الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الكيان الصهيوني ومجتمعه العسكري

استحالة التعايش مع المحيط

 

اللواء ياسين سويد /ضابط لبناني سابق

مقدمة:

في هذا البحث يحاول الكاتب التركيز على أن الكيان الصهيوني هو مجتمع حرب، لا يمكن أن يتعايش مع محيطه. وفي هذه الآثار يؤكد الكاتب أن نسبة حملة السلاح في الكيان الصهيوني تقارب الـ90%، وهي من أعلى النسب في العالم.

وكذلك يذكر الكاتب أن ميزانية الدفاع الصهيونية هي الأعلى في العالم أيضا، وكل ذلك ينطوي على إستعداد دائم لشن الحروب والاعتداءات، فالكيان الذي لا يتجاوز عدد سكانه الـ5 ملايين نسمة، يبلغ تعداد جيشها ما يقارب الـ700 ألف جندي، وهذا بحد ذاته له دلالات ومعاني عديدة، . كان العبرانيون، في تاريخهم القديم كله، بدءا من خروجهم من مصر، وحتى سبيهم إلى بابل، أمة مسلحة وشعبا محاربا. ذلك ما حدثنا به العهد القديم عندما جاء فيه أن الرب أمر موسى "أن يجند بني "إسرائيل"، وأن يجعل عليهم نقباء" (1) فأحصى موسى رجال قومه، بعد خروجه من مصر، فبلغ عدد القادرين على حمل السلاح منه، "من ابن عشرين سنة فصاعدا، كل من يخرج إلى الحرب في "إسرائيل"" (2) 603550 (ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا) (3) ، من الأسباط الإثني عشر، بإستثناء اللآويين (وهم كهنة الرب وحراس مسكن الشهادة) الذين لم يشملهم هذا الإحصاء، وفقا لأوامر الرب نفسه (4) .

كما أمر موسى (ع) حسب التوراة ، أن يعين قائدا على رجال كل سبط من الأسباط الإثني عشر، فعين اثني عشر قائدا، كل قائد على راية سبطه "كل عند رايته، تحت أعلام بيوت آبائهم" (5) .

وكذلك "في برية سيناء" ، في خيمة الموعد، في اليوم الأول من الشهر الثاني من السنة الثانية لخروجهم (العبرانيين) من مصر" (6) .

وهكذا يتبين أن بني "إسرائيل" عرفوا ، منذ العهد التوراتي القديم، حرب الجماعة أو "الأمة المسلحة" بدءا من خروجهم من مصر، كما قدمنا، حتى اجتياحهم لأرض كنعان، إلى حين سبيهم على يد نبوخذ نصر. ففي حربهم ضد أخيهم بنيامين ، مثلا، "خرج بنو "إسرائيل" كلهم، واجتمعت الجماعة إلى الرب، في المصفاة، كرجل واحد، من دان إلى بئر سبع وأرض جلعاد، ووقف أركان كل الشعب أسباط "إسرائيل"، في مجمع الله، أربع مئة ألف راجل مستل سيف" (7) .

ويبدو أن الرب غضب على بني "إسرائيل" لأنهم لم يوفوا بالعهد، بعد خروجهم من مصر، فخرجوا على طاعته، وكانوا في "شطيم" حيث أخذوا يزنون "مع بنات مؤاب"، وأكلوا من "ذبائح آلهتهم" وسجدوا لهذه الآلهة "فاستشاط غضب الرب على "إسرائيل"" (8) . وسلط الرب على بني "إسرائيل" وباء، بسبب عصيانهم له، فقتل منهم "أربعة وعشرين ألفا" (9) ، حتى إذا تابوا، عفا عنهم. وأمر موسى، ومعه العازار بن هارون ، أن يعود فيحصيهم من جديد "من ابن عشرين سنة فصاعدا..... كل من يخرج إلى القتال من "إسرائيل"" وكان بنو "إسرائيل" في عربة مؤاب، على أردن أريحا (10) ، فبلغ عددهم، في هذا الإحصاء ، وبعد خلاصهم من الوباء الذي ألم بهم، 601730 (ستمائة ألف وألفا وسبعمائة وثلاثين رجلا) (11) . بإستثناء اللاويين طبعا.

والجدير بالذكر أن اللاويين، من سبط موسى وهارون، ودائما حسب التوراة ، وعددهم 22 ألفا من الذكور "من ابن شهر فصاعدا" لم يدخلوا في الإحصاءات التي سبق ذكرها، لأنهم كانوا مكلفين حراسة "مسكن الشهادة" وجميع أمتعته، كما كانوا مكلفين خدمته والتخييم حوله، وتفكيكه ونصبه عند الاقتضاء (12) .

وفي عهد "امصيا" بن يواش ملك يهوذا، أحصى امصيا بني يهوذا أو بنيامين "رئاسات ألوف ورئاسات مئتين .... من سن عشرين سنة وما فوق" فبلغوا 300 ألف (ثلاث مائة ألف) منتخبين، "يخرجون إلى الحرب ويحملون الرمح والترس" (13) ، ويبدو أن امصيا هذا قد اعتمد نظام "المرتزقة" في جيشه فاستأجر، من مملكة "إسرائيل" "مئة ألف بطل بأس، بمائة ألف قنطار من الفضة" (14) . فكان ذلك أول عهد للمرتزقة في التاريخ المعروف، كما نعلم. ورغم ذلك، فقد حذر الرب امصيا من إستخدام مرتزقة من "إسرائيل" في حربه مع "بني سعير" وذلك لأن الرب "ليس مع "إسرائيل" ولا مع بني افرائيم كافة" مما اضطر امصيا إلى تسريح هؤلاء المرتزقة وصرف النظر عن استخدامهم في الحرب إلى جانبه (15) .

وفي تمييز دقيق بين فرعي بني "إسرائيل": يهوذا و"إسرائيل"، وهما الفرعان اللذان شكل كل منهما ، فيما بعد، وبعد عهد الملك سليمان، مملكة مستقلة، نجد أن فرع يهوذا، وهم بنو يعقوب، قد بلغوا، في عهد موسى 74600 رجل ذكر، "من ابن عشرين سنة فصاعدا" (16) ، بينما بلغ عدد بنو "إسرائيل"، في العهد نفسه 528950 رجلا، في السن المحددة ذاتها (17) . بينما بلغ عدد اللاويين، وهم حماة مسكن الشهادة وحفظته وخدمه 8580 رجلا من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة" (18) . فيكون مجموع الرجال الذكور المدعوين لحمل السلاح في "كل "إسرائيل"".

74600+528950 =603550(ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسماية وخمسين رجلا ذكرا من سن العشرين فما فوق)، فإذا أضفنا اللاويين إلى هذا العدد، يصبح العدد الإجمالي للرجال الذكور القادرين على حمل السلاح في "كل "إسرائيل"": 603550 + 8580 = 612130 رجلا، هذا بحسب الإحصاء الذي قام به موسى (19) .

ويرى الدكتور كمال الصليبي أن اتحادا تم بين بني يعقوب، وهم آراميون وقلة ، وبين بني "إسرائيل"، وهم عبرانيون وكثرة، فكان هذا الاتحاد لصالح بني "إسرائيل" حيث شكل الفريقان شعبا واحدا، هو "كل "إسرائيل"". ويستنتج الدكتور الصليبي أن "في دقة هذا الإحصاء ما يرجح أنه كان تاريخا صحيحا" (20) ، إلا أننا نشكك في صحة هذه الإحصاءات، تاريخيا، وذلك للسبب التالي:

لقد أجرى موسى هذه الإحصاءات بعد خروجه بشعبه من مصر، مباشرة، أي "في اليوم الأول من الشهر الثاني من السنة الثانية لخروجهم من مصر" (21) . وبما أنه أحصى الذكور فقط (عدا الشيوخ والنساء والأطفال) ومن سن العشرين فصاعدا (باستثناء العدد يجب أن يساوي، علميا، ثلث مجموع الشعب الخارج من مصر، على الأكثر ، فإن ذلك يعني أن المجموع العام للشعب العبري الذي خرج من مصر، بقيادة موسى، لا بد من أن يبلغ نحو المليوني نسمة، وهذا أمر غير ممكن التصديق، إن لم يكن مستحيلا.

وكان داود (ع)، في أول عهده، حين جاءه إلى حبرون "جميع رجال الحرب" ليملكوه على بني "إسرائيل"، فأحصاهم فبلغوا 340822 (ثلاثماية ألف وأربعين ألفا وثمانماية واثنين وعشرين مقاتلا متجردا للقتال) بينهم "حاملو تروس ورماح" و "أبطال بأس للحرب" و"مسلحون للحرب" بجميع أدواتهم (22)، ومن بينهم 22 قائدا مع "صادوق، وهو فتى بطل بأس مع بيت أبيه" (23) و 200 رئيس من بني يساكر (24) .

إلا أنه، وفي عهد داود كذلك، أحصي شعب "إسرائيل" "من بئر سبع إلى دان" فكان مجموعه "ألف ألف ومئة رجل مستل سيف"، وكان بنو يهوذا "أربع مئة ألف وسبعين ألف رجل مستل سيف"، هذا بإستثناء البنياميين واللاويين الذين لم يحصوا، فيكون مجموع بني "إسرائيل" القادرين على حمل السلاح في عهد داود 1.100.000 + 470.000 = 1.570.000 (مليون وخمسماية ألف وسبعين ألف رجل) مستل سيف (25) ، وهذا يعني أن مجموع شعب "إسرائيل" كان، في ذلك الحين ، نحو خمسة ملايين نسمة (باعتبار أن القادرين على حمل السلاح يبلغون، عادة ثلث كامل الشعب) وهو ما لا يمكن تصديقه.

ولكن نتائج أخرى مختلفة، للإحصاء نفسه، تظهر في سفر آخر من العهد القديم، (سفر صموئيل الثاني) حيث يبلغ مجموع "إسرائيل" "ثماني مئة ألف رجل محارب مستل سيف" ومجموع رجال يهوذا "خمسمائة ألف رجل" مستل سيف كذلك (26) ، هذا عدا اللاويين طبعا، فيكون مجموع الرجال القادرين على حمل السلاح في "كل "إسرائيل"" 1.300.000 (مليونا وثلاثماية ألف ) رجل، أي بفارق 270.000 رجل عن ما ورد في سفر الأخبار الأول.

ويحاول المؤرخ الدبس أن يعزو هذا الفارق إلى تحريف من قبل نساخ العهد القديم (27) ، إلا أننا إذا ما رجعنا إلى النص الوارد في كل من السفرين المذكورين (الأخبار الأول، إصحاح 21: 5و6) و (صموئيل الثاني ، إصحاح 24: 5-9) نجد أن أيوب، قائد جيش داود، أحصى بني "إسرائيل" المنتشرين "من بئر سبع إلى دان" بحسب أوامر داود ، وأنه هو نفسه (وفقا لما جاء في 2 صم 24: 5-9) خرج مع قادة الجيش "فعبروا الأردن وبدأوا بعروعير (على أرنون، وهي الحدود الجنوبية لمملكة "إسرائيل" مع الأردن، في غرب الأردن، بينما الحدود الأخرى هي دان شمالا وبئر سبع جنوبا) (28) ، حتى وصلوا إلى "المدينة التي في وسط جاد جهة يعزير"، ثم "أتوا إلى جلعاد وإلى أرض الحثيين في قادش" ثم إلى "دان ياعن وما حولها نحو صيدون" ثم إلى جلعاد وإلى أرض الحثيين في قادش" ثم إلى "دان ياعن وما حولها نحو صيدون، ثم إلى "حصن صور وجميع مدن الحويين والكنعانيين"، ثم إلى "نقب يهوذا، إلى بئر سبع" (29) فهل يكون الفارق الحاصل بين الراويتين للإحصاء الواحد ناتج عن خلاف في مساحة المنطقة التي جرى إحصاء بني "إسرائيل" فيها، أم هو ناتج عن تحريف من النساخ كما يظن الدبس؟ ومهما كان من أمر، فإن ما جاء من أرقام في هذه الإحصاءات يظل بعيدا عن اقتناع الباحث العلمي الرصين بجديتها وصحتها.

إلا أن المجتمع العبري كان، طوال هذه الفترة من تاريخه، مجتمع حرب ، حيث كان الشيوخ، في عهد سليمان، "يجلسون في الساحات، يتحدثون جميعا عن الازدهار، والشبان يتسربلون بالبهاء، وبحلل الحرب" وكان سمعان يمد المدن "بالميرة" ويعززها "بالتحصينات" (30)

ولكن العهد القيم أعفى من الخدمة العسكرية الفئات التالية:

1)من بنى بيتا ولم يدشنه "كيلا يموت في الحرب فيدشنه رجل آخر".

2)من غرس كرما يأكل باكورته "كيلا يموت في الحرب فيأكل رجل آخر باكورته".

3) من خطب امرأة ولم يأخذها "كيلا يموت في الحرب ويأخذها رجل آخر".

4)من كان خائفا ومتراخي القلب "لئلا يذيب قلوب أخوته كقلبه" (31)

وذلك ما جرى في المصفاة عندما عبأ يهوذا جيشا لقتال جورجيانس ونكانور في عماوس، وهما من قادة ليسياس بطليموس السلوقي. قائد إقليم سورية وفينيقية (32) ، حيث أمر يهوذا "من أخذ في بناء بيت، أو خطب امرأة، أو غرس كرما، أو كان خائفا، بأن يرجع إلى بيته ، بحسب ما ورد في الشريعة" (33) .

ورغم ذلك، فقد كان "الرب" يحض بني "إسرائيل" على القتال ويحثهم عليه وإن كانوا قلة في وجه أعدائهم، فيقول "لإسرائيل"، على لسان موسى: "إذا خرجت للحرب على أعدائك، فرأيت خيلا ومراكب مع قوم أكثر منك، فلا تخفهم، فإن معك الرب إلهك" ثم يقول لبني "إسرائيل" إذا ما أقدموا على قتال قوم أكثر منهم عددا وعدة: "لا تتراخ قلوبكم، ولا تخافوا ولا تضطربوا ولا ترتعدوا من وجوههم، لأن الرب إلهكم سائر معكم ليحارب أعدائكم عنكم ويخلصكم" (34) .

وإذا كان "دايفيد بن غوريون" قد وصف، عن حق، شعب "إسرائيل"، بأنه، "تجمع للمحاربين"، فذلك لأن المجتمع الصهيوني "مجتمع عسكري" بطبيعته، بسبب كونه مجتمعا قائما على "الاغتصاب والقهر" لذا، فهو سيظل مستنفرا ومعبأ ومجندا، تماما كالمجتمع العبري الذي قام في فلسطين، من أرض كنعان، في العصور الساحقة، وعلى حساب شعوب أخرى وعلى أرضها.

ولأجل ذلك، فإن الكيان الصهيوني، الذي قام على الظلم، لن يأمن أبدا في محيط عربي وإسلامي سيظل معاديا له، مهما اجترحت الدول العظمى، ومعها الأنظمة العربية المتخاذلة والمستسلمة، من وسائل لسلام مصطنع لا يمكن أن يستمر. وسيظل قادته يستنفرون الشعب ويعبئونه عسكريا ونفسيا، وبكل طاقاته وإمكاناته البشرية والإقتصادية. لكي يحموا مقومات وجود غير شرعي، ضد غامة (عربية) ستظل شعوبها تطالب باستعادة حقها المغتصب الذي لن يموت ، وضد شعب (فلسطيني) سيظل يناضل في سبيل استرداد أرضه التي اقتلع منها بالقهر وقوة السلاح.

ويتأكد لنا ذلك من دراستنا للإحصاءات التي تقدمها مؤسسات الأبحاث الإحصائية عن القوة العسكرية الصهيونية، ففي دراسة أعدتها مؤسسة العلاقات الدولية والاستراتيجية بالاشتراك مع جامعة باريس - الشمال عام 1991، تبين ما يلي:

· يبلغ عدد سكان "إسرائيل" 4.579.000 نسمة (منهم 3.734.000 يهودي) ، وفيهم : 564.000 من الذكور و 534.000 من الإناث (ما بين الـ18 والـ32 عاما).

- يبلغ تعداد الجيش الصهيوني : 141.000 عسكري (منهم 110.000 مجند).

- يبلغ تعداد الجيش الصهيوني عند إعلان التعبئة العامة 504.000 عسكري، فيهم:

-494000 عسكري في القوات البرية.

-1000عسكري في القوات البحرية.

- 9000عسكري في القوات الجوية (35) .

فإذا اعتمدنا عدد المقاتلين في الكيان الصهيوني عند إعلان التعبئة العامة وهو 504.000 مقاتل،كأساس لحسبان نسبة هذا الجيش (المعبأ) إلى : عدد سكان الكيان، ثم عدد الذكور منهم، نجد ما يلي:

- تبلغ نسبة الجيش المعبأ إلى العدد الإجمالي لسكان الكيان: 11% (مع العلم أن النسبة المتعارف عليها عالميا، هي 10% من مجموع السكان).

- تبلغ نسبة هذا الجيش إلى عدد اليهود في الكيان 13.5%.

- تبلغ نسبة هذا الجيش إلى عدد الذكور في الكيان (من سن الـ18 إلى سن الـ32، وهي السن التي يدعى فيها الشباب، عادة ، إلى الخدمة العسكرية الإجبارية) : 89.36%.

- تبلغ نسبة هذا الجيش إلى عدد البالغين ما بين 18 و 32 سنة، من الذكور والإناث معا (وعددهم 1.098.000) = 45.9%.

فإذا أجرينا تقييما لهذه النسب، نجد أنها مرتفعة جدا، وخصوصا بالنسبة إلى عدد اليهود في الكيان (13.5%) وإلى عدد الذكور فيها، الذين يدعون، عادة، إلى الخدمة العسكرية الإجبارية (89.36%) أو إلى عدد الذكور والإناث الذين يدعون إلى هذه الخدمة (45.90%).

يضاف إلى ذلك أن نظام الخدمة العسكرية الإجبارية يقضي بأن يخدم المجند:

-48 شهرا، للضباط.

-36شهرا، لباقي العسكريين الذكور.

-24 شهرا، للنساء.

ثم يخضعون، بعدها، لتدريب دوري سنوي،حتى سن الـ54 للرجال والـ 24 للإناث غير المتزوجات. وتكون مدة التدريب السنوي شهرا واحدا، مما يجعل الدولة تحتفظ بنسبة كبيرة من الشعب في حالة بدنية وذهنية لائقة للقتال، هذا بالإضافة إلى ما تتميز به دولة الكيان من قوة نووية (36) .

وقد بلغت ميزانية الدفاع في الكيان لعام 1989: 11.54 مليار شاقل جديد (6.02 مليارات دولار أميركي) من أصل الميزانية العامة للعام المذكور، وقدرها: 76.5 مليار شاقل جديد (39.919 مليار دولار أميركي) أي ما يعادل نسبة 15.08 % من مجموع الميزانية العامة للدولة، وهي نسبة مرتفعة جدا ، خصوصا إذا ما علمنا أن الكيان الصهيوني يأتي، من حيث نفقات الدفاع في ميزانية عام 1989 ، في المرتبة الواحدة والعشرين بين دول العالم وعددها 131 دولة.

وتعتبر نسبة التعبئة العسكرية في الكيان الصهيوني أعلى نسبة للتعبئة في العالم، فهي تعبئ، من أصل أربعة ملايين ونصف المليون (الذين هم سكان الكيان ، ومنهم نحو ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف يهودي)، أكثر من نصف مليون مواطن (504 آلاف عسكري هو مجموع القوات المسلحة ، منهم 141 ألف عسكري يؤلفون الجيش النظامي ، و 403 آلاف عسكري من الاحتياط، وذلك لإحصاءات عام 1989، كما سبق أن رأينا). كما أن الكيان الصهيوني يستخدم أفضل نظام للتعبئة وأسرعه في العالم، إذ يصل، بفضله، مجموع القوات المسلحة الصهيونية إلى نصف مليون عسكري بعد 72 ساعة فقط من إعلان التعبئة العامة.

وقد سبق أن رأينا أن نسبة التعبئة مرتفعة جدا في الكيان الصهيوني، سواء بالنسبة إلى مجموع السكان (من يهود وعرب: 11%) أو بالنسبة إلى لسكان اليهود فقط (13.5%) ، أو بالنسبة إلى الذكور والإناث الذين هم في سن التعبئة (45.90%).

ولهذا يمكن القول أن "مسؤولية الحرب" في الكيان الصهيوني هي مسؤولية الأمة بأسرها، وليست مسؤولية القيادة السياسية أو العسكرية وحدها.

ويعي قادة الكيان، ولا شك، خطورة اختيارهم فلسطين وطنا لليهود في قلب أمة عربية يمتد وطنها من المحيط إلى الخليج، ويزيد عدد سكانها على المائتي مليون نسمة، وهي تتقدم، بإطراد، في كل المجالات العلمية والتقنية والاجتماعية، ولن يمضي زمن طويل حتى تبلغ ، في هذه المجالات، مرتبة تجعلها تنافس الدول المتقدمة. كما أنهم يعون جيدا، صعوبة، بل استحالة انخراطهم في محيط عربي وإسلامي هم معادون له لأنهم معتدون ودخيلون عليه، ذلك أنهم يمثلون، بالنسبة إلى هذا المحيط، "صليبية جديدة" لا بد من التخلص منها، مهما طال الزمن.

لذا، فإن مبدأ "الحرب الجماعية" أو "الأمة المسلحة" هو قدر الكيان المحتوم، ولن يكون له قدر سواه. ويفرض المبدأ على الكيان الصهيوني ما يلي:

1)إتخاذ الحيطة الدائمة، وذلك يعني اتباع نظام صارم في التعبئة العسكرية والاستنفار لا مثيل له في العالم، وهو استنفار لا بد من أن يظل يقظا دائما، وأن يشمل جميع مرافق الحياة في الكيان، وأن يتميز بالأمور التالية:

أ- الاعتماد على جيش محترف ومتطور (141.000 جندي) يعتبر نواة القوات المسلحة العامة (504.000 جندي) التي تتألف في زمن الحرب، من الجيش المحترف وجيش الاحتياط معا. وهذا ما يفرض على الكيان الإحتفاظ بطاقتها البشرية "وتجميد جزء كبير من اليد العاملة المسلحة غير المنتجة" (38) ، في زمن السلم، وتجميد كل طاقاتها العاملة والمنتجة طيلة مدة الحرب.

ب- تحديث نظامها التعبوي وتطويره حتى أصبح "من خيرة أنظمة الاحتياط في العالم" (39) ، سواء من حيث اختصار الفترة الزمنية اللازمة لتعبئة الاحتياط إلى أقصر فترة ممكنة (72 ساعة)، أو توسيع "هامش الزمن" اللازم للقيادة العسكرية لإعلان التعبئة ، وذلك بفضل استخبارات متطورة ومتقدمة تقنيا.

ج- الاعتماد على نظام استخبارات متقدم ومتطور يتيح للقيادتين السياسية والعسكرية الاستعلام عن العدو واكتشاف نواياه في أقصر مدة ممكنة، الأمر الذي يتيح لهاتين القيادتين هامشا واسعا من المناورة السياسية والعسكرية يضمن لهما قدرا كبيرا من النجاح وبالتالي من الانتصار في الحرب، باعتبار أن زمام المبادر يصبح في أيدي تلك القيادتين.

2) أن ما يؤكد كون المجتمع الصهيوني "مجتمع حرب " بالكامل، هو ما تعتمده القيادة السياسية الصهيونية في زمن الحرب من تدابير صارمة تخضع لها كل مرافق الحياة في الدولة العبرية، بحيث يصبح "السكان والإقتصاد والسياسة" وكل تلك المرافق "جزءا من استراتيجية الحرب". وهذا ما يفرض على سكان الكيان الصهيوني، بكامله، وبلا استثناء، الاندماج "في المجهود الحربي" في مختلف المجالات (40) .

3) تعي دولة الكيان جيدا ما يعتريها من نقص في عدد السكان بالنسبة إلى البلدان العربية المعادية لها والمحيطة بها، ومن ضحالة في العمق الجغرافي، لذلك فهي تعتمد ، للتعويض عن هذا النقص، ما يلي:

أ- إعداد جيش متفوق من الوجهتين العلمية والتقنية ومتمتع بمستوى عال من الكفاءة الحربية والتدريب العسكري.

ب- تنظيم دفاع إقليمي متين، يعتمد على القوى الزراعية الاشتراكية المسلحة (الكيبوتز) وعلى السكان غير المجندين.

ج- الاعتماد على إستراتيجية عسكرية تترك للقيادتين السياسية والعسكرية المبادرة في شن هجوم وبدء الحرب، وهي استراتيجية "الحرب المسبقة" واستراتيجية "نقل الحرب إلى أرض العدو".

4)إعتماد الكيان، في استعداداته العسكرية ، على ثلاثة أسس ثابتة هي: الجيش النظامي، والجيش المعبأ (بما في ذلك المستوى العالي لتقنية نظام الاحتياط، والمستوى العالي لتقنية الاستعلام العسكري) ونظام الدفاع الإقليمي القائم على المستوطنات.

5)المحافظة على مبدأ "التفوق المطلق" في المجالات العسكرية والتقنية، مما يحتم عليها متابعة التطور التكنولوجي والعلمي في جميع مجالاته، ولا سيما العسكرية منها، ووضع "البحوث العلمية والتكنولوجية والإلكترونية" في خدمة المصلحة العسكرية بغية استثمارها في الحرب. (41)

6)إعتماد مبدأ "التعبئة الكاملة" لكل أفراد الشعب وكل الشرائح الإجتماعية "من الناحيتين المادية والمعنوية، وفي أوقات الأزمات القومية" الأمر الذي يتيح لها أن تسلم السلاح، لكل مواطن من مواطنيها" بلا خوف ولا حذر، مطبقة بذلك، مبدأ "الحرب الجماعية أو الأمة المسلحة" بلا تعقيدات ، حيث تستطيع الاعتماد على الشعب كله في الإسهام "بالمجهود الحربي" للأمة، إسهاما كليا، مما يؤمن لها عنصر "التفوق الكيفي" لقواتها المسلحة، ويجعلها تتلافى المخاطر الناجمة عن "النقص الديموغرافي" الذي تعانيه مقابل التفوق الكمي" لأعدائها العرب (42) .

7) اعتماد الهجرات اليهودية الكثيفة وخصوصا من الإتحاد السوفياتي السابق، لسد النقص الديموغرافي في الكيان، وتتعمد دولة الكيان في اختيار المهاجرين إليها أن يكونوا:

أ- من الشباب القادر على حمل السلاح ، أو المتمرس في القتال.

ب- من المتفوقين في العلوم التقنية والأبحاث العلمية (43) .

وهكذا يمكن القول، بحق، أن الكيان الصهيوني "أمة مسلحة" وأن المجتمع الصهيوني هو "مجتمع حرب"، وهو أمر توارثه اليهود عن السلف ، جيلا بعد جيل، تماما كما توارثوا الطبيعة العدوانية والعنف والإرهاب واحتلال أرض الغير والرغبة في التوسع والنزعة إلى التسلط والسيطرة.

 

 

 ______________________________________________________________

الهوامش:

1) ابن كثير، أبو الفداء الحافظ، البداية والنهاية، جـ 1: 298

2)العهد القديم، عد 1: 2-3

3)م.ن. عد 1: 46

4)م.ن.عد 1: 47

5)م.ن.عد2: 1-24. وقد ورد في القرآن الكريم أن الله عز وجل أخذ ميثاق بني "إسرائيل"، نبعث منهم "اثني عشر نقيبا" (المائدة 5-12). وإذ يذكر ابن كثير هذه الآية في مجال الاستشهاد بأن الله عز وجل أمر موسى أن يجند بني "إسرائيل" ويجعل عليهم نقباء، نجد أن النصف الأخير من الآية نفسها يفسر النصف الأول منها ويضع شروطا لها، قال تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل"، ويستطرد الله عز وجل في آية تالية متممة للآية السابقة : "فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين". (المائدة 5 12-13). وهكذا يتبين من تفسير هاتين الآيتين (القرطبي والجلالين) أن النقباء ليسوا قادة جيوش (كما تصور ابن كثير، جـ 1: 298)، وإنما هم كفلاء على قومهم بالوفاء بالعهد الذي أخذه الله عليهم (تفسير الجلالين) أو هم كبار القوم، تكفل كل منهم بسبطه "أن يؤمنوا بالله ويتقوا الله" (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جـ6: 112)، أو هم أفراد بعثة التجسس التي أوفدها موسى لاستكشاف أرض كنعان ( م.ن.جـ 6: 113).

6)العهد القديم، عد 1: 1

7)م.ن.قض 20: 1-2

8)م.ن.عد 25: 1-3

9)م.ن.عد 25: 9

10)م.ن.عد 26: 1-3

11) م.ن.عد 26: 5-51

12) م.ن.عد 1: 48-53 وعد3: 15 و 39.

13)م.ن.2اخ 25: 5

14)م.ن.2أخ 25: 6

15) م.ن.2 اخ 25: 7-11

16)م.ن.عد1: 20 وعد 2: 3-4

17)م.ن.عد 1: 19-46، حيث تتكرر عبارة "من ابن عشرين سنة فصاعدا" في معظم الفقرات.

18)م.ن،ع4: 47 _48. وقد سبق أن أحصي اللاويون الذكر "من ابن شهر فصاعدا "فبلغو اثنين وعشرين ألفا" م.ن،عد3: 39

19) أنظر ، لهذه الإحصاءات ، عد 1-4

20)الصليبي، كمال، خفايا التوراة وأسرار شعب "إسرائيل"، ص 254

21) العهد القديم، عد 1: 1

22)م.ن.1اخ12: 24-39

23) م.ن.1اخ12: 24-39

24)م.ن.1اخ12: 29

25)م.ن.1اخ 21: 29

26)م.ن.2 صم 24: 9 ويشير محققو العهد القديم إلى أن هذه الأرقام مبالغ فيها "ما في كثير من الأرقام المماثلة في العهد القديم"، (م.ن.ص 618 حاشية 4).

27)الدبس، يوسف تاريخ سوريا الدنيوي والديني، ج2ك 325

28)العهد القديم ، ص 617 حاشية (3).

29)م.ن. 2 صم 24ك 5-6

30)م.ن. 1مك 14: 9-10

31)م.ن.تث20: 5-8

32)م.ن.ص 962 حاشية 11

33)م.ن.10 مك3: 55-56 ومن هذه الأحكام انه: "إذا اتخذ رجل امرأة حديثة عهد به، فلا يخرج في الجيش، ولا يحمل عبئا ما، بل ليتفرغ لبيته سنة واحدة، يسر امرأته التي اتخذها" (م.ن.تث 24: 5)

34)م.ن.تث 20: 1-4

35) Boniface, Pascal. et autres, l'annee Strategique 1991 , les equilibre militaires, 1991 - 1991, p 406

36)Ibid.

37) Ibid p. 265

38)الأيوبي، الهيثم، دروس الحرب الرابعة ، ص 77

39) م.ن.ص 78

40)الون ، يغال، ثلاث حروب وسلام واحد، ص 109-110

41) م.ن.ص 112

42) م.ن.ص 169-170

43) أنظر بحثا في الهجرة المكثفة لليهود السوفيات إلى فلسطين في boniface. Op. Cit. p. 143