الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الصهيونية والاستعمار الغربي: توظيف الفائض البشري

 

د. عبد الوهاب المسيري

مفكر - مؤلف الموسوعة الصهيونية

 

صحيفة الاتحاد الإماراتية 9/8/2003

 

من المفارقات التاريخية أن الثورة الرأسمالية التي أدت إلى ظهور المسألة اليهودية هي التي أدت أيضاً إلى ظهور الحل الصهيوني. فقد أدت هذه الثورة (والثورة الصناعية التي تُعَدُّ أحد أهم تجلياتها) إلى سيطرة الإنسان بشكلٍ متزايد على الموارد الطبيعية، وأصبح من الممكن للإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان في يسر وسهولة، فصار بوسع المرء أن ينتقل من لندن إلى بومباي في ساعات بعد أن كانت هذه الرحلة تستغرق من قبل شهوراً أو سنين، بل وأصبح من الممكن للإنسان أن يقطن في أي مكان يختاره (حاراً كان أم بارداً) إذ أصبح لديه من الآلات ما يمكنه من السيطرة على بيئته المباشرة، فيبني البيوت ويكيفها ويحتفظ بالأطعمة لمدة طويلة.

وقد غيَّرت الثورة الرأسمالية وجه الإنتاج الاقتصادي من مجرد إنتاج استهلاكي إلى إنتاج سلعي، أي أن الإنتاج من أجل التسويق أصبح عنصراً أساسياً، وتحرك السوق وعالم التجارة من الهامش إلى المركز. وقد فجرت هذه العملية بعض الطاقات الخلاقة في الإنسان، فقامت الثورة الصناعية وتوصلت أوروبا منذ تلك الفترة إلى مجموعة مذهلة من الاختراعات، خاصةً في مجال الطاقة، إذ تمكن الإنسان من تسخير الطاقة الطبيعية في خدمته في الأغراض الصناعية بحيث أصبحت إنتاجية الفرد الواحد في يوم تعادل إنتاجية قرية بأسرها في شهر. وقد ولَّد هذا النمط الإنتاجي الجديد رغبة استهلاكية شرهة في الأسواق المحلية ثم المجاورة ثم العالمية، مما أدى إلى ظهور التشكيل الإمبريالي الغربي بأشكاله المختلفة والذي وصل إلى قمته حين قامت الاحتكارات الدولية بتقسيم العالم، بكل ثرواته وأسواقه، فيما بينها، ثم جيَّشت الجيوش الهائلة وبنت البحريات الضخمة لتسوية أية خلافات قد تنشأ أثناء عملية التقسيم، ولضمان الأمن في المستعمرات المفتوحة. وقد تمت هذه العملية تقريباً قبل الحرب العالمية الأولى (ويمكن رؤية هذه الحرب كنتيجة لمحاولة الدول الرأسمالية الإمبريالية المختلفة إعادة تقسيم غنائمها الآسيوية والأفريقية).

ولا يمكن رؤية الصهيونية خارج هذا السياق الاستعماري الإمبريالي. فحلم اليهود بالعودة إلى أرض الميعاد قديم قدم اليهودية ذاتها. ولم يكن الفلسطينيون (العرب) يبدون أية مقاومة ضد اليهود الذين كانوا يحضرون إلى فلسطين للصلاة أو حتى للاستيطان لأهداف دينية، بل كانوا يرحبون بهم. وعلى رغم هذا، فإن عدد اليهود في فلسطين لم يزد عام 1814 عن عشرة آلاف يهودي فقط، وفي عام 1914 لم يكن عدد اليهود يتجاوز 35 ألف يهودي من مجموع 16 مليون يهودي في العالم يعبرون في صلواتهم ثلاث مرات عن رغبتهم في العودة إلى أورشليم. لكن الحلم الديني في العودة ظل ذا فعالية فردية ولم ينجح في نقل اليهود (والمسألة اليهودية) إلى الشرق.

بل إن العودة الجماعية لم تكن مطروحة أساساً على المستوى الديني. فالدين اليهودي، في إحدى صوره، يؤمن بأنه في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وعندما يصبح الإنسان مؤهلاً للتحرر المطلق، فسوف يُعاد اليهودي إلى فلسطين. ولكن حلم العودة لن يتم على أيدي الأفراد وإنما على يد الماشيح (أي المسيح-المخلِّص اليهودي). ويقرر التلمود، في بعض نصوصه، أن أي شخص يهودي يعود إلى فلسطين بغرض الاستيطان وليس بغرض التعبد يخالف الوصايا الربانية، ويرتكب جريمة الدحيكات هاكتس، أي التعجيل بالنهاية (بدلاً من انتظار إرادة الإله).

ولكن الاستعمار الغربي وجد أن الحل الوحيد الممكن لمسألة الغرب اليهودية هي تصديرهم (عودتهم في المصطلح الديني) إلى آسيا وأفريقيا. وهذا متسق تماماً مع الرؤية الغربية الإمبريالية للكون التي حولت العالم إلى مادة استعمالية يوظفها القوي لصالحه. وكان العالم الغربي يدرك تماماً أنه يملك القوة التكنولوجية اللازمة لسحق كل من يقف في طريقه، فقام بإبادة شعوب واستعباد شعوب، وحل مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تصديرها إلى الشرق. فمشكلة الحصول على المواد الخام اللازمة للإنتاج، ومشكلة الإنتاج السلعي، كانت تُحل عن طريق استعمار الأراضي وتحويلها إلى مناجم ومزارع وأسواق. ومن أهم المشكلات التي نجمت عن الثورة الرأسمالية مشكلة الانفجار السكاني، الأمر الذي زاد من حدة أزمة البطالة، وأدى إلى ظهور جماعات المتعطلين الذين كان يطلق عليهم اصطلاح الفائض السكاني. وكان الحل الاستعماري جاهزاً دائماً، إذ قامت أوروبا بتصدير فائضها السكاني إلى الأميركيتين ثم إلى آسيا وأفريقيا وأخيراً إلى أستراليا ونيوزيلندا، واستقر الأوربيون في جيوب استعمارية استيطانية في الجزائر وجنوب أفريقيا والهند.

والصهيونية هي الحل الاستعماري للمسألة اليهودية. فبعد تفاقمها، طرحت للمسألة اليهودية عدة حلول ترمي في جوهرها إلى تحديث اليهود واليهودية انطلاقاً من أن أزمة اليهود واليهودية قد نجمت عن ارتباطهم اقتصادياً وحضارياً بالمجتمع الإقطاعي السائد وعن كونهم جماعات وظيفية بلا وظيفة، وبالتالي كان عليهم أن يعيدوا صياغة أنفسهم حتى يتكيفوا مع المجتمع التجاري الصناعي الجديد الذي ظهر في أوروبا (في غربها في بداية الأمر، ثم في شرقها مع حلول القرن التاسع عشر) ويكتسبوا وظائف جديدة تسهِّل عليهم عملية الانخراط في المجتمع الجديد (وبطبيعة الحال، كان هناك الرافضون تماماً لأي شكل من أشكال التحديث مثل جماعات المتصوفين الذين يطلق عليهم الحسيديون).

وكانت الصهيونية هي الأخرى إحدى الاستجابات اليهودية المختلفة لأزمة اليهود واليهودية في المجتمع الأوروبي الحديث، وكانت تهدف بالمثل إلى تحديث اليهود واليهودية بشكل أو بآخر. وقد وجد الصهاينة الأوائل أن الحل الاستعماري لمشكلات أوروبا، بما في ذلك المسألة اليهودية، هو الحل الأمثل، ولهذا أيَّدوا تصدير المسألة اليهودية مع ما يُصدَّر من مشكلات وسلع بائرة إلى آسيا أو أفريقيا أو أي مكان آخر بخلاف أوروبا. فدعوا إلى نقل الفائض البشري اليهودي من أوروبا إلى خارجها، تماماً كما يدعون إلى نقل (ترانسفير) العرب من فلسطين إلى خارجها، أي أن الإدراك الصهيوني للذات وللآخر يضرب بجذوره في الرؤية الاستعمارية الغربية، وخاصة أن الفائض البشري اليهودي كان من المفترض أن يشكل قاعدة للاستعمار الغربي. وبالتالي، ينجح اليهود في الاندماج في الحضارة الغربية من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، بعد أن فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري والاجتماعي الغربي.