|
اليمين الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية
وتأثيره على السياسة
الخلفيات الاستراتيجية والفلسفية
د. عماد فوزي
شُعيبي
لكي نفهم أداء
اليمين الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يجب أن نتورط بدمجه
في الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش بصورة إجمالية لا ترى التمايز
بين وزنه كتيار منفرد ز بقية التيارات اليمينية التي تتألف منها تلك
الإدارة ومنها: تيار المسيحيين الأصوليين ومنهم جون أشكروفت وزير
العدل، وتيار(التمامية) البروتستانتية الآتي من الولايات الجنوبية،
والتي منها يتفرع ما يسمى(الحزام التوراتي) وهو تيار متصاعد النفوذ
في صفوف الجمهوريين و أصحابه يرتدون أزياءً مخططة بلون أزرق بترولي
ينسجم مع تقاليد المتدينين في الجنوب الأمريكي، وهو التيار الأكثر
دعماً ل"إسرائيل" انسجاماً مع أوهام نصوصية تتأرجح حول عدم إمكانية
عودة السيد المسيح إلا بتواجد اليهود في فلسطين، و هو التيار
الصهيوني غير اليهودي.
إذاً،
فالإدارة الأمريكية الحالية تضم ـ فعلياً ـ ثلاثة تيارات متمايزة وهي
كلها محافظة:
1. تيار
اليمين الجديد.
2. تيار
المسيحيين الأصوليين.
3. تيار
التمامية البروتستانتية.
في التقييم
العربي لهم ، كثيراً ما يتم الخلط بينهم بصورة غير دقيقة بوضع"البيض
كله في سلة واحد"، وذلك بسبب ولاءهم المشترك تقريباً ل"إسرائيل".
إلا أن هذا الولاء يتأرجح بين خيارات صهيوينة وإيديولوجية مباشرة لدى
تيار اليمين الجديد(وبعض رموزه كان على صلة ـ ولا يزال ـ شديدة
بالليكود)، وبين خيار إيديولوجي ديني لدى تيار التمامية
البروتستانتية، وخيار مصلحي نفعي لأسباب انتخابية، وبتأثير لعبة
الانتخابات لدى تيار المسيحيين الأصوليين.
ولعل(صدفة!)
أن يجتمع حول الرئيس الأمريكي جورج بوش هذا العدد المتنوع من
التيارات اليمينية، هو الذي يفسر طبيعة الإدارة الأمريكية العدوانية،
واللاسياسية أحياناً.
والواقع أن
حكم الرئيس جورج بوش هو الحكم الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة
الأمريكية الذي جمع هذه التيارات معاً، الأمر الذي يكسب إدارته متانة
في جلّ التيارات اليمينية المتنوعة.
إلا أن هذه
التوليفة لم تكن إعجازاً حقيقياً من جورج بوش، لأنها بالأصل متلاقية
على الحدّ الأعلى:
فبين تيار
اليمين الجديد وتيار التمامية البروتستانتيّة ثمة قاسم مشترك وهو دعم
"إسرائيل" (كلٌّ لأسبابه)، وبين تيار اليمين الجديد وتيار المسيحيين
الأصوليين هنالك إجماع على مسألة ضرورة حقن المجتمع الأمريكي بالقيم
المسيحية، وأيضاً كلٌّ لأسبابه؛ إذ بينما يأتي هذا التوجه أصيلاً عند
تيار المسيحيين، فإنه يتضح باعتباره براغماتياً(أصيلاً!) لدى اليمين
الجديد بالنظر إلى أنهم علمانيون!؛ إلا أن ذريعتهم في ذلك تتمثل في
أن الدين هو الوسيلة الوحيدة لملء الفراغ لدى الجمهور الواسع بما
يساعد على فرض النظام.
الهدف الأهم
هنا هو، حسب العلماني اليهودي ليو شتراوس؛ الذي يمثل الخلفية
الفلسفية لتيار اليمين الجديد ـ كما سنرى لاحقاً ـ، أن العصرنة التي
حدثت بسرعة، ولا تزال، في الولايات المتحدة الأمريكية تصيب المجتمع ـ
ككل مجتمع معاصر ـ برفض للقيم الأخلاقية والفضيلة، مما يفقد النظام
السياسي الأمريكي القيم الأساسية التي أرستها أوروبا في نظامها
المعاصر والمتمثلة في العقل والحضارة، وبالتالي فهي تفتقد إلى أي مثل
أعلى أو(خير أعلى) كمرجعية تضبط البشر وتحقق سواد النظام على أسس غير
قهرية من الخارج،! إنما بانضباط شديد يتشكل عبر(الأنا الأعلى الجمعي)
الأخلاقي عند هؤلاء البشر.
لهذا يركز
التيار اليميني الجديد على أهمية تطبيق أفكار دينية ولكن من خلال
المؤسسات وليس من خلال تطبيق أفكار الأباء المؤسسين، وهنا يفترق بشدة
عن التيار الديني الأصولي لأن هدفه براغماتي.
وهنا بالذات
علينا أن نفهم بأن هذا التيار قد(ابتكر!) مفهوم(الحقيقة) بطريقة
براغماتية فلسفية معاً؛ فهي(أي الحقيقة) قد ضاعت بسبب الليبرالية
المفرطة وبسبب شيوع ما يدعوه شتراوس التيارين، النسبوي الذي يضيع كل
حقيقة، ويحيل الأمور والأحكام إلى مواقف نسبية مائعة، وكذلك التيار
التاريخي الذي يرفض الاعتراف بقيمة عليا في التاريخ تاركاً القيم
لتُحال إلى ما تتكون به عبر المجتمعات وعبر التاريخ بحد ذاته.
ولهذا إذ
أردنا أن نفهم عقلية تيار اليمين الجديد في الولايات المتحدة ، فإن
علينا أن نراه باعتباره خياراً ثالثاً بين الليبرالية التي أقامت
موقفاً متسامحاً إزاء أفكار الآخرين، وبالتالي إزاء الحقيقة، حيث لكل
الناس حقيقته، وبين التاريخية التي تعتبر أن القيم متغيرة بتغير
التجربة والتاريخ الخاص لكل المجتمعات.
لكن هذا لا
يعني أن فلسفة اليمين الجديد في الولايات المتحدة لا تعطي أهمية قصوى
للبعد الليبرالي، ولكن هذه الأهمية تتموضع في التوظيف السياسي له،
وليس بالتوظيف الاجتماعي؛ فهم يريدون أن يكون العالم كله ليبرالياً
ديموقراطياً في كل المؤسسات والنظم السياسية، لكنهم لا يريدون أية
ليبرالية نسبوية في القيم الاجتماعية حيث أن الهدف هو ضبط المجتمعات
أو المجموعات البشرية في المآل الأخير عبر منظومة من القيم الدينية
التي يعززها(علمانيون!) لاعتبارات براغماتية محض.
والواقع أن
هذا التعظيم الشديد للبعد الديني لهو تعظيم يجد مرتسمه الأبرز في ذلك
التفاؤل الممزوج(بالخلاصية) المسيحية، مطبقة على السياسة؛ إذ أن
هؤلاء اليمينيين الجدد يعتبرون أنفسهم مخلصين للبشرية! وأنهم ـ بصورة
ضمنية ـ يؤدون رسالة السيد المسيح، ولكن على المستوى السياسي . ورغم
علمانيتهم، إلا أنهم يستثمرون هذا البعد الخاص في المسيحية لتبرير
نزعتهم للتسلط السياسي على العالم بأسره.
هذا النموذج
من استخدام الدين علمانياً ولأسباب براغماتية، يتضمن رأياً يحتقر
الشعوب أو المجموعات البشرية، ويرى ضرورة الوصاية عليها عبر قيم تزرع
فيهم تساعد على ضبطهم وتهيئهم ـ عملياً ـ لقبول النزعات السياسية
الأخرى التي تتحدث عن(خلاص) الناس والشعوب الأخرى، وبالتالي تحمّل
المعاناة عن الشعوب، بدفع الضرائب وتكبد الخسائر في البشر والمعدّات
من أجل تنفيذ ما يمكن تسميته(شيوع النظام السياسي الأمريكي)؛ باعتبار
أن القيم السياسية الأمريكية هي الأفضل وهي التي يجب أن تتعمم على
العالم بأسره.!
·"الجانب
الثوري"
الجانب المحافظ
من ذلك التيار المسمى باليمين الجديد في الولايات المتحدة تمثّل، كما
أسلفنا، في الميل إلى ضبط المجتمع بمجموعة من القيم التي يشرف عليها
علمانيون، إلا أن صفة اليمين المحافظ تنقلب فجأة إلى ثورية من نوع
أقرب إلى الفاشية والفوضوية معاً.
فالمحافظون
على قيم المجتمع لا يقبلون كل ما هو محافظ سياسياً، بل ويتمايزون عن
طروحات التيارات المحافظة في أوروبا؛ فهم لا يريدون الدفاع عن نظام
الأشياء بما هو قائم عليه وسائد، بل يريدون"تغيير العالم"! ليصبح
متماهياً مع نموذج الحكم والحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة
الأمريكية. وهذا ما يفسّر لماذا انطوت الاستراتيجية الأمريكية
الجديدة التي أعلنت في20 أيلول/ سبتمبر2002 على نص صريح يقول إن
القيم الأمريكية السياسية قد باتت قيماً كونية ولهذا يجب أن تنتقل
إلى المجتمعات والأنظمة السياسية.
السياسة عند
هذا التيار ليست ديبلوماسية، بل إن الديبلوماسية تعطل قدرة السياسة
الأمريكية على(تنميط) الآخرين بالقيم الديمقراطية، وبالتالي فهي(أي
السياسية) أداة تغيير، الأمر الذي يُكسب هذا التيار الصفة الثورية
التي تنتفض على الأوضاع الراهنة وعلى كل سكونية سياسية(ستاتيكو)،
ولهذا فهم ،وفي بدايات تبلورهم في السبعينيات، كثيراً ما انتقدوا
حالة الاسترخاء الدولي التي عرفتها الحرب الباردة، واعتبروها تكريساً
لوضع الاتحاد السوفيتي اللا ديمقراطي والتوتاليتاري والقمعي، وأنها
قد عززت ـ عملياً ـ انتصاراته في المحافل الدولية، وكثيراً ما وجّهوا
انتقادات لاذعة للدبلوماسية الواقعية التي رسمها ونفذّها هنري
كسينجر.
السياسة
الدولية هي مرتكز انتقاداتهم(الثورية)؛ فهي باعتبارها تستند إلى
قواعد وآليات تُدخل في المساومة، تفقد المجتمع الدولي القدرة على
المبادرة والاستباق، ولهذا فإن الأمم المتحدة تمارس فعلاً شبيهاً
بفعل عصبة الأمم المتحدة عندما تفضل الحوار والمسايرة والاحتواء مع
القوى العالمية التي تشكّل خطراً(مستقبلياً!) على السلم والاستقرار،
الأمر الذي يستدعي الثورة عليها وعلى قواعدها وشرعتها عندما تصبح
أضعف من أن تنتقل إلى(الفعل) المباشر الذي يدرأ عن العالم احتمالات
بزوغ ونمو الطُغاة.
ولهذا
فإن"سياسة الهرواة" هي الأسلوب الأساسي الذي يعتمده هذا التيار في
العمل السياسي، وقناعتهم تتمثل هنا بأن السلبيات اللا أخلاقية
كالطغيان وعصابات الشوارع والمخدرات والانهيارات المجتمعية…
سرعان ما تتحول إلى ثقافة، وتسود، وبالتالي لابد من التصدي لها في
العالم وفي الولايات المتحدة، وهنا يحدث اللقاء بين الميول الثورية
لهذا التيار والميول المحافظة(الأخلاقية المبُسترة).
والملاحظ أن
هذا التيار قد ضم عدداً من اليساريين السابقين كـ أيرفينغ كريستول
ونورمن بودورتنر مؤسسيّ مجلة كومنتري، وفرانسيس فوكوياما صاحب
كتاب"نهاية التاريخ" وهو ماركسي هيغلي يجيّر كلّ المفاهيم الأساسية
لماركس وهيغل لصالح انتصار نهائي للرأسمالية وقيمها…
الديمقراطية!.
وكذلك يمكن
القول نفسه عن ألان بلوم المفكر المعروف في جامعة شيكاغو صاحب
كتاب"انغلاق العقل الأمريكي" الذي يهاجم تحول اللا قيم إلى ثقافة، بل
ويمارس ما يسمى احتقار الثقافة الغربية من داخل الحضارة الغربية
نفسها، ويبتدع نظرية"الصحيح السياسي" وفيها ما فيها من الميل الشديد
نحو فرض قيم، يدعوها صحيحة، على العالم بأسره وعلى السياسة بوجه خاص،
وهو ما تبلور في السبعينيات كتيار ورثه في الثمانينيات مجموعة من
الشبان المهووسين بهذه الأفكار كوليام كريستول وريتشارد بيرل ودوغلاس
فيث وولفيتز واليوت ابراهامز… والذين
سارعوا لتشكيل مراكز أبحاث مثل (أمريكان انترابرايزأنستيتيوت)
و(هيودسون انستيتيوت) و(هريتاج فوندايشن) و هي ما شكلت( مجموعات
التفكير) التي سيطرت على عدد من الدوريات ومراكز النشر كـ (ويكلي
ماغازين) ومنشورات(ناشيونال ريفيو)و(كومنتاري) و(نيوريبابليك)
ومجموعة موردوك المالكة لشبكة التلفزيون (فوكس) وبعض صفحات من(الوول
ستريت جورنال) التي استطاعت عبر دخول اللعبة السياسية والاستثمارية
في الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض إيقاعاً آخر للسياسية، بدأت
نُذره الأولى مع عهد ريغان واستمرت في عهد بوش الأب وهي الآن تقطف
ثمارها في عهد جورج بوش الابن.
هذا الميل
الثوري في السياسية الخارجية يخرج الولايات المتحدة عن مفهوم العزلة
السياسية الخارجية وسياسة عدم التدخل المباشر، وبالتالي فإن أول ما
يطاله هو مبدأ ترومان في الردع والاحتواء، وهو يتناغم بشكل كبير مع
سياسة التدخل الانتقائي التي طورها ريغان وسار عليها بوش وأيضاً
كلينتون، لكنها تجد تبلورها الأكبر مع جورج بوش الابن وهذا ما يفسر
إطلاق رونالد ريغان لمبادرة الدفاع الاستراتيجي(حرب النجوم)، والذهاب
إلى إلغاء معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للقذائف الباليستية من
طرف واحد أو البحث عن تعديلها والانسحاب من معاهدة كيوتو ورفض
المصادقة على معاهدة لإنشاء محكمة جرائم حرب دائمة.
وهو يميل
كتيار إلى الدعوة إلى(العالمية) ولدور أكبر للولايات المتحدة في
الكرة الأرضية، مطيحين بالسياسة الواقعية التي لا تكترث بطبيعة
الأنظمة السياسية في البلدان التي لها علاقة بالولايات المتحدة
الأمريكية أو تتحالف معها الأخيرة لحماية مصالحها، وهذا ما ساعدت
عليه أحداث الـ11 من أيلول/ سبتمبر إذ أنها أكدت مصداقية وصوابية
رؤيتهم أمام الحزب الجمهوري وتياراته الأقل تطرفاً في هذا الاتجاه
والأكثر ميلاً للسياسة؛ إذ أُتيحت الفرصة لهذا التيار أن يقول كلمته
مؤكداً على أن طبيعة الأنظمة المحافظة والإسلامية وغير ديمقراطية
والتي يحكمها طغاة تشكل خطراً على المصالح الأمريكية وهي التي تنتج
ظواهر مماثلة لما حدث في ال11 من أيلول وأيضاً لطبيعة العلاقات بين
الولايات المتحدة الأمريكية وصدام حسين التي تمثلت بدعمٍ له ضد إيران
لتجد نفسها أمام تهديد حقيقي لمصالحها عبره.
وعلى هذا فإن
الرؤساء من أمثال ولسن وجيمي كارتر وبيل كلينتون ليسوا أكثر من سذج
يتمتعون بـ"ملائكية" تصل بهم إلى الحد الذي يتوهمون فيه إمكانية
الاعتماد على المنظمات الدولية لنشر الديمقراطية، في وقت لا يرى فيه
هذا التيار أي إمكانية لنشر الديمقراطية إلا بالقوة؛ معتبرين أن
الديمقراطية هي التي ستغير طبيعة الأنظمة وطبيعة المجتمعات بالتالي؛
أي أن تغير ثقافات المجتمعات الأخرى التي باتت تهدد الولايات المتحدة
الأمريكية يأتي من"فوق" من خلال الديمقراطية التي وحدها تستطيع أن
تفسح في المجال أمام التغيرات الاجتماعية بدلاً من أن تجد الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها أمام أعداء ينبتون من رحم التحالف معها
نفسها.
والحقيقة، أن
البيرت ولستيتر الاستراتيجي الذي توفي عام1997 والذي كان من أبرز
باحثي مؤسسة"راند كوريوريشن" يشكل المرجع الأساس على المستوى
الاستراتجي والأب الروحي لاستراتيجية اليمين الجديد التي نراها
حالياً، وهو معروف كأستاذ في الرياضيات تخصص بالاستراتيجية العسكرية.
وقد شغل مستشاراً في البنتاغون لفترة طويلة.
وقد كان
ولستيتر أحد أباء ما يسمى بالقانون النووي الأمريكي قد وضع في قفص
الاتهام وفي مواجهة النقد القانون النووي المعروف بمبدأ الردع
أو"التدمير المتبادل الأكيد" والذي يقوم على ترك العالم يسير بطريقة
نحو التسلح النووي دون تدخل جدي على أساس أن توافر الردع لدى كل
الأطرف يمنع الاشتباك. وبناءً على نظريته الجديدة فإن هذه المعادلة
غير أخلاقية بسبب ما تهدد به من دمار للسكان المدنيين وهي غير فاعلة
لأنها تؤدي إلى تحييد متبادل للترسانات النووية لكنها تكدس في العالم
الكثير من الأسلحة الخطيرة على المستوى البشري مما يهدد البشرية.
لكن ولستيتر
في المقابل لا يطالب بنزعٍ كامل لأسلحة الدمار الشامل من العالم لأنه
يعتبر أن وجود هذا السلاح ضمانة للديمقراطيات!. ويقترح ما يسمى"الردع
التدريجي" الذي يتم من خلاله القيام بحروبٍ محددة يستخدم فيها السلاح
النووي التكتيكي والأسلحة الذكية ذات الدقة العالية والقادرة على
إصابة الأهداف العسكرية بشكل مباشر، وهو قد انتقد بالتالي سياسة
مراقبة التسلح النووي في العالم التي جرت بالتناغم مع موسكو لأنها
تعطل القدرة التكنولوجية المتقدمة للغاية لدى الأمريكيين في محاولة
لبناء على مستوى متوازٍ مصطنع مبالغ به مع الاتحاد السوفيتي وهذا ما
يفسر الدعوات التي يتبناها البنتاغون لإلغاء المعاهدات التي وقعت مع
الاتحاد السوفيتي سابقاً.
هذه المرجعية
الاستراتيجية لأستاذ رياضيات بات مرجعاً في الاستراتيجيات العسكرية
تشكل ـ عملياً ـ محاولةً لرسم سياسة تتجاوز مبدأ التدخل الانتقائي
وتبدو أكثر فأكثر اتصالاً بما يمكن تسميته"استعادةً متأخرة لعصر
الإيديولوجيا"؛ فهي تجربةً للأدلجة في عصر يقال أنه قد طوى عصر
الإيديولوجيات في دولة لا تحتمل كثيراً بسبب تركيبتها التي تقوم على
لعبة اقتصاد السوق والاستثمارات المفتوحة مثل هذا النمو الأيديولوجي.
وبتقديرنا
فإن هذه النزعة ستصطدم مع ميراث السياسة المؤسساتية في الولايات
المتحدة الأمريكية ومع مأزق الديمقراطية الداخلية لأنها ستواجه
بمحاولة كشف وتعرية مخاطرها من قبل تيار آخر في الحزب الجمهوري
وأيضاً من قبل الحزب الديمقراطي. فضلاً عن أنها ستواجه ـ عملياً ـ
بحقيقة تتمثل في أنها إذا ما نقلت الديمقراطيات فعلاً إلى كثير من
دول العالم بالقوة فإن هذه الديمقراطيات ستنتج بدورها"ديمقراطياً
أكبر ظاهرة عداء رسمي وشعبي للولايات المتحدة الأمريكية في التاريخ".
·الخلفية
الفلسفية
يبدو أن هذا
التيار يعيش على أفكار الموتى؛ إذ بعد أن رسم البرت ولستيتر(توفي
عام1997) البعد الاستراتيجي الذي يعيش عليه الجيل الحالي من اليمين
الجديد، كان لفلسفة ليو شتراوس أن رسمت الأساس النظري له، وهو قد قضى
قبل ولستيتر بزمن: (1899 – 1973).
ليو شتراوس
الملهم الفلسفي لهذا التيار لم يكن سياسياً قط، ولم يكتب ـ كما بات
معروفاً ـ مقالاً في السياسة أو العلاقات الدولية، لكنه يشبه أولئك
الفلاسفة الذين تسيّست أفكارهم بعد وفاتهم نظراً لبريقها الذي يمكن
أن يمضي من جيل إلى جيل ومن حقل معرفي إلى آخر تطبيقي.
ولد ليو
شتراوس في كير شهاين في منطقة هيس الألمانية، التي غادرها منتصف
الثلاثينيات من القرن العشرين مع قدوم هتلر إلى السلطة، ليتنقل بين
فرنسا وإنكلترا ويهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتدريس في
معهد نيويورك للأبحاث الاجتماعية ثم انتقل إلى شيكاغو، التي يبدو أن
مناخها(العصاباتي) قد وجد مرتسمه في عناصر النقد الشديد
والتحامل(النوعي) في فكره إزاء (الضياع) الذي تعرفه الأوضاع
الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولهذا أسس
شتراوس في شيكاغو"رابطة الفكر الاجتماعي" التي مثلت البذرة ـ النواة
لنمط التفكير الاجتماعي ـ الفلسفي لدى هذا التيار الذي ككل التجمعات
في الولايات المتحدة الأمريكية لا يعتمد مرجعاً واحداً هو شتراوس، إذ
أن هنالك مصادر أخرى لمذهب اليمين الجديد هي مساحة النظريات
الاجتماعية المعاصرة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن شتراوس
يشكل ـ عملياً ـ متن اللوحة، فيما تشكل بقية التيارات الرافدة
مجرد(تفاصيل) في تلك اللوحة الفلسفية.
النقاط
الرئيسة التي ينهل منها المحافظون الجدد من شتراوس تتركز في:
أولاً : حول
رؤيته بأن الديمقراطية يجب أن تكون قوية بصورة كافية حتى تستطيع أن
تقف في وجه(الطغيان) الذي يشكل الخطر الأمثل على البشرية. وفي هذه
النقطة بالذات تظهر مقولة (أن ليس ثمة من فلسفة بريئة) بشكل واضح
للغاية، ففلسفة شتراوس هي رد فعل عنيف على النازية التي عرفها في
شبابه والتي هرب منها إلى الولايات المتحدة، وهذا ما يفسر تنظيره حول
أهمية اتخاذ القوة في نقل الديمقراطية إلى العالم؛ وهذا هو شعار هذا
التيار في البنتاغون في عهد جورج بوش الابن.
ولعل شتراوس
كان يريد أن يدرأ (نظرياً) عن العالم شرور الضياع الذي عرفته جمهورية
فايمار بين مطرقة النازية وسندان الشيوعية، وهو يحمل الغرب مسؤولية
عدم التدخل المبكر لإنقاذها من براثن النازية، وإنقاذ العالم من
مساويء (التماهي) بالنظام الشمولي التوتاليتاري السوفياتي، وهذا ما
يتضح بقوة ووضوح من خلال كتابة"نقد الدين عند سبينوزا" عندما أدان
العدالة التي لا تتمتع بالقوة اللازمة لتنفيذ محتواها(العدالي).
ولعل في هذا
ما يفسر البعد الإيديولوجي عند هذا التيار ـ أقله لدى الذين يقتنعون
به ولا يستثمرونه لاعتبارات أخرى! ـ وهو البعد الإيديولوجي المفرط في
تداول نظرية(القوة لأجل) أو(القوة لغاية)، وهي التي على أساسها يتم
نقد الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعدم قدرتهما على ردع(الخطر)
الاحتمالي، تماماً كما فعلت عصبة الأمم المتحدة مع ألمانيا، عندما
اعتمدت المسايرة والاحتواء والحوار مع نظام قمعي نازي خطير على
الديمقراطية، وهذا ما نظَّّر له ريتشارد بيرل(أمير الظلام) كثيراً
قبل الحرب على العراق.
العنصر
الثاني الذي يعتمده تيار اليمين الجديد من فلسفة شتراوس يتصل اتصالاً
وثيقاً بالعنصر الأول وهو مخاطر العنصرية على الدول بدون ديمقراطية.
فالطغيان و
التوتاليتارية، كلاهما عند شتراوس نتاج لنمو ترافق مع رفض القيم
الأخلاقية والفضيلة. وهذا نتاج ـ كما أسلفنا ـ للتاريخية الفلسفية
عند ماركس وهيغل والتي أنتجت رفضاً لأي قيمة عليا، ولليبرالية
النسبوية التي اعتبرت أن كل المواقف الأخلاقية نسبية في المآل
الأخير، مما أفقد المجتمعات الصناعية والمعصرنة في كل من الاتحاد
السوفياتي وحتى الولايات المتحدة أهمية الاعتراف بمرجعية عُليا
أخلاقية تكون مقياساً للخير دون الشر.
وعلى هذا فإن
الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية يتساويان عند شتراوس
خُلقياً الأمر الذي يستدعي لديه ولدى من سيأتي بعده (ثورة) على
السياسة؛ التي تحرّم القيمة الأخلاقية التي تعتبرها(مضافة) إلى العمل
السياسي، وهنا يضفي شتراوس كغيره من الفلاسفة مجموعة من الحمولات
الأخلاقية على السياسة، في وقت تصّر فيه السياسة على أن تكون(فناً
للممكن) بينما يبقى تعريف الأخلاق(ما يجب أن يكون)، وهذا ما لا يريد
أن يفهمه شتراوس.
يرى شتراوس
أنه لا يجوز للسياسة أن تحرّم استصدار أحكام بالقيم الخيّرة، وأن من
واجب الأنظمة الخيرة أن تدافع عن نفسها في مواجهة الأنظمة الفاسدة.
وهذه الرؤية ستحكم عقلية اليمين الجديد التي ترى في نظامها السياسي
ذروة الخير وأنظمة الآخرين ذروة الشر، رغم أن شتراوس نفسه لم يكن
يعتبر النظام السياسي في الولايات المتحدة كأكثر من(أقل الأنظمة
سوءاً)، إلا أن تلامذته من أمثال ألان بلوم وبول وبول ولفيتز ووليام
كريستول قد(فرّخوا) من يعتبر بأن نظام الولايات المتحدة الأمريكية هو
مثال الخير الذي يجب أن يستعمل كل وسائل القوة لفعل ذلك الخير إلى
الآخرين!؛ ومن أمثال هؤلاء ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وابراهامز…
الذين استطاعوا أن يستثمروا لحظة"الغباء في التاريخ"؛ أعني الخطأ
القاتل الذي ارتكبته منظمة القاعدة، كي يستولوا على القرار السياسي
للحرب وعلى جزء مهم من القرار والممارسة الدبلوماسية بتغييبها لصالح
استعمال"القوة".
وهؤلاء الذين
يشرعنون استعمال القوة ينهلون أيضاً من تلامذة شتراوس من أمثال والتر
بيرنز وهارفي مانسفيلد وهاري جافا الذين اعتبروا أن مؤسسات الولايات
المتحدة الديمقراطية هي المرجعية التي يجب اعتمادها في العالم كمثال…
للخير!.
ومن هنا
يسير ريتشارد بيرل وصحبه على قاعدة أن طبيعة الأنظمة هي الأهم في
التعاملات الدولية؛ فإذا لم تكن ديمقراطية فإن ليس لأحد من الأنظمة
الديمقراطية أن تتعامل معها، بل يجب أن تقوضّها وتحرص على ألا تقوم
المنظمات الدولية تحت عنوان وذريعة"حفظ السلام الدولي" بتهيئة الظروف
لاستمرارها، وهنا بالذات إذا ما فعلت تلك المنظمات ذلك، فإن الضغط
يجب أن يكون عليها أيضاً ولا مانع من إضعافها…
وتخطيّها. |