يهود العراق الأصل هنا الفرع هناك
معين أحمد محمود
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 3/8/2003
اندمج يهود
البلاد العربية في حياة البلاد وتمتعوا بجميع الحقوق التي تمتع بها
المواطنون العرب. وهذا أمر لم يتوافر لليهود في أي مكان آخر. ففي
الوقت الذي عاشوا فيه في أوروبا داخل إطار الجيتو وتعرضوا للاضطهاد
الديني كانوا في البلاد العربية يشعرون بأنهم جزء من المجتمع المحلي،
ومع احتفاظهم بحريتهم الدينية وتراثهم وانتمائهم الطائفي.
وقد وجهت
الحركة الصهيونية، ولاسيما بعد قيام الكيان الصهيوني، حملة مركزة
لزعزعة وجود اليهود في مجتمعاتهم العربية وحملهم على الهجرة الجماعية
إلى "إسرائيل" لدعم قدراتها البشرية والاقتصادية، وأخذت الدراسات
الصهيونية تركز على أوضاع الطوائف اليهودية في البلاد العربية
وتظهرها مجتمعات منفصلة تعيش في الشتات وتنتظر العودة إلى أرض
الميعاد.
وقد حرص
العرب في صراعهم مع الحركة الصهيونية على أن يؤكدوا دائماً التمييز
بين المواطنين اليهود الذين عاشوا معهم على مر العصور واليهود
الصهيونيين الذين حملوا الفكرة السياسية العدوانية المتمثلة في
الدعوة إلى الوطن القومي اليهودي.
وتغطي هذه
الدراسة جانباً خاصاً من تاريخ البلاد العربية في آسيا وأفريقيا، وهو
وضع الطوائف اليهودية فيها والتي عاشت في المنطقة منذ زمن طويل قد
يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، ومع أن البدايات الأولى
للاستيطان اليهودي في البلاد العربية يشوبها الغموض إلا أنه من
الثابت أن اليهود رغم قلتهم العددية كانوا دوماً جزءاً مهماً لسكان
البلاد، امتزجوا في حياة البلاد العامة باللغة والتقاليد والعادات
وأسلوب التفكير وظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذا
أمر لم يتوفر لليهود مع أي من الحضارات الأخرى أو مع أي من الشعوب
الأخرى على مدى التاريخ اليهودي الطويل.
وهذه
المحاولة الدراسية تسعى إلى التعريف بالحياة اليهودية في البلاد
العربية، مع عرض تاريخي لبدء وجودها في المنطقة وتفصيل أوجهها في كل
بلد من هذه البلاد من النواحي الدينية والاقتصادية والاجتماعية
والسياسية وتوضيح ما يتمتع به اليهود من سائر الحقوق التي يتمتع بها
المواطنون الآخرون.
واليوم
نتناول بالمتابعة والتحليل يهود العراق منذ مرحلة ما قبل الميلاد،
والى غاية النكسة العربية عام 1967، من حيث تحديد موقفهم ومشاركتهم
في الداخل العربي، ودورهم بعد قيام الدولة العربية..، وذلك بهدف فهم
ما يجري الآن في عودة معلنة لم تتحدد معالمها بشكل نهائي، وأخرى سرية
يحركها الماضي الذهبي في عراق الحضارة والإنسانية والسلام والمحبة.
الطائفة
اليهودية في العراق من أقدم الطوائف اليهودية في العالم يرجع أصلها
إلى أولئك الذين اقتيدوا إلى بابل على يد نبوخذ نصر عام 586 ق.م،
وحافظوا على وجودهم في المنطقة على مر العصور ولم يتعرضوا إلى نفي أو
اضطهاد أو هجرة إلى الخارج.
وكان لهم
نشاطهم وثروتهم وظهر منهم كتاب وشعراء ورجال لهم مكانتهم في المجال
الاقتصادي، وخاصة في عصر بغداد الذهبي في ظل الإمبراطورية العربية
الإسلامية حين وجدوا السلام في المدينة وتمتعوا بنفوذ كبير وحرية
دينية واقتصادية، وتمتعوا بالاعتراف بهم أهل كتاب وأهل ذمة داخل ديار
الإسلام وفي ظل حمايتهم، وقرب العديد من الخلفاء أهل العلم والدراية
من اليهود، ولاسيما الخليفة المأمون الشغوف بالعلم والعلماء، وصار
رأس الجالوت بفضل أهمية العراق رئيس الطائفة اليهودية في العالم أجمع
واستفاد اليهود من جو التسامح والرعاية، فلمع منهم العديد من العلماء
والأطباء والحرفيين والخازنين، ورجال المال، وكان منهم الطبيب فرات
بن شحناتا وحسداي بن أسحق. وقد ازدهرت معابدهم في عهد الخليفة
المعتضد خصوصاً أكاديمية سورا التلمودية، ولمع من الأحبار والعلماء
سعديا بن يوسف المعروف بسعديا الغيومي وهارون بن يوسف وغيرهما.
اليهود بين
هولاكو والعثمانيين
وفي منتصف
محرم 656 هـ 1258م سقطت بغداد على يد هولاكو المغولي وقد ارتكب جنده
الفظائع واعملوا في الناس السيف والنار فهلك كثير من أبناء مدينة
بغداد على اختلاف أديانهم، وبذلك انتهت الدولة العباسية، ولم يسلم
اليهود من هذه الكارثة - بطبيعة الحال- فنالهم ما نال المسلمين
والمسيحيين وغيرهم. وقد تعرض اليهود كغيرهم من أهل البلاد إلى تراجع
اقتصادي أثناء غزوات المغول.
عادت الأمور
إلى الاستقرار النسبي خلال العهد العثماني، حيث اعترفت الإمبراطورية
العثمانية بوضع الحماية لأهل الذمة. وقد تمتع اليهود خلال هذه
الفترة، مع من تمتعوا، بكامل حقوق الحماية والتي ورثوها عن
الإمبراطورية في ظل التسامح الإسلامي في الوقت الذي كان يهود أوروبا
يعانون من الاضطهاد الاجتماعي والديني وكان عدد كبير من اليهود في
الدولة العثمانية ينتمون إلى طبقة التجار والحرفيين. ومنذ العام 1870
بدأ يهود العراق في التحرك نحو الجنوب وحوالي منتصف القرن التاسع عشر
كانت هناك جماعتان يهوديتان صغيرتان في جنوب العراق في البصرة
والحلة. ومما تجدر ملاحظته أن تعداد اليهود بعد عام 1870 لم يزد في
هاتين المدينتين فحسب، وإنما استقروا أيضاً في مدن جديدة في العمارة
وقلعة صالح وعلي الغربي، وهذه الزيادة اليهودية، التي زحفت جنوباً،
أصبحت ممكنة بفضل النظام والضمان المفروضين في المنطقة، وبفضل قيام
البصرة وضواحيها مركزا تجارياً مهماً بعد فتح قناة السويس.
شهد عام 1910
بداية رحيل بعض اليهود من الأحياء اليهودية في المدن إلى أحياء
المسلمين والاختلاط بهم وقد أخذ ذلك بالتزايد بعد الحرب العالمية
الأولى. وكان حكم مدحت باشا القصير والفعال، عندما كان والياً على
بغداد وجنوبي العراق وعمله على كبح جماح البدو في الجنوب غاراتهم على
سكان المدن، وانتشار الأمن في تلك المناطق. وقد شجع الناس - ومن
بينهم اليهود على الاتجاه إلى جنوب العراق. وهكذا انتشر اليهود في
نهاية القرن التاسع عشر في معظم أرجاء العراق على شكل جماعات صغيرة
لا تزيد على بضع أسر.
وقد أحصت
السلطات التركية عدد اليهود في بغداد عام 1908 فكانوا 35.000 نسمة،
ولكن جهات أخرى حسنة الاطلاع كما يقول إيلي حضوري قدرت عددهم بـ
50.000 نسمة، كما قدرت جمعية الاليانس Alliance Israelite
universelle في باريس والجمعية اليهودية
الإنجليزية Angel- Jewish Association عدد
يهود بغداد بـ 45,000 نسمة. وقد قدر مساعد القنصل الفرنسي في بغداد
سنة 1904 عدد يهود بغداد بـ 40.000 نسمة من مجموع 60.000 نسمة في كل
الولايات وهم الأقلية الأكثر عدداً وغنى وعملاً.
تأييد ثورة
العرب
ولقد عاش
اليهود في حرية وفي كل الأماكن عوملوا بتسامح من جانب المسلمين سواء
كانوا يعيشون في أحيائهم أم في بقية أجزاء البلاد.
وقد تعرض
اليهود خلال الحرب العالمية الأولى إلى مصاعب على يد الحكام الأتراك
كسائر أهل المنطقة لذلك أيدوا قيام العرب بالثورة على الأتراك
واعتبروا النضال للتحرر قضيتهم أيضاً ورحبوا بتأسيس حكومة عراقية تحت
الانتداب البريطاني عام 1921. وفي هذا العهد الجديد انتعشت الطائفة
كثيراً ولعب أفرادها دوراً كبيراً في الحياة الاقتصادية والإدارية
والثقافية وظل نفوذهم كبيراً بعد انتهاء الانتداب عام 1932 ولم يبدأ
بالتراجع إلا بعد التطورات الخطيرة للقضية الفلسطينية.
السكان..
العدد.. التوزيع
يشكل يهود
العراق من الوجهة العرقية وحدة متجانسة عكس بقية الطوائف اليهودية.
فلم تكن هناك هجرات يهودية إلى المنطقة عدا ما كان يأتي من فارس،
وحتى موجة السفارديم التي غطت الإمبراطورية العثمانية وقفت أمام
أبواب العراق، وهذا ما أدى إلى محافظتهم على أصالتهم العرقية
وتقاليدهم الحضارية مدة طويلة.
على جبال كردستان
يصعب تحديد
الرقم النهائي لعدد اليهود في العراق إذ يتوزع اليهود في أنحاء
العراق وحتى بين القبائل الكردية في الشمال. وقد قدر عدد اليهود عام
1947 بـ 118.000 نسمة يتركز معظمهم في ولاية بغداد (77.542 نسمة)
وتعد مدينتا البصرة والموصل من أهم مراكزهم بعد بغداد وتتوزع مجموعات
أخرى في كل البلاد.
وعدد غير
قليل يقدر بـ 18.000 نسمة في قرى جبال كردستان. ولم يكن لليهود حي
خاص بهم في العراق على عكس بقية مدن الشرق العربي بل يمكن أن يوجد في
أي مكان من المدينة رغم أن هناك ميلاً واضحاً لأن يجتمعوا في شوارع
أو أحياء معينة. وقد ترك كثير من يهود بغداد منذ القرن الثامن عشر
موطنهم واتجهوا إلى الشرق الأقصى من أجل التجارة وتوزعوا في كالكوتا
وبومباي ورانجون وسنغافورة وهونج كونج. ونال بعضهم جنسيات أجنبية
إنجليزية وفرنسية وقدموا خدمات كبرى للدولتين كما عمل غيرهم كوزراء
لدى أفراد المغول في الهند.
وقد بقيت هذه
الطوائف تعتبر الطائفة اليهودية في بغداد المركز الروحي والديني رغم
أن عدد أفرادها أصبحوا مستقلين سياسياً واقتصادياً وقد ساعدتهم
ثروتهم التي جمعوها على إعانة يهود العراق وغيرهم من يهود الشرق
بإنشاء المدارس والمؤسسات الخيرية والمعابد.
تنظيم طائفي
تمتعت
الطائفة اليهودية في العهد العثماني باستقلال ذاتي في الإشراف على
أمورها الدينية وإدارة مؤسساتها الخيرية والتعليمية شأنها في ذلك شأن
كافة الأقليات الدينية. وقد كان على رأس الطائفة اليهودية جهاز ديني
ومدني، فكانت الأمور الروحية بيد رئيس الحاخامية (حاخام باشي) الذي
يعينه الباب العالي.
وقد قوي
مركزهم أكثر بوساطة الفرمانات والمراسيم حيث تمتعوا بالاستقلال التام
في القضايا الروحية والإدارية والشؤون القضائية ففي المجال الديني
شمل اختصاصهم اختيار الكهنة وفي المجال الإداري شمل اختصاصهم الإشراف
على إدارة شؤون ممتلكاتهم ومن ضمنها الإشراف على المدافن والتربية
والكنيس وشملت المجالات الشرعية كالزواج والهبات والطلاق والنفقة
والحقوق المدنية.
وقد بقي هذا
التنظيم قائماً حتى بداية الثلاثينات حين وافقت عصبة الأمم على إنهاء
الانتداب على العراق، شرط إعطاء ضمانات معينة منها حماية الأقليات
العرقية والدينية، وأصدرت الحكومة بياناً رسمياً تضمنت الفقرة الأولى
منه ضمان حقوق الأقليات بمنحها المساواة أمام القانون وفي حقوقها
السياسية والمدنية وحريتها في استخدام اللغة وفي ممارسة العبادة،
وحقها في الحفاظ على مؤسساتها التعليمية والخيرية والدينية.. إلخ
وأقر البيان أن هذه المواد ستصبح جزءاً من القانون الأساسي العراقي.
26 معبداً
في بغداد
وكان دستور
العراق عام 1925 قد أعطى ضمانات مشابهة لحقوق الأقليات ولأجل تطبيق
هذه التعهدات صدرت عدة قوانين لتنظيم أحوال الطوائف المختلفة وطريقة
تعيين رؤسائها الروحيين ومجالسها الطائفية وأعمالها وإدارة أوقافها
ومدارسها ومؤسساتها الخيرية. وقد نظمت شؤون الطائفة اليهودية في
القانون رقم 77 لعام 1931، واعتبر يهود العراق أعضاء في جماعات ثلاث
(بغداد والموصل والبصرة). وقد تمتعت هذه الجماعات بقدر كبير من
الاستقلال الذاتي في شؤونها الخاصة، وقد انتشرت المعابد اليهودية في
كل مكان في العراق، حيث بلغت في بغداد وحدها 26 معبداً، كما كان
لليهود أماكن مقدسة يؤمونها من أطراف العراق للزيارة والتبرك أشهرها
قبر عزراء على ضفة دجلة اليمنى ومدفن النبي حزقيال في قرية الكفل
جنوب الحلة ومدفن يوشع كوهين قرب الكرخ.
لقد عاش في
العراق أسر يهودية غنية لها ممتلكات كبيرة في طليعتها أسرة سامسون
وحضوري ولهما شهرة عالمية وكذلك أسرة دانيال وأسرة حاخام حسقيال
وزلوت وشماس وغيرهما كما وجدت طبقة وسطى من الصيارفة وصغار الباعة
بالمفرق والتجار والموظفين الحكوميين و الأطباء والمحامين وأصحاب
المهن الحرة وكذلك طبقات أقل شأناً من أصحاب الحرف البسيطة.
جزء من الشعب العراقي
وقد اعتبرت
الطائفة اليهودية نفسها دوماً جزءاً متمماً للشعب العراقي تربطها
صلات قوية بالبلاد، ويعود ذلك إلى عوامل عديدة: منها قدم وجودهم في
المنطقة من جهة وضخامة نسبتهم إلى بقية السكان من جهة أخرى، ولكن
السبب الأكثر أهمية يعود إلى أن التأثيرات الغربية على يهود العراق
لم تكن أقوى مما كانت عليه بين سائر سكان العراق، بحيث أنها لم
تعزلهم عن مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية حولهم كما
حدت لبعض يهود مصر. فهم قد اقتبسوا العادات والملابس الأوروبية في
نفس الوقت الذي اقتبسه غيرهم، وكذلك لم يتأثروا بهجرة يهود أوروبا،
فظلوا في عاداتهم ومنازلهم ولغتهم مشابهين لأهل البلاد دون أي فوارق
مميزة ورغم التسهيلات التعليمية التي قدمتها الاليانس والرابطة
الإنجليزية اليهودية - والتي جعلت معرفة الفرنسية والإنجليزية أكثر
شيوعاً بين اليهود - فقد ظلت العربية دوماً هي اللغة الأم لليهود،
عدا الأقلية الكردية التي عاشت منفصلة حتى عن بقية الطائفة اليهودية.
وقد توفر للطائفة اليهودية في العراق العدد الكبير من المؤسسات
الخيرية والخدمات الاجتماعية والصحية وبفضلها كانت الحالة الصحية
ومستوى التعليم بين اليهود فوق المعدل العام للسكان. ومن المؤسسات
الخيرية في بغداد في ذلك العهد جمعية للإشراف على مستشفى يهودي
موارده تبرعات من بغداد والهند، وكذلك جمعية لتقديم الدواء للفقراء،
وأخرى للعناية بالأمور الصحية وغيرها لتقديم المعونة للطلبة الفقراء.
وقد زاد عدد المؤسسات الصحية والخيرية فيما بعد منها مستشفى مير
الياس ومستشفى ريمة حضوري للعيون وصيدلية دار الشفاء ومستوصفات
المدارس للعيون ومستوصف للجراحة.
رحلة جمعية
الاليانس.. ومبدأ الدفع والجذب
|