الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الثابت والمتحول في السياسة "الإسرائيلية"

 

محمود الريماوي

 

صحيفة الخليج الإماراتية 16/8/2004

 

لم يرشح عن الدوائر المصرية ما يفيد أن القاهرة سحبت يدها من مبادرتها لتأمين تنفيذ الخطة المزمعة بالانسحاب "الإسرائيلي" من قطاع غزة. ولكن تل أبيب من جهتها لم تبد أي التزام للوفاء بالشروط المصرية، التي تقضي بانسحاب كامل من القطاع، وتشغيل الميناء والمطار وفتح الحدود البرية والبحرية والجوية، والربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والالتزام بعدم الاعتداء على القطاع بعد الانسحاب منه.

 

ولم يجر الاعلان رسمياً في تل أبيب عن موقف سلبي قاطع ضد المبادرة، بأمل إظهار الجانب الفلسطيني كأنه هو أو بعض أطرافه من رفض المبادرة، علماً بأن الاتصالات نشطت خلال الأسبوعين الماضيين، بين القاهرة وحركة حماس، والهدف كما هو واضح توحيد الصف الفلسطيني، وعدم منح أي ذرائع لـ"الاسرائيليين" لتسويغ رفضهم للمبادرة، التي تقدمت بها أكبر وأول دولة عربية تعقد معاهدة سلام مع "اسرائيل".

 

أسباب الرفض "الإسرائيلي" للخطة المصرية واضحة، فحكومة السفاح شارون تريد أولاً تنفيذ خطة انسحاب بحيث تقرر هي بمفردها زمانها ومداها، وبغير تنسيق مع أحد. ولذلك يتم اطلاق "الخطة الأحادية الجانب" عليها والهدف إبلاغ جميع الأطراف وخاصة الطرف الفلسطيني المعني، بأن تل أبيب هي التي تقرر وحدها ما تشاء بغير تدخل من أي طرف في العالم، وهذا ما سوف تعمد إليه مستقبلاً.

 

وثانياً فإن تل أبيب تريد التمتع بحرية الحركة على الدوام، فلها أن تعيد الاجتياح إذا ما تم الانسحاب ساعة تشاء، وبالكيفية التي تريد والادعاءات الأمنية جاهزة على الدوام، وهي بمثابة "بقرة حلوب" لتسويغ السياسة التوسعية والدموية، فيما المبادرة المصرية تشترط عدم معاودة الاعتداء على القطاع، كما ترغب تل أبيب بعدئذ أن تهندس خطة الانسحاب على هواها، فقترر إذا شاءت السماح بإعادة تشغيل المطار، أو الاستمرار في إيقافه عن العمل وكذلك الميناء والحدود.

 

ثم تسعى إلى الفصل بين الضفة والقطاع، وتصوير الانسحاب إذا تم على أنه بداية تشكل كيان فلسطيني، وأن على الفلسطينيين أن يحققوا هويتهم الوطنية والسياسية هناك، وليس في الضفة الغربية (يهودا والسامرة) حسب التسمية "الاسرائيلية"، والتي يعتبرونها جزءاً من خطة التوسع الكبير، لإقامة "إسرائيل الكبرى".

 

وبما أن الخطة المصرية لقيت ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، وبما أن حكومة شارون معنية بوقف المقاومة في القطاع، وتعرف مدى التأثير المصري في المنظمات والفصائل، فإنها تسعى لتحقيق هذه الغاية دون أن تلتزم من جهتها بشيء سوى بخطة الانسحاب في نهاية العام المقبل، ومازالت هذه الخطة بمثابة وعد ليس إلا. ولذلك كله فإن تل أبيب تحرص على الظهور بمظهر المتعاون مع القاهرة، فيما هي في واقع الأمر ترفض الخطة المصرية (تماماً كما كان ومازال عليه الحال مع خطة خريطة الطريق).

 

إلا أن "حبل الكذب قصير" مهما بدا طويلاً. وسوف تجد العصابة الحاكمة في تل أبيب أنه لابد من إبداء التذمر من المطالب المصرية، وهو ما رشح في الأيام الأخيرة عن انتقاد "إسرائيلي" لشروط مصر "المتعذرة". رغم أن شارون يشدد على أنه لن يتخلى عن خطته "باخلاء مراكز أمنية واستيطانية" من القطاع حسب التعبير "الإسرائيلي".

 

أما البديل للخطة المصرية فهو واضح وضوح شمس الصيف، وهو المضي في خطة التدمير المنهجي للقطاع، وتقويض مصادر ومظاهر الحياة فيه، أملاً بدفع الفلسطينيين في النهاية للاكتفاء بقبول ما يعرضه السادة "الاسرائيليون" عليهم، دونما حاجة لمبادرة مصرية أو سواها، وبالطبع فإن جعبة الأكاذيب "الأمنية" لا تفرغ أبداً، والراجح أن حكومة شارون سوف تقوض الخطة المصرية، بالادعاء مرة أن الجانب الفلسطيني قد أفشلها، وبالزعم تارة أخرى أن الجانب المصري قد تخلى عنها. وإذا أتيح للمرء هنا أن يتقدم باقتراح "بسيط"، فإن هذا الاقتراح يتمثل بأن تقوم القاهرة باسناد عربي، بحملة دبلوماسية ضد الاستباحة "الإسرائيلية" اليومية لقطاع غزة، وأن تكشف للعالم الحجم الهائل لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا تتوقف، والتي يرتكبها "الاسرائيليون" يومياً بدم بارد.

 

وفي قناعة المرء أن مثل هذه الحملة من شأنها أن تضرب الخطط "الإسرائيلية" في الصميم، وهي الخطط القائمة أساساً على منطق الانفراد والإدمان على ممارسة القوة العمياء، فإذا ما جرى تقييد السفاح شارون ومنعه من نشاطه الدموي الدائم في غزة، فإنه يمكن بعدئذ، شق الطريق نحو تحقيق المطالب المصرية التي تنسجم تمام الانسجام مع الشرعية ومع كل قانون دولي، ومع حق الرازحين تحت الاحتلال في الحماية والأمن. وسوى ذلك فإن شارون يكسب الوقت، ويلحق خسائر مادية ومعنوية بالفلسطينيين والعرب.