذي تشيده الدولة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية المحتلة وطالب بتفكيكه وتعويض الفلسطينيين المتضررين، حتى بدأت الدوائر السياسية والإعلامية في الكيان الصهيوني حملةً شرسةً للتنديد بموقف المحكمة، وموقف الأمم المتحدة، والتشكيك في صلاحية هذه المحافل الدولية لنظر الموضوع، بل ووصل الأمر إلى حد اتهام المحكمة بالتحيز والنفاق والتغاضي عن "عشرات الدول الأخرى التي تنتهك القانون" (صحيفة يديعوت أحرونوت 11 يوليو 2004)، وبأن القرار هو فعلة أخرى من أفعال "الأغيار" ضد اليهود، ومن ثم فهو استمرار لنزعة "العداء للسامية، والشر نفسه، والتحيز المعروف إياه" (صحيفة معاريف، 11 يوليو 2004).

 

وليست ثمة غرابة في هذه المواقف، حتى وإن اتسمت بالشطط والصلف والاستخفاف بأحكام القانون الدولي وبأبسط قواعد المنطق. فقد دأب الكيان الصهيوني منذ نشأته على أن يضرب عرض الحائط بكل الأعراف الدولية التي ارتضتها دول العالم باعتبارها إطاراً مرجعياً ملزماً، سواء اتخذت شكل قرارات صادرة عن هيئات دولية أو مواثيق أو اتفاقيات كان الكيان الصهيوني نفسه طرفاً فيها، بل وكانت نشأة هذا الكيان في حد ذاتها تعبيراً عن تراجع قيم العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها لتحل محلها إرادة القوة والهيمنة الاستعمارية. وكان من شأن التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني أن يوفر مظلةً من الدعم المطلق عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لجميع الممارسات الصهيونية غير الشرعية، حتى بدا وكأن هذا الكيان يقف خارج نطاق أية مرجعيات دولية، وأصبح من غير المقبول أو حتى المتصور أن توجه أية هيئة دولية انتقاداً ولو على استحياء لما يتخذه من إجراءات.

 

إلا إن أصوات الاستهجان والرفض التي تعالت في الكيان الصهيوني في أعقاب صدور رأي المحكمة الدولية لم تستطع أن تخفي شعوراً أعمق بالمأزق التاريخي الذي يواجهه هذا الكيان، وهو مأزق يتجاوز بكثير حدود قرار المحكمة، وإن كان القرار قد سلط الضوء عليه وكشف كثيراً من جوانبه. ويكفي أن يلقي المرء نظرة متأنية على بعض المقالات التي تناولت الموضوع في الصحافة الإسرائيلية ليكتشف أن ثمة شعوراً عارماً لدى سكان المستوطن الصهيوني بأن الأزمة هذه المرة ليست مجرد عارض مؤقت بل هي "أزمة وجود" تمس في الصميم شرعية الدولة الصهيونية وتلقي بظلال قاتمة حول مستقبلها وقدرتها على البقاء.

 

ففي مقال بعنوان: "ملهاة لاهاي" (صحيفة معاريف، 11 يوليو 2004)، وصف المحلل السياسي بن كسبيت قرار محكمة العدل الدولية بأنه "قرار شرير، ومتحيز، ومشوه، ومثير للسخرية"، ولكنه اضطر إلى الاعتراف بأنه "سيدخل التاريخ وسيُدرج بين أوراقه، وسيتحول إلى مادة في النقاش الدولي، وسيصمنا بوصمة ليست صغيرة، أخلاقياً وإنسانياً وجماهيرياً ودولياً، وليس بوسع أي فيتو أميركي إزالة هذه الوصمة عنا". ويمضي الكاتب محذراً من العزلة الدولية التي تتهدد الكيان الصهيوني بسبب قرار المحكمة، فيقول: "إلى متى سيفلح الأميركيون وحدهم في الوقوف كجدار فاصل بيننا وبين العالم؟ هذا غير واضح. وهناك أمر آخر: القرار يؤكد ظاهرة يتعاظم انتشارها في الآونة الأخيرة وهي أن العالم ضجر كثيراً منا، فالكراهية لإسرائيل تتزايد وتخترق الحدود وقرار المحكمة الدولية في لاهاي يرفرف كراية حمراء فوق الجدار، ونفاد صبر العالم مما يحدث هنا يحطم أرقاماً قياسية جديدة ولا أحد يتحمل "إسرائيل" ومشاكلها. إن الوقت لا يعمل لمصلحتنا ولن نكون في مأمن إلى الأبد".

 

ويسوق آرييه إلداد (صحيفة يديعوت أحرونوت، 13 يوليو 2004) اتهامات مماثلة لقرار المحكمة الدولية، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه "يعكس فشل التصور الأمني الإسرائيلي"، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك فيشكك في جدوى الفكرة التي قام عليها المشروع الصهيوني نفسه، وهي أن دولة "إسرائيل" ستكون "الضمان الوحيد لجوهر وجود الشعب اليهودي، والملجأ الآمن له". ويختتم الكاتب بنظرة أكثر تشاؤماً لمستقبل الدولة الصهيونية، فيقول:"إن السجود للأمن كمبرر لوجود دولة "إسرائيل" والسجود للأمن كمبرر لإقامة الجدار، برغم الثمن التاريخي الباهظ الذي سيتعين علينا أن ندفعه في المقابل، كلاهما صفقة خاسرة. فالجدار والتحصينات أو المبررات الأمنية لن تضمن على مدى الزمن سيادتنا على أرض "إسرائيل". وإذا لم ننتصر فسنفنى".

 

ويعكس مقال ناحوم بارنيع بعنوان "المنافقون والمنبوذون" (صحيفة يديعوت أحرونوت، 11 يوليو 2004) مخاوف مماثلة، إذ يرى أن قرار المحكمة الدولية سيضفي شرعية على عمليات المقاومة الفلسطينية، و"ستكون لكل مساس بالجدار شهادة صلاحية دولية"، على حد قوله. ويقر الكاتب بأن ذلك يمثل انتصاراً للفلسطينيين "وربما كان النجاح الأكبر لهم منذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1975، والذي وصم الصهيونية بالعنصرية"، وأن ثمة نتائج خطيرة لهذا القرار على المدى البعيد، إذ أنه "بعد سبعة وثلاثين عاماً من الاحتلال، تتحول "إسرائيل" في نظر قسم كبير من العالم إلى دولة منبوذة. إنها ليست دولة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، ولكنها بالتأكيد من العائلة نفسها".

 

ويتفق الكاتب السياسي آلوف بن إلى حد كبير مع التحليل الذي يقدمه بارنيع، ويمضي مفصلاً النتائج المترتبة على قرار المحكمة الدولية. ففي مقال بعنوان "عبء ثقيل" (صحيفة هآرتس، 11 يوليو 2004)، يعترف الكاتب بأن "إسرائيل": "تلقت ضربة معنوية قاسية من المحكمة الدولية في لاهاي. وفي المدى القصير سوف تنجح "إسرائيل" في منع ترجمة القرار القضائي إلى قرار إلزامي في الأمم المتحدة، وتستطيع مواصلة حياتها كالمعتاد. ولكن على المدى البعيد فإن قرار القضاة في لاهاي يمس بشرعية "إسرائيل" ويظهرها كدولة إجرامية تقوم منذ سبعة وثلاثين عاماً بأعمال منافية للقانون الدولي".

 

ويؤكد الكاتب أن خطورة قرار المحكمة الدولية تكمن في أنه لم يكتفِ بالطعن في شرعية جدار الفصل العنصري فحسب، بل امتد إلى الطعن في كثير من "الثوابت" الصهيونية الأخرى، حيث رفضت المحكمة تماماً: "مزاعم "إسرائيل" بأن الضفة الغربية هي "مناطق مختلف عليها" وأن المستوطنات قانونية وأنها تخوض حرباً دفاعية عادلة ضد الإرهاب الفلسطيني. وقرر القضاة بالإجماع أن "إسرائيل" هي دولة احتلال وأن المستوطنات تتعارض مع القانون الدولي، بل إن القاضي الأميركي توماس بورجنتال، وهو الوحيد الذي عارض القرار، وافق على الاستنتاجات ولكنه تحفظ على طريقة اتخاذ القرار".

 

ويرى آلوف بن أنه في ظل قرار المحكمة الدولية، ومع عدم تنفيذ خطة الفصل التي اقترحها شارون، فإن الكيان الصهيوني "يقترب كثيراً من مصير جنوب إفريقيا".

 

ويبقى التساؤل في النهاية: هل هي مجرد مصادفة أن يكون شبح "الفناء" و"عدم جدوى الدولة اليهودية" و"مصير جنوب إفريقيا" هو المخيم على أذهان الكتاب في الكيان الصهيوني عند كل أزمة يواجهها هذا الكيان؟