|
عندما تتمرد القصيدة على واقعها
د. عبد الوهاب المسيري
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 21/8/2004
الفن، كما
يُقال في كثير من الأحيان، هو تعبير عن الواقع بكل ما فيه من تنوع
وتناقض، ولكنه يمكن أن يكون أيضاً صرخة احتجاج على هذا الواقع
ومحاولةً لتجاوزه وبحثاً عن أفق بديل، وذلك حين ينأى بنفسه عن الخطاب
الرسمي السائد ويسعى إلى الإفصاح عن "المسكوت عنه" وإثارة التساؤل
حول ما يُعد من المسلمات التي لا تقبل الشك.
ويصدق هذا
إلى حد كبير على قصائد الشاعر" أهارون شابتاي" وهو واحد من أهم
الشعراء الإسرائيليين المعاصرين، ومن أبرز مترجمي الأدب اليوناني
القديم إلى العبرية. وقد درس اللغة اليونانية في الجامعة العبرية
وجامعتي السوربون وكمبردج، وعمل محاضراً في عدد من الجامعات
الإسرائيلية، ونـُشر له أكثر من خمس عشرة مجموعة شعرية، وتـُرجم كثير
منها إلى اللغة الإنجليزية.
ويختار
الشاعر لديوانه الأخير عنوان "إني أتهم"، وهو عنوان الخطاب الشهير
الذي وجهه الكاتب الفرنسي إميل زولا (1840-1902) إلى الحكومة
الفرنسية متهماً إياها بمعاداة اليهود واليهودية. ولا يخلو هذا
الاختيار من مغزى، حيث يوجه "شابتاي" هو الآخر الاتهام إلى الحكومة
الإسرائيلية وسكان المستوطنات الصهيونية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية
جمعاء، بما في ذلك اليهود أنفسهم، وهنا تكمن المفارقة المأساوية، إذ
إن اتهام "شابتاي" موجَّه إلى دولة لا تكف عن الادعاء بأنها تمثل
يهود العالم، وأنها قامت لإنقاذهم من عداء "الأغيار"!
ففي قصيدة
"الحرب"، التي يوجهها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود
باراك، يقف الشاعر الفرد ضد الإرهاب المؤسسي الذي تنتهجه الدولة
الصهيونية، واصفاً وفاضحاً تفاصيله الدموية، وكاشفاً النقاب عن
الديباجات التي يستخدمها كستار لخداع الجماهير، وفي مقدمتها
الديباجات الدينية، فثمة إشارة إلى "قرن الكبش"، وهو كناية عن "بوق
الشوفار" الذي يُستخدم في الطقوس الدينية اليهودية، ولكنه تحول إلى
أداة لخدمة الأهداف الصهيونية. ورغم البون الشاسع بين قوة الشاعر
الفرد وقوة الدولة المدججة بكل وسائل القمع والبطش، فإن القصيدة
تنتهي بانتصاره:
أنا أيضاً
أعلنتُ الحرب:
فعليكم إذن
أن تحولوا جزءاً من قواتكم
التي انتشرت
لاقتلاع العرب
ولطردهم من
ديارهم
والاستيلاء
على أرضهم
وأن توجهوها
ضدي.
لديكم دبابات
وطائرات
وفيالق من
الجنود؛
وبيديكم قرن
الكبش
لتهيجوا به
الجماهير؛
لديكم رجال
للاستجواب والتعذيب؛
وزنزانات
للاعتقال.
أما أنا فليس
لدي سوى هذا القلب
الذي آوي فيه
طفلاً عربياً.
فلتصوبوا
أسلحتكم نحو قلبي:
وحتى لو
مزقتموه إرباً إرباً
فسوف يظل على
الدوام،
على الدوام
يهزأ منكم.
وتمضي قصيدة
"عندما كنا نسير في مظاهرة" على نفس المنوال تقريباً. فهي تبدأ بوصف
لمدى بشاعة العنصرية الصهيونية، التي ترى أن المصير الوحيد الذي
يستحقه العربي هو الموت، إلا إنها تنتهي بانتصار القصيدة التي يشهرها
الشاعر كسلاح للمقاومة في وجه الطغاة. وهكذا يكتسب وجود الشاعر،
وتكتسب قصيدته، مغزى جديداً من خلال رفض العنصرية ومسعاها إلى تغييب
ووأد الحضور العربي، بما ينطوي عليه هذا المسعى من تحدٍ لحقائق
الواقع:
منذ يومين
قـُتل تسعة
عرب في رفح
وبالأمس
قـُتل
ستة في
الخليل
أما اليوم -
فلم يُقتل سوى اثنين.
في العام
الماضي
بينما كنا
نسير في مظاهرة
من شارع
شنكين
مر علينا على
دراجة بخارية
وصرخ في
وجهنا: "الموت للعرب".
وفي شارع آخر
قبالة سوق
بزاليل
بجوار محل
جزارة براون،
وعلى ناصية
شارع بوجراشوف "الموت للعرب!"
وطوال عام
بأكمله
ظلت هذه
القصيدة ملقاة
ملقاة على
الرصيف
في شارع
الملك جورج،
واليوم
ألتقطها
وأكتب سطرها
الأخير: "الحياة للعرب"!
وتتناول
قصيدة "السلام" قضية إفساد اللغة، ومن ثم المفاهيم التي تعبر عنها،
على أيدي الصهاينة، حيث تحول "السلام" إلى كلمة مبتذلة، شأنها شأن
البغي، يمكن أن يلوكها القاتل وهو يتفاخر بجرائمه في حق الأبرياء،
دون أن يشعر بوخز الضمير أو يتنبه إلى التناقض الصارخ بين قوله
وفعله، بل إن الدولة التي تنتج على الدوام أولئك القتلة وتسوقهم
لارتكاب مزيد من الجرائم تتحول هي الأخرى إلى ماخور للبغاء، مما يجعل
تشدقها بالعبارات المعسولة عن "السلام" من لغو الكلام:
يا لصفاقة
هؤلاء
الفارغين!
أخذوا كلمة
"سلام"
وسحبوها من
شعرها
وجروها
من سريرها
المتواضع،
وحولوها إلى
بغي
تتسكع بجوار
محطة الحافلات المركزية.
وبعد أن قضوا
وطرهم منها
حولوا الدولة
ذاتها
إلى أريكة
يضاجع عليها
كل من يريد هذه البغي طيلة الوقت.
في الصباح
تطفئ شهوة قناص يرتدي زيه العسكري،
ويعود في
المساء
وهو يعرض في
زهو
علامة "X"
التي حُفرت
على عقب
بندقيته،
بعد أن أردى
بالرصاص
امرأةً شابةً
في التاسعة عشرة من عمرها،
كانت تنشر
الغسيل
فوق سطح
بيتها في الخليل.
أما قصيدة
"الأشجار تبكي" فتفضح "الواقع الجديد" الذي تستحدثه الدولة الصهيونية
على أرض فلسطين، إذ تحولها إلى مادة استعمالية مستباحة تهدف إلى جلب
أكبر قدر ممكن من الربح، دون نظر لما يخلفه ذلك من خراب، سواء في
أعماق البشر أو في عناصر الطبيعة، ودون اعتبار لأية قيم أو مرجعيات
متجاوزة لهذا الوجود المادي. فالقيمة الوحيدة المطلقة هي الربح وما
عداها باطل. بل إن هذا السعي المحموم لا يتورع عن التضحية بالموروث
الديني المقدس، وإن تستر وراءه أحياناً، فالتدمير لا يستثني "الأنواع
السبعة" من النباتات التي أوردها "سفر التثنية" باعتبارها من الخصائص
المميزة لأرض فلسطين:
الأشجار تبكي
في أرض
إسرائيل.
وجنود روما
يدمرون الأرض
عن آخرها
قطعة تلو قطعة؛
لا يبدون أية
رحمة
لرداء الأرض
بأنواعها
السبعة.
كل الأرض
سوف تـُباع
لسمسار
ولن تـُصنع
منها صلبان
للمسيح
وباراباس.
وعلى قطع
الأرض هذه
سوف تـُمنح
رخص
لبرجر كينج
وكنتاكي
فرايد تشيكن.
وتتكرر نبرة
السخرية التي يختتم بها الشاعر قصيدته تلك في كثير من القصائد
الأخرى، ومنها قصيدة "إلى طيار"، التي تقارن ما بين متطلبات العنف
الصهيوني الذي لا يخلو من عبث ومتطلبات الوجود الإنساني للضحايا
البسطاء، ولكي تكتمل الحلقة العبثية، فلابد أن يجعل المعتدي قذائفه
"حلوة المذاق" حتى يتقبلها الضحايا شاكرين بوصفها "هدية تذكارية"،
حتى وإن أودت بحياتهم وخرَّبت ديارهم:
عندما تحلق
في المرة القادمة
بطائرتك
المروحية
فوق جنين،
فلتتذكر،
أيها الطيار، أولئك الأطفال
والكهول من
النساء
في البيوت
التي تقصفها.
فلتفرش
طبقة من
الشيكولاتة على الصاروخ الذي تصوبه،
ولتبذل قصارى
جهدك لكي تكون دقيقاً
حتى تصبح هذه
الهدية التذكارية حلوة المذاق
حينما تبدأ
الحوائط في السقوط.
والله أعلم.
|