كتاب أرض فلسطين وشعبها
سلسلة دراسات منهجية في القضية الفلسطينية
د. محسن محمد صالح
الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية
وتاريخ العرب الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
تسعى
سلسلة "دراسات منهجية في القضية الفلسطينية" إلى توسيع دائرة
الاهتمام الثقافي والشعبي بالقضية الفلسطينية. وهي سلسلة من
الدراسات العلمية الموثقة التي تتناول الجوانب المختلفة في القضية
الفلسطينية بما يجعلها مدخلاً لمن يرغب ـ فيما بعد ـ في الانطلاق
إلى ميادين التخصص.
ويتحدث كتاب "أرض فلسطين وشعبها" عن أرض فلسطين من الناحية
التاريخية والجغرافية، ومكانتها في الإسلام، ويُفنِّد ادعاءات
اليهود بحقهم في أرض فلسطين، ويتحدث عن تطور الاستيطان اليهودي
ومصادرة الأراضي، ويكشف زيف الادعاءات القائلة أن الفلسطينيين
باعوا أرضهم لليهود، كما يتحدث عن القدس وما تتعرض له المقدسات
الإسلامية من محاولة مصادرة وطمس وتهويد.
كما
يتحدث الكتاب عن تكوين الشعب الفلسطيني عبر التاريخ، وعن شعب
فلسطين في الأرض المحتلة سنة 1948، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة،
وفي خارج فلسطين، ويشرح معاناة الفلسطينيين وما تعرضوا له من مذابح
وآلام.
نسأل
الله سبحانه أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
المؤلف
الفصل الأول
أرض فلسطين
فلسطين:
يطلق
اسم فلسطين على القسم الجنوبي الغربي من بلاد الشام، وهي الأرض
الواقعة غربي آسيا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وفلسطين ذات
موقع استراتيجي مهم، إذ تعد صلة الوصل بين قارتي آسيا وإفريقيا،
ونقطة التقاء جناحي العالم الإسلامي.
وأقدم
اسم معروف لهذه البلاد هو "أرض كنعان"، لأن أول شعب تاريخي استقر
فيها هم الكنعانيون، الذين جاءوا من جزيرة العرب أوائل الألف
الثالث قبل الميلاد. واسم فلسطين اسمٌ مشتقٌ من اسم أقوام بحرية
لعلها جاءت من غرب آسيا الصغرى ومناطق بحر إيجة حوالي القرن الثاني
عشر قبل الميلاد، وورد اسمها في النقوش المصرية "ب ل س ت
PLST"،
وربما أضيفت النون بعد ذلك للجمع، وقد سكنوا المناطق الساحلية،
واندمجوا بالكنعانيين بسرعة، لكنهم أعطوا الأرض اسمهم.
ولم
يتحدد شكل فلسطين وحدودها الجغرافية المتعارف عليها في عصرنا هذا
إلا أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين (1920 ـ 1923)، وقد كان تحديد
أرض فلسطين يضيق ويتسع باختلاف العصور المتعاقبة عليها غير أنها
ظلت جزءاً تاريخياً من بلاد الشام. ومن الصعب متابعة حدود فلسطين
التاريخية، لأن طبيعة دراستنا هنا لا تميل إلى التفصيل الدقيق، غير
أننا سنمر بأهم معالم التطور التاريخي لهذه الحدود. ففي العهد
البيزنطي، ومنذ أواسط القرن الرابع للميلاد، قُسِّمت فلسطين إلى
ثلاث وحدات إدارية، هي:
1 ـ
فلسطين الأولى
Palaestina I
:
وتشمل المنطقة من جنوب جبل الكرمل ومرج ابن عامر إلى خطٍّ يبدأ
جنوبي رفح ويمتد شرقاً إلى وسط البحر الميت، وكان حدُّها الشرقي
يضم أجزاء من شرق الأردن، فيمر خط حدودها من جنوبي بيسان ويقطع نهر
الأردن بحيث يحيط بالمنطقة بين عجلون شمالاً وطرف البحر الميت
الشمالي الشرقي، وكان مركز فلسطين الأولى مدينة قيسارية، ومن مدنها
القدس ونابلس ويافا وغزة وعسقلان.
2 ـ
فلسطين الثانية
Palaestina
II:
وكانت تشمل جبال الجليل ومرج ابن عامر والمرتفعات الواقعة إلى
الشرق من بحيرة طبرية، أي أجزاء من شرق الأردن وسوريا الحالية.
3 ـ
فلسطين الثالثة
Palaestina
III:
وكانت تضم المنطقة الواقعة جنوب خط رفح- البحر الميت، إلى خليج
العقبة، وكان مركزها مدينة البتراء الواقعة الآن في شرق الأردن[1].
وعندما دخلت فلسطين تحت الحكم الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب رضي
الله عنه عُدَّت جزءاً من بلاد الشام، حيث قسمت الدولة إلى سبعة
أمصار، وكانت بلاد الشام أحد هذه الأمصار. وقد قُسِّمت الشام
إدارياً إلى أجناد في عهد الراشدين، هي جُنْدُ حمص، وجند دمشق،
وجند فلسطين، وجند الأردن، وفي العهد الأموي أضيف جند خامس هو جند
قنسرين، وكان جند فلسطين يمتد من رفح على الحدود مع سيناء إلى
اللجون، وهي مدينةٌ تقع على بعد 18 كم شمالي غرب مدينة جنين. وكانت
اللدُّ عاصمة جند فلسطين إلى أن تولى سليمان بن عبد الملك ولاية
هذا الجند في عهد أخيه الوليد بن عبد الملك (86 ـ96هـ)، فأمر
سليمان ببناء مدينة الرملة التي أصبحت عاصمة هذا الجند. ثم ما لبث
جُند فلسطين أن أصبح ولاية مستقلة في العصر العباسي، بعد عهد أبي
العباس السفاح، وظل مركزها الرملة. وكانت مقسومة إلى اثنتي عشرة
"كُورة" هي الرملة، وإيلياء (القدس)، وعمواس، واللد، ويبنة، ويافا،
وقيسارية، ونابلس، وسبسطية، وعسقلان، وغزة، وبيت جبرين، ويضم إليها
نواحي زغر، وديار قوم لوط، والشراة والجبال حتى أيلة على خليج
العقبة.
أمَّا
جُند الأردن فقد كان يضم وفق الاعتبارات المعاصرة أجزاء من شرق
الأردن وشمال فلسطين وجنوب لبنان، وكان هو أصغر أجناد الشام، وكان
مركزه (عاصمته) طبرية، ويضم ثلاث عشرة "كُورة"هي طبرية، والسامرة،
وبيسان، وفحل، وجرش، وبيت راس، وجدر، وآبل، وسوسية، وصفورية، وعكا،
وقَدَس (شمال صفد)، وصور.

وفي
عهد المماليك (1250 ـ 1517)، قُسِّمت بلاد الشام إدارياً إلى
"نيابات"، وارتبطت أرض فلسطين بثلاث نيابات هي نيابة صفد، ونيابة
القدس، ونيابة غزة، وكانت نيابة صفد تضم أجزاء من شمال فلسطين
وجنوب لبنان حتى نهر الليطاني. وفي العهد العثماني في بلاد الشام
(1516 ـ 1918)، قسمت بلاد الشام إلى ثلاث إيالات "ولايات"، هي
إيالة دمشق، وإيالة حلب، وإيالة طرابلس، وألحقت بكل إيالة وحدات
إدارية تسمى "سناجق" وكانت سناجق نابلس وغزة والقدس واللجون وصفد
تتبع إيالة دمشق، وكان سنجق نابلس يضم أجزاء من شرق الأردن. وعندما
استُحدثت إيالة صيدا سنة 1660 ضُمَّت مناطق صفد إليها، وانتقل مركز
هذه الإيالة إلى عكا عام 1777، وتَبِعت ألوية القدس ونابلس
والبلقاء فيما بعد إيالة صيدا. وعندما صدر نظام الولايات الجديد
سنة 1864 ضُمَّت إيالة صيدا إلى ولاية سوريا.
وعندما أُنشئت ولاية بيروت سنة 1887 فُصل لواء عكا والبلقاء
وثلاثة ألوية أخرى عن ولاية سوريا لتُكوِّن الولايات الجديدة.
وكانت ولاية بيروت تمتد إلى منتصف الطريق بين نابلس والقدس،
ضامَّةً بذلك لواء البلقاء الذي كان مركزه نابلس، وكان يضم أقضية
جنين، وبني صعب وجماعين والسلط، في حين ضم لواء عكا أقضية حيفا
والناصرة وطبريا وصفد، وقد ظلت هذه الأجزاء من شمال فلسطين جزءاً
من ولاية بيروت حتى عام 1914. أما لواء القدس، فنظراً لأهميته
ومخاوف الدولة العثمانية من الأطماع اليهودية الصهيونية فيه، ومن
تدخلات الدول الأجنبية في شؤونه، فقد قامت بفصله عن ولاية سوريا،
وأعلنته متصرفيةً مستقلةً وربطته بالحكومة المركزية في العاصمة
ربطاً مباشراً منذ عام 1874، وضمت هذه المتصرفية مناطق وسط فلسطين
وجنوبها، وتبعتها أقضية القدس ويافا وغزة والخليل. وفي عام 1909
أنشئ قضاء بئر السبع وكان قبل ذلك جزءاً من قضاء غزة. ونظراً لقوة
متصرفية القدس فقد حدث أكثر من مرة أن أُلحق بها لواء نابلس
(البلقاء) كما حدث أن ألحق بها قضاء الناصرة خلال الفترة 1906 ـ
1909. وقد استمرت متصرفية القدس حتى نهاية الدولة العثمانية[2].
لقد
أردنا من هذا الاستطراد في الحديث عن الحدود الجغرافية لفلسطين
التأكيد على عدد من المعاني أهمها:
-
إنَّ تسمية فلسطين تسميةٌ قديمةٌ وهي غالباً ما تغطي المنطقة بين
البحر المتوسط والبحر الميت ونهر الأردن.
-
إنَّ فلسطين جزء من بلاد الشام، ولم تكن التقسيمات الإدارية أو
التسميات أو توسيع بعض المناطق وتضييقها ليؤثر على شعور أبنائها
الأصيل بأنهم أبناء أمُةٍ مسلمةٍ واحدة، وأن ولاءهم للحكم لا يهتز
ما دام مسلماً.
- ولم
تكن التقسيمات الإدارية سوى تقسيمات فنية، لتسهيل متابعة الدولة
المسلمة لشؤون الأقاليم، ولم يكن تغييرها ليثير أية حساسيات حقيقية
لدى عامة الناس. وكانت هذه التغييرات تحدث كما يحدث الآن في أي بلد
من توسيعٍ أو تضييقٍ أو إعادة تسميةٍ للمحافظات والأقضية، دون أن
يمس ذلك جوهر حياة الناس. وعلى ذلك، فقد كان طبيعياً أن يكون شمال
فلسطين جزءاً من جند الأردن وأجزاءً من شرق الأردن جزءاً من جند
فلسطين، ثم يحدث أن تتبع أجزاء من شمال فلسطين ولاية بيروت، وأن
يكون مركز لواء البلقاء هو مدينة نابلس، .. إلخ.
- إن
المشاعر الإقليمية الضيقة لم تكن لتوجد بين أبناء بلاد الشام
(والمسلمين بشكل عام)، فكانت حرية التنقل والحركة والإقامة والعمل
والتملك أموراً عادية يمارسها الجميع دون قيد أو حرج.
- إن
التحديدات والجنسيات الإقليمية كانت بعيدة تماماً عن حس المسلم
طوال العهد الإسلامي حتى نهاية الدولة العثمانية، ولم تنبت بذورها
إلا في عهد الاستعمار الغربي، ولكنها لم تتجذر للأسف إلا بظهور
الدول الإقليمية العربية والإسلامية المستقلة.
وكان
من عادة العرب أن يطلقوا على أرض فلسطين اسم "سوريا الجنوبية" وذلك
باعتبارها جزءاً من سوريا (بلاد الشام). وفي أثناء عهد الحكومة
العربية في دمشق، (منذ أوائل أكتوبر 1918 حتى يوليو 1920) كانت
فلسطين ـ على الرغم من الاحتلال البريطاني ـ ممثلة في المؤتمر
السوري العام، وأول جريدة عربية ظهرت بعد الاحتلال البريطاني حملت
اسم "سوريا الجنوبية". وكان الكثير من رجالات فلسطين في دمشق،
ومنهم نواب في المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سوريا في 8 مارس
1920. ولم يغب هذا الاسم عن فلسطين إلا بعد معركة ميسلون،
والاحتلال الفرنسي لسوريا، وسقوط الحكم العربي فيها (يوليو 1920)[3].
وتحت
الاحتلال البريطاني تعينت الحدود بين فلسطين من جهة، وبين لبنان
وسورية من جهة أخرى بموجب الاتفاق الفرنسي ـ البريطاني، المنعقد في
23 ديسمبر 1920، وقد حدث عليها بعض التعديل عام 1922 ـ 1923. أما
حدود فلسطين مع شرق الأردن فقد حددها المندوب السامي لفلسطين وشرق
الأردن في الأول من سبتمبر 1922. وبهذا التحديد بلغت مساحة فلسطين
27009 كيلومترات مربعة، وامتدت بين خطي عرض 30َ 29ْ و 15َ 33ْ
شمالاً، وبين خطي طول 15َ 34ْ و 40َ 35ْ شرقي غرينتش[4].
وبلغت حدود فلسطين مع شرق الأردن 360 كم، ومع سوريا 70 كم، ومع
لبنان 79 كم، ومع مصر 210 كم. أما الساحل الفلسطيني على البحر
المتوسط فيبلغ طوله 224 كم.

جغرافية فلسطين ( التضاريس والمناخ)
يمكن
أن تقسم فلسطين إلى ثلاثة قطاعات طولية رئيسية هي السهل الساحلي،
والمرتفعات الجبلية الوسطى التي تشغل معظم مساحة فلسطين، والأخدود
الأردني. ويضيق السهل الساحلي بمحاذاة جبل الكرمل عند حيفا إلى 200
متر، ويتسع جنوباً ليزيد عرضه عن ثلاثين كيلومتراً في منطقة غزة،
وهو منطقة تركز سكاني واقتصادي كبير. وفي الوقت الحالي يتركز حوالي
ثلاثة أرباع سكان فلسطين فيه، وفضلاً عن النشاط الاقتصادي للموانئ
وخصوصاً حيفا، فإنه يعد من المناطق الزراعية المهمة وخصوصاً
للحمضيات. أما مرتفعات وسط فلسطين فهي تشمل جبال نابلس وجبال
الخليل وهضبة النقب، ويبلغ ارتفاع جبالها إلى حوالي ألف متر، فيصل
جبل حلحول إلى 1020 متراً ، وجبل جرزيم وعيبال إلى 940 متراً . وفي
سلسلة جبال الجليل شمال فلسطين، تقع أعلى قمم جبال فلسطين، حيث
يرتفع جبل الجرمق إلى 1208 أمتار.

وقد
نشأت في هذه المرتفعات عددٌ من حواضر فلسطين المهمة مثل القدس
ونابلس والخليل وبيت لحم ورام الله. ورغم وعورة السطح إلا أن هذه
المناطق ظلت منذ آلاف السنين مراكز للعمران القروي، حيث تغطي
الكثيرَ من السفوح تربةٌ صالحة للزراعة، استخدمها الفلاح الفلسطيني
لإنتاج الحبوب و الخضراوات وزراعة أشجار الزيتون والكروم واللوزيات
فضلاً عن الرعي وتربية الماشية. أما هضبة النقب التي تصل مساحتها
إلى عشرة آلاف كم2 فهي صحراوية قليلة الإمكانات باستثناء مشارفها
الشمالية، أما أجزاؤها الأخرى فلا يصيبها سوى 50 مم أو أقل من
المطر، وهي أقل مناطق فلسطين كثافة سكانية.
ويمتد
الأخدود الأردني مسافة 460كم من قواعد جبل الشيخ شمالاً إلى خليج
العقبة جنوباً، وعلى طول الحدود الأردنية الفلسطينية، ويجري نهر
الأردن في جزئه الشمالي، ليدخل في بحيرة طبرية ثم يخرج منها ليصب
في البحر الميت على منسوب يقل عن 395 متراً تحت سطح البحر. أما
البحر الميت فينتشر على مساحة 940 كم2، ومياهه أشد ملوحة من أي بحر
أو بحيرة أخرى على وجه الأرض، ولا توجد فيه حياة بحرية. ومنطقة غور
الأردن والبحر الميت هي أكثر المناطق انخفاضاً عن سطح البحر من أي
مكان آخر على وجه الأرض، وتتميز هذه المناطق بحرارتها طوال العام،
ويزرع سكانها النخيل والموز والخضراوات. وفي هذه المنطقة من الجانب
الفلسطيني تقع أقدم مدينة في التاريخ وهي مدينة أريحا، التي نشأت
حوالي سنة 8000 قبل الميلاد. وإلى الجنوب من البحر الميت يستمر هذا
الأخدود أكثر من 150 كم، وهو ما يطلق عليه وادي عربة، غير أنه كلما
اتجه جنوباً زاد ارتفاعاً، ثم يبدأ بالانخفاض من جديد إلى أن يصل
إلى مستوى سطح البحر على شاطئ خليج العقبة.
والمناخ في فلسطين هو مناخ البحر المتوسط بشكل عام، وهو حار جاف
صيفاً دافئ ممطر شتاء، وتتراوح معدلات نزول الأمطار من 600 ـ 800مم
سنوياً في مرتفعات الجليل ونابلس والخليل. وفي السهل الساحلي
تتضاءل كمية الأمطار كلما اتجهنا جنوباً، حيث تبدأ منطقة الكرمل
بحوالي 800 مم، حتى تصل في منطقة رفح إلى حوالي 150 مم سنوياً. أما
في منطقة غور الأردن فيصل معدل الأمطار إلى 200 مم سنوياً، وفي
النقب 50مم سنوياً.
أما
درجات الحرارة فالمناخ معتدل نسبياً بشكل عام، فمعدل درجة الحرارة
الدنيا لأبرد الشهور في القدس هو في يناير 8ْ م ، وفي أغسطس 25ْ م
وهو أعلاها حرارة، وفي السهل الساحلي لا يتدنى معدل الحرارة عن 19ْ
م، ولا يزيد (المعدل الأدنى) عن 26ْ م في أغسطس. أم النهايات
القصوى للحرارة فتنخفض إلى الصفر في الشتاء، خصوصاً في المرتفعات
الجبلية، وتصل إلى 40 درجة في الصيف خصوصاً في مناطق غور الأردن[5].
مكانة فلسطين الإسلامية
تتمتع
أرض فلسطين بمكانة خاصة في التصور الإسلامي، وهي المكانة التي
جعلتها محط أنظار المسلمين ومهوى أفئدتهم، وسنشير هنا باختصار إلى
أهم النقاط التي جعلتها تحظى بهذه المكانة:
- في
أرض فلسطين المسجد الأقصى المبارك، وهو أول قبلة للمسلمين في
صلاتهم، كما يُعدُّ ثالث المساجد مكانة ومنـزلة في الإسلام بعد
المسجد الحرام والمسجد النبوي، ويُسنُّ شد الرحال إليه وزيارته،
والصلاة فيه بخمسمائة صلاة عما سواه من المساجد. فعن أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تشد الرحال إلا إلى
ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"[6]،
وقال صلى الله عليه وسلم:" الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف
صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة
صلاة"[7]. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه " أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار،
وأنه صلى قبل بيت المقدس"[8].
وروى
الطبري في تاريخه عن قتادة قال:" كانوا يُصلُّون نحو بيت المقدس
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، وبعدما هاجر رسول
الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم
وجَّه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام"[9].
وعن
أبي ذر رضي الله عنه قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
أول مسجد وضع في الأرض، قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي، قال:
المسجد الأقصى"[10]. وعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه
وسلم أنها قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال:" ائتوه
فصلوا فيه، فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله"[11].
وعن
أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد
الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، أو
"وجبت له الجنة"، ثم قال: يرحم الله وكيعاً أحرم من بيت المقدس
(يعني إلى مكة)[12]. ورواه البيهقي وابن حبان في صحيحه
ولفظه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من أهلَّ من
المسجد الأقصى بعمرةٍ غفر له ما تقدم من ذنبه"، قال: فركِبَت أم
حكيم إلى بيت المقدس حتى أهلت منه بعمرة.
-
وأرض فلسطين أرض مباركة بنص القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي
أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[13]،
وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي
بَارَكْنَا فِيهَا﴾[14]،
قال ابن كثير: بلاد الشام[15]، وقوله تعالى:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى
الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾[16]،
قال ابن كثير: بلاد الشام[17]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى
ظَاهِرَةً﴾[18]،
قال ابن عباس: القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس[19].
والبركة هنا حسية ومعنوية لما فيها من ثمار وخيرات، ولما خصت به من
مكانة، ولكونها مقر الأنبياء ومهبط الملائكة الأطهار.
- وهي
أرض مقدسة بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى على لسان موسى عليه
السلام: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي
كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾[20]،
قال الزجاج: المقدسة : الطاهرة، وقيل سماها المقدسة لأنها طهرت من
الشرك وجعلت مسكناً للأنبياء والمؤمنين، قال الكلبي: الأرض المقدسة
هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشام كلها[21].
-
وفلسطين أرض الأنبياء ومبعثهم عليهم السلام، فعلى أرضها عاش
إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط، وداود وسليمان وصالح
وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ممن ورد ذكرهم في القرآن الكريم،
كما زارها محمد صلى الله عليه وسلم. كما عاش على أرضها الكثير من
أنبياء بني إسرائيل الذي كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاءهم
نبي، وممن ورد ذكرهم في الحديث الصحيح نبي الله يوشع عليه السلام[22].
ولذلك فإن المسلمين عندما يقرؤون القرآن الكريم يشعرون بارتباط
عظيم بينهم وبين هذه الأرض لأن ميدان الصراع بين الحق والباطل
تركَّز على هذه الأرض، ولأنهم يؤمنون بأنهم حاملو ميراث الأنبياء
ورافعو رايتهم.
-
وتكثر في فلسطين أضرحة ومقامات ومزارات الأنبياء، وهي تُخلِّد ذكرى
استقرارهم أو مرورهم في هذه الأماكن، فأبو الأنبياء إبراهيم عليه
السلام سميت باسمه إحدى أهم مدن فلسطين، وهي مدينة الخليل، ويقع
ضريحه في هذه المدينة داخل الحرم الإبراهيمي. وللنبي صالح سبعة
أماكن على الأقل تخلد ذكرى نزوله في فلسطين أحدها في الرملة، وله
فيها موسم زيارة سنوي مشهور، في شهر إبريل من كل عام. وهناك قرية
من قرى قضاء طولكرم اسمها "ارتاح" تناقل الناس جيلاً بعد جيل أن
يعقوب عليه السلام قد ارتاح فيها. وفي فلسطين أكثر من مقام للنبي
شعيب عليه السلام. وهناك مقام مشهور للنبي موسى عليه السلام قرب
أريحا، كما أن في القدس ضريح داود عليه السلام. أما المسيح عيسى
عليه السلام فهناك العديد من الأماكن التي تخلد ذكراه في القدس
وبيت لحم والناصرة وغيرها[23].
-
وفلسطين أرض الإسراء، فقد اختار الله سبحانه المسجد الأقصى ليكون
مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى، ومنه كان معراجه إلى السماء، فشرَّف الله بذلك هذا المسجد
وأرض فلسطين تشريفاً عظيماً، وجُعلت بيت المقدس بذلك بوابة الأرض
إلى السماء. وهناك في المسجد الأقصى جمع الله سبحانه لرسوله
الأنبياء من قبله فأمَّهم في الصلاة، دلالة على استمرار رسالة
التوحيد التي جاء بها الأنبياء، وعلى انتقال الإمامة والريادة
وأعباء الرسالة إلى الأمة الإسلامية.
فعن
أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:"أُتيت بالبراق فركبته، حتى أَتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة
التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم
عُرج بنا إلى السماء"[24].
وعن
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لقد
رأيتني في الحِجْر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء لم
أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط، فرفعه الله لي [أي بيت
المقدس] أنظر إليه ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني
في جماعة من الأنبياء [يعني في بيت المقدس] فإذا موسى قائم
يُصلِّي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى بن مريم
عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي،
وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني
نفسه صلى الله عليه وسلم، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من
الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالكٌ صاحب النار، فسَلِّم عليه،
فالتفتُّ إليه، فبدأني بالسلام"[25].
-
وتبسط الملائكة أجنحتها على أرض فلسطين، التي هي جزء من بلاد
الشام، ففي الحديث الصحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يا طوبى للشام، يا طوبى للشام،
قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها
على الشام"[26].
- وهي
أرض المحشر والمنشر، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ميمونة بنت سعد
مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت
المقدس، فقال:"أرض المحشر والمنشر"[27].
- وهي
عقر دار الإسلام، وقت اشتداد المحن والفتن، فعن سلمة بن نفيل قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عقر دار الإسلام بالشام"[28]،
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:"إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا
نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام"[29].
-
والمقيم المحتسب فيها كالمجاهد والمرابط في سبيل الله، فعن أبي
الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أهل
الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة
مرابطون في سبيل الله، فمن احتل مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن
احتل منها ثغراً فهو في جهاد"[30].
-وفي
أحاديث يفسر ويقوي بعضها بعضاً أن الطائفة المنصورة الثابتة على
الحق تسكن الشام وخصوصاً بيت المقدس وأكنافها، فعن أبي أمامة
مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم
كذلك، قيل: يا رسول الله أين هم؟، قال: بيت المقدس وأكناف بيت
المقدس"[31].
لمن الحق الديني والتاريخي في أرض فلسطين؟
أقام
اليهود حججهم في اغتصاب أرض فلسطين وإنشاء الكيان اليهودي الصهيوني
عليها، على ادعاءات دينية وتاريخية، ونحاول هنا أن نناقش الأمر من
هاتين الزاويتين:
أولاً : الادعاءات الدينية
الغريب في أمر الادعاءات الدينية أن اليهود يريدون من الآخرين أن
يقتنعوا ويؤمنوا بما يؤمنون به، ولو كان المسلمون يؤمنون بحق
اليهود في فلسطين لما حدثت صراعات وحروب. إن نقطة الالتقاء في
القناعات الدينية توجب أن يؤمن أحد الطرفين بما عند الآخر، وهو ما
يجعل الأمر يبدو مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا يوجد معايير
دقيقة يقبلها الطرفان، ويمكن الاحتكام إليها.
يبني
اليهود ادعاءاتهم الدينية على ما ينقلونه من التوراة المحرفة من
إعطاء الله سبحانه هذه الأرض لإبراهيم ونسله. ومما جاء فيها "وقال
الرب لإبراهيم: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض
التي أريك… فذهب إبراهيم كما قال الرب... فأتوا إلى أرض كنعان...
وظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض"[32]، وجاء
في التوراة المحرفة أيضاً "وسكن (إبراهيم) في أرض كنعان فقال له
الرب: ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً
وشرقاً وغرباً، لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى
الأبد"[33]، وجاء فيها أيضاً:"قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً
قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر
الفرات"[34].
كما
يحتجون بتراث أنبياء بني إسرائيل في الأرض المقدسة، وسعيهم لإسكان
أتباعهم فيها، ومد نفوذهم عليها كما فعل موسى ويوشع وداود وسليمان
عليهم السلام، غير أن الرؤية الإسلامية تنظر للأمر من زاوية
مختلفة، ويمكن إجمال رد المسلمين على اليهود في النقاط التالية:
أولاً: يؤمن المسلمون بكل الأنبياء، والإيمان بالأنبياء من أركان
الإيمان، والكفر بأي منهم ممن ثبتت رسالتهم (بما فيهم أنبياء بني
إسرائيل) كفرٌ يخرج عن الإسلام. غير أن المسلمين يؤمنون أن اليهود
حرَّفوا التوراة، وكذَّبوا أنبياءهم وقتلوا عدداً منهم، ولم يتبعوا
هداهم. ويؤمن المسلمون أنهم الأتباع الحقيقيون لهؤلاء الأنبياء،
وأنهم ورثة رسالتهم، في هذا الزمان وليس اليهود.
وإذا
كانت رابطة العقيدة والإيمان هي الأساس الذي يجتمع عليه المسلمون
مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم، فإن المسلمين هم أحق الناس بميراث
الأنبياء بما فيهم أنبياء بني إسرائيل؛ لأن المسلمين هم الذين لا
يزالون يرفعون الراية التي رفعها الأنبياء، وهم السائرون على دربهم
وطريقهم. وهؤلاء الأنبياء هم مسلمون موحدون حسب الفهم القرآني.
وانظر قوله تعالى : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ
نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ
وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾[35]،
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ
نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي
الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا
إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ
اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ
الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي
قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾[36].
وبشكل
عام، فأمة التوحيد واحدة من لدن آدم عليه السلام حتى يرث الله
الأرض ومن عليها، وأنبياء الله ورسله وأتباعهم هم جزء من أمة
التوحيد، ودعوة الإسلام هي امتداد لدعوتهم، والمسلمون هم أحق الناس
بأنبياء الله ورسله وميراثهم.
فرصيد
الأنبياء هو رصيدنا وتجربتهم هي تجربتنا، وتاريخهم هو تاريخنا،
والشرعية التي أعطاها الله للأنبياء وأتباعهم في حكم الأرض
المباركة المقدسة هي دلالة على شرعيتنا وحقنا في هذه الأرض وحكمها.
ثانياً:يؤمن المسلمون أن الله سبحانه وتعالى أعطى هذه الأرض لبني
إسرائيل لفترة محدودة، عندما كانوا مستقيمين على أمر الله، وعندما
كانوا يمثلون أمة التوحيد في الأزمان الغابرة، ولسنا نخجل أو نتردد
في ذكر هذه الحقيقة وإلا خالفنا صريح القرآن، ومن ذلك قول موسى
عليه السلام لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ
الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى
أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾[37]،
غير أن هذه الشرعية ارتبطت بمدى التزامهم بالتوحيد والالتزام بمنهج
الله، فلما كفروا بالله وعصوا رسله وقتلوا الأنبياء ونقضوا عهودهم
وميثاقهم، ورفضوا اتباع الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى
الله عليه وسلم والذي بشر به أنبياء بني إسرائيل قومهم ﴿الرَّسُولَ
النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ
فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ﴾[38]،
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾
[39]، فلما فعلوا ذلك حلت عليهم لعنة الله وغضبه ﴿فَبِمَا
نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ
قَاسِيَةً﴾[40]،
وقال تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً
عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ
مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾[41].
وبذلك
تحولت شرعية حكم الأرض المقدسة إلى الأمة التي سارت على منهج
الأنبياء وحملت رايتهم، وهي أمة الإسلام. فالمسألة في فهمنا ليست
متعلقة بالجنس والنسل والقوم، وإنما باتباع المنهج.
لقد
شوه اليهود جمال التوحيد، وافتروا على الله الكذب، وزوروا تاريخ
أنبيائهم. وعلى سبيل المثال تذكر التوراة المحرفة والتلمود أن الله
(تعالى عما يقولون علواً كبيراً) يلعب مع الحوت والأسماك كل يوم
ثلاث ساعات، وأنه بكى على هدم الهيكل حتى صغر حجمه من سبع سماوات
إلى أربع سماوات، وأن الزلازل والأعاصير تحدث نتيجة نزول دمع الله
على البحر ندماً على خراب الهيكل[42]، هذا فضلاً عما ذكره
القرآن من ادعاءاتهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ
مَغْلُولَةٌ﴾[43]،
﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ
فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾[44]،
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ﴾[45].
كما
ينسب اليهود إلى سيدنا يعقوب عليه السلام سرقة صنم ذهبي من أبيه،
وأنه صارع الله (!!) قرب نابلس، وسمي بذلك بإسرائيل، كما تنسب له
رشوة أخيه وخدعة أبيه، وأنه سكت عن زنا ابنتيه وأنه أشرك بربه...!!
وقس على ذلك ما ذكروا عن باقي الأنبياء عليهم السلام[46].
إن
اليهود أنفسهم يعترفون بالمنكرات التي فعلوها بحق الله وحق
أنبيائه، فيذكرون أن ملكهم يوحاز بن يوتام 735 ـ 715 ق.م علق قلبه
بحب الأوثان حتى إنه ضحى بأولاده على مذابح الآلهة الوثنية وأطلق
لنفسه عنان الشهوات والشرور، وأضلَّ منسي بن حزقيا الذي حكم خلال
الفترة 687 ـ 642 ق. م قومه عن عبادة الله وأقام معابد وثنية[47].
ولسنا نستغرب هذا عن بني إسرائيل فتلك أخلاقهم مع موسى عليه السلام
تشهد بذلك، كما أن القرآن الكريم يشير إلى أنهم غيّروا وبدَّلوا
وقتلوا الأنبياء ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا
لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا
يَقْتُلُونَ﴾[48]،
ويحدثنا التاريخ أنهم قتلوا النبي حزقيال حيث قتله قاضٍ من قضاتهم
لأنه نهاه عن منكرات فعلها، وأن الملك منسي بن [حزقيا] قتل النبي
أشعيا بن أموص إذ أمر بنشره على جذع شجرة لأنه نصحه ووعظه، وأن
اليهود قتلوا النبي أرميا رجماً بالحجارة لأنه وبخهم على منكرات
فعلوها[49].
ويسجل
التلمود أن سقوط دولة اليهود وتدميرها لم يكن إلا "عندما بلغت ذنوب
بني إسرائيل مبلغها وفاقت حدود ما يطيقه الإله العظيم، وعندما
رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات إرمياه". وبعد تدمير الهيكل وجه
النبي إرمياه كلامه إلى نبوخذ نصر والكلدانيين قائلا:" لا تظن أنك
بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب الله المختار، إنها ذنوبهم
الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب"[50].
وتشير
التوراة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها سقوط مملكتهم،
فتذكر على لسان أشعيا أحد أنبيائهم "ويل للأمة الخاطئة، الشعب
الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدون تركوا الرب، استهانوا
بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء"، سفر أشعيا الإصحاح الأول (4)،
وتقول التوراة " والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع،
غيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي" سفر أشعيا الإصحاح 24 (5).
وهكذا
لم يعد اليهود مؤهلين لحمل أعباء الرسالة وتكاليفها، ففقدوا حقهم
الديني في الأرض المقدسة.
ثالثاً: فضلاً عن فهمنا المسألة في أصلها الشرعي، فإذا كان الله قد
أعطى إبراهيم عليه السلام ونسله هذه الأرض، فإن بني إسرائيل ليسوا
وحدهم نسل إبراهيم، فالعرب العدنانيون هم من نسله أيضاً، وهم أبناء
إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وإليهم تنتمي قبيلة قريش، التي
ينتسب إليها محمد صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فللعرب حقهم في
الأرض.
رابعاً: إن القرآن الكريم يوضح مسألة إمامة سيدنا إبراهيم وذريته
في شكل لا لبس فيه، وتأمل قوله تعالى "وَإِذِ ابْتَلَى
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ
يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"[51].
فعندما سأل إبراهيم الله أن تكون الإمامة في ذريته بيّن الله له أن
عهده لذريته بالإمامة لا يستحقه ولا يناله الظالمون، وأي ظلم وكفر
وصد عن سبيل الله وإفساد في الأرض أكبر مما فعله بنو إسرائيل
ويفعلونه!!.
ثانياً: المزاعم التاريخية
يزعم
اليهود أن فلسطين هي أرضهم التاريخية، وأن تاريخهم وتراثهم قد
ارتبط بها، وأنهم هم الأصل في هذه الأرض وغيرهم ليسوا من أبنائها،
وليسوا أكثر من عابري سبيل، وأن الأرض لا ترتبط عندهم بمعنى مميز
كما ترتبط لدى اليهود.. ويشيرون إلى فترات حكم داود وسليمان عليهما
السلام ودولتي إسرائيل ويهودا.. إلخ.
وابتداء، فإننا لا نعدُّ اليهود الحاليين امتداداً تاريخياً شرعياً
لبني إسرائيل، وحكم الأنبياء و الصالحين لأرض فلسطين، وصراعهم مع
أعدائهم هو جزء من تاريخ أمة التوحيد، التي تعد أمة الإسلام
امتداداً تاريخياً طبيعياً لهم.
وعلى
أي حال، وحتى لو قبلنا فرضاً، بمناقشة الأمر وفق الافتراضات
اليهودية، فإنه يمكن إجمال ردنا عليهم فيما يلي:
أولاً: سكن الإنسان أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، أي
قبل حوالي مليون عام، وبنى أبناء فلسطين أقدم مدينة في العالم "
أريحا" قبل نحو عشرة آلاف سنة أي 8000 قبل الميلاد، وهاجر
الكنعانيون من جزيرة العرب إلى فلسطين حوالي 2500ق.م، وكانت هجرتهم
واسعة بحيث أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، وعرفت البلاد باسمهم،
وأنشأوا معظم مدن فلسطين وقراها والتي بلغت في الألف الثاني قبل
الميلاد حوالي مائتي مدينة وقرية، ومنها مدن شكيم (نابلس وبلاطة)،
وبيسان وعسقلان وعكا وحيفا والخليل وأسدود وعاقر وبئر السبع وبيت
لحم وغيرها.
ويرى
ثقاةُ المؤرخين أن عامة أهل فلسطين الحاليين وخاصة القرويين هم من
أنسال الكنعانيين والشعوب القديمة، مثل شعوب البحر "الفلسطينيون"،
أو من العرب والمسلمين الذين استقروا في البلاد إثر الفتح الإسلامي
لها، وامتزجوا بأهلها الأصليين، أي أن جذور الفلسطينيين الحاليين
تعود إلى 4500 سنة على الأقل، وهم لم يغادروها أو يهجروها طوال هذه
الفترة إلى أي مكان آخر[52].
ثانياً: إن قدوم إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين كان حوالي سنة
1900 ق.م، والتوراة تعترف أنها كانت أرضاً عامرة وتسميها باسمها
"أرض كنعان"، حتى إن إبراهيم عليه السلام اشترى من أهلها مكاناً
يدفن فيه زوجته سارة، وهو مغارة المكفيلة، والتي دفن فيها هو أيضاً
فيما بعد، وكذلك ابنه إسحاق وحفيده يعقوب عليهما السلام، وهي التي
بني عليها المسجد الإبراهيمي. واستقر بنو يعقوب فيما بعد (واسمه
إسرائيل أيضاً)، في مصر بعد ذلك لأجيال عديدة حتى جاء موسى عليه
السلام بتكليف إرسالهم إلى الأرض المقدسة حوالي 1250ق.م.

وحتى
سنة 1000ق.م لم يتمكن بنو إسرائيل سوى من الاستيطان في أجزاء ضئيلة
من فلسطين في الأراضي المرتفعة المحيطة بالقدس، وفي السهول
الشمالية.
ثالثاً: إن ملك داود وسليمان عليهما السلام استمر حوالي ثمانين
عاماً فقط (1004 ـ 923 ق.م)، وخلالها تمت السيطرة على معظم أنحاء
فلسطين باستثناء المناطق الساحلية التي لم تلامسها المملكة إلا من
مكان قريب من يافا.
وبعد
وفاة سليمان عليه السلام انقسم اليهود إلى مملكتين:
1 ـ
مملكة إسرائيل: في الجزء الشمالي من فلسطين، وعاصمتها في شكيم ثم
ترزة ثم السامرة قرب نابلس، واستمرت حوالي مائتي عام (923- 721
ق.م)، وقد سمتها دائرة المعارف البريطانية ازدراء "المملكة
الذيلية"، لضعفها وقلة شأنها. وقد قام الآشوريون بقيادة سرجون
الثاني بالقضاء على هذه الدولة ونقلوا سكانها اليهود إلى حران
والخابور وكردستان وفارس، وأحلوا محلهم جماعات من الآراميين، ويظهر
أن المنفيين الإسرائيليين اندمجوا تماماً في الشعوب المجاورة لهم
في المنفى، فلم يبق بعد ذلك أثر لنسل الأسباط العشرة من بني
إسرائيل (يعقوب)، وهم الذين كانوا يتبعون هذه المملكة.
2 ـ
مملكة يهودا: وعاصمتها القدس واستمرت 337 عاماً أي الفترة 923 ـ
586 ق.م، ولم تكن تملك سوى أجزاء محدودة من وسط فلسطين، وقد
اعترتها عوامل الضعف ووقعت تحت النفوذ الخارجي فترات طويلة، ودخل
المهاجمون القدس نفسها مرات عديدة، كما فعل فرعون مصر شيشق أواخر
القرن العاشر ق. م، والفلسطينيون الذين استولوا على قصر الملك
يهورام (849- 842 ق.م) وسبوا بنيه ونساءه، كما خضعت للنفوذ الآشوري
في عهود سرجون الثاني، وأسرحدون وآشور بانيبال، ..إلخ، وأخيراً
أسقط البابليون بقيادة نبوخذ نصر "بختنصر"هذه المملكة، وسبى 40
ألفاً من اليهود إلى بابل في العراق، وهاجر من بقي من اليهود إلى
مصر.
وعلى
هذا، فإن ملك بني إسرائيل استمر في أقصى مداه الزمني حوالي أربعة
قرون لكنه كان على الأغلب على أجزاء محدودة من أرض فلسطين، وكانت
مساحة نفوذهم على الأرض ونفوذهم السياسي تتآكل كلما مر الوقت.
رابعاً: عندما دخلت فلسطين تحت الحكم الفارسي 539 ـ 332 ق.م سمح
الإمبراطور قورش الثاني لليهود بالعودة إلى فلسطين من سبيهم
البابلي، فرجعت أقلية منهم بينما بقيت أغلبيتهم في الأرض الجديدة
(العراق) بعد أن أعجبتهم فاستقروا فيها. وسُمح لليهود بنوع من
الحكم الذاتي تحت الهيمنة الفارسية في منطقة القدس وبمساحة لا
يتجاوز نصف قطرها 20 كيلو متراً في أي اتجاه، أي بما لا يزيد عن
4.8 % من مساحة فلسطين الحالية؟!.
وتحت
الحكم الهلليني الإغريقي 332 - 63 ق.م استمر وضعهم على حاله
تقريباً في عصر البطالمة (302 - 198 ق.م) غير أنهم عانوا من حكم
السلوقيين (198 - 63 ق.م) الذين حاولوا فرض عبادة الآلهة اليونانية
عليهم. وعندما ثار اليهود على الوضع، سمح لهم السلوقيون بممارسة
دينهم، وتأسّس لهم حكم ذاتي في القدس منذ 164 ق.م أخذ يضيق ويتسع،
وتزداد مظاهر استقلاله أو تضعف حسب صراع القوى الكبرى في ذلك
الزمان على فلسطين. لكنهم ظلوا تحت نفوذ غيرهم ، ولم يتهيأ لهم
الاستقلال السياسي الكامل رغم أنهم شهدوا انتعاشاً وتوسعاً تحت
زعيمهم الكسندر جانيوس 103 ـ 76 ق.م. وقد غيَّر الرومان الذين
بدأوا حكم فلسطين منذ 63 ق.م من سياستهم تجاه الحكم الذاتي اليهودي
منذ السنة السادسة للميلاد، فبدأوا حكماً مباشراً على القدس وباقي
فلسطين. وعندما ثار اليهود على الرومان 66 - 70 م أخمد الرومان
الثورة بقسوة، ودمروا الهيكل والقدس. كما قضى الرومان على ثورة
أخرى وأخيرة لليهود 132 - 135م فدمروا القدس وحرثوا موقعها، ومُنع
اليهود من دخولها، والسكن فيها، وسُمح للمسيحيين فقط بالإقامة على
ألّا يكونوا من أصل يهودي. وأقام الرومان مدينة جديدة فوق خرائب
أورشليم (القدس) سموها إيليا كابيتولينا، ولذلك عرفت القدس فيما
بعد باسم إيلياء، وهو الاسم الأول للإمبراطور الروماني في ذلك
الوقت هادريان. واستمر حظر دخول اليهود للقدس مائتي سنة أخرى[53].
خامساً: منذ القرن الثاني للميلاد وحتى القرن العشرين، وطوال حوالي
1800 سنة لم يشكل اليهود أية مجموعة بشرية أو سياسية ذات شأن في
تاريخ فلسطين، وانقطعت صلتهم بها، سوى ما حفظوه من عواطف روحية، لم
يكن لها تأثير سوى زيارة بعضهم للقدس، بإذنٍ وتسامح من المسلمين.
ويدعي
اليهود ارتباطهم المقدس بأرض فلسطين، وأنهم لم يخرجوا منها إلا
قسراً، وأنهم لو سمح لهم لعادوا كلهم إليها، وهذا ينطوي على قدر
هائل من المبالغة، إذ يذكر المؤرخون أن أغلب اليهود استنكفوا عن
العودة إلى فلسطين بعد أن سمح لهم الإمبراطور الفارسي قورش بذلك.
كما يجمع المؤرخون أن أعداد اليهود في فلسطين لم تزد عن ثلث يهود
العالم قبل أن يحطم الرومان القدس على يد تيتوس في القرن الأول
الميلادي. والآن، وبعد أكثر من خمسين عاماً على إنشاء الكيان
اليهودي لا يزال أكثر من 60% من يهود العالم يعيشون خارج فلسطين،
ويستنكفون عن الهجرة إليها، خصوصاً من تلك المناطق التي تتمتع
بأوضاع اقتصادية أفضل كالولايات المتحدة وأوروبا الغربية[54].
سادساً: انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين شرقي وغربي منذ
395 م، فتكونت الإمبراطورية الرومانية الشرقية وعاصمتها
القسطنطينية، والإمبراطورية الرومانية الغربية وعاصمتها روما، غير
أن الإمبراطورية الشرقية، التي عرفها العرب بدولة الروم، والتي
عرفت كذلك باسم الدولة البيزنطية، حافظت على الهيمنة على فلسطين
باستثناء فترات ضئيلة حتى جاء الفتح الإسلامي.
سابعاً: فتح المسلمون فلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب
بعد هزيمة الروم في أجنادين واليرموك وغيرها، ودخلوا القدس في
15هـ/ 636م. ومنذ ذلك الزمان اكتسبت فلسطين طابعها الإسلامي، ودخل
أهلها في دين الله أفواجاً، وتعرب سكانها وتعربت لغتها بامتزاج
أبنائها في ظل الحضارة الإسلامية مع القبائل العربية القادمة من
الجزيرة، وظلت محتفظة بشكل عام بطابعها الإسلامي إلى عصرنا هذا.
ثامناً: احتل الصليبيون القدس وأنشأوا مملكة بيت المقدس، واستمر
حكمهم 88 عاماً 1099 ـ 1187 إلى أن استطاع صلاح الدين الأيوبي
تحريرها إثر معركة حطين. وفيما عدا ذلك فإن فلسطين نعمت بالحكم تحت
راية الإسلام 636 ـ 1917، أي حوالي 1200 عام. وهي أطول فترة
تاريخية مقارنة بأي حكم آخر، كان الحكم فيه مسلماً والشعب مسلماً،
وهو ما لم يحظ به أي عهد آخر مَرَّ على فلسطين. ثم إن المسلمين
حكموا على مر تاريخهم فلسطين كلها وليس بعضاً منها. كما ضرب
المسلمون المثل الأعلى في التسامح الديني، فوفروا حرية العبادة
لليهود والنصارى، وأمنوهم على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، فكانوا
خير من خدم الأرض المقدسة وحمى حرمتها ومنع سفك الدماء.
تاسعاً: إذا كانت المسألة متعلقة بالانتماء القومي والتركيب
العرقي، فهل يستطيع يهود هذا الزمان إثبات أنهم أنسال بني إسرائيل
الذي عاشوا في فلسطين قبل ألفي عام؟ إن الدراسات العلمية
الأكاديمية لعدد من اليهود أنفسهم، وعلى رأسهم الكاتب المشهور آرثر
كوستلر A.
Koestler
في كتابه القبيلة الثالثة عشر
The Thirteenth
Tribe:
The Khazar Empire
& its
Heritage
تشير إلى أن الأغلبية الساحقة ليهود هذا الزمان ليست من ذرية بني
إسرائيل القدماء، وأن معظم اليهود الآن هم من نسل يهود الخزر، وهم
في أصلهم قبائل تترية قديمة كانت تعيش في منطقة القوقاز، وأسست
لنفسها مملكة في القرن السادس الميلادي شمال غربي بحر الخزر (بحر
قزوين). وقد تهودت هذه المملكة في القرن الثامن الميلادي، ودخل
ملكها بولان في اليهودية سنة 740 للميلاد، وقد سقطت هذه المملكة في
نهاية القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر على يد تحالف الروس
والبيزنطيين، وانتشر يهود الخزر بعد ذلك في روسيا وأوروبا الشرقية
والغربية، واستقرت أعداد منهم في الأندلس أيام الحكم الإسلامي،
وبعد سقوطها على يد الأسبان، هاجروا إلى شمال إفريقيا حيث شملهم
تسامح المسلمين ورحمتهم[55].
عاشراً: إن الحكم اليهودي الصهيوني المعاصر على معظم أرض فلسطين
منذ سنة 1948 لم يتم إلا بالغصب والقوة والبطش و الدمار، وبناء على
طرد أهلها وحرمانهم من حقوقهم، وتحت حماية القوى الكبرى ورعايتها
كبريطانيا وأمريكا، وهو يفتح باباً لسفك الدماء والحروب التي لا
يعلم مداها إلا الله.
وهكذا
فمن الناحية التاريخية لم يحكم اليهود إلا أجزاء من فلسطين وبما لا
يزيد عن أربعة قرون (400 عام)، بينما حكمها المسلمون حوالي 1200
عام. ثم إن أهل فلسطين من الكنعانيين ومن امتزج بهم ظلوا أهلها منذ
4500 عام وحتى الآن، ولم يخرجوا منها على مر العصور، وهم الذين
تنصروا أيام الرومان، وهم الذين أسلموا فيما بعد، فبقيت الأرض
أرضهم، والبلاد بلادهم، أما اليهود فقد انقطعت صلتهم بفلسطين حوالي
1800 عام (135- 1948)، ولأصحاب العقل والمنطق أن يجيبوا الآن: من
هو صاحب الحق التاريخي في أرض فلسطين؟
حادي
عشر: ما هو التقويم التاريخي الحضاري للدور الذي قام به اليهود في
فلسطين؟
نترك
الإجابة لبعض مؤرخي النصارى المشهورين، فمثلاً يقول هـ.ج ولز في
كتاب موجز التاريخ حول تجربة بني إسرائيل في فلسطين بعد السبي
البابلي:" كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حياة رجل يصر على
الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار...
ومن الأول إلى الآخر لم تكن مملكتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر
وسورية وآشور وفينيقية، ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من
تاريخهم"[56].
ويذكر
المؤرخ المشهور غوستاف لوبون أن بني إسرائيل عندما استقروا في
فلسطين "لم يقتبسوا من تلك الأمم سوى أخس ما في حضارتها، أي لم
يقتبسوا غير عيوبها وعاداتها الضارة ودعارتها وخرافاتها فقربوا
لجميع آلهة آسيا، قربوا لعشتروت ولبعل ولمولوخ من القرابين ما هو
أكثر جداً مما قربوه لإله قبيلتهم يهوه العبوس الحقود الذي لم
يثقوا به إلا قليلاً" ويقول :"اليهود عاشوا عيشة الفوضى الهائلة
على الدوام تقريباً، ولم يكن تاريخهم غير قصة لضروب المنكرات.."
"إن تاريخ اليهود في ضروب الحضارة صفر.. وهم لم يستحقوا أن
يُعدُّوا من الأمم المتمدنة بأي وجه". ويقول غوستاف لوبون أيضاً:"
وبقي بنو إسرائيل حتى في عهد ملوكهم بدواً أفاقين مفاجئين مغيرين
سفاكين.. مندفعين في الخصام الوحشي"، ويقول:"إن مزاج اليهود النفسي
ظل على الدوام قريباً جداً من حال أشد الشعوب بدائية. فقد كان
اليهود عُنُداً مندفعين، غُفلاً سُذَّجاً جفاة كالوحوش
والأطفال".."ولا تجد شعباً عطل عن الذوق الفني كما عطل اليهود"[57].
الاستيطان اليهودي والاستيلاء على أرض فلسطين في التاريخ الحديث
والمعاصر
كان
الوجود اليهودي في فلسطين مما لا يؤبه له طوال العصور الإسلامية،
ولم يزد عدد اليهود في بداية القرن التاسع عشر عن خمسة آلاف[58]
لا يكادون يملكون شيئاً من أرضها. ومع نشوء المسألة اليهودية في
أوروبا، وتجدد اضطهاد اليهود خصوصاً في روسيا وشرق أوروبا، ونشوء
المشروع الصهيوني، أخذت أعداد متزايدة من اليهود بالهجرة
والاستيطان المنظم في فلسطين، خصوصاً منذ العقدين الأخيرين من
القرن التاسع عشر. وبدأوا بإنشاء مستوطنات زراعية مثل بتاح تكفا
(التي أسست عام 1878 وفشلت ثم أعيد تأسيسها 1882)، وريشيون
ليتسيون، وزخرون يعقوب 1882. ثم تتابع إنشاء المستوطنات بدعم من
المليونير اليهودي روتشيلد، والصندوق القومي اليهودي (الكيرين
كايميت)، الذي أنشأته المنظمة الصهيونية العالمية. ومع نهاية عهد
الدولة العثمانية في فلسطين سنة 1917 ـ 1918، كان اليهود يملكون
420 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) من الأراضي أي 1.56% من
مساحة فلسطين، وهي من أراضي الدولة الأميرية التي حصلوا عليها بحجة
استصلاحها وتأسيس مدارس زراعية أو بالشراء أحياناً، واستفادوا من
الفساد في الجهاز الإداري العثماني في تلك الفترة، واستخدموا
أساليب الرشوة والخداع لتحقيق مآربهم[59].
استولى اليهود خلال فترة الاستعمار البريطاني لفلسطين وتحت رعايته
1917- 1948 على مساحات أخرى تقدر بمليون و380 ألف دونم ، ووصل
مجموع مساحة الأرض التي استولى عليها اليهود بمختلف الطرق حتى عام
1948 إلى حوالي مليون و 800 ألف دونم أي 6.67% من مساحة فلسطين،
أقاموا عليها 291 مستوطنة، وقد أعطى قرار الأمم المتحدة 181 بتقسيم
فلسطين والصادر في 29 نوفمبر 1947 اليهود نحو 54%، بينما أعطى
العرب نحو 45%، وجعل منطقة القدس منطقة تحت إشراف دولي على 1% من
أرض فلسطين[60].
وخلال
حرب فلسطين 1948 تمكنت القوات اليهودية من احتلال نحو 77% من أرض
فلسطين (20770كم2)، ولم يبق من فلسطين سوى الضفة الغربية (5876
كم2)، وقطاع غزة (363كم2). وقد دمر الكيان الصهيوني معظم القرى
الفلسطينية التي وقعت تحت سيطرته وهجر أهلها وبلغت القرى المدمرة
على 478 قرية من أصل 585 قرية كانت قائمة في الأرض المحتلة سنة
1948. وبنى اليهود مستعمرات جديدة في الأرض المحتلة سنة 1948 حتى
بلغت 756 مستعمرة سنة 1985. كما قاموا بالاستيلاء على ممتلكات من
بقي من العرب فاستولوا على 62 قرية أخرى وشردوا سكانها، وطردوا
الآلاف من بدو النقب وصادروا أكثر من مليوني دونم من أراضيهم، كما
صادروا معظم الأوقاف الإسلامية ووضعوها تحت تصرفهم. ولم يبق تحت
تصرف أبناء فلسطين العرب في الأرض المحتلة سنة 1948 سوى نحو 4% من
الأرض، لازال اليهود يحاولون انتزاعها بالتدرج وبشتى الوسائل[61].
وخلال
حرب الأيام الستة في يونيو 1967 تمكن الكيان الصهيوني من احتلال
باقي فلسطين (الضفة الغربية وغزة)، فضلاً عن احتلاله لشبه جزيرة
سيناء من مصر، ولهضبة الجولان السورية. وقد واصل اليهود سياسة
الاستيطان والاستيلاء على الأرض فأعلنوا ضم منطقة القدس الشرقية
(حيث المسجد الأقصى) ضماً أبدياً للكيان الصهيوني، وأعدوا مشروعاً
كبيراً لإنشاء القدس الكبرى بحث تغطي 20% من أرض الضفة الغربية.
وخلال عشرين عاماً 1967 ـ 1987 قام الكيان الصهيوني بمصادرة
3.179.215دونم، وفي الفترة 1988 ـ 1997 ضم حوالي 512 ألف دونم
أخرى، وفي السنتين الأخيرتين من القرن العشرين ضم حوالي 150 ألف
دونم، ليصبح مجموع الأراضي المصادرة من الضفة ثلاثة ملايين و 841
ألف دونم، أي نحو 62% من مجموع مساحة الضفة والقطاع. (منها نحو 3
ملايين و 686 ألف دونم في الضفة أي 62.7% من مساحتها، و 155 ألف
دونم في القطاع، أي 43% من مساحته)[62].
وفي
شرقي القدس أقام اليهود أكثر من عشرة أحياء سكنية يسكنها نحو 190
ألف مستوطن حتى زادوا عن أعداد العرب في القدس الشرقية، كما أقاموا
أكثر من 160 مستوطنة في باقي الضفة الغربية مزودة بالطرق والخدمات
الحديثة حتى بدت المدن والقرى الفلسطينية جزراً معزولة وأشلاء
مقطعة في بحر الاستيطان المتلاطم، ويسكن في هذه المستوطنات نحو 200
ألف مستوطن حسب تقديرات سنة 2000. وفي قطاع غزة أنشأ اليهود 16
مستعمرة يسكنها نحو خمسة آلاف مستوطن، ولا تزال مشاريع الاستيطان
وتوسيع المستعمرات قائمة على قدم وساق غير آبهة بالتسوية السلمية
التي وقعت مع منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر 1993[63].


ماذا تعطي التسوية السلمية من الأرض للفلسطينيين؟
بعد
حوالي سبع سنوات من توقيع اتفاقيات الحكم الذاتي بين الكيان
الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية فإن جل ما حصل عليه
الفلسطينيون حتى مارس 2001 لا يتجاوز 17% أي نحو 1000 كم2 من أرض
الضفة الغربية وهناك 25% أخرى تخضع للسيطرة المشتركة من الجانبين
(مناطق ب)، ولا زال 58% من أرض الضفة تحت السيطرة الكاملة لليهود،
وتسيطر السلطة الفلسطينية على نحو 55% حوالي (200 كم2) من أرض
القطاع، وبذلك يبلغ مجموع ما تسيطر عليه فعلياً من الأرض حوالي
1200 كم2 أي 4.4 % من كل أرض فلسطين.
لقد
أخرجت اتفاقات التسوية الأراضي المحتلة سنة 1948 من دائرة المناقشة
وأقرت ملكيتها للكيان الصهيوني، وانحصرت دائرة النقاش في أرض الضفة
الغربية والقطاع، وبانتظار اتفاقات التسوية النهائية حول الأرض
والمستوطنات فإن الصهاينة يوجدون كل يوم واقعاً جديداً ينهب الأرض
وخيراتها، حتى يخشى ألا تجد السلطة الفلسطينية ما تفاوض عليه بعد
ذلك. وكان العرض الإسرائيلي المبدئي للتسوية النهائية يقترح (بعد
استثناء منطقة القدس التي ضمها) إعطاء 50% مما تبقى من الضفة
الغربية للفلسطينيين، وضم 10% نهائياً للكيان الإسرائيلي وإبقاء
40% معلقاً لمفاوضات لاحقة، مع الإصرار على احتفاظ اليهود
بالمستوطنات حتى لو تحولت إلى مناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.
وفي مفاوضات كامب ديفيد في يوليو 2000 عرض الجانب الإسرائيلي تسليم
أكثر من 90% من الضفة الغربية لكن عدم الاتفاق حول مستقبل القدس
واللاجئين الفلسطينيين أفشل المفاوضات. وعندما تسلم شارون رئاسة
الوزراء في مارس 2001 عاد مرة أخرى ليعرض على الفلسطينيين 42% فقط
من أرض الضفة الغربية، وليستمر في سياسة التوسع الاستيطاني وضم
الأراضي الفلسطينية.
هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ وتخلوا عنها لليهود؟!
سألني
ذات مرة أحد أساتذة الجامعات العرب على استحياء هذا السؤال: هل باع
الفلسطينيون أرضهم، وتخلوا عنها لليهود؟ ولم يكن ليسأل لولا أن
الصلة توثقت بيننا، وعلم أنه لن يُحرجني بسؤاله. والواقع أنني لم
أحرج من سؤاله، ولكن ما أثار استغرابي أنه أستاذ في التاريخ
الحديث، وممن أسهموا في إعداد مناهج التاريخ في بلده العربي، وفيها
مباحث عن فلسطين!! فهمت بعد ذلك أن هذا السؤال يتردد في صدور
الكثيرين، ويجدون حرجاً في إثارته، وعرفت كم يقصر الفلسطينيون،
والمتخصصون في الدارسات الفلسطينية في شرح القضية بشكل سليم
وموضوعي، ليس للعالم وإنما حتى لأبناء جلدتهم ودينهم.
تُركِّز الدعاية اليهودية الصهيونية على أن الفلسطينيين هم الذين
باعوا أرضهم لليهود، وأن اليهود إنما اشتروها "بالحلال" من
أموالهم، فلا ينبغي للفلسطينيين أن يطالبوا بعد ذلك بها! ولعلنا
نستطيع هنا إعطاء فكرة مختصرة عن الموضوع.
إن
الدعاية الصهيونية في بداياتها ومنذ القرن التاسع عشر ارتكزت على
فكرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، مُعتبرةً أنه لا يوجد شعب في
فلسطين، وأن من حق اليهود الذي لا يملكون أرضاً أن تكون هذه الأرض
لهم. لكنهم ومنذ بوادر الاستيطان الأولى وجدوها عامرة بالحيوية
والنشاط يعيش فيها شعب كادح متجذر في أرضه. ومن الطريف أن نذكر أنه
في العقد الأخير من القرن التاسع عشر بعث ماركس نوردو أحد كبار
قادة الحركة الصهيونية المقربين إلى هرتزل بحاخامين اثنين ليرفعا
تقريراً إلى المؤتمر الصهيوني عن الإمكانية العملية للهجرة إلى
فلسطين، وبعد أن رجعا، كتبا تقريراً جاء فيه:" إن فلسطين عروس
جميلة وهي مستوفية لجميع الشروط، ولكنها متزوجة فعلاً"، أي أن هناك
شعباً يسكنها وليست أرضاً بلا شعب.
لقد
بدأت المقاومة الفلسطينية النشطة للاستيطان اليهودي في فلسطين منذ
أن بدأ هذا المشروع بالظهور، ومنذ المراحل الأولى المبكرة له، في
أيام الدولة العثمانية. فقد حدثت اصطدامات بين الفلاحين
الفلسطينيين وبين المستوطنين اليهود 1886، وعندما جاء رشاد باشا
متصرفاً للقدس وأبدى محاباة للصهاينة قام وفد من وجهاء القدس
بتقديم الاحتجاجات ضده في مايو 1890، وقام وجهاء القدس في 24 يونيو
1891 بتقديم عريضة للصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة
العثمانية طالبوا فيها بمنع هجرة اليهود الروس إلى فلسطين وتحريم
استملاكهم للأراضي فيها[64]. وقام علماء فلسطين وممثلوها
لدى السلطات العثمانية، كذلك صحف فلسطين بالتنبيه على خطر
الاستيطان اليهودي والمطالبة بإجراءات صارمة لمواجهته. وترأس الشيخ
محمد طاهر الحسيني مفتي القدس سنة 1897 هيئةً محلية ذات صلاحيات
حكومية للتدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية بيت المقدس، فحال
دون انتقال أراض كثيرة لليهود. وكان للشيخ سليمان التاجي الفاروقي
الذي أسس الحزب الوطني العثماني في سنة 1911 دوره في التحذير من
الخطر الصهيوني، وكذلك فعل يوسف الخالدي، وروحي الخالدي، وسعيد
الحسيني ونجيب نصار[65].
ورغم
أن السلطان عبد الحميد والسلطات المركزية أصدرت تعليماتها بمقاومة
الهجرة والاستيطان اليهودي، إلا أن فساد الجهاز الإداري العثماني
حال دون تنفيذها، واستطاع اليهود من خلال الرشاوى شراء الكثير من
الأراضي، ثم إن سيطرة حزب الاتحاد والترقي على الدولة العثمانية
وإسقاطهم السلطان عبد الحميد 1909، والنفوذ اليهودي الكبير بداخله،
قد سهل استملاك اليهود للأرض وهجرتهم لفلسطين. ومع نهاية الدولة
العثمانية 1918 كان اليهود قد حصلوا على حوالي 420 ألف دونم من أرض
فلسطين اشتروها من ملاك إقطاعيين لبنانيين مثل آل سرسق، وتيان،
وتويني، ومدور، أو من الإدارة العثمانية عن طريق المزاد العلني
الذي تباع فيه أراضي الفلاحين الفلسطينيين العاجزين عن دفع الضرائب
المترتبة عليهم، أو من بعض الملاكين الفلسطينيين ومعظمهم من
النصارى أمثال عائلات روك، وكسار، وخوري وحنا. وقد غطت عمليات
الشراء هذه نحو 93% من الأرض التي حصلوا عليها. وعلى أي حال، فإن
الخطر الصهيوني لم يكن يمثل خطراً جدياً على أبناء فلسطين في ذلك
الوقت، لضآلة الحجم الاستيطاني والسكاني اليهودي وللاستحالة
العملية لإنشاء كيان صهيوني في ظل دولة مسلمة (الدولة العثمانية)[66].
وعندما وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني 1917 – 1948، كان من
الواضح أن هذه الدولة جاءت لتنفيذ المشروع الصهيوني وإنشاء وطن
قومي لليهود في فلسطين. وقد استثمرت كل صلاحيات الحكم الاستعماري
وقهره لفرض هذا الواقع. وقد قاومت الحركة الوطنية الفلسطينية
الاستيطان اليهودي بكل ما تملك من وسائل سياسية وإعلامية
واحتجاجية، وخاضت الكثير من الثورات والمجابهات. وقد بلغ مجموع ما
تمكن اليهود من الاستيلاء عليه خلال فترة الاحتلال البريطاني حوالي
مليون و 380 ألف دونم أي حوالي 5.1% فقط من أرض فلسطين رغم ما
جندته من إمكانات عالمية، ورؤوس أموال ضخمة، وتحت الدعم والإرهاب
المباشر لقوة الاحتلال غاشمة. ولكن مهلاً! فمعظم هذه الأراضي لم
يشتروها في الواقع من أبناء فلسطين! فالحقائق الموضوعية تشير إلى
أن معظم هذه الأراضي تسرب لليهود عن طريق منح حكومية بريطانية
لأراضي فلسطين الأميرية "أراضي الدولة"، أو عن طريق ملاك إقطاعيين
كبار غير فلسطينيين كانوا يقيمون في الخارج، ومنعوا عملياً ورسمياً
من الدخول إلى هذه المنطقة (تحت الاحتلال البريطاني) لاستثمار
أرضهم إن كانوا يرغبون بذلك فعلاً.
فقد
منحت السلطات البريطانية نحو 300 ألف دونم لليهود من الأراضي
الأميرية دون مقابل، كما منحتهم 200 ألف دونم أخرى مقابل أجر رمزي،
ففي عهد هربرت صموئيل أول مندوب سام بريطاني على فلسطين (1920 -
1925) وهو يهودي صهيوني، قام بمنح 175 ألف دونم من أخصب أراضي
الدولة على الساحل بين حيفا وقيسارية لليهود، وتكررت هباته الضخمة
على الأراضي الساحلية الأخرى وفي النقب وعلى ساحل البحر الميت[67].
وكان
هناك أملاك إقطاعية ضخمة لعائلات حصلت على هذه الأراضي، خصوصاً سنة
1869 عندما اضطرت الدولة العثمانية لبيع أراض أميرية لتوفير بعض
الأموال لخزينتها، فقامت بشرائها عائلات لبنانية غنية، وقد مثَّل
ذلك وجهاً آخر للمأساة. فقد باعت هذه العائلات ما مجموعه 625 ألف
دونم. فقد باعت عائلة سرسق اللبنانية أكثر من 200 ألف دونم من
أراضي مرج ابن عامر للصهاينة وتسبّب ذلك في تشريد 2746 أسرة عربية
هم أهل 22 قرية فلسطينية، كانت تفلح هذه الأراضي لمئات السنين.
وتكررت المأساة عندما باعت عائلات لبنانية أخرى حوالي 120 ألف دونم
حول بحيرة الحولة شمال فلسطين، كما باعت أسرتان لبنانيتان أراضي
وادي الحوارث (32 ألف دونم) مما تسبب في تشريد 15 ألف فلسطيني. ومن
العائلات التي قامت ببيوع كبيرة للأراضي لليهود في أثناء الاحتلال
البريطاني: آل سلام، وآل تيان، وآل قباني، وآل يوسف، والصباغ،
والتويني، والجزائرلي، وشمعة، والقوتلي، والمارديني، وكلها أسر
لبنانية أو سورية. وقد بلغت نسبة الأراضي الزراعية التي باعها
الملاك الإقطاعيون الغائبون خارج فلسطين خلال الفترة 1920 ـ 1936
ما نسبته 55.5% مما حصل عليه اليهود من أراض زراعية[68].
وعلى الرغم مما يتحمله من قام بهذه البيوع من أبناء هذه العائلات
من مسئولية، فإن اللوم لا يقع بشكل كامل عليهم وحدهم، إذ إن
السلطات البريطانية منعتهم من الدخول لاستغلال هذه الأراضي، بحجة
أنهم أجانب، وذلك بعد أن تم فصل فلسطين عن سوريا ولبنان وفق
تقسيمات سايكس- بيكو بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي.
أما
مجموع ما تسرب إلى أيدي اليهود من أراض باعها لهم عرب فلسطين خلال
الاحتلال البريطاني فكان حوالي 260 ألف دونم. وقد حصل اليهود على
هذه الأراضي بسبب الظروف القاسية التي وضعت حكومة الاستعمار
البريطاني الفلاحين الفلسطينيين فيها، ونتيجة لاستخدام البريطانيين
لأسلوب نزع الملكية العربية لصالح اليهود وفق مواد من صك الانتداب
البريطاني على فلسطين، والتي تخول المندوب السامي هذا الحق. كما
حدثت حالات بيع بسبب ضعف عدد من الفلسطينيين ووقوعهم تحت الإغراءات
المادية وليس من المستغرب أن توجد في كل زمان ومكان في أي بلد عربي
أو غير عربي، فئات قليلة تضعف أمام الإغراءات ، لكنها على أي حال
فئة منبوذة محارَبة من مجمل أبناء شعب فلسطين، وقد تعرض الكثير
منهم للمقاطعة والتصفية والاغتيال خصوصاً في أثناء الثورة العربية
الكبرى التي عمت فلسطين خلال 1936 ـ 1939.
وعلى
هذا فإن مجموع ما حصل عليه اليهود من أبناء فلسطين حتى سنة 1948 لا
يتجاوز 1% من أرض فلسطين، وخلال سبعين عاماً من بداية الاستيطان
والهجرة المنظمة لفلسطين، وتحت ظروف قاسية. وهذا بحد ذاته يبرز مدى
المعاناة التي لقيها اليهود في تثبيت مشروعهم وإنجاحه في فلسطين،
ومدى إصرار الفلسطينيين على التمسك بأرضهم[69].
وقد
قام أبناء فلسطين خصوصاً في الثلاثينيات من القرن العشرين بجهود
كبيرة في محاربة بيع الأراضي، وكان للمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة
الحاج أمين الحسيني، وعلماء فلسطين دور بارز. فقد أصدر مؤتمر علماء
فلسطين الأول في 25 يناير 1935 فتوى بالإجماع تحرِّم بيع أي شبر من
أراضي فلسطين لليهود، وتعدُّ البائع والسمسار والوسيط المستحل
للبيع مارقين من الدين، خارجين من زمرة المسلمين، وحرمانهم من
الدفن في مقابر المسلمين، ومقاطعتهم في كل شيء والتشهير بهم[70].
وقام العلماء بحملة كبرى في جميع مدن وقرى فلسطين ضد بيع الأراضي
لليهود، وعقدوا الكثير من الاجتماعات وأخذوا العهود والمواثيق على
الجماهير بأن يتمسكوا بأرضهم، وأَلا يفرطوا بشيء منها. وقد تمكن
العلماء من إنقاذ أراض كثيرة كانت مهددة بالبيع، واشترى المجلس
الإسلامي الأعلى قرى بأكملها مثل دير عمرو وزيتا، والأرض المشاع في
قرى الطيبة وعتيل والطيرة، وأَوْقف البيع في حوالي ستين قرية من
قرى يافا. وتألفت مؤسسات وطنية أسهمت في إيقاف بيع الأراضي، فأنشئ
"صندوق الأمة" بإدارة الاقتصادي الفلسطيني أحمد حلمي باشا ، وتمكن
من إنقاذ أراضي البطيحة شمال شرقي فلسطين، ومساحتها تبلغ ثلاثمائة
ألف دونم[71].
إن
الخسارة الحقيقية لأرض فلسطين لم تكن بسبب بيع الفلسطينيين لأرضهم
وإنما بسبب هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948، وإنشاء الكيان
الصهيوني – إثر ذلك – على 77% من أرض فلسطين، وقيامه مباشرة وبقوة
السلاح بطرد أبناء فلسطين، والاستيلاء على أراضيهم، ثم باحتلال
باقي أرض فلسطين إثر حرب 1967 مع الجيوش العربية، وقيامه بمصادرة
الأراضي تحت مختلف الذرائع. وقد ظلت نظرة أبناء فلسطين حتى الآن
إلى من يبيع أرضه أو يتوسط بالبيع نظرة احتقار وازدراء، وظل حكم
الإعدام يلاحق كل من تُسوِّل له نفسه بيع الأرض، وقام رجال الثورة
الفلسطينية بتصفية الكثيرين من هؤلاء على الرغم من حماية قوات
الاحتلال الصهيوني لهم.
كيف يتعامل اليهود الصهاينة مع أراضي الوقف الإسلامي ومقدسات
المسلمين
لم
تسلم أوقاف المسلمين ومقدساتهم من عدوان اليهود الصهاينة عليها
ومصادرتها ومحاولة محو آثارها. ففلسطين مليئة بالمقدسات والأراضي
التي وقفها أصحابها لخدمة المسلمين وحاجاتهم كالفقراء والمساكين
وطلبة العلم وعابري السبيل وخدمة المساجد. وتشكل الأوقاف في فلسطين
نحو مليون و 680 ألف دونم (6.25 % من مساحة فلسطين)، وهي تمثل 10%
من مجمل الأراضي الصالحة للزراعة، وهناك في فلسطين 340 قرية تُعدُّ
وقفاً كلياً أو جزئياً، مثل قرى بورين وبيت فوريك، وشطا، وسعسع.
وفي
الأرض التي احتلت سنة 1948 استولى اليهود على معظم الأوقاف بحجة
أنها أملاك غائبين، وسلموها لبني دينهم الذين أقاموا عليها
المستوطنات والمشاريع الزراعية والصناعية والتجارية. ولم تسلم حتى
مساجد المسلمين ومقابرهم وآثارهم التاريخية من هذا العدوان. فقد
تمت مصادرة معظم مساحة المسجد الإبراهيمي في الخليل وجعلت كنيساً
ومزاراً لتعبد اليهود، واستولى اليهود على الحائط الغربي للمسجد
الأقصى"حائط البراق" الذي يسمونه حائط المبكى، وصادروا حارة
المغاربة الملاصقة له وهي أرض وقف وهدموا أبنيتها وجعلوها ساحة
لزائري حائط مبكاهم. وحولوا مسجد الظاهر بيبرس في المجدل الذي بني
قبل أكثر من 700 سنة إلى مطعم ، أما أشهر مسجد في يافا "مسجد
السكسك" فقد حولوه إلى ناد لليهود من أصل بلغاري، وحولوا مسجد
قيسارية إلى بار وخمارة، واستخدم المسجد الصغير في حيفا مكاناً
للتحشيش والدعارة، وحول مسجد صفد إلى متحف للآثار ومكاتب سياحية.
وهدموا مسجد الإمام الحسين ومقامه في عسقلان، وأنشأوا مكانهما
مستشفى يهودياً. ولم تكن مئات المساجد الأخرى بأحسن حظاً من
المساجد التي ذكرنا أمثلتها فتعرضت لمصائر مشابهة مثل مساجد عكا
وطبريا وصفد وحوقين وأقرت وأبو كبير وسلمة وقبية وعمواس ولوبية
وصرفند .. وغيرها[72].
ولم
يرع اليهود الصهاينة حرمة مقابر المسلمين، ففي القدس بني على جزء
من مقبرة مأمن الله "ماميلا"، فندق بلازا الفخم، وفتحت فيها شوارع
وحول القسم المتبقي إلى حديقة عامة فوق قبور المسلمين، أما مقبرة
يازور قرب يافا فقد صودر جزء لعمل شارع عليها، والباقي حول إلى
مشاغل ومكان لتجميع النفايات. وتحولت مقبرة الشيخ مؤنس قرب يافا
إلى مشاغل ومصانع، وبنيت على جزء آخر بنايات تتبع جامعة تل أبيب.
أما مقبرة الاستقلال في حيفا فقد أزيل جزء منها ونبش حوالي ثلاثة
آلاف قبر، وبني فندق سياحي مكانها. وقاموا بنبش قبر"مشهد" فاطمة
بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في قرية بني نعيم
قرب الخليل، بحجة البحث عن بقايا أثرية، كما حاولوا نبش قبر الشيخ
عز الدين القسام رمز الجهاد والوطنية في فلسطين في القرن العشرين..
وهذا غيض من فيض ... وما نذكر هنا ذكر على سبيل المثال لا الحصر[73].
القدس والوضع الحالي
احتل
اليهود القدس الغربية في حرب 1948، (وهي تساوي نحو 84.1% من
المساحة الكلية للقدس)، وقاموا بتهويد هذه المنطقة - التي تعود 85
% من ملكيتها للعرب - وبناء أحياء سكنية يهودية فوق أراضيها وأراضي
القرى العربية المصادرة حولها، مثل قرية لفتا التي بُني عليها
البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" وعدد من الوزارات، وقرى عين كارم
ودير ياسين والمالحة وغيرها.[74]
وفي
عام 1967 أكمل الكيان الصهيوني احتلاله للقدس الشرقية، التي تُعدّ
جزءاً من الضفة الغربية، والتي يقع فيها المسجد الأقصى. ومنذ ذلك
الوقت بدأ حملة تهويد محمومة لشرقي القدس، فأعلن عن توحيد شطري
القدس تحت الإدارة "الإسرائيلية" في 27 يونيو 1967، ثم أعلن رسمياً
في 30 يوليو 1980 أن القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان "الإسرائيلي".[75]
وقد
كان التركيز على القدس مسألة مركزية في الفكر اليهودي الصهيوني؛
لما تمثله من أبعاد دينية وتاريخية، وقبل أن ينشأ الكيان
الإسرائيلي بحوالي خمسين عاماً قال هرتزل، مؤسس المنظمة الصهيونية
العالمية، "إذا حصلنا على مدينة القدس، وكنت لا أزال حياً وقادراً
على القيام بأي عمل، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها،
وسوف أحرق جميع الآثار التي مرت عليها قرون"[76]، وكان
المؤسس الفعلي للكيان الإسرائيلي وأول رئيس وزراء له ديفيد بن
جوريون يقول "إنه لا معنى لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس دون
الهيكل".
وقام
الكيان الإسرائيلي بتوسيع نطاق بلدية القدس تدريجياً؛ ليتمكن من ضم
مناطق أخرى من الضفة الغربية نهائياً إلى كيانه، وليقوم بعملية
تهويد القدس على نطاق مبرمج واسع. فتوسع نطاق البلدية شرقي القدس
من 6.5 كم2 سنة 1967 إلى 123 كم2 سنة 1990. أما خطة ما يسمى بالقدس
الكبرى التي يطمح لتنفيذها فتشمل 840 كم2، أي نحو 15 % من مساحة
الضفة الغربية. وفي نطاق بلدية شرقي القدس أنشأ الصهاينة طوقاً من
11 حياً يهودياً حول المدينة القديمة حيث المسجد الأقصى، يسكنها
نحو 190 ألف يهودي. كما أنشأ طوقاً آخر ـ أكثر اتساعاً ـ حول القدس
من 17 مستعمرة يهودية محاولاً قطع القدس عن محيطها العربي
الإسلامي، وبالتالي قطع الطريق عن أي تسوية سلمية يمكن أن تعيد
القدس أو شرقي القدس للفلسطينيين.[77]
ويسكن
القدس بشقيها الغربي والشرقي حوالي 650 ألفاً حسب تقديرات سنة 2000
من بينهم 450 ألف يهودي، و 200 ألف عربي (كل العرب تقريباً يسكنون
شرقي القدس). وبسبب سياسات المصادرة والقهر استولى الصهاينة على 86
% من مساحة القدس، وبقي للعرب الفلسطينيين فعلياً 4 %، بينما هناك
10 % مُنع العرب من الانتفاع بها ومعدَّة لمشاريع يهودية، مما يشير
إلى مدى الخطورة التي وصل إليها مشروع تهويد مدينة القدس. مع العلم
أن الفلسطينيين كانوا يملكون 90 % من القدس عند بدء الاحتلال
البريطاني 1918.[78]
أما
الحرم القدسي "المسجد الأقصى" فهي قصة مأساة أكثر إيلاماً. ولقد
بدا التحريض اليهودي واضحاً بهذا الاتجاه منذ العشرينيات من القرن
العشرين، وركز اليهود مطالبهم في البداية على الحائط الغربي للمسجد
الأقصى الشريف "حائط البراق" والذي يسمونه حائط المبكى. والحائط
والمنطقة التي حوله هي في الحقيقة أرض وقف إسلامي مثبتة بالشهادات
والوثائق، وهو ما اعترفت به حتى لجان التحقيق الدولية. فبعد أيام
من احتلال اليهود القدس الشرقية، قاموا بتدمير حي المغاربة المقابل
للحائط الغربي للمسجد الأقصى (حائط البراق أو ما يسميه اليهود حائط
المبكى)، وهو حي مكون من 135 بيتاً ومسجدين، وجرى تسويته بالأرض
ليكون ساحة يستخدمها اليهود لأغراض عبادتهم، رغم أن الحي أرض وقف
إسلامي.
وبدأ
اليهود حملة محمومة من الحفريات تحت المسجد الأقصى والمنطقة التي
حوله، مركّزين على المنطقة الغربية والجنوبية للمسجد، محاولين
إيجاد أي دليل حول هيكلهم، لكن كان معظم ما وجدوه آثاراً إسلامية
تعزز مكانة القدس وهويتها الإسلامية. ومنذ 1967 وحتى سنة 2000 مرت
عمليات الحفريات بعشر مراحل، كانت تتم بنشاط ولكن بهدوء وتكتم، و
ركزت على المنطقتين الغربية والجنوبية للمسجد الأقصى وصادرت خلالها
الكثير من المساجد والمباني التاريخية الإسلامية وهدمتها، فقامت
مثلاً في 14 ـ 20 يونيو 1969 بهدم 31 مبنى إسلامياً تاريخياً وشردت
سكانها. وتم حفر عدد من الأنفاق تحت المسجد الأقصى. وكان جل ما
وجدوا آثاراً إسلامية تعزز مكانة القدس الإسلامية وهويتها، مما
زادهم غيظاً وحقداً. وبلغت الحفريات مراحل خطيرة عندما أخذوا
يفرغون الأتربة والصخور من تحت المسجد الأقصى وقبة الصخرة،
مستخدمين المواد الكيماوية لتذويب الصخور، مما يجعل الأقصى تحت خطر
الانهيار في أي لحظة، بسبب أية عاصفة قوية أو زلزال خفيف.
أما
الاعتداءات على المسجد الأقصى فقد جرى 40 اعتداءً خلال 1967 ـ
1990، ولم تنفع التسوية السلمية واتفاقات أوسلو في وقف الاعتداءات،
فتم تسجيل 72 اعتداءً خلال الفترة 1993 ـ 1998، مما يشير إلى
ازدياد الحملة الشرسة ضد أحد أقدس مقدسات المسلمين. وكان من أبرز
الاعتداءات عملية إحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969 التي اتهم
فيها نصراني متعصب يدعى دينيس مايكل روهان وينتمي إلى كنيسة الله.
وقد أتت النيران على أثاث المسجد وجدرانه، كما أحرقت منبره العظيم
الذي بناه نور الدين زنكي، ووضعه صلاح الدين الأيوبي فيه بعد تحرير
الأقصى من الصليبيين سنة 1187م.وقد أخلى اليهود سبيل روهان بعد
محاكمة صورية حكمت بأنه لا يتحمل مسئولية جنائية لأنه "مجنون". وقد
تلكأت سلطات الاحتلال في المساعدة على إطفاء الحريق، بل وعرقلت
جهود المسلمين الذين اندفعوا بالآلاف لإطفائه.
وقد
أنشئت منظمة المؤتمر الإسلامي بعد شهر من هذا الحريق عندما تنادى
زعماء دول العالم الإسلامي لمناقشة سبل حماية المسجد الأقصى والقدس
الشريف، غير أن ضعف الدول الإسلامية، وتضارب ولاءاتها
وأيديولوجياتها، وعدم تبني خطوات عملية جادة من قبلها، جعل من هذه
المنظمة مؤسسة تكاد تكون عديمة الجدوى، ولا تتجاوز أعمالها عقد
الاجتماعات وإصدار البيانات وتفريغ المشاعر.
وفي
30 يناير 1976 أقرت إحدى المحاكم الإسرائيلية حق اليهود في الصلاة
في ساحات المسجد الأقصى في أي وقت يشاءون من النهار. وفي الأول من
مايو 1980 اكتشفت محاولة لتدمير الأقصى عندما وجد بالقرب منه أكثر
من ألف كيلو من مادة (تي.إن.تي). وفي إبريل 1982 اقتحم جندي يهودي
اسمه آلان جودمان المسجد الأقصى، وأطلق النار على حارس البوابة، ثم
هرع إلى مسجد قبة الصخرة وهو يطلق النار بغزارة وبشكل عشوائي،
فأصاب عدداً من المصلين، وشاركه جنود متمركزون على أسطح المنازل
المجاورة في إطلاق النار تجاه قبة الصخرة، فتدافع المسلمون نحو
المسجد لحمايته وأصيب حوالي مائة مسلم في هذه المواجهات. وفي الوقت
نفسه استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو لإسقاط مشروع إدانة
مجلس الأمن الدولي لهذا الحادث في 20 إبريل1982. وتكررت محاولات
نسف المسجد الأقصى في يناير وأغسطس وديسمبر 1984، وفي 17 أكتوبر
1989 قامت جماعة أمناء الهيكل اليهودية بوضع حجر الأساس لبناء
الهيكل الثالث قرب مدخل المسجد الأقصى.[79]
ويقوم
المسلمون في القدس وفلسطين بالسهر على حماية الأقصى رغم ما يعانونه
من احتلال وقهر، وهم يهبّون دوماً للدفاع عن حرمته بأجسادهم
وحجارتهم، بعد أن فقدوا النصير العربي والإسلامي. فلم تخل أي
محاولة اعتداء يهودية من قيام المسلمين بالتصدي لها حتى لو أدى ذلك
إلى ارتكاب مجازر بحقهم، كما حدث في 8 أكتوبر 1990 عندما استشهد 34
وجرح 115 آخرون، عندما حاولت جماعة يهودية وضع حجر أساس الهيكل
داخل المسجد الأقصى. وكما حدث في 25 ـ 27 سبتمبر 1996 إثر انتفاضة
الغضب التي قامت بسبب افتتاح اليهود لنفق تحت الجدار الغربي للمسجد
الأقصى، مما أدى لاستشهاد 62 فلسطينياً، وجرح 1600 آخرين، وقد أدى
تدخل الشرطة الفلسطينية إلى جانب الفلسطينيين إلى مقتل 14 جندياً
صهيونياً وجرح خمسين آخرين.[80]


لقد
صدرت عشرات القرارات الدولية عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي
برفض ضم الكيان الإسرائيلي للقدس الشرقية، ورفض أية إجراءات مادية
أو إدارية أو قانونية تغيّر من واقع القدس واعتبار ذلك لاغياً،
واعتبرت هذه القرارات الكيان "الإسرائيلي" قوة احتلال يجب أن تخرج
من القدس (ومن الضفة الغربية وقطاع غزة ككل). وقد صدر أول هذه
القرارات في 4 يوليو 1967 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم
2253. وظلت القرارات تتوالى إلى أن ضم الكيان الإسرائيلي القدس
رسمياً إليه، فاتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار
ES 712
في 29 يوليو 1980 بغالبية 112 صوتاً مقابل 7 أصوات وامتناع 24،
يدعو الصهاينة إلى الانسحاب الكامل ودون شروط من جميع الأراضي
العربية المحتلة بما فيها القدس. واتخذ مجلس الأمن في 30 يوليو
1980 بغالبية 14 صوتاً ضد لا شيء وامتناع الولايات المتحدة عن
التصويت قراراً بإعلان بطلان الإجراءات التي اتخذها الكيان
الإسرائيلي لتغيير وضع القدس، مؤكداً ضرورة إنهاء الاحتلال
"الإسرائيلي". واستمرت القرارات في الصدور إلى الآن، غير أنها وإن
كانت تعترف بحقوق الفلسطينيين، إلا أنها تفتقر الجدية والآلية
اللازمة لإرغام الكيان الإسرائيلي على احترام القرارات الدولية.[81]
الفصل الثاني
شعب فلسطين
تكوين شعب فلسطين:
تدل
آثار الإنسان القديم في حفريات شقبة في وادي النطوف أن سكان فلسطين
في عصور ما قبل التاريخ هم من العرق الذي يسمى عرق البحر المتوسط.
ومنذ 3000 ق.م أخذت الهجرات السامية تتوالى على فلسطين من الجزيرة
العربية حتى غلب عليها العنصر السامي، فنـزل الكنعانيون فلسطين
حوالي 2500 ق.م. وفي 1500ق.م جاءت هجرة سامية من القبائل المآبية
والإيدومية والعمونية، واستقرت جنوبي سوريا في الإقليم الممتد بين
البحر الميت وخليج العقبة، ثم جاءت هجرة سامية ثالثة بالأنباط
الذين استقروا في بلاد الشام نحو 500 ق.م[82].
ومن
جهة أخرى هاجرت إلى فلسطين نحو 1200 ق.م أقوام بحرية من غربي أسيا
الصغرى وجزر بحر إيجة استقرت على ساحل فلسطين، وعُرفت باسم "بلست
PLST"وسرعان
ما اندمجت وذابت في الكنعانيين. أما بنو إسرائيل فقد حاولوا دخول
فلسطين تحت قيادة موسى عليه السلام أواخر القرن الثاني عشر (حوالي
1230ق.م)، ثم إنهم استقروا بعد ذلك في أجزاء من شمال شرقي فلسطين،
غير أن سقوط دولتهم إسرائيل سنة 721 ق.م أدى إلى هجرة عشرة من
قبائلهم الإثني عشر، كما أن السبي البابلي بعد ذلك سنة 597 ق.م
وسنة 586 ق.م قد أخذ أعداداً ضخمة من اليهود إلى العراق، حيث تضاءل
شأن اليهود وعددهم في فلسطين. وقد كان لهم بعض الازدهار بعد ذلك،
عندما حققوا حكماً ذاتياً بزعامة الأسرة المكابية (164 ـ 37 ق.م)،
وذلك تحت الهيمنة الإغريقية ثم الرومانية، ولكن لم يعد لهم شأن
يذكر منذ القرن الثاني للميلاد (بعد 135م)[83].
وكان
لليمنيين من السبئيين والمعينيين جاليات كبيرة في الواحات التي تمر
بها الطرق التجارية في بلاد الشام منذ الألف الأول قبل الميلاد.
ومن القبائل العربية الأولى الشهيرة التي استقرت بأرض الشام ومنها
فلسطين قبيلة قضاعة التي تنصرت فيما بعد، وولاها ملوك الروم على
عرب بلاد الشام. ثم وردت قبيلة سليح فحلت مكانها. ثم إن بني غسان
"الغساسنة" هاجروا من اليمن أواخر القرن الثالث الميلادي، فاستقروا
شمال الحجاز، ثم انتقلوا للشام، واعترف لهم البيزنطيون بنوع من
السيادة، وأقاموا دولة حاجزة بين الروم والفرس، وامتدت سلطتهم على
القبائل العربية في فلسطين، واستمر ملكهم حتى حوالي سنة 584 م حيث
بدأ انهيارهم عندما خاصموا الروم. وحين غزا الفرس الشام 613م قضوا
على آخر نفوذ للغساسنة، وكان هذا بُعيد نزول الوحي على محمد صلى
الله عليه وسلم، وبدء انتشار الإسلام.
وقد
شهدت بلاد الشام ثلاثة كيانات عربية قبل الإسلام، فظهر الأنباط في
الجنوب، وظهرت تدمر في الشمال، والغساسنة بينهما. أما تدمر فلم يصل
نفوذها إلى فلسطين، وأما الأنباط فقد تمركزوا في البتراء شرق
الأردن، وسرعان ما وسَّعوا نفوذهم، وأسسوا لأنفسهم مملكة رأسها
الحارث الأول منذ 169 ق.م. وفي أوج ازدهارهم شملت دولتهم الأقسام
الشرقية والجنوبية من فلسطين وحوران وإيدوم ومدين وسواحل البحر
الأحمر، وباتت دولتهم تحيط بمنطقة المكابيين (اليهود) من ثلاث جهات
على عهد الحارث الثاني والثالث. غير أن دولتهم ما لبثت أن سقطت في
نهاية القرن الأول الميلادي على يد الرومان[84].
وبعد
الفتح الإسلامي انتشرت القبائل العربية في فلسطين، وامتزجت بمن
سبقها من كنعانيين وغيرهم، وحدثت حركة أسلمة وتعريب تدريجية
وطبيعية تحت راية الحكم الإسلامي، حتى أصبح دين أهل فلسطين الإسلام
ولسانهم العربية. وبشكل عام، فإن غالبية من استقر من العرب في
فلسطين هم من القحطانية أي من العرب العاربة، أي من القبائل
العربية التي ترجع إلى أصول يمنية، فقد كانت معظم جيوش الفتح
الإسلامي من هذه القبائل. فنـزل مثلاً قوم من الأشعريين طبرية
وغلبوا عليها، ونزل بعضُ أفخاذ جذام في بيت جبرين، وفيما يلي طبرية
من أرض، وسكن أقوام من بكر بن وائل جنين وآخرون من مضر بن نزار في
نابلس. وفي منطقة الخليل وما حولها كانت قد استقرت لخم، وبطن من
بني عبد الدار وهم رهط تميم الداري رضي الله عنه. ومن أهم قبائل
العرب العاربة حِمْيَر التي ينسب جل أفرادها إلى قبيلة قضاعة،
والتي انتشرت بطونها في قرى البطاني (غزة)، وجماعين (نابلس)، ووادي
حنين (يافا)، وغيرها. ومن بطون قضاعة التي انتشرت في فلسطين، قبائل
كلب وبلي وجهينة وجرم وقدامة وبنو بهراء وبنو عذرة والقين و مسكة.
ومن العرب العاربة قبائل بنو كهلان، ومن أهمها طيء التي تعرف اليوم
باسم "شمر"، ولخم وزُبيد والأوس والخزرج، وكلها انتشرت في أماكن
مختلفة من فلسطين. وهناك أعداد من عرب شمال الجزيرة العربية الذين
يعرفون ببني عدنان أو بني إسماعيل أو العرب المستعربة، وإليها تنسب
قريش التي جاء العديد من عائلاتها إلى فلسطين من نسل أبي بكر وعمر
وعثمان وعلي والعباس وغيرهم من الصحابة، وهناك كذلك قبيلة
عَنْـزَة، وحرب وغيرها[85].
وظل
شعب فلسطين مسلماً عربي اللسان منذ الفتح الإسلامي وإلى وقتنا هذا.
ولم تؤثر فترة الحروب الصليبية في تركيبة السكان إلا قليلاً عندما
غزاها صليبيو أوروبا، فسرعان ما استوعب المسلمون هذه الهجمة
وأعادوا للأرض هويتها المسلمة. وقد ظلت فلسطين منطقة جذب سكاني
لمكانتها المقدسة ولموقعها الجغرافي ولمناخها المعتدل وإمكانات
الزراعة والتجارة وغيرها، فاستقر بها بعض المسلمين من الأكراد
والبربر والشيشان والبوسنة والأتراك حيث تعربوا وامتزجوا بأهلها،
وظلت في فلسطين أقلية نصرانية تعيش بسلام وطمأنينة في ظل حكم
المسلمين، وكان من نصارى فلسطين أولئك الذي ظلوا على دينهم من أهل
البلد، ومن استقر من النصارى فيما بعد ممن رغبوا في السكن في الأرض
المقدسة، من أرمن ويونان وغيرهم. كما اتسع التسامح الإسلامي لسكن
اليهود واستقرارهم، بوصفهم أهل ذمة، فعاشت أقلية ضئيلة منهم دون
طموحات سياسية، وكانوا في بداية القرن التاسع عشر لا يتجاوزون
الخمسة آلاف. ووصل عددهم قبيل بداية البرنامج العملي النَّشِط
للهجرة الصهيونية أي حوالي 1880م إلى 23 ألفاً تقريباً[86].
وعندما احتل البريطانيون فلسطين عام 1918 كان عدد سكان فلسطين
نحواً من 665 ألف نسمة منهم حوالي 550 ألف مسلم، والنصارى حوالي 60
ألفاً، واليهود 55 ألفاً. أي أن العرب كانوا نحو
91.73% من السكان، بينما كان اليهود 8.27% وكانت غالبية هؤلاء
اليهود من المهاجرين الغرباء القادمين من روسيا وشرق أوروبا خلال
السنوات الأربعين السابقة[87].
وتحت
الاحتلال البريطاني، الذي تعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين،
تم فتح أبواب الهجرة والاستيطان على مصراعيها لليهود حيث هاجر في
الفترة 1919 ـ 1948 نحو 483 ألف يهودي[88]. ولكن حتى صدور
قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 فإن العرب ظلوا
أغلبية السكان. فحسب المعلومات التي ذكرتها لجنة الأمم المتحدة
التي أوصت بالتقسيم فإن عدد السكان العرب بلغ مليوناً و 237 ألفاً
و 374 شخصاً (67.05%) وبلغ عدد السكان اليهود 608 آلاف و 225 شخصاً
(32.95%) وهي أرقام تستند إلى الإحصائيات البريطانية لسنة 1946[89].
لقد
حاول قرار الأمم المتحدة الظالم بتقسيم فلسطين أن يضفي شرعية على
إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وكان من أبرز أوجه الظلم
التي انبنت على هذا القرار تمزيق شعب فلسطين وتشريده. ففي المنطقة
التي قضى التقسيم إعطاءها لليهود (54% من الأرض) كان يعيش 498 ألف
يهودي و 497 ألف عربي، وفي المنطقة التي قضى بإعطائها للعرب (45%
من الأرض) كان يعيش 725 ألف عربي و 10 آلاف يهودي فقط، بينما تقرر
وضع منطقة القدس (1% من الأرض) تحت إشراف دولي حيث يسكنها 105 آلاف
عربي، و 100 ألف يهودي[90]. وحسب دراسة إحصائية دقيقة قامت
بها جانيت أبو لغد فإن عدد الفلسطينيين العرب في نهاية سنة 1948
كان مليوناً و 398 ألفاً، أما تقديرات سلمان أبو ستة للسنة نفسها
فهي مليون و 441 ألفاً[91].
ولأن
اليهود كانوا قد تجهزوا تماماً للحرب بدعم من القوى الكبرى لفرض
قرار التقسيم، بل وتوسيع كيانهم وطرد أبناء فلسطين من الأرض التي
يسكنون عليها، فقد تسببت حرب فلسطين 1948 بمأساة كبرى لشعب فلسطين،
فحسب إحصاءات الأمم المتحدة تم تشريد 726 ألف فلسطيني من أرضهم،
وزادت التقديرات بعد ذلك إلى نحو 900 ألف لاجئ، أي أن نحواً من
ثلثي شعب فلسطين قد طردوا من أرضهم، حيث قام اليهود الصهاينة بأحد
أبشع حالات التطهير العرقي في التاريخ الحديث. ثم قاموا بإحلال
اليهود من شتى الأجناس والألوان مكان أبناء البلاد الأصليين، وفي
العام 1967 احتل الصهاينة ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وغزة)
وشردوا 330 ألف فلسطيني آخرين[92]. ومنعت القوات الصهيونية
ولا تزال تمنع الفلسطينيين من العودة إلى أراضيهم، وبذلك ظلت أعداد
هائلة من الفلسطينيين تزيد عن نصف العدد الكلي لاجئةً خارج فلسطين.
وهكذا
توزع شعب فلسطين( الذي بلغ عدده سنة 2002 حوالي 9 ملايين و 554
ألفاً) على ثلاث تقسيمات جغرافية، هي:
- أرض
فلسطين المحتلة سنة 1948 (حوالي مليون و 239ألفاً في سنة 2002، أي
نحو 12.97% من الفلسطينيين).
- أرض
فلسطين المحتلة سنة 1967، بما فيها القدس الشرقية (حوالي ثلاثة
ملايين و 485 ألفاً في سنة 2002، أي 36.48% من الفلسطينيين).
-
الفلسطينيون خارج فلسطين (حوالي أربعة ملايين و830 ألفاً في سنة
2002أي 50.55% من الفلسطينيين)[93].
ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين من أصعب المشاكل الإنسانية في التاريخ
الحديث، وأصحابها هم الأكثر عدداً والأطول معاناة بين لاجئي العالم
منذ سنة 1948. ومع ذلك حال التواطؤ الدولي للقوى الكبرى وخصوصاً
الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني دون عودتهم إلى أرضهم، رغم
صدور العشرات من قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد حقهم في العودة.

هل ترك الفلسطينيون أرضهم بناء على رغبتهم؟
تزعم
الدعاية الصهيونية ومؤيدوها أن الفلسطينيين رحلوا عن فلسطين في
أثناء حرب 1948 بناء على رغبتهم الخاصة، وبناء على حث الزعماء
العرب لهم عبر برامج الإذاعات العربية، بينما كان الصهاينة
يطالبونهم بالبقاء!! لكنهم اختاروا الرحيل، وبذلك فقدوا حقهم في
أرضهم، وعليهم تحمل ما صنعت أيديهم!
من
المثير للسخرية أن مناقشة القضايا البديهية، ومماحكة الحقائق تكون
أحياناً أكثر صعوبة من مناقشة القضايا الصغيرة، المختلف في زاوية
النظر حولها. ولو جربت أن تناقش شخصاً عنيداً يطالبك بإثبات أن
الشمس هي التي تشرق كل صباح على الكرة الأرضية لعرفت مدى الصعوبة
التي ستواجهها في مثل هذه الأمور. ومن المؤلم أيضاً أن تجد من
إخوانك العرب والمسلمين من التبس عليه الأمر فتأثر بالدعاية
الصهيونية وجاء مجادلاً أو على الأقل متسائلاً باحثاً عن الحقيقة.
أولاً: وقبل كل شيء فمن ينكر أن السلوك الطبيعي للمدنيين في أثناء
الحروب وخصوصاً إذا صاحبها مذابح وتطهير عرقي هو الهجرة باتجاه
مناطق أكثر أمناً بانتظار انتهاء الحرب حتى يعودوا بعد ذلك إلى
ديارهم؟ ألم يفعل ذلك اليهود أنفسهم؟ ألم يحدث هذا منذ وقت قريب في
تيمور الشرقية وغيرها من البلدان؟!.
ثانياً: إذا حدث ورحل السكان عن منطقة ما أثناء الحرب لمصلحة
يرونها، وبغض النظر عمن شجعهم على ذلك، فهل يحرمهم ذلك من حقهم في
العودة إلى أرضهم عند انتهاء الحرب. لماذا سمح للبوسنيين والأفغان
والشيشان والتيموريين الشرقيين وغيرهم بالعودة إلى أرضهم؟ بينما لم
يسمح للفلسطينيين؟.
لماذا
ألزم المجتمع الدولي الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان بإعادة
اللاجئين إلى أراضيهم، ولم يلزم الكيان الصهيوني بذلك؟.
ثالثاً: إذا كان الصهاينة فعلاً قد دعوا الفلسطينيين إلى البقاء في
أرضهم، فلماذا منعوهم من العودة إليها عند انتهاء الحرب؟ بعد أن لم
يعد هناك خطر يذكر من هؤلاء المدنيين؟ لماذا صادروا الأراضي
الفلسطينية وأحلوا مكانهم مستوطنين يهود من نحو تسعين بلداً من
بلدان العالم؟
وباختصار لماذا لم يثبتوا حسن نواياهم إن كان لديهم أية نوايا
حسنة؟!
رابعاً: يدعي اليهود الصهاينة أن الفلسطينيين تركوا فلسطين بناء
على رغبتهم الخاصة!! فهل تطوعوا فعلاً بسؤال الفلسطينيين عن حقيقة
رغبتهم؟ ولماذا يتحدثون باسمهم ورغماً عنهم؟ وهل لديهم الاستعداد
لفتح الباب لعودة الفلسطينيين إلى أرضهم؟ إذا ثبت أنهم تركوها
كارهين، ومستعدين للعودة إليها راغبين؟ ألم تكفهم عشرات من
البيانات والتصريحات والاستفتاءات؟ وأكثر من خمسين سنة في المخيمات
رافضين للتوطين في أي مكان غير فلسطين؟ والثورات والانتفاضات؟
وعشرات من قرارات الأمم المتحدة التي استصدروها... .
خامساً: إذا كان اليهود يدعون لأنفسهم حق العودة إلى فلسطين بعد
ألفي عام من تركها! فلماذا يحرمون أبناء فلسطين من حق العودة إلى
أرضهم بعد أشهر فقط أو سنوات من "تركها"؟.
وإذا
كان اليهود أنفسهم لم يظهروا نوايا جادة، ولم يقوموا بأية برامج
عملية للعودة إلى فلسطين طوال 1800 سنة وعلى مدى عشرات الأجيال،
فهذا يعني وفق المنطق نفسه أن اليهود قد فقدوا حقهم في العودة منذ
أمد طويل.
وعلى
أي حال، فإن حقائق الواقع وأدلة التاريخ واعترافات اليهود أنفسهم
تكذب ادعاءاتهم ومحاولات تزييفهم للتاريخ. فلا الفلسطينيون خرجوا
وفق رغبتهم، ولا الزعماء العرب أمروهم بالخروج، ولا الزعماء
الصهاينة خططوا لإبقائهم والتعايش معهم.
ففي
سنة 1961 أمضى الصحفي الإيرلندي أيرسكين تشايلدرز عدة أشهر يتقصى
أسباب خروج الفلسطينيين وطالب الزعماء الصهاينة بدليل واحد يثبت
مزاعمهم لكنهم عجزوا، ولم يجد ما يثبت أن الإذاعات العربية حضت
العرب على الخروج، ولجأ تشايلدرز إلى محطات الإذاعة البريطانية
والأمريكية لتفحص تسجيلات البث الإذاعي التي سجلت طوال سنة 1948
وانتهى إلى القول:" "ليس هناك أمر أو نداء أو اقتراح واحد يمكن أن
تكون قد بثته إي إذاعة عربية داخل أو خارج فلسطين خلال 1948 يتعلق
بتشجيع الفلسطينيين على الرحيل. بل على العكس من ذلك تم التقاط
تسجيلات متكررة لنداءات وأوامر موجهة من إذاعات عربية إلى
الفلسطينيين تطلب منهم البقاء في فلسطين". ووجد تشايلدرز أدلة
واضحة على أن الإذاعة الإسرائيلية كانت تبث برامج بالعربية لحث
الفلسطينيين على الرحيل[94].
ولم
تصدر اللجنة العربية العليا أوامرها للفلسطينيين بالنـزوح (لإفساح
المجال للجيوش العربية)، كما تروج الدعاية الصهيونية، بل على العكس
فهناك أكثر من رسالة رسمية صادرة عن اللجنة، وإحداها مؤرخة في
8مارس 1948 تطلب من الحكومات العربية التعاون لمنع نزوح
الفلسطينيين[95].
أما
الحقيقة التي يجب تثبيتها فإن النوايا الصهيونية منذ مرحلة مبكرة
كانت تركز على فكرة الدولة اليهودية، والتخلص من القوميات الأخرى
من مناطقها، ومنذ البداية كتب ثيودور هرتزل
T. Herzl
-
مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لها - في مذكراته:"يجب
أن تتم عمليتي طرد الفلسطينيين والتخلص منهم بحذر وسرية بالغة"،
ونقل عن زعيم الحركة الصهيونية في فلسطين ديفيد بن غوريون سنة 1937
قوله إن اليهود يجب أن يطردوا العرب ويحلوا محلهم"[96].
أما
يوسف ويتز
Yosef Weitz
الإداري المسئول عن الاستيطان الصهيوني عام 1940 فقد كتب يقول:"
يجب أن يكون واضحاً في أذهاننا أنه ليس هناك مجال لأن يعيش الشعبان
معاً في هذا البلد، لذا فإن الحل الوحيد يكمن في أن تكون فلسطين
خالية من العرب، وليس هناك من طريقة لتنفيذ هذا المخطط سوى طردهم
جميعاً إلى الدول المجاورة"[97].
وقد
اعترف الصهاينة - فيما بعد - أنهم نفذوا خطة كبيرة سموها "خطة
داليت" لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وتبعاً لما ورد في التاريخ
الصهيوني الرسمي فإن القرى الفلسطينية التي قاومت هذه الخطة يجب
تدميرها وطرد سكانها خارج حدود الدولة اليهودية"، وتم تبني السياسة
نفسها مع المدن الفلسطينية. وكتب إسحاق رابين الذي كان أحد
القيادات العسكرية اليهودية لحرب 1948 (وأصبح رئيساً للوزراء فيما
بعد) أقوالاً تمكنت صحيفة نيويورك تايمز من نشرها في 23 أكتوبر
1979" مشينا إلى الخارج بمرافقة بن غوريون، وأعاد آلون سؤاله: ما
الذي سنفعله بالسكان الفلسطينيين؟ فأجابه بن غوريون بحركة من يده:
اطردوهم"، وكشف باحث يهودي يدعى بيني موريس عن وثيقة مؤرخة في 30
يونيو 1948 أعدها قسم الاستخبارات اليهودية المباشرة في الجيش
الإسرائيلي يوضح فيه أن الرحيل الجماعي للفلسطينيين كان بسبب
العمليات العدائية اليهودية المباشرة على التجمعات العربية،
وانعكاسات هذه العمليات على التجمعات العربية الأخرى، وبسبب ما
قامت به المجموعات الصهيونية الإرهابية الأخرى مثل عصابة الأرغون
التابعة لمناحيم بيغن. وتذكر الوثيقة بأنه" مما لا شك فيه أن
العمليات العدائية التي قامت بها عصابة الهاغاناة كانت السبب
الرئيسي في رحيل الفلسطينيين"، وتعترف الوثيقة بأن المؤسسات
والإذاعات العربية حاولت مجابهة ترحيل الفلسطينيين والحد منها[98].
وكتب
ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني في يومياته 18
يوليو 1948 :" يجب أن نفعل أي شيء من أجل ضمان أنهم (اللاجئون
الفلسطينيون) لن يعودوا مرة أخرى"[99].
ومن
جهة أخرى فقد استخدمت القوات الصهيونية أسلوب المجازر البشعة
لإثارة الرعب والفزع وتهجير السكان، وارتكبت حوالي 34 مجزرة خلال
حرب 1948 بمدنيين فلسطينيين أثناء عمليات التهجير، وكان من أشهرها
مذبحة دير ياسين التي اعترفت القوات الصهيونية فيها بمقتل 254 من
الرجال والنساء والأطفال[100].
وبعد،
فإنه مما لا شك فيه أن خروج الفلسطينيين من أرضهم كان عملية مبيتة
ومخطط لها وتم تنفيذها بموافقة وإشراف أعلى مستويات القيادة
الصهيونية.
الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة 1948
استطاع اليهود الصهاينة إنشاء كيانهم عام 1948 على نحو 77% من أرض
فلسطين، وبعد طرد ثلثي الشعب الفلسطيني من أرضه، كما أشرنا سابقاً.
وقد ظل عدد من الفلسطينيين في هذه الأرض ممن لم يتمكن الصهاينة من
طردهم، وقد بلغ عددهم حوالي 156 ألفاً، 17% من العدد الكلي لسكان
الكيان الصهيوني عند إنشائه[101]. وهؤلاء الذين بقوا هم
الذين يعرفون بـ"فلسطينيي الـ 48"، أو عرب الـ 48، أو ما يسميه
الصهاينة بـ"عرب إسرائيل"، وهكذا ولأول مرة يجد أبناء فلسطين
أنفسهم أقلية في أرضهم بل وتعاملهم الدولة الصهيونية كغرباء أو
مواطنين من الدرجة الثانية.
لقد
كان حجم الدمار هائلاً وكانت درجة تمزيق النسيج الاجتماعي
والاقتصادي للفلسطينيين في الأرض المحتلة تفوق التصور، فحسب د.
إبراهيم أبو جابر فقد تم تدمير 478 قرية من أصل 585 قرية عربية
كانت قائمة في الأرض المحتلة 1948.[102] وفي دراسة متأنية
للدكتور وليد الخالدي وضع قائمة دقيقة بأسماء 418 قرية تم تهجير
سكانها سنة 1948، وقد تابع د.سلمان أبو سنة قائمة القرى هذه وأضاف
عليها مجموعة أخرى من القرى ومراكز استقرار البدو خصوصاً في بئر
السبع، ليصبح العدد الكلي للقائمة 531 قرية ومركزاً. وقد هجر بسبب
ذلك 804 آلاف فلسطيني إلى خارج الأرض المحتلة أو ما أصبح يدعى
"إسرائيل"، بينما تم تهجير نحوا من 30 ألفاً آخرين من أرضهم إلى
مناطق أخرى داخل الأرض المحتلة نفسها أي حوالي خمس الفلسطينيين
الـ156 ألفاً الذين ظلوا هناك[103].
ويحاول الكيان الصهيوني إثبات شرعيته وفق شعار الصهاينة المعروف
"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ولذلك يسعى لطمس كل الحقائق حول أبناء
فلسطين الذي شردهم وحول قراهم ومراكزهم الحيوية التي دمرها. تقول
جولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني السابقة:" لا يوجد شيء
اسمه فلسطينيون"![104] ويعرض د. إسرائيل شاحاك ـ أحد مفكري
اليهود ـ هذا الأمر قائلاً:" إن الحقيقة المتعلقة بالتجمعات
السكانية العربية التي كانت موجودة داخل حدود دولة إسرائيل قبل
1948 تُعدُّ أحد أهم الأسرار التي يتكتم عليها في إسرائيل، فليست
هناك أية منشورات أو كتيبات تتحدث عن هذه التجمعات السكانية وأماكن
وجودها. وهذا أمر تم تجاهله بشكل متعمد حتى يمكن تدريس خرافة
"البلاد الفارغة"، وكانت القرى المدمرة في غالب الأحوال قد دمرت
تدميراً كاملاً بمنازلها وأسوار حدائقها وحتى مقابرها وشواهد
قبورها.. حتى يتم إيهام الزائرين.. بأن جميع هذه المناطق كانت
عبارة عن صحراء مقفرة". أما الجنرال موشيه دايان أحد كبار الشخصيات
الصهيونية في القرن العشرين والذي تدرج في مناصب رئاسة أركان الجيش
الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، وكان له اهتمام خاص
بالآثار، فيقول:" ليست هناك قرية يهودية واحدة في هذه البلاد لم
يتم بناؤها فوق موقع لقرية عربية"[105].
ومنذ
البداية شرعت الدولة الصهيونية الناشئة في التعامل مع من تبقى من
أهل فلسطين في الأرض المحتلة عام 1948 وفق الخطوط التالية:
-
تبني قوانين وسياسات تمييزية ظالمة جعلتهم كالغرباء في أرضهم،
ومواطنين من الدرجة الثانية.
-
وضعهم تحت ظروف أمنية واقتصادية صعبة تلجئهم إلى الهجرة وترك
الأرض.
مصادرة أراضيهم، وأراضي الوقف الإسلامي.
-
محاولة محو هويتهم الدينية والثقافية وسلخهم عن محيطهم الفلسطيني
والعربي والإسلامي.
-
وتنفيذا لهذه السياسات، فقد وضع هؤلاء الفلسطينيون تحت الحكم
العسكري وتم عزل القرى العربية عن بعضها وإعلان كل قرية منطقة
مغلقة لا يحق الدخول إليها والخروج منها إلا بإذن. حتى أن إميل
حبيبي الشيوعي الفلسطيني عضو الكنيست منع من مغادرة مدينته لحضور
الكنيست إلا بعد حصوله على تصريح خاص. وظل الفلسطينيون تحت الحكم
العسكري حتى 1966 عندما توقف العمل به رسمياً، غير أنه من الناحية
العملية ظلوا تحت الرقابة المشددة، وما حدث هو مجرد عملية انتقال
سلطة متابعتهم إلى أيدي وحدة المهمات الخاصة في الشرطة
الإسرائيلية. لقد كانت القوانين المطبقة على الفلسطينيين في أرض
1948 جائرة إلى حد أن وزير العدل الإسرائيلي السابق يعقوب شابيرا
يقول: " حتى في ألمانيا النازية لم يكن هناك مثل هذه القوانين، ولا
يمكنك أن تجد نظاماً يشبه نظامنا إلا في البلاد المحتلة.. إن من
واجبنا أن نقول للعالم بأسره أن قوانين الدفاع تدمر البنية التحتية
للعدالة في هذا الكون"[106].
لقد
كان التعامل منذ البداية مع فلسطينيي الـ48 عدوانياً، وكأنهم وجدوا
"خطأ" في "أرض إسرائيل"، ولذلك أعلن يوري لوبراني مستشار رئيس
الوزراء الإسرائيلي 1960 - 1963 أن الفلسطينيين في إسرائيل هم
الأعداء الأبديين لإسرائيل[107]. وفي الكيان الصهيوني لا
يمكن أن توجد مساواة حقيقية لجميع المواطنين، لأن إسرائيل أعلنت
نفسها منذ البداية أنها دولة اليهود أينما يقيمون، ومهما كانت
جنسياتهم، وحالما تطأ أرجلهم الأرض المحتلة يصبحون مواطنين أصليين
لهم الحقوق كافة، بما فيها الوصول إلى أعلى مراتب الدولة. أما وجود
العرب فيها ولو منذ آلاف السنين فلا يعني ذلك أنها دولتهم، لأن
إسرائيل ليست بالضرورة دولة للمواطنين الذين يعيشون فيها.
وقامت
السلطات الصهيونية بطريقة منهجية متدرجة ودون ضوضاء إعلامية بعملية
اغتصاب الأراضي من أصحابها الشرعيين سواء من طرد وشرد منها أو من
ظل صامداً على أرضه. وقامت بسن 34 قانوناً لإعطاء شرعية للظلم الذي
تمارسه ومن هذه القوانين، قوانين أملاك الغائبين، وقانون استملاك
الأراضي، وقانون مصادرة الأراضي لمصلحة المجتمع.. وغيرها. وقد أدى
ذلك إلى مصادرة نحو 97% من الأرض التي يملكها الفلسطينيون مع نهاية
القرن العشرين[108].
وكان
معدل ملكية الفرد الفلسطيني سنة 1945 هي 19 دونم، وقد هبطت سنة
1950 إلى 3.4 دونم وسنة 1981 إلى 0.84دونم، وهكذا[109]. وقد
ثار أبناء فلسطين المحتلة 1948 في وجه هذه القوانين والمصادرات
الظالمة، وكان من أبرز هذه الانتفاضات ما يعرف بانتفاضة يوم الأرض
في 30 مارس 1976 والتي استشهد فيها ستة من الفلسطينيين.
ورغم
القوانين الظالمة الجائرة ، فقد صمد أبناء فلسطين في أرضهم متشبثين
بحقهم، وشجعهم على ذلك ما رأوه من معاناة إخوانهم اللاجئين من ظروف
أقسى وأصعب. وقد استمرت معدلات النمو السكاني الطبيعي بينهم
بمعدلات عالية غير أن نسبتهم إلى عدد اليهود في فلسطين لم تتحسن
كثيراً بل وشهدت انحساراً في الخمسينيات والستينيات بسبب هجرة
أعداد هائلة من اليهود من بقاع العالم شتى إلى فلسطين المحتلة، كما
تأثرت بموجة الهجرة اليهودية الكبرى مع انحلال الاتحاد السوفيتي
وسقوطه أواخر الثمانينيات من القرن العشرين.
ويبين
الجدول التالي تطور أعداد الفلسطينيين ونسبتهم إلى العدد الكلي في
الأرض المحتلة سنة 1948[110]:
|
السنة |
العدد بالألف |
النسبة إلى عدد السكان |
|
1948 |
156 |
17% |
|
1958 |
221 |
10.9% |
|
1968 |
406 |
14.3% |
|
1978 |
569 |
15.9% |
|
1988 |
817 |
18.3% |
|
1990 |
875 |
18.2% |
ووفق
نسب النمو الطبيعي نحو 3.4% سنوياً فإن عدد الفلسطينيين أصبح في
سنة 2002 حوالي مليون و239 ألفاً. وهي تشكل الآن نحو 19.5% من
السكان.
ومن
الناحية الدينية ينقسم أبناء فلسطين إلى مسلمين من أهل السنة
ونسبتهم 77%، ودروز 10%، ونصارى 13%. وكانت نسبة النصارى في
السنوات الأولى للاحتلال حوالي 20% إلا أنها انخفضت بسبب هجرة
أعداد منهم خصوصاً إلى أوروبا وأمريكا[111].
ويقدم
الكيان الصهيوني نفسه على أساس أنه واحة الديمقراطية في منطقة
الشرق الأوسط وأن الفلسطينيين تحت حكمه يتمتعون بحقوق المواطنة
والحرية السياسية، وأن أحوالهم الاقتصادية تحسنت كثيراً. وقبل
مناقشة مثل هذه الادعاءات، فإن الإشكالية الأساسية يتم تجاهلها،
وهي أن أرض هؤلاء الفلسطينيين محتلة عنوة وقهراً، وأن معظم إخوانهم
قد شردوا وطردوا ، وأنهم لا يملكون حق إرجاعهم، بينما تُفتح أرض
فلسطين لليهودي من أية جنسية وبلد كان ، يتجنس ويمتلك ويحكم، بينما
يعامل الفلسطيني على أنه غريب في أرضه، وعدو محتمل يمكن محاربته أو
تهجيره في أي لحظة. هذا هو محور القضية الذي يجب ألا يغيب عن
الأنظار. غير أن ما يشوش هذه الرؤية أحيانا أن الكيان الصهيوني
يسعى جاهداً للظهور بوصفه دولة ديمقراطية ليحصل على قبول وثناء
دولي، وهذا يوفر هامشاً من الحرية السياسية والدينية للفلسطينيين
تحت حكمه. ثم يزيد الأمر تشويشاً ما يلقاه الفلسطينيون من معاملة
سيئة ومعاناة على أيدي أشقائهم العرب في بعض البلدان العربية، مما
يوفر حجة يستقوي بها الكيان الصهيوني ليحاول إظهار نفسه في وضع
أفضل. كما أن مستوى المعيشة في الكيان الصهيوني أعلى بكثير من
مثيله في البلدان المجاورة، وهو ما يظهر الفلسطينيين في الأراضي
المحتلة بمستوى معيشي أفضل، على الرغم من وجودهم في ذيل القائمة،
وسوء أحوالهم مقارنة باليهود داخل الكيان. إذ ليس من العدل مثلاً
أن تقارن وضع الفقير في أمريكا أو السويد مع فقير أخر يعيش في
الهند أو تشاد أو موزمبيق، عند ذلك يصبح الفقير الأمريكي غنياً
مترفاً مقارنة بنظيره في تلك البلاد. والأصل أن تتم المقارنة وفق
الظروف نفسها والزمان والمكان وتكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة
الكريمة.
وعلى
أي حال، فإن الدراسة المتأنية لأوضاع الفلسطينيين في أرض 1948 تثبت
الأوضاع المتردية التي يعيشونها مقارنة باليهود، فمثلاً تتجاوز
المخصصات المالية الحكومية للمجالس المحلية اليهودية (البلديات)،
خمسة أضعاف إسهام الحكومة في الميزانية المحلية للمجالس المحلية
العربية، ودعم الحكومة لتكلفة المياه التي يستهلكها المزارعون
اليهود تناهز ما تمنحه للعرب بمائة مرة، ويوجد 10 عرب من أساتذة
الجامعات من بين خمسة آلاف أستاذ جامعي يهودي، وهناك عربي واحد من
مجموع 2400 يحتلون مراكز إدارة في الشركات التي تمتلكها الحكومة،
وليس هناك أي مدير عربي من بين 600 مدير من مدراء الصناعات التي
يمتلكها اتحاد العمال في الكيان الصهيوني "الهستدروت"، ومن بين
جميع المسئولين الـ 1860 المسجلين في الوزارات الإسرائيلية هناك 26
فلسطيني فقط يعملون جميعاً في إدارات تنحصر مسئوليتها في الشؤون
الدينية والبلدية العربية. ومن مجموع 76 بلدة سكانها بين خمسة آلاف
إلى عشرين ألفاً، هناك عشرون بلدة تفتقر إلى الخدمات الصحية منها
19 فلسطينية. وحتى سنة 1976 كان هناك قرية عربية واحدة مزودة بشبكة
للمجاري من بين 104 قرى عربية، وقد ربط الصهاينة بين تقديم الكثير
من الخدمات وبين أداء الخدمة العسكرية لكيانهم، مثل إعالة الأطفال
وقروض الإسكان ونفقات الدراسة الجامعية وغيرها، وهذا حرم
الفلسطينيين الذين لا يؤدون هذه الخدمة(سواء برغبتهم أو برغبة
الصهاينة أيضاً) من الكثير من حقوق المواطنة[112].
وتشير
أحوال الفلسطينيين في الأرض المحتلة 1948 إلى إهمال صهيوني متعمد
في خدمات البنية التحتية كالكهرباء والصرف الصحي والمياه وقروض
السكن، وإلى منع تراخيص البناء، وإلى النقل الإجباري للسكان من
قراهم إلى قرى أخرى، وفتح مكاتب لمساعدتهم على الهجرة إلى الغرب.
وحسب الإحصاءات الإسرائيلية نفسها فإن 48% من الفلسطينيين يعيشون
تحت خط الفقر ومعدل البطالة بينهم 22%[113].
وقد
كانت السنوات العشرون الأولى لقيام الكيان الصهيوني 1948 ـ 1967
كابوساً كبيراً على صدور أبناء فلسطين المحتلة 1948. فقد وضعوا تحت
حكم عسكري عدواني بغيض، وغادر نتيجة الحرب معظم المثقفين وقادة
الأحزاب رجال الفكر الفلسطينيين، بينما كان غالب من تبقى من
الفلاحين البسطاء مما أوجد أزمة في القيادة والتوجيه، وخلت الساحة
إلا من شراذم الشيوعيين الفلسطينيين الذين أيدوا إنشاء الدولة
الصهيونية. ولم يجد الفلسطينيون ما يعبرون به عن توجهاتهم السياسية
إلا من خلال الأحزاب "الإسرائيلية". كما ضُرب ستار حديدي بين هؤلاء
الفلسطينيين وإخوانهم الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بينما جرت
محاولات لغسل أدمغتهم ومحو هويتهم الوطنية والثقافية.
وقد
عبر الشيخ رائد صلاح أحد قادة الحركة الإسلامية - فيما بعد - في
أرض الـ48 عن هذه الأحوال بقوله:" لقد كانت الهوية غائبة، والثقافة
الإسلامية أبوابها مسدودة"، وقال إبراهيم عبد الله رئيس مجلس قرية
كفر قاسم (فيما بعد) :" منذ عام 49 وحتى عام 67 لم نكن نعلم شيئاً
عن أصولنا وحضارتنا، لم نكن نعلم شيئاً عن الإسلام، لقد كان هناك
بعض من نسخ القرآن مبعثرة في بعض ما بقي من مساجد قديمة في القرى
العربية، لقد غرقنا في ظلمة تامة من الجهل والفساد"[114].
وفي
مثل هذه الأوضاع خلت الأجواء للشيوعيين الذين استطاعوا في البداية
الانتشار وسط قطاعات المجتمع الفلسطيني، وكذلك للزعامات التقليدية
والعشائرية التي كانت تخشى فقدان نفوذها إذا ما عارضت الصهاينة
بقوة وفعالية. وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي اعترف بالكيان
الصهيوني ودولته ومؤسساته إلا أنه حمل عدداً من الأطروحات التي
تخدم مصالح الفلسطينيين في أرض 48، مقارنة بالأحزاب الصهيونية
الأخرى، كدعوته للمساواة وإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.
وتراوحت قوة هذا الحزب في الوسط العربي بين 11% من أصوات الناخبين
سنة 1959 و 50% سنة 1977، إلا أنه عاد إلى الضمور في الثمانينيات
لتنخفض نسبته سنة 1992 إلى 23%. وحصل اليساريون ضمن "الجبهة
الديمقراطية للسلام والمساواة" على ثلاثة مقاعد في انتخابات
الكنيست لسنة 1999. أما القوى التقليدية فقد كانت تنـزل في قوائم
مرتبطة بأحزاب صهيونية وخصوصاً حزب العمل وقد بلغت ذروة نفوذها سنة
1955 عندما حصلت على 55% من أصوات الوسط العربي، وفي سنة 1969حصلت
على 41%، ثم في 1977 حصلت على 16% لكنها فقدت نفوذها بعد ذلك، ولم
تتمكن من اجتياز نسبة الحسم اللازمة للتمثيل في الكنيست (البرلمان
الإسرائيلي)، وهناك قوة يسارية أخرى ظهرت منذ 1981 تدعى "الحركة
التقدمية للسلام"، غير أنها تركز على الهوية الفلسطينية وليس
الأممية كالشيوعيين وفازت بمقعدين في الكنيست سنة 1984 ومقعد واحد
سنة 1988. أما الحزب العربي الديمقراطي الذي تأسس سنة 1988 فهو أول
حزب قام على أساس عربي صرف، إذ إن الشيوعيين والحركة التقدمية ضمتا
أعضاء يهود، وحصل في انتخابات سنة 1988 على مقعد واحد في الكنيست،
ثم سنة 1992 على مقعدين[115].
ومن
الجدير بالملاحظة أن نسب الشعبية السابقة في الوسط العربي لا تعبر
بالضرورة عن حقيقة نفوذ تلك الأحزاب، إذ إن هناك أعداداً كبيرة من
العرب ترفض المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، ولا تسجل أسماءها
في قوائم الناخبين، كما أن هناك أعداداً أخرى ممن يسجلون أسماءهم
لا يستخدمون حقهم في الانتخابات.
ومن
جهة أخرى، فإن هناك حركات سياسية غير برلمانية (لا تشارك في
البرلمان)، مثل حركة أبناء البلد، والحركة الإسلامية. أما حركة
أبناء البلد فتعد استمراراً طبيعياً لحركة الأرض التي ظهرت سنة
1959 وحملت ميولاً قومية ناصرية، ثم ما لبثت السلطات الإسرائيلية
أن حظرت نشاطها سنة 1965 لأنها ترى أن فلسطين واحدة غير قابلة
للتجزئة وأن أي حل عادل يجب أن يتم وفق إرادة الشعب الفلسطيني. وقد
ظهرت حركة أبناء البلد سنة 1973، وحققت بعض النجاحات في الانتخابات
البلدية، وعدَّت نفسها من روافد الحركة الوطنية الفلسطينية
المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية[116].
وقد
أخذت بوادر انتشار التيار الإسلامي في مناطق فلسطين الـ 48 إثر حرب
1967، عندما أصبحت كل فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني، وأمكن
لفلسطينيي الضفة والقطاع من الاتصال بإخوانهم في أرض الـ48، ونشر
التيار الإسلامي بينهم وقد كان لأمثال الشيوخ أحمد ياسين، وحامد
البيتاوي، ومحمد فؤاد أبو زيد، وأحمد الحاج علي، وسعيد بلال، فضل
كبير في ذلك. كما درس الكثير من فلسطينيي الـ48 في كليات وجامعات
الضفة والقطاع فضلاً عن أوروبا وأمريكا حيث كان التيار الإسلامي
الفلسطيني ينمو ويتزايد، وعادوا إلى مناطقهم لينشروا الدعوة
الإسلامية، ويقيموا الهيئات الخيرية والعيادات الطبية وقاعات
المطالعة والأندية الرياضية. وتبنى التيار الإسلامي بشكل عام أفكار
ومناهج "الإخوان المسلمون"، ودعوا إلى أن الإسلام هو الحل لمشكلات
الجماعات والأفراد وطمحوا على المدى البعيد إلى إقامة الدولة
الإسلامية على كامل أرض فلسطين. غير أنهم تعاملوا بحذر وواقعية مع
الظروف والأحوال السياسية التي يعيشونها وفق إمكاناتهم المتاحة.
وكان هؤلاء الشباب قد تحمسوا للعمل الجهادي المسلح ضد العدو
الصهيوني فأنشئوا تنظيم "أسرة الجهاد"، سنة 1979 وقاموا بعدد من
العمليات لكنهم سرعان ما اكتشف أمرهم سنة 1980 وقبض على زعيمهم عبد
الله نمر درويش، وعلى القائد العسكري للتنظيم فريد أبو مخ، وعلى
باقي أفراده وحكموا بالسجن مدداً مختلفة.
وفي
الثمانينيات انتشرت الحركة الإسلامية بشكل واسع في قطاعات المجتمع
ونجحت في تقديم خدمات اجتماعية واسعة لفسطينيي 48، وكسب أفرادها
سمعة كبيرة، وشاركت الحركة الإسلامية في انتخابات البلدية، وكان
أول مجلس سيطروا عليه هو مجلس "كفر برا" سنة 1984، وحققوا نجاحاً
واسعاً سنة 1989 ففازوا في بلديات أم الفحم وكفر قاسم وكفر برا
وجلجولية وراهط. وكسبت الحركة الإسلامية 42 مقعداً من أصل 146 تم
التنافس عليها أي 28.6% من المقاعد[117]. وفي انتخابات 1994
فازت بالبلديات نفسها عدا راهط.كما فازت ببلديات كفر قرع وكابول
وكفر كنا، وحصلت على العديد من المقاعد في الناصرة وفراديس والطيبة
وعكا واللد وتل السبع و غيرها.
وقدرت
بعض الدراسات شعبية الحركة الإسلامية في أوساط فلسطينيي الـ48 بنحو
30%، وتكاد هذه النسبة تصل إلى نحو 40% مع نهاية التسعينيات،
وأصبحت القوة الأكثر شعبية وسط فلسطينيي 1948. وظلت الحركة ترفض
المشاركة في انتخابات البرلمان "الإسرائيلي" حتى لا تعطي الشرعية
للكيان الصهيوني، وإن كانت لم تمانع من قيام الأفراد بانتخاب أشخاص
أكثر كفاءة وأهلية لخدمة المناطق العربية. غير أن النقاش الطويل في
الموضوع بين كوادر الحركة أفرز خطين متعارضين أحدهما يمثل الأغلبية
ويرفض المشاركة في الانتخابات، ويرأسه الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال
الخطيب، وآخر يرى تحقيق مصلحة من خلال المشاركة ورأسه الشيخ عبد
الله نمر درويش. وقد تحالف الشيخ درويش مع الحزب العربي الديمقراطي
في انتخابات 1996 وفاز بأربعة مقاعد اثنان منها للحركة الإسلامية،
وقد توسع هذا التحالف سنة 1999 واستطاع الفوز بخمسة مقاعد[118].
ويرى
الكيان الصهيوني في الحركة الإسلامية خطراً محتملاُ وقنبلة موقوتة
قد تنفجر في أي لحظة، وهو يتربص لأية أخطاء في نظره أو هفوات ليقوم
بضرب الحركة والتضييق عليها. وتعمل الحركة من جهتها بحذر وضمن
الدائرة التي يسمح بها القانون، وتحرص على ألا تعطي أي مبرر
للصهاينة للاستعجال بضربها.
وحذرت
جهات عديدة من ظاهرة نمو الاتجاه الإسلامي، وقالت صحيفة هآرتس في
13 يوليو/تموز 1979 إن هذه الظاهرة أصبحت مصدر قلق أكيد لكل يهودي،
وأن السلطات الرسمية تنظر إليها بريبة وخوف. وعلق رئيس الوزراء
إسحاق شامير على نتائج الانتخابات البلدية سنة 1989 قائلاً إن نهوض
هذه الحركة، يُظهر أن هناك دورة للإرهاب مثيرة للقلق. وعلق بعض
الخبراء والمعلقين مثل رفائيل إسرائيلي قائلاً:" إنهم يستغلون
النظام والديمقراطية لمنفعتهم الخاصة، وهدفهم هو اجتياح المجتمع من
الداخل، ثم في مرحلة ثانية أسلمة مجمل فلسطين والشرق الأوسط"، كما
طالب بعضهم بإلغاء شرعيتها القانونية باعتبارها خارجة عن القانون
ودعا للعمل على استئصالها[119].
الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة
(فلسطين المحتلة 1967)
ذكرنا
أن ما تبقى من فلسطين تحت السيطرة العربية إثر حرب 1948 كان يساوي
نحو 23% من أرضها، وقد انقسمت هذه الأرض إلى جزأين، الأول: يطلق
عليه الضفة الغربية ومساحتها 5878 كم2 (21.77% من أرض فلسطين)،
والثاني: قطاع غزة ومساحته 363كم2 (1.33%). وقد كان من المفترض أن
تقوم دولة فلسطينية في هاتين المنطقتين وفق قرارات الجامعة العربية
والأمم المتحدة. لكن الأردن قام بضم الضفة الغربية إليه سنة 1950،
بينما قامت مصر بوضع قطاع غزة تحت إدارتها المباشرة دون أن تضمه
رسمياً. وقد ظل الوضع كذلك إلى أن قامت القوات الصهيونية باحتلال
الضفة والقطاع في يونيو/حزيران 1967.
قُدر
عدد سكان الضفة الغربية سنة 1948 بحوالي 400 ألف نسمة، وبسبب تهجير
الصهاينة للفلسطينيين في حرب 1948 فقد لجأ إلى الضفة نحو 280 ألفاً
استقروا في 21 مخيماً للاجئين، كما توزع آخرون على مدن الضفة
الغربية وقراها. ومن جهة أخرى فقد كان عدد سكان قطاع غزة حوالي 75
ألفاً، قبيل نكبة 1948، وإثر هذه النكبة أصبح سكان القطاع 200 ألف
سنة 1949 وفي سنة 1950 حوالي 288 ألفاً، وقد استقر لاجئو الـ48 في
8 مخيمات في قطاع غزة فضلاً عن مدن القطاع وقراه، وشكلوا نحو 69%
من سكانه، غير أن نسبتهم انخفضت بسبب هجرة الكثيرين للخارج، وفي
1967 كانت نسبة اللاجئين في القطاع حوالي 59% من سكانه[120].
ولم
تكن الموارد الاقتصادية في الضفة والقطاع تتحمل هذا العدد المفاجئ
من الزيادة السكانية كما لم تكن الأوضاع الاقتصادية للأردن ومصر
تمكنهما من توفير بنية تحتية مناسبة تستطيع استيعاب طاقات الناس
العاملة وإمكاناتهم. وقد عاش مئات الألوف من اللاجئين أوضاعاً
بائسة، ومعاناة لا توصف، وسكنوا الخيام سنوات عديدة وسكن بعضهم
الكهوف والمغائر، يجمع العشرة في الخيمة الواحدة حرارة الصيف
وزمهرير الشتاء، فأمطاره وأوحاله وآلام التشرد وفقدان أسباب العمل
والمعيشة.
ومع
ذلك فقد رفض اللاجئون بعزة وإصرار خطط التوطين والاستقرار كافة في
أي مكان، وظلت قلوبهم - ولمّا تزال - معلقة بعودتهم الكريمة إلى
أرضهم المغتصبة. وعلى الرغم من قسوة الظروف فقد أظهر الفلسطينيون
رغبة هائلة في التعلم والارتقاء الأكاديمي، وخلال سنوات كانت نسبة
المتعلمين الفلسطينيين قد أصبحت هي الأفضل في الوطن العربي وتضاهي
مستويات التعليم في البلدان الأوروبية.
وتحت
ضغط هذه الأوضاع وحاجة بلدان الخليج للكوادر المتعلمة والأيدي
العاملة مع ظهور النفط، والانتعاش الاقتصادي فيها، فقد انتقل
الكثير من الفلسطينيين إلى هناك ليحسنوا من أوضاعهم ويسهموا في نمو
تلك البلدان، دون أن ينسيهم ذلك العمل من أجل قضيتهم حيثما حطت
رحالهم، ولذلك فإن أعداد السكان في الضفة وغزة في الخمسينيات
والستينيات لا تعكس النمو الطبيعي للفلسطينيين بسبب هجرة عشرات
الآلاف إلى شرق الأردن وبلدان الخليج.
وفي
سنة 1966 (قبيل حرب 1967)، كان عدد الفلسطينيين في الضفة 830
ألفاً، وفي القطاع 455 ألفاً، وإثر الاحتلال الصهيوني للضفة
والقطاع (يونيو/حزيران 1967)، كان عدد الفلسطينيين (حسب التعداد
الذي أجراه الصهاينة) 665 ألفاً في الضفة (بينهم 66 ألفاً من سكان
القدس الشرقية)، و354 ألفاً في القطاع. وهذا يعني أنه إذا ما روعيت
الزيادة الطبيعية للسكان خلال عام (حوالي 40ألفاً)، فإن عدد
الفلسطينيين الذين شردوا أو نزحوا عن الضفة والقطاع نتيجة حرب 1967
يبلغ أكثر من 300 ألف. وقد حرم هؤلاء من العودة إلى فلسطين،
وانضموا مع إخوانهم الذين كانوا يعملون في الخليج أو الأردن وغيرها
إلى أعداد اللاجئين الموجودين خارج فلسطين[121]، وتظهر
الخريطتان التاليتان مخيمات اللاجئين في الضفة والقطاع.
وتحت
الاحتلال الصهيوني عمدت السلطات إلى تنفيذ خطط ترمي إلى تفريغ
الضفة والقطاع من السكان بشكل مبرمج ومتدرج من خلال وضع الناس تحت
ظروف أمنية واقتصادية وحياتية لا تحتمل، وقد تبنت السياسات التالية
لتحقيق أهدافها:
1.
الإرهاب وبث روح الخوف و الفزع وسط السكان من خلال الحواجز
العسكرية والمداهمات الليلية، والإعتقالات والتعذيب.
2.
تضييق
الخناق اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ونفسياً.
3.
تعمد
إذلال الناس وإهانتهم وتحقيرهم ونشر روح اليأس بينهم، واشتهر أن
يطلب الجندي الصهيوني من الشخص من العامة في الشارع ربط حذاء
الجندي أو تقليد صوت الحيوانات كالكلاب أو حتى أن يُقبِّل أحياناً
دبر الحمار.. إلخ.
4.
نشر
الفساد والمخدرات بين الناس، وخصوصاً الشباب، وتيسير سبل الزنا
والفجور والخلاعة.
5.
مصادرة الأراضي الصالحة للزراعة، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في
الماء لري مزروعاتهم، وإغراق السوق بمنتجات زراعية وصناعية
إسرائيلية رخيصة لضرب الاقتصاد الفلسطيني المحلي، لمنع الفلسطينيين
من الإنتاج والاعتماد على النفس، وتحويلهم إلى شعب يعتمد على العمل
الثانوي الهامشي الذي يوفره الصهاينة، بحيث تصبح حياة العامل
الفلسطيني "تحت رحمة" القرار الصهيوني، ويكون أداة رخيصة لإنجاح
المشروعات والمؤسسات الصهيونية.
6.
بناء
المستوطنات اليهودية، وإحضار عشرات الآلاف من المستوطنين وتسليحهم،
وتقطيع أوصال الضفة والقطاع وتمزيقها.
7.
تبني
سياسة التجهيل بمحاربة الجامعات الفلسطينية وإغلاقها، وتقليص فرص
عمل الخريجين لتصبح الدراسة غير ذات جدوى عملية.
ولتنفيذ هذه السياسات أصدر الصهاينة الأمر العسكري رقم 2 في 7
يونيو 1967 والذي ركّز جميع السلطات بيد الحاكم العسكري. وجاء في
مادة 3 أ منه "تناط كل سلطات الحكم والتشريع والتعيين والإدارة
المتعلقة بالمنطقة أو سكانها، من الآن فصاعداً، بي وحدي شخصياً، أو
بكل من أُعيِّنه لهذا الغرض، أو من يعمل بالنيابة عني". ولم يأبه
الصهاينة بالقوانين الدولية التي تمنع إحداث تغييرات في المناطق
المحتلة، ومضوا حثيثاً في سياسة التهويد[122]. وقد كتب
مايكل آدامز مراسل صحيفة الجارديان البريطانية عن فلسطينيي الضفة
والقطاع بأنهم "لم يتمتعوا منذ عام 1967 بأية حقوق، ولا بأية
مؤسسات نيابية، ولا توجد سلطة يمكنهم الشكوى إليها، ولا توجد جهة
تحميهم. وكل حركة وفعل لهم يخضع للسلطة التعسفية للحاكم العسكري
الإسرائيلي. ومن الممكن احتجازهم وحبسهم وترحيلهم دون تدخُّلٍ من
جانب أية محكمة، ويجوز تدمير بيوتهم وممتلكاتهم ومصادرة أراضيهم
وحرق محاصيلهم الزراعية واقتلاع أشجارهم"[123].
إن
هذه السياسات لم تنجح بشكل عام في إثناء الشعب عن المطالبة بحقه أو
الثبات على أرضه، بل العكس فإن عشرين عاماً من المعاناة فد فجرت
الانتفاضة الكبرى في الضفة والقطاع في ديسمبر/كانون أول 1987،
لتبرز أحد أنبل ظواهر الصمود والمقاومة في التاريخ الحديث. ومع ذلك
فقد حقق الصهاينة بعض النجاحات الجزئية، فقد خرج من الضفة والقطاع
- طلباً للعلم أو الرزق أو الحياة الكريمة - نحو 220 ألف شخص خلال
الفترة 1967 ـ 1985 معظمهم من الشباب. كما يضطر نحو 20 ألف شاب
للمغادرة سنوياً للبحث عن عمل[124]. وتمكن الصهاينة من
تجنيد مئات العملاء ممن أفسدوهم بالفجور والمخدرات، وظهرت أشكال من
التسيب والفساد، خصوصاً في النصف الأول من السبعينيات، لكن ظهور
الصحوة الإسلامية وانتشارها مكن من الوقوف في وجه هذه الظاهرة
وحصرها، ثم ضربها خلال الانتفاضة.
وتشير
الإحصاءات التي قامت بها دائرة الإحصاءات المركزية في السلطة
الوطنية الفلسطينية إلى أن النتائج الأولية في 1997 لعدد السكان في
الضفة الغربية (بما فيها القدس)، هو مليون و 870 ألفاً. وفي قطاع
غزة مليون و 21 ألفاً. وحسب معدلات النمو الطبيعية فإن عدد سكان
الضفة والقطاع سنة 2001 هو ثلاثة ملايين و371 ألف نسمة. وبسبب
المعدل العالي للتزايد السكاني فإن المجتمع الفلسطيني في الضفة
والقطاع يعد مجتمعاً فتياً، إذ أن نسبة الأطفال (دون 15 سنة)، 50%
من مجموع السكان، وهذا على الرغم من أنه يفشل مشاريع التهجير
والتفريغ الصهيونية، ويفسد عليها تقريباً تهويد الأرض المقدسة، إلا
أنه يلقي أعباء اقتصادية كبيرة على كاهل معيلي الأسر الذين يعانون
أصلاً من مصاعب جمة[125].
ويقدم
الجدول التالي إحصائية تقريبية لأعداد السكان في الضفة والقطاع
بناء على آخر إحصاء للسلطة الفلسطينية سنة 1997، مع إضافة نسبة
النمو الطبيعي للسكان الفلسطينيين وهي بحدود 3.4% سنوياً، مع
توقعات الأعداد حتى سنة 2005:[126]

كان
من أوائل الإجراءات الصهيونية أن ضمت القدس الشرقية إلى كيانها،
فأصبح أهل القدس رسمياً جزءاً من الكيان الصهيوني، كما تم توسيع
منطقة القدس الجغرافية لتشمل نحو 20% من أرض الضفة الغربية. وقد
تابعت السلطات الصهيونية وفق خطة استراتيجية مبرمجة الاستيلاء على
أراضي الضفة والقطاع، بحيث تمكنت مع نهاية 1999 من السيطرة على نحو
62.7% من أراضي الضفة، و 43% من أراضي القطاع، وبَنَتْ في الضفة
أكثر من 160 مستوطنة يسكنها نحو 200 ألف مستوطن يهودي، كما أنشأت
في غزة 16 مستوطنة يسكنها نحو خمسة آلاف مستوطن. وقد هدفت هذه
السياسات إلى التهويد التدريجي للأرض والسكان، والاستيلاء على كل
المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والأمنية لإحكام السيطرة
العسكرية على الضفة والقطاع، وتطويق المدن والقرى الفلسطينية
بأحزمة من المستوطنات، بحيث تتحول إلى جزر معزولة تفقد وحدتها
وهويتها المشتركة، فضلاً عن تثبيت حقائق جديدة على الأرض يستحيل
تغييرها في أي تسوية سياسية قادمة. وهكذا، ففي الوقت الذي كانت
أعداد السكان في الضفة والقطاع تنمو وتتضاعف، وتتزايد حاجاتهم،
كانت السلطات الصهيونية تنـزع منهم أراضيهم وأملاكهم لتضاعف
معاناتهم وآلامهم.
ومن
جهة أخرى، فقد سيطر الحاكم العسكري الصهيوني على جميع مصادر المياه
في الضفة الغربية، ومنع حفر آبار جديدة، أو تعميق الآبار القديمة،
وحدد سقفاً أعلى لحصص المياه للفلسطينيين، ففي عام 1990 مثلاً (وهو
نموذج لغيره من السنوات)، خُصّص للفلسطينيين 17% فقط من المياه
الجوفية في أرضهم في الضفة الغربية، بينما خصص 83% للاستخدام داخل
الكيان الصهيوني أو في المستوطنات اليهودية في الضفة. ويمنع
الفلسطينيون من أن تزيد أرضهم المروية بالماء عن 6% من أرضهم
الزراعية، بينما يتمكن المستوطنون من ري 69% من الأراضي التي
استولوا عليها. وبينما يخصص لكل فلسطيني نحو 127 متراً مكعباً في
السنة، فإنه يخصص للمستوطن 1600 متراً مكعباً، أي أكثر من 12
ضعفاً.[127] وعلى الرغم من اتفاقات التسوية السلمية (أوسلو
1993)، ووجود السلطة الفلسطينية في عديد من مناطق الضفة والقطاع،
إلا أن الصهاينة احتفظوا "بحقهم" في منع حفر أية آبار دون إذنهم،
واعترف وزير الري الفلسطيني نبيل الشريف بأنه جلس ثلاث سنوات مع
المفاوض الإسرائيلي لحفر بئر واحدة قرب جنين، ولم يستطع الحصول على
تصريح منه بذلك!![128].
وهكذا
أصبح من المستحيل على الفلسطينيين استثمار أراضيهم الزراعية
تطويرها بشكل واسع، وفي الوقت نفسه أغرقت السلطات الصهيونية
الأراضي الفلسطينية بمنتجات زراعية رخيصة، ومنعت الفلسطينيين من
تصدير منتجاتهم، وفرضت على زراعتهم ضرائب باهظة، وبذلك أصبحت
تكاليف الإنتاج الزراعي الفلسطيني عالية وغير مجدية اقتصادياً،
وفتحت المؤسسات الصهيونية وخصوصاً قطاعات البناء المجال للعمال
الفلسطينيين، فاضطر عشرات الآلاف إلى ترك الزراعة والعمل كأيد
عاملة رخيصة في الاقتصاد الصهيوني.
ويعمل
ما معدله 100 ـ 120 ألف عامل فلسطيني في الأرض المحتلة 1948 فيما
يسمى "إسرائيل"، ويتقاضون رواتب تساوي ثلث إلى خمس ما يتقاضاه
العامل اليهودي، إذا ما احتسبت المزايا التي يحصل عليها اليهودي.
وكثيراً ما يغري السماسرة اليهود النساء والصغار بترك بيوتهم
ومدارسهم للحصول على عمالة أرخص، مما يكون له آثار اجتماعية سلبية
كبيرة. ويعمل معظم هؤلاء بالمياومة (راتب يومي)، ويمكن أن يطردوا
من العمل في أي لحظة، وليس لهم أية ضمانات اجتماعية أو صحية، ويفقد
هؤلاء وظائفهم إذا ما أغلقت الأراضي المحتلة عام 48، بذرائع أمنية
أو بسبب العمليات الفدائية أو المناسبات الوطنية.. ، إلى أن تفتح
لهم مرة أخرى. وهكذا استحوذ السوق "الإسرائيلي" على نحو 39% من
الأيدي العاملة في الضفة والقطاع، وهذا جعل حياة الآلاف وخلفهم
مئات الآلاف ممن يعيلونهم من زوجات وأبناء رهينة لدى الصهاينة.[129]
وعلى الرغم من أن هذه النسبة قلّّت في أثناء الانتفاضة 1987 ـ 1993
إلى نحو 12.3%، إلا أنها عادت للزيادة مرة أخرى بعد اتفاقات أوسلو
(1993). ومن جهة أخرى يعاني أبناء الضفة الغربية والقطاع من نسب
بطالة عالية كان معدلها في معظم سنوات الاحتلال يزيد عن 20%، وفي
سنة 1997 كانت نسبة البطالة 21.5% منها 18.2% في الضفة، و 31.6% في
قطاع غزة، وحتى نهاية 1998 كان لا يزال يوجد 20% من الأسر في الضفة
والقطاع تعيش تحت خط الفقر[130].
وظل
الاحتلال الصهيوني يتحكم بالاقتصاد الفلسطيني حتى جعله هامشياً
وتابعاً لاقتصاده، ولم تنفع اتفاقات التسوية السلمية كثيراً في فك
هذا الحصار إذ لا تزال 90% من التجارة الخارجية تحت رغبات وشروط
وقيود الصهاينة فضلاً عن أكثر من 80% من مصادر المياه، فهم يتحكمون
بما يدخل للموانئ والمطارات والحدود وما يخرج منها.
منذ
الاحتلال الصهيوني وضعت المؤسسات التعليمية تحت إدارة الحاكم
العسكري، على الرغم من إبقاء نظام التعليم الأردني (في الضفة
الغربية)، والمصري (في قطاع غزة) شكلاً. وصار من سلطات الحاكم
العسكري تعيين المدرسين وفصلهم، ووضع المناهج واختيار الكتب
المدرسية ووضع برامج جديدة أو إلغاء برامج قائمة وبناء مدارس
جديدة. وتعرض قطاع إلى إهمال متعمد فلم يوظف أمين مكتبة ولا فني
مختبر بدوام كامل منذ 1967، وألغيت مقررات التربية البدنية والفنون
والتدبير المنـزلي في كثير من المدارس، وانخفض عدد المدارس
الحكومية من 884 مدرسة 1967 إلى 790 مدرسة عام 1979، رغم التزايد
الكبير في السكان. ووضعت قائمة كبيرة بالكتب الممنوعة وصل عددها
سنة 1986 إلى 1600 كتاب ، خصوصاً ما يشير إلى تاريخ فلسطين أو
الثقافة الفلسطينية، كما منع تدريس عدد من كتب المناهج المقررة في
المدارس، فمثلاً منع استخدام تسعة كتب من 27 كتاباً في المرحلة
الابتدائية وثمانية كتب من أصل عشرين للمرحلة الإعدادية في مدارس
الأونروا. وأعطي الأمر العسكري رقم 854 الصادر في 6 يوليو/تموز
1980 للضابط الصهيوني حق التدخل في الجامعات ومؤسسات التعليم
العالي، سواء في مناهجها أو إدارة جهازها التعليمي، فأصبحت من
ناحية الإشراف والمراقبة العسكرية لا فرق بينها وبين المدارس
الابتدائية[131].
ومن
الملاحظ أن كل الإجراءات الصهيونية لم تثن أبناء فلسطين عن شغفهم
بالدراسة والتعليم وقد أدى إلى إصرارهم على التعلم وما رافقه من
نضال سياسي وجهادي وإضرابات ومظاهرات إلى استمرار العملية
التعليمية، بل ونموها رغماً عن الاحتلال. فبلغ عدد المدارس
الحكومية 1175 والأونروا 265 والخاصة171 للعام الدراسي 97/1998،
فضلاً عن 789 روضة أطفال. كما تمكن الفلسطينيون في الضفة والقطاع
من إنشاء ثمانية جامعات (6 في الضفة و2 في القطاع)، يدرس فيها في
العام الدراسي 92/1993 نحو 20500 طالب، وقد عانت هذه الجامعات من
أوامر الإغلاق، فاغلقت جامعة بير زيت مثلاً خمسة أشهر سنة 1982،
وأغلقت جامعة النجاح أربعة أشهر سنة 1983، وأربعة أشهر أخرى سنة
1984، وشهرين سنة 1985، وتزايدت الإغلاقات في فترة الانتفاضة بشكل
كبير. كما استمر التضييق على الطلاب والأساتذة واعتقالهم والمراقبة
الصارمة على الميزانية ومصادر التمويل، وعدم السماح للكفاءات
الأكاديمية في الخارج بالتدريس فيها إلا وفق قيود تجعل الأمر شبه
مستحيل، وفي سنة 1985 رفضت السلطات الصهيونية السماح باستمرار 39
أستاذاً جامعياً فلسطينياً في الجامعة الإسلامية بغزة، بحجة أنهم
من فلسطيني الخارج، مما أدى إلى طردهم وإبعادهم، ومن بينهم مدير
الجامعة بالإنابة د. محمد صيام. فضلاً عن هذه الجامعات كان هناك 16
كلية جامعية متوسطة (كليات مجتمع)، بينها 14 في الضفة الغربية،
واثنتان في القطاع[132].
كما
تعرضت قطاعات الصحة للإهمال تحت الاحتلال الصهيوني، فرغم تضاعف عدد
السكان، انخفضت المستشفيات الحكومية من14 مستشفى سنة 1967 إلى 10
مستشفيات سنة 1993، وبلغت الميزانية المقررة للخدمات الصحية أقل من
2% من ميزانية الخدمات الصحية في الكيان الصهيوني، وكان على هذه
الميزانية أن تتضاعف 15 مرة حتى تصل بالخدمات الصحية إلى أدنى
مستوى مقبول. وقد كانت ميزانية القطاع الصحي سنة 1990 في الضفة
الغربية 10 ملايين دولار، وهو يوازي 15% من ميزانية أحد مستشفيات
تل أبيب[133].
وقد
تعمدت سلطات الحكم العسكري الصهيوني عدم إحداث أي تطور في المعدات
والأجهزة الطبية أو التدريب وإدخال الكفاءات، ووصفت مصادر منظمة
الصحة العالمية التجهيزات الموجودة بأنها لا تصلح للتشخيص الحديث،
ولا يمكن أن يقال فيها أكثر من أنها أثرية[134].
وقد
حدث بعض التحسن في الخدمات الصحية إثر تولي السلطة الفلسطينية
الحكم الذاتي في عدد من مناطق الضفة والقطاع.
الشعب الفلسطيني في الخارج
هناك
لبس أو سوء فهم يقع فيه بعض من يكتب عن الفلسطينيين في الخارج،
فبعض الباحثين يظن أنهم اللاجئون الفلسطينيون نتيجة حرب 1948 وهذا
خطأ، فكثير من لاجئي الـ48 لا يزالون يعيشون داخل فلسطين في الضفة
الغربية وقطاع غزة. وبعضهم الآخر يضيف إلى لاجئي الـ48 أولئك الذين
تشردوا نتيجة حرب الـ67 من الضفة الغربية وغزة (أطلق عليهم لقب
نازحين)، وهذا أيضاً لا يكفي لتحقيق الدقة المطلوبة وذلك لأن
أعداداً كبيرة من الفلسطينيين خرجت من الضفة الغربية وقطاع غزة
لأسباب مختلفة خلال الفترة 1948 ـ 1967، وخصوصاً من انتقل منهم
للضفة الشرقية من الأردن أو ذهب إلى بلدان الخليج العربي والمهجر
طلباً للرزق، وهؤلاء محرومون أيضاً من حق العودة إلى الأرض
المحتلة، وهناك أيضاً أعداد كبيرة من الشباب خرجت للدراسة أو للعمل
من الضفة والقطاع منذ 1967 وحتى الآن، وحرمتهم السلطات الصهيونية
من حق العودة بحجج مختلفة، مثل انتهاء تصريح الخروج وغيره، فضلاً
عمن أبعدوا قسراً عن فلسطين بسبب مقاومتهم للاحتلال.
وعلى
هذا فإن قدراً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين هم مشردون ولكن لا
يزالون في الحدود الجغرافية لفلسطين، وهناك قدر كبير آخر من
الفلسطينيين خارج فلسطين ليس بالضرورة من اللاجئين بسبب حرب 1948،
وحديثنا هنا ينصب على الفلسطينيين الذين يعيشون خارج فلسطين سواء
من لاجئي 48 أو مشردي 67 أو لأية أسباب أخرى.
وتواجهنا بعد ذلك مشكلتان فنيتان في التعرف على أعداد فلسطينيي
الخارج وأوضاعهم، أولاهما أن بعضاً يظن أن أعدادهم هي تلك المسجلة
لدى وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهذا خطأ
لأن هناك مئات الألوف لم يسجلوا أسماءهم لأنهم لم يسكنوا مخيمات
اللاجئين ابتداء، أو لأنهم لم يحتاجوا إلى خدماتها، أو لأنهم سكنوا
في مناطق لا تقدم فيها الوكالة خدماتها مثل مناطق الخليج العربي
وأوروبا وأمريكا. وثاني هذه المشكلات هي حالة التشتت التي يعانيها
أبناء فلسطين في كل بقاع العالم، وموقف كل نظام من الأنظمة
السياسية التي يعيشون تحت ظلها من قضيتهم، وقدرتهم على التعبير عن
أنفسهم في مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية، بحيث أن معرفة
أحوالهم وأعدادهم تعتمد إلى حد كبير على الرؤية السياسية للنظام
ومصالحه. ولا أود أن أشغل القارئ الكريم بدراسات رقمية وإحصائية
كثيرة، ومتضاربة قدمها باحثون ومؤسسات مختلفة، فهذا ليس منهجنا في
هذا البحث، ولكننا نختار إحدى الإحصاءات الأقرب إلى الموضوعية
والتي قدمها أحد الباحثين إلى مؤتمر علمي في بوسطن في الولايات
المتحدة حول عدد الفلسطينيين سنة 1998[135]، ونستطيع أن
نستخلص منها ما يلي:
|
المنطقة |
عدد الفلسطينيين |
|
الأردن |
2.328.803 |
|
لبنان |
430.188 |
|
سوريا |
456.662 |
|
مصر |
48.784 |
|
السعودية |
274.762 |
|
الكويت |
37.696 |
|
بلدان الخليج العربي الأخرى |
105.578 |
|
العرق وليبيا |
74.284 |
|
بلدان عربية أخرى |
5.544 |
|
أمريكا الشمالية والجنوبية |
203.588 |
|
بقية أنحاء العالم |
259.248 |
|
مجموع الفلسطينيين في الخارج |
4.225.642 |
وبتطبيق نسبة الزيادة الطبيعية للفلسطينيين (3.4%) يصبح عدد
فلسطينيي الخارج أربعة ملايين و 671 ألفاً و 487 شخصاً في سنة
2001، ويصبح أربعة ملايين و 830 ألفاً و 308 شخصاً سنة 2002.
|
السنة |
العدد |
|
2001 |
4.671.487 |
|
2002 |
4.830.308 |
أما
عدد الفلسطينيين داخل فلسطين فقد قدرهم الباحث نفسه للعام نفسه
(1998)، بنحو (3.914.549)، ومن بين هؤلاء الذين يعيشون داخل فلسطين
هناك (1.529.089)، هم لاجئون ومشردون من مساكنهم وأرضهم لكن لا
يزالون يعيشون داخل الإطار الجغرافي لفلسطين[136].
وهكذا
فإن تقدير عدد الفلسطينيين لسنة 1998 (حسب تقدير هذا الباحث) هو
ثمانية ملايين و 139 ألفاُ و 191 شخصاً، ونسبة الفلسطينيين
المقيمين خارج فلسطين إلى العدد الكلي للفلسطينيين هي 51.9%، أما
نسبة اللاجئين والمشردين الفلسطينيين ممن حرموا حق العودة إلى
أرضهم وقراهم الأصلية (سواء أقاموا داخل فلسطين أو خارجها) هي
70.69% (أي خمسة ملايين و753 ألفاً و 731 شخصاً). ووفق تقديرات سنة
2002 ـ في ضوء الزيادة الطبيعية للفلسطينيين ـ يصبح المجموع الكلي
للاجئين ستة ملايين و577 ألفاً و58 شخصاً.
ولابد
من الإشارة إلى أن هناك نسبة ضئيلة من أبناء الضفة الغربية وقطاع
غزة يقيمون في الخارج بقصد الدراسة والعمل ولديهم في الوقت نفسه
هوية "مواطنة" تمكنهم من العودة والإقامة في الضفة أو القطاع، غير
أن هذه النسبة لا تؤثر بشكل جدي على التقديرات المشار إليها أعلاه
وربما لا تتجاوز 2 ـ 3 % من عدد الفلسطينيين.
وما
يهمنا هنا هو إدراك حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون عندما
نعلم أن أكثر من ثلثيهم أجبروا على ترك مدنهم وقراهم الأصلية، وأن
أكثر من نصفهم لا يعيشون ضمن الحدود الجغرافية لفلسطين. وما يزيد
حجم المأساة وآلامها أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي أقدم قضايا
اللاجئين في التاريخ الحديث والتي واجهها المجتمع الدولي دون
اكتراث حقيقي. لقد اتخذت قرارات دولية بشأن لاجئي الحرب الأهلية
مثلاً في تيمور الشرقية وغيرها، وجرى إلزام الأطراف المعنية
بتنفيذها خلال سنة أو بضع سنوات. أما بشأن الفلسطينيين فقد مضى على
تهجيرهم نحو (54) عاماً، وقد اتخذت الأمم المتحدة قرار (194) الذي
يطالب الكيان الصهيوني "إسرائيل" بإعادة اللاجئين، وتم تأكيد هذا
القرار منذ سنة 1949 أكثر من (110) مرات في الدورات المتعاقبة
للأمم المتحدة وبشبه إجماع من المجتمع الدولي، وظلت الولايات
المتحدة نفسها توافق على هذا القرار حتى سنة 1993 ( عندما حول
الأمر إلى اتفاق أوسلو). ومع ذلك فإن الكيان الصهيوني رفض الانصياع
لهذا القرار، لأن الولايات المتحدة والقوى الكبرى لم تكن لديها
الجدية الكافية لإجبار الكيان الإسرائيلي على تنفيذه.
لقد
عانى الفلسطينيون من أوضاع مأساوية نتيجة تشردهم عن أرضهم، فقد
تمزق كيانهم الاجتماعي السياسي، وفقدوا مصادر رزقهم من أراضٍ كان
يزرعونها، أو أعمال يقومون بها، أو بيوت يسكنونها، أو ثروات منقولة
يملكونها. ووجدوا أنفسهم فجأة في مخيمات للاجئين، يسكنون الخيام أو
الكهوف والمغائر لا يجدون ما يسدون به أدنى متطلبات حياتهم اليومية
سواء كان ذلك طعاماً أو علاجاً أو تعليماً أو عملاً كريماً، ودون
خدمات مياه. ولا تزال مخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن بل
وفي الضفة والقطاع وأوضاعها المأساوية التي مضى عليها أكثر من
خمسين عاماً شاهداً حياً على مدى الظلم التي تعرض له أبناء هذا
الشعب ومدى تجاهل المجتمع الدولي لقضيتهم.
وقد
أنشأت الأمم المتحدة وكالة لغوث اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" سنة
1950 لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين، وقامت هذه الوكالة ـ ولا
تزال ـ بتوفير جانب حاجات اللاجئين من تموين بالمواد الرئيسية
للطعام ومن مدراس للتعليم وبعض الخدمات الصحية.. ويبلغ عدد
الفلسطينيين المسجلين رسمياً لديها سنة (1999) نحو ثلاثة ملايين و
600 ألف لاجئ[137]. ورغم أن اللاجئين يستفيدون من خدماتها
إلا أنهم يتعاملون بحذر ورفض عنيف لأية محاولات تستهدف توطينهم في
أماكن لجوئهم الحالي، ولا يرضون عن العودة إلى أرضهم في فلسطين
بديلاً.
وتعاني وكالة الأونروا من مشاكل مزمنة في التمويل ومن عجز متواصل
في ميزانيتها مما أدى إلى تناقص كبير في خدماتها، ومن أمثلة ذلك
أنه منذ عام (1993) وحتى نهاية عام (1999) تقلصت خدمات الأونروا
إلى المخيمات بنسبة (30 ـ 35%) حسبما ذكر وزير شؤون اللاجئين
الفلسطينيين في السلطة الفلسطينية أسعد عبد الرحمن[138].
ولأن
الفلسطينيين شعب يتميز بالنشاط والقدرة على المبادرة، فقد أخذ
اللاجئون يتكيفون مع ظروف حياتهم الصعبة، فأصبحت المخيمات مراكز
عمل وطني وتعبئة سياسية ومعنوية، وكان أبناؤها روحاً أساسية في
حركات المقاومة والتحرير، واهتم الفلسطينيون بالتعليم ودرس
الكثيرون ليلاً في ضوء القمر أو على فتائل الكاز.. وبعد سنوات من
المصابرة والكفاح أصبحت نسبة المتعلمين الفلسطينيين أفضل النسب في
العالم العربي بل ومن أفضل النسب في العالم أجمع. وبدأ اللاجئون
يستبدلون بالخيام أبنية من الطين أو الطوب في نفس مواقعهم، غير أن
السلطات ـ خصوصاً في لبنان ـ تمنعهم رسمياً من سقف بيوتهم
المتواضعة بالإسمنت، ويكتفون لذلك بألواح الزينكو. وتفتقد المخيمات
إلى الآن إلى أدنى مواصفات التنظيم البلدي وخدمات توصيل شبكات
المياه والصرف الصحي. ومن الطبيعي ـ في ظروف تمنع فيه السلطات
المخيمات من التوسع والامتداد ـ أن يضطر الكثيرون للبحث عن العمل
أو السكن خارج المخيمات أو الهجرة إلى بلدان الخليج العربي وأوروبا
وأمريكا حيث تتوفر فرص العمل. وعلى ذلك فإن إحصاءات اللاجئين في
المخيمات لا تعكس بالضرورة الأعداد الحقيقية للاجئين. فنسبة
المقيمين داخل المخيمات في الأردن وسوريا ولبنان لا تتجاوز بعد
خمسين عاماً من اللجوء (سنة 1999) الـ 25% حسب إحصاءات الأونروا
نفسها، بينما تسكن معظم الأعداد الأخرى في مدن وقرى هذه البلاد[139].
الفلسطينيون في دول الطوق
كما
لاحظنا في الجدول السابق فإن أغلب فلسطينيي الخارج يقيمون في بلدان
لها حدودها المباشرة بفلسطين، وخصوصاً الأردن وسوريا ولبنان، حيث
يتشابه الفلسطينيون مع سكان هذه البلاد بشكل عام في خصائصهم
السكانية والاجتماعية باعتبار أن الجميع ينتمون إلى ما يعرف
جغرافياً وتاريخياً بلاد الشام. وأن الحدود الحالية بينهم جاءت
نتيجة المؤامرات الاستعمارية الدولية وخصوصاً اتفاقية سايكس بيكو
1916 بين بريطانيا وفرنسا. ويقيم في هذه البلدان الثلاثة نحو ثلاثة
ملايين و 215 ألفاً و158 شخصاً أي نحو 76.1% من الفلسطينيين خارج
فلسطين حسب إحصاءات 1998. وهذه النسبة العالية تعكس رغبة
الفلسطينيين الكبرى في البقاء بجوار أرضهم التي حرموا بالقوة من
العودة إليها، والسعي للعودة متى سنحت الظروف.
وفي
الأردن نجد أن الفلسطينيين قد منحوا رسمياً الجنسية الأردنية وكافة
حقوق المواطنة، من إقامة وعمل وشراء أراضٍ وبناء، وانتخاب وترشيح
للبرلمان ومشاركة في الحكم وكان ذلك إثر توحيد الضفة الغربية مع
الضفة الشرقية للأردن في دولة واحدة سنة 1950، تحت حكم الملك عبد
الله بن الحسين. وتسلَّم عدد من الفلسطينيين رئاسة الوزراء من
أمثال سمير الرفاعي، وسليمان النابلسي، وطاهر المصري. غير أن علاقة
النظام الحاكم مع الفلسطينيين أو من يمثلهم تعرضت إلى بعض
المنعطفات كان من أبرزها إشكالية التمثيل الرسمي للفلسطينيين
خصوصاً منذ إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، التي أصبحت
رسمياً الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني حسب قرارات القمة
العربية في الرباط سنة 1974، مما جعل هناك نوعاً من ازدواجية
التمثيل. وكان من الأحداث الجسام احتلال الكيان الصهيوني للضفة
الغربية في يونيو 1967، وخسارة الأردن من الناحية الفعلية سيادته
وسيطرته عليها. وظل الأردن يَعُدُّ الضفة الغربية جزءاً من كيانه
الجغرافي إلى أن أصدر الملك حسين بن طلال في صيف 1988 قراره بفك
العلاقة مع الضفة الغربية، ليخلي الساحة لمنظمة التحرير لمحاولة
تمثيلها، وكانت لا تزال عملياً تحت الاحتلال الصهيوني.
وقد
أوجدت أحداث سبتمبر/أيلول 1970 شرخاً كبيراً بين الحكم الأردني
وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، إذ إن المعارك الكبيرة التي
اندلعت بين الطرفين أدت لقيام الجيش الأردني بسحق حركات المقاومة
الفلسطينية وخسارتها لنفوذها في الأردن. وقد انعكس ذلك سلباً بشكل
أو بآخر على طريقة تعامل النظام مع الفلسطينيين بشكل عام، حيث تقلص
أثرهم في مؤسسات الحكم والدولة، رغم أن حقوقهم الدستورية بقيت كما
هي من الناحية الرسمية. ويتحدث بعض المحللين أن تحسناً إيجابياً
أخذ يظهر مؤخراً كان أحد معالمه تشكيل حكومة أبو الراغب في يونيو
2000، والتي شارك فيها عشر وزراء من أصول فلسطينية أي ثلث أعضاء
الحكومة. ولا توجد إحصاءات دقيقة في الأردن عن الفلسطينيين من حملة
الجنسية الأردنية غير أن التقديرات تحوم حول معدل 60% من مجموع
الشعب الأردني، وهو ما تؤيده مصادر أوروبية وأمريكية. غير أن طريقة
توزيع الدوائر الانتخابية لا تسمح لهم مطلقاً بتشكيل أغلبية
برلمانية، وفي انتخابات سنة 1997 كان عدد الفلسطينيين 13 نائباً من
أصل 80 نائباً أي نحو 16.25%. وقد انتقدت مصادر أوروبية وأمريكية
هذا الأمر، ودعت إلى انتخابات تعبر بشكل أفضل عن حقيقة التركيبة
السكانية. ولكننا لا يمكن أن نسلم بحسن نوايا هذه المصادر، لأنها
تريد أن يكون ذلك جزءاً من خطة التوطين، والوطن البديل للاجئين في
الأردن، مع أننا في الوقت نفسه نؤمن أن الفلسطينيين والأردنيين شعب
واحد وجسد واحد، وأن تحقيق العدالة للجميع حق طبيعي، ولا يعني
التنازل عن الحقوق الأخرى.
وفي
الأردن عشرة مخيمات للاجئين هي:
1 ـ
الحسين 2 ـ البقعة 3 ـ الوحدات
4 ـ
الطالبية 5 ـ الزرقاء 6 ـ ماركة
(حطين)
7 ـ
إربد 8 ـ الحصن (عزمي المفتي) 9 ـ جرش
10 ـ
سوف

وأكبر
هذه المخيمات هو مخيم البقعة يليه مخيم الوحدات، ولا تزيد نسبة من
يقيمون داخل المخيمات عن 18.2% (أي 247816) من عدد اللاجئين
الفلسطينيين في الأردن المسجلين لدى الأونروا سنة 1999 والبالغ
عددهم مليوناً واحداً و 612 ألفاً و 742 شخصاً[140]، وتظهر
الخريطة التالية مخيمات اللاجئين في الأردن:
وتعد
حالة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الأشد صعوبة ومعاناة، إذ أجبر
على الخروج من شمال فلسطين إلى لبنان في أثناء حرب 1948 حوالي مائة
ألف فلسطيني وأنشئ لهم 15 مخيماً رسمياً. ولم تكن الأحوال السياسية
وطبيعة التركيبة السكانية تسمح باستيعاب اللاجئين على الشكل الذي
تم في الأردن. فالنظام السياسي في لبنان مبني على أساس نسب
وتوازنات طائفية محددة بين المسيحيين وخصوصاً الموارنة، والسنة و
الشيعة والدروز. ولم يكن دخول الفلسطينيين، وهم من أهل السنة في
التركيبة اللبنانية مُرحباً به، خصوصاً من الطائفة المارونية، التي
تتمتع بنفوذ سياسي مميز يخولها رئاسة الدولة وعدداً من المناصب
الحساسة. وعلى أي حال، لم يكن الفلسطينيون يرغبون في الاندماج
والتوطين، لكنهم كانوا يرغبون في الحياة الكريمة وظروف عمل ومعيشة
معقولة تمكنهم من الوقوف على أقدامهم، وتركيز جهودهم لتحرير أرضهم
المغتصبة، غير أن السلطات اللبنانية ظلت أمداً طويلاً تتبنى سياسة
ترى أن حالة المعاناة والمعيشة المزرية للاجئين تصب في منع سياسة
التوطين في الخارج، وفي أن تظل أعين اللاجئين متجهة نحو العودة إلى
فلسطين لحل مشاكلهم. ولذلك منح الفلسطينيون وثائق سفر لبنانية
تخولهم حق الإقامة، لكنها تمنعهم من أية حقوق سياسية.
كما
منعوا من حق التجنس بالجنسية اللبنانية مهما طالت المدة وحتى لمن
يولد هناك، وقد قامت الحكومة اللبنانية بإعطاء الجنسية لنحو خمسين
ألف لاجئ في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لكونهم أساساً
من المسيحيين، أو لوجود صلة نسب سابقة لهم بعائلات لبنانية، كما
وحرم الفلسطينيون من سبعين نوعاً من الوظائف والمهن في لبنان شملت
كل الوظائف الحكومية تقريباً فضلاً عن الوظائف الطبية والتمريض
والصيدلة والهندسة والمحاماة وغيرها. ووصلت معدلات البطالة بين
الفلسطينيين في لبنان إلى ما يزيد 40%، ولا يحق للفلسطينيين التمتع
بخدمات الحكومة الصحية والتأمين الاجتماعي، كما أن نسبة ضئيلة جداً
منهم تُقبل في المدارس الحكومية. ويمنع الفلسطينيون من سقف منازلهم
المتواضعة بغير ألواح الزينكو كما يمنعون من بناء طابق ثانٍ
لبيوتهم، مما أوجد حالة من الاكتظاظ الرهيب في المخيمات مع الزمن،
أدت لنـزوح الكثيرين خارجها. وحتى سنة 1971 كانت أغلبية البيوت غير
مزودة بشبكة مياه، وحتى سنة 1980 كان لا يزال نصفها دون شبكة
التصريف الصحي (مجاري)، وتصل نسبة الفلسطينيين تحت خط الفقر في
لبنان إلى 79% وسط العائلات التي يكون عددها 3 أفراد أو أقل،
وترتفع إلى 96% ـ 98% في العائلات الأكبر من ذلك[141].
إن
مثل هذه السياسات لم تثمر سوى المرارة في نفوس اللاجئين، الذين
توقعوا من إخوانهم العرب على الأقل معاملة إنسانية كالتي يعامل بها
أي مقيم في أي بلد أجنبي. ولذلك، ازدادت معدلات الهجرة بين
اللاجئين إلى أوربا الغربية وأستراليا وأمريكا، مما عرضهم لتحديات
التذويب وفقدان الهوية بشكل أكبر، وتظهر الخريطة التالية مخيمات
اللاجئين في لبنان.

وبعد
حرب 1967 وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة في يد الاحتلال الصهيوني
نشطت حركة المقاومة الفلسطينية في أوساط اللاجئين في لبنان، وتمكنت
الفصائل الفلسطينية من السيطرة الفعلية على المخيمات، وبدأت
عملياتها العسكرية من جنوب لبنان ضد الكيان الصهيوني، واستطاعت فرض
نفسها فرضاً على السلطات اللبنانية بعد العديد من الاشتباكات
والصدامات المسلحة. ورغم أن "اتفاق القاهرة" في نوفمبر 1969 أعطى
الفلسطينيين حق التسلح ومهاجمة الكيان الصهيوني من الحدود
اللبنانية، إلا أن حالة التوتر ظلت السمة الرئيسية في العلاقة بين
الطرفين. وحاول الكيان الصهيوني تأزيم هذه العلاقة دائماً عبر
هجمات الطيران وقصف المنشآت اللبنانية وقتل المدنيين، وعبر الحملات
العسكرية المنظمة واحتلال أجزاء من لبنان سنة 1978 لإقامة حزام
أمني، وكذلك 1982 لتدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية
وفصائلها، وعبر دعم القوات المعادية للفلسطينيين وخصوصاً حزب
الكتائب الماروني، وجيش لبنان الجنوبي العميل للصهاينة بقيادة سعد
حداد ثم انطوان لحد. وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)
لتزيد من تأزيم الوضع وتعقيده، فدخل الفلسطينيون في حروب متواصلة
منهكة مع أطراف الصراع كافة، حيث كانت تزداد درجة العداء أو تتبدل
التحالفات مع جهة أو أخرى حسب تطور الأحداث.
وكان
من أمثلة معاناة اللاجئين أن الكيان الإسرائيلي قام بأكثر من ثلاثة
آلاف غارة على الفلسطينيين واللبنانيين خلال الفترة (1968 ـ 1974)،
وفي سنة 1974 دمَّرت الطائرات الحربية الإسرائيلية مخيم النبطية
للاجئين بالكامل، وفي سنة 1976 حاصرت قوات الكتائب وحلفاؤها مخيم
تل الزعتر 53 يوماً حتى انتهى الأمر بتدميره وإخلاء سكانه بعد مقتل
ثلاثة آلاف شخص معظمهم من المدنيين. وفي الاجتياح الإسرائيلي لجنوب
لبنان في مارس 1978 قتل أكثر من ألفي فلسطيني ولبناني معظمهم من
المدنيين، أما الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 فقد أدى لمقتل
19 ألف مدني فلسطيني ولبناني. وخلال ثلاثة أسابيع من هذا الهجوم تم
تدمير 70% من مخيم الرشيدية، وتم تدمير مخيم عين الحلوة (أكبر مخيم
فلسطيني) بالكامل، وما تبقى من منازل تولت البلدوزرات الصهيونية
مسحه عن الأرض. وحاولت القوات الصهيونية منع الفلسطينيين من إعادة
بناء منازلهم لقرب مخيماتهم من فلسطين، وسعت إلى دفعهم شمالاً، لكن
محاولاتها فشلت، وأعاد الفلسطينيون البناء في المواقع نفسها. ومنذ
1982 اضطرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وآلاف من الفدائيين
الفلسطينيين للانسحاب من لبنان تحت ضغط الغزو الصهيوني، وتسبب رفع
حمايتهم عن المخيمات إلى وقوع مجازر صبرا وشاتيلا الشهيرة، حيث
تعرض فلسطينيون ولبنانيون أبرياء عزل لعملية ذبح منظمة قتل فيها
على مدى يومين 16 ـ 17 سبتمبر 1982 أكثر من 3000 شخص. وفي حرب
المخيمات التي شنتها حركة أمل على مخيمات اللاجئين في مناطق بيروت
وجنوب لبنان، وقامت بمحاصرتها مدة سنتين مايو 1985 ـ إبريل 1987 تم
تدمير 80% من المنازل في مخيم شاتيلا و50% من مخيم برج البراجنة
وقتل نحو 2500 شخص. وكانت معاناة هائلة اضطرت اللاجئين لأكل
الحشائش والقطط، ومات عديدون بسبب نقص الأدوية، ومع ذلك فشلت أمل
في السيطرة على المخيمات[142].
لقد
كان ثمناً بالغاً ذلك الذي يدفعه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان
تمسكاً بكرامتهم وإنسانيتهم وحقهم في الدفاع عن أنفسهم والسعي
لتحرير أرضهم. لقد أعطى انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1990
فرصة للفلسطينيين لالتقاط أنفاسهم، كما شكلت الانتفاضة الفلسطينية
المباركة 1987 ـ 1993 عنصراً مشجعاً ودفعة معنوية كبيرة، وفتحت
الساحة بشكل أكبر لانتشار التيار الإسلامي بينهم خصوصاً بعد
التجربة السلبية للكثيرين مع فصائل المقاومة العلمانية واليسارية.
غير أن اتفاقات أوسلو في سبتمبر 1993 بين م.ت.ف والكيان الصهيوني
زادت من مخاوف الفلسطينيين من أن تنسى قضيتهم أو يتم توطينهم في
لبنان أو الأردن أو العراق وغيرها، ولا زال التعلق بفلسطين والعودة
إليها هو القاسم المشترك لكل الفلسطينيين في لبنان على اختلاف
توجهاتهم.
ويبلغ
عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا في لبنان 370.144
سنة 1999، ووفق الزيادة الطبيعية للفلسطينيين فإن عددهم سنة 2001
هو 395.742 شخصاً، وسنة 2002 هو 409.197 شخصاً. وقد تزايدت في
السنوات الأخيرة حالات الهجرة بين فلسطينيي لبنان إلى أوربا
الغربية وخصوصاً الدول الإسكندنافية وإلى كندا وأستراليا إثر تسهيل
هذه الدول لهؤلاء سبل الهجرة بقصد تذويبهم وتوطينهم.
ويقيم
الفلسطينيون في لبنان الآن في 12 مخيماً رسمياً، فضلاً عن وجودهم
في تجمعات لا تعدّها الأونروا رسمية أو في مدن وقرى لبنان
المختلفة، ويقيم 54.4% من اللاجئين المسجلين لدى الأونروا في
المخيمات، وهذه المخيمات هي: الرشيدية، البرج الشمالي، البص في
منطقة صور، وعين الحلوة، والمية ومية في منطقة صيدا، أما في منطقة
بيروت والجبل فهي برج البراجنة، وشاتيلا، ومار إلياس، وضبية، وويفل
(الجليل)، وفي منطقة الشمال البداوي، و نهر البارد.
وأكبر
هذه المخيمات مخيم عين الحلوة حيث يسكنه نحو 70 ألفاً يليه مخيم
نهر البارد 30 ألفاً[143].
ويختلف الوضع في سوريا عنه في الأردن و لبنان إذ إن السلطات
السورية منحت اللاجئين الفلسطينيين فيها حقوق المواطنة العادية
كافة، سوى الحقوق السياسية، كما لم تمنحهم الجنسية السورية واكتفت
بمنحهم وثائق سفر. فللفلسطينيين في سوريا حق العمل والتملك
والتجنيد الإجباري، ويعيشون بشكل عام في ظروف حياتية مشابهة لتلك
التي يعيشها السوريون.
على
الرغم من أن علاقات السلطات السورية مع منظمة التحرير الفلسطينية
وفصائلها اتسمت بالتذبذب، وشهدت درجات من الصعود والهبوط طوال
المدة الماضية، إلا أن السلطات السورية وخصوصاً تحت حكم حافظ
الأسد، وحزب البعث ظلت ممسكة بزمام الأمور، ولم تخرج المخيمات في
سوريا عن دائرة السيطرة، كما أن العمل النضالي الفلسطيني عبر
الحدود السورية ضد الصهاينة كان يرجع بشكل أساسي إلى مدى رغبة
السلطات السورية وسماحها بذلك.
وهناك
في سوريا عشرة مخيمات رسمية للاجئين الفلسطينيين:
1 ـ
خان الشيخ 2 ـ ذا النون 3 ـ
سبينة
4 ـ
حندرات 5 ـ جرمانا 6 ـ النيرب
7 ـ
مخيم العائدين (حمص) 8 ـ مخيم العائدين (حماة) 9 ـ مخيم
العائدين(درعا)
10 ـ
مخيم العائدين (اللاذقية).

ولا
يقيم في هذه المخيمات سوى 29.2% من اللاجئين الفلسطينيين، ورغم أن
أكبر تجمع فلسطيني موجود في مخيم اليرموك حيث يقيم نحو 120 ألفاً
إلا أن الأونروا لا تعده مخيماً رسمياً، رغم أنها تقدم خدماتها له![144]،
وتظهر الخريطة التالية مخيمات اللاجئين في سوريا.
وتعد
مصر من دول الطوق، غير أن أعداد الفلسطينيين فيها محدودة مقارنة مع
سوريا ولبنان والأردن، إذ يقيم على أرضها نحو 49 ألف فلسطيني ،
وكانت مصر قد وضعت قطاع غزة الفلسطيني تحت إدارتها منذ 1948 وحتى
1967، لكنها لم تقم بضمه رسمياً إليها، ولم تمنح الفلسطينيين
الجنسية المصرية، وإنما منحتهم وثائق سفر مصرية لا تعطيهم حق
الإقامة في مصر، وعليهم الحصول على تأشيرة دخول إلى مصر إذا رغبوا
في ذلك، وهي أحياناً ما تستغرق شهوراً. ويحمل كل مواطني غزة هذه
الوثائق، خصوصاً قبل إصدار السلطة الفلسطينية لجوازاتها، ولعل عدد
حاملي هذه الوثائق يزيد عن مليون ونصف من المقيمين في غزة والخارج،
وبسبب هذه الإجراءات وبسبب الأوضاع الاقتصادية في مصر معظم الفترة
الماضية، فإن أعداد الفلسطينيين فيها ظلت محدودة.
وفي
خارج دول الطوق كانت الكويت حتى عام 1990 تضم أحد أكبر التجمعات
الفلسطينية في العالم إذ وصلت تقديرات الأعداد فيها إلى نحو 430
ألف نسمة. وقد فتحت الكويت صدرها لأبناء فلسطين خصوصاً في
الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وتزايدت أعدادهم بشكل
كبير من 37 ألفاً سنة 1961 إلى 204 آلاف سنة 1975. وأسهم
الفلسطينيون بشكل فعال في نهضة الكويت وازدهارها في كافة القطاعات
الإدارية الحكومية والقطاع الخاص، وقد جذب الفلسطينيين إلى الكويت
ما وجدوه من تفهم وحسن عشرة لأهلها، ومن هامش حريات واسعة، ومجلس
أمة منتخب وصحافة نشطة، ومن فرص العمل الشريف، ومن أمن واستقرار
قلّما وجدوه في غيرها. وتمتعت التيارات الفلسطينية المختلفة بهامش
تحرك جيد وسط الفلسطينيين دونما تدخل حكومي يذكر، إلا فيما يحفظ
أمن البلد واستقراره. لذلك، لم يكن غريباً أن تنشأ حركة فتح
وتترعرع في الكويت، وأن تبرز العديد من قيادات حماس في الخارج من
الكويت نفسها، وفتح وحماس هما أقوى حركتين فلسطينيتين. ولم يعش
الفلسطينيون في مخيمات في الكويت، ولكن كان هناك مراكز تجمع سكاني
قوي مثلوا فيه الأغلبية الساحقة مثل النقرة وحولي وخيطان
والفروانية. ولا يعني هذا أن كل الفلسطينيين عاشوا مستويات حياة
مرتفعة كما يظن البعض، غير أن أوضاعهم كانت بشكل عام أفضل من أوضاع
إخوانهم في لبنان وسوريا وقطاع غزة. ومع ذلك، فإن أغلبية
الفلسطينيين كانت تعمل في الأنشطة الخدمية والوظائف الوسطى وتحصل
إجمالاً على كفايتها الشهرية. وكانت معظم الأسر تعيش في شقق في
بنايات سكنية ويسكن في الشقة الواحدة المكونة من غرفتين وصالون
عادة عائلة من حوالي 8 ـ 10 أفراد.
وقد
بدأت أحوال الفلسطينيين منذ مطلع الثمانينيات في التراجع، نتيجة
تراجع الأوضاع الاقتصادية في الكويت بسبب انخفاض أسعار النفط،
ونتيجة لتبني سياسة التكويت، ومحاولة ضبط العمالة الوافدة، وعانت
العائلات الفلسطينية خصوصاً من مشاكل تعليم الأبناء، بعد أن لم يعد
يسمح لهم بدخول المدارس الحكومية الكويتية إلا لمن ولد في الكويت،
ومن التكاليف الكبيرة المترتبة على إرسال أبنائهم إلى الخارج
للحصول على التعليم الجامعي، بعد أن وصل الحد الأدنى لقبول الطلبة
غير الكويتيين في أواخر الثمانينيات في الجامعة الوحيدة في الكويت
إلى نحو 94% في شهادة الثانوية العامة. كما لم يسمح لمن جاوز الـ21
من عمره بالإقامة في الكويت إلا لمن يملك إقامة عمل ، مما عرض آلاف
الطلبة الدارسين في الخارج إلى إنهاء إقامتهم في الكويت وتشتت
عائلاتهم. وعانت العائلات الفلسطينية (وعائلات الوافدين بشكل عام)
من ارتفاع الإيجارات السكنية، التي كانت تقتطع في أحيان كثيرة أكثر
من نصف رواتبهم الشهرية، خصوصاً لمن تزوج وحاول الحصول على سكن
خلال الثمانينيات.
وقد
كان الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس 1990 نقطة تحول كبرى بالنسبة
للجالية الفلسطينية هناك، حيث اضطر نحو 200 ألف للنـزوح في أثناء
الاحتلال العراقي للكويت كما اضطر نحو 200 ألف آخرون للنـزوح بعد
عودة الحكم إلى يد الكويتيين، ولم يبق في الكويت إلا 37 ألفاً،
(حسب إحصاءات 1998)، وهناك تقديرات كويتية بأن أعدادهم هي بحدود 60
ألفاً في سنة 1999[145]، ويبدو أن تحسن العلاقات مع الأردن
سيفتح الباب من جديد لقدوم الذين يحمل أغلبهم جوازات سفر أردنية،
فضلاً عن الأجواء الإيجابية التي أوجدتها انتفاضة الأقصى منذ
سبتمبر 2000 حيث تفاعل الكويتيون معها بشكل كبير.
بين التوطين والعودة
يصر
فلسطينيو الشتات أجمعهم على حقهم في العودة إلى فلسطين ولم تثنهم
عشرات السنوات من اللجوء والبعد عن الوطن وظروف القهر والمعاناة
ومحاولات التذويب والتوطين.. لم تثنهم عن تعلق قلوبهم بالأرض
المقدسة، فلا زال لاجئو 1948 يربون أحفادهم وأبناء أحفادهم على هذا
الأمل ويعلمونهم أنهم أبناء تلك القرية أو المدينة من أرض فلسطين،
ولازال الكثير منهم يحتفظون بمفاتيح بيوتهم القديمة وشهادات امتلاك
الأرض و"القواشين". ولا تزال المخيمات نفسها تقسم إلى أجزاء حسب
قرى ومدن أولئك الذين استقروا فيها. ووصل الأمر بنسبة غير قليلة من
أبناء المخيمات رفض تحسين الخدمات في مخيماتهم خوفاً من أن يكون
ذلك جزءاً من عملية توطينهم، والشعب الفلسطيني مسيس بطب يعته
ولمعظم الفلسطينيين انتماءات وميول لاتجاهات سياسية وحركية
فلسطينية، وقد كان دور فلسطينيي الشتات قيادياً بارزاً في إنشاء
المنظمات الفدائية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقيادة التحرك
السياسي الفلسطيني طوال العقود الماضية الأربعة.
وحتى
الآن أفشل الفلسطينيون 243 مشروعاً للتوطين خارج فلسطين[146].
ومن
المشاريع التي أسقطها الفلسطينيون مشاريع التوطين في العراق وسوريا
ولبنان، ومشروع جونسون ومشروع الرمدان، ومشروع سميث ـ بروتي،
ومشروع باروخ، ومشروع سيناء، ومشروع كين، ومشروع همفري، ومشروع
روجرز وغيرها[147].
وفي
استطلاع الرأي للاجئين في سوريا مثلاً رفض 99% من حيث المبدأ أي
مشروع للتوطين أو التهجير أو التجنيس، وطالب 98% بالعودة إلى قريته
أو مدينته الأصلية في فلسطين، ولم يمانع سوى 1% من العودة إلى
مناطق محررة في الضفة الغربية وغزة[148].
ويصر
الصهاينة في مفاوضات الحل النهائي مع السلطة الفلسطينية على رفض حق
العودة للاجئي 1948 وعدم تحمل أي مسؤولية تجاههم، ويماطلون بشأن
نازحي الضفة الغربية وقطاع غزة. ويهدد ذلك بفشل أي تسوية سلمية
مستقبلية، حتى وإن قبلتها السلطة الفلسطينية، فإنها ستحمل عناصر
فشلها في ذاتها، بسبب الظلم الذي ستلحقه بالملايين الذين سيقلبون
الطاولة على أي تسوية من هذا النوع.
وقد
زاد الحديث مؤخراً عن الفلسطينيين في لبنان حيث تُعدّ حالتهم أصعب
العقبات في طريق التسوية، وأشير إلى استعدادات أوروبية وكندية
لاستقبال 150 ألف لاجئ فلسطيني من لبنان، ويبدو أن تسهيلات الهجرة
لتلك البلدان تزايدت في السنوات الماضية بهدوء، ودون صخب حيث هاجر
الكثيرون وخصوصاً من الشباب، كما أشارت تقارير إلى تسهيلات بدأ
تنفيذها في مخيمات اللاجئين في الأردن[149].
المجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني
كان
الإرهاب ـ ولا يزال ـ جزءاً أساسياً من الفكر الصهيوني المستند إلى
جذور عقائدية. فإن توراة اليهود المحرّفة والتلمود يمجدّان استخدام
القوة والعنف وسحق غير اليهود. وتصور التوراة المحرفة كيف أن بني
إسرائيل عندما دخلوا أريحا قتلوا كل من فيها من ذكر وأنثى وطفل
وامرأة وشيخ بحد السيف. ويتعلم اليهود الصهاينة هذه النماذج الآن
ويعدُّونها مثالاً يحتذى، حيث تتضاءل القيمة الإنسانية لغير اليهود
الذين خُلقوا ـ حسب عقائد اليهود المحرفة ـ لخدمة اليهود.
ولم
يكن بالإمكان إنشاء كيان يهودي خالص على أرض فلسطيني دون ارتكاب
مذابح وحملات تهجير قسري لأغلبية السكان العرب الذين يقيمون في
البلاد منذ آلاف السنين. وقد تكررت الإشارة إلى التخلص من العرب
بأشكال مختلفة في كتابات ومذكرات كبار زعماء الصهيونية وقادة
الكيان الصهيوني أمثال هرتزل، ووايزمن، وبن جوريون، وبيجن، وإسحق
رابين ... وغيرهم[150]. وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرار
تقسيم فلسطين كان من المفترض أن يعيش على أرض الدولة اليهودية
المقترحة 498 ألف يهودي و497 ألف عربي أي أنها ستكون دولة ثنائية
القومية مناصفة تقريباً بين الطرفين. وكان من المتوقع بسبب الزيادة
الطبيعية للسكان العرب التي تفوق كثيراً الزيادة الطبيعية لليهود
أن يصبح العرب أغلبية واضحة خلال بضع سنوات، مما يفقد المشروع
الصهيوني جوهر الفكرة التي قام لأجلها. ولذلك سعى الصهاينة منذ
البداية إلى تجاوز العقبة عبر وسيلتين الأولى: إرهاب العرب
وإجبارهم على الرحيل، والثانية: تشجيع الهجرة اليهودية إلى الكيان
"الإسرائيلي" حتى لو اضطروا لإرهاب اليهود في البلاد العربية،
بارتكاب جرائم يظهر أن العرب قد نفذوها، لإشعار اليهود أنه لم يعد
لهم مكان هناك.
وفي
أثناء حرب 1948 ارتكب اليهود الصهاينة 34 مجزرة لتنفيذ مخططهم في
فلسطين. وكانت أبرز المجازر وأشهرها مجزرة "دير ياسين"[151]
وقد نفذت هذه المجزرة عصابتا الأرغون (التي يتزعمها مناحيم بيجن)
وشتيرن بالتنسيق مع الهاجاناه في ليلة وصباح 10 إبريل 1948. وتقع
قرية دير ياسين على الطريق المؤدية إلى القدس، وقد قام الصهاينة
بذبح وقتل 254 رجلاً وامرأة وطفلاً (وفي بعض التقديرات 360) بأسلوب
وحشي.
ونستطرد قليلاً في ذكر قصص من مذبحة دير ياسين كأحد نماذج الإرهاب
الصهيوني. ففي ذلك اليوم بقي عند "حياة البلبيسي" في المدرسة 15
طفلاً وطفلة، فقامت بتحويل المدرسة إلى مركز إسعاف لأنها مسئولة
الصليب الأحمر (لم يكن هناك هلال أحمر لأن فلسطين كانت تحت
الاحتلال البريطاني) في دير ياسين. وظنّت أنها تحمي نفسها والأطفال
بذلك. وأخذ الجرحى بالتوافد عندها. وعند الظهيرة جاء اليهود
الصهاينة وأجهزوا على الجرحى، وقتلوا جميع الأطفال وقتلوها. ثم
وضعوا الجميع على شكل كومة جثث فوقها جُثتها. وأسرعت فتاة يهودية
وخلعت علم الصليب الأحمر عن باب المدرسة وغرسته عميقاً في كومة
الجثث والجميع يصفق لها إعجاباً بما تفعل.
أما
"الحاج إسماعيل عطية" وهو عجوز في الـ 95 من عمره، فبعد أن قتلوه
جرُّوه من رجليه وسط الشارع وأخذوا يرقصون حوله ويصيحون. وكانت
زوجته تحمل حفيدها الوحيد عند البيت فجاءت فتاة يهودية تحمل بيدها
بلطة فضربت الطفل على رأسه، فتطاير نخاعه، والتصق بالجدار، ثم قتلت
الجدة، وأخذت ترقص فوق الجسدين القتيلين.
وأخذوا "صالحية" وهي شابة، فقتلوا طفلها ذو السنتين أمام عينيها،
ثم وضعوها في حلقة، وأخذوا يرقصون حولها، ويمزقون ثيابها قطعة
قطعة. وفي النهاية عاجلتها إحدى الفتيات اليهوديات بعدة طعنات في
وجهها وصدرها وبطنها، وكانت حاملاً في الشهر السابع.
وقد
قبضوا على شيخ في التسعين، ورموه من فوق بيته، واستخدموه هدفاً
متحركاً يحاولون اقتناصه في الهواء. وحينما وقع على الأرض، قضوا
عليه بأحذيتهم. وقتلوا امرأة اسمها "خالدية" كانت توشك على
الولادة، وشقوا بطنها بسكين، ولما حاولت إحدى نساء القرية إخراج
الطفل من أحشاء أمه قتلوها أيضاً[152].
وقد
فاخر مناحيم بيجن (الذي أصبح رئيساً لوزراء الكيان الإسرائيلي 1977
ـ 1983، والذي حاز على جائزة نوبل للسلام!!) بهذه المذبحة، وعدَّها
سبباً مهماً في إنشاء الدولة اليهودية وتهجير العرب، فقال: "...
أصيب العرب بهلع قوي لا حدود له بعد أخبار دير ياسين، فأخذوا يفرون
للنجاة بأرواحهم ...، فمن أصل 800 ألف عربي كانوا يعيشون على أرض
إسرائيل الحالية لم يتبق سوى 165 ألفاً" ... "ما وقع في دير ياسين
وما أذيع عنها ساعدا على تعبيد الطريق لنا لكسب الظفر في معارك
حاسمة في ساحة القتال. وقد ساعدتنا أسطورة دير ياسين بصورة خاصة
على إنقاذ طبرية وغزو حيفا" ... "كان لمذبحة دير ياسين أثر بالغ في
نفوس العرب يساوي ستة أفواج من الجنود"[153].
وقد
تكرر نموذج دير ياسين في القرى العربية الأخرى في أثناء حرب 1948،
حيث وقعت مذابح عديدة بنفس البشاعة كما في الطنطورة، وناصر الدين،
وبيت داراس وغيرها. وقد اعترف المؤرخ "الإسرائيلي" أرييه يتسحافي،
وهو باحث في الجيش الإسرائيلي بذلك قائلاً: "إذا أجملنا الحقائق
ندرك أن مجزرة دير ياسين كانت إلى حد بعيد طابعاً مألوفاً لاحتلال
قرية عربية، ونسف أكثر عدد من المنازل فيها، وقد قُتل في هذه
العمليات الكثير من النساء والأطفال والشيوخ"[154].
وتوالت المذابح الصهيونية بعد ذلك بين حين وآخر، ففي ليلة 14 ـ 15
أكتوبر 1953 حدثت مذبحة "قبية"، وهي قرية عربية في الضفة الغربية
هاجمها نحو 600 جندي صهيوني بقيادة الإرهابي أريل شارون (الذي أصبح
رئيساً للوزراء فيما بعد). وقد أدى الهجوم الليلي إلى استشهاد 67
من سكان القرية المدنيين ووقوع أعداد كبيرة من الجرحى. كما أدى إلى
تدمير 56 منـزلاً ومسجد القرية ومدرستها وخزان مياهها. وتعمد
الصهاينة تدمير البيوت على السكان، حتى إن امرأة شوهدت تجلس بجانب
كومة من أنقاض منـزلها الذي برز من بين ركامه أيدٍ وأرجل صغيرة هي
أشلاء أولادها الستة، بينما كانت جثة زوجها الممزقة بالرصاص ملقاة
في الطريق المواجه للبيت[155].
وفي
10 أكتوبر 1956 نفذ الصهاينة مذبحة "قلقيلية" حيث قتلوا نحو سبعين
من سكان هذه البلدة وأوقعوا خسائر مادية كبيرة.
وفي
29 أكتوبر 1956 وقعت مذبحة "كفر قاسم" وهي قرية عربية في فلسطين
المحتلة سنة 1948. إذ أعلن الصهاينة حظر التجول في ذلك اليوم على
القرية اعتباراً من الساعة الخامسة مساء دون أن يعلم فلاحوها
العاملون في الحقول بذلك. وعندما بدأ الفلاحون بالعودة كانت
الأوامر قد صدرت بإطلاق النار بقصد القتل، مما أدى لاستشهاد 49
فلسطينياً بينهم 15 طفلاً فضلاً عن عشرات الجرحى. وقد حاول
الصهاينة التستر على جريمتهم فقاموا بمحاكمة الفاعلين حيث سُجن عدد
منهم لفترات قصيرة. أما العقيد سيخار شدمي الذي أصدر الأوامر فقد
قُدِّم للمحاكمة سنة 1959، وكانت عقوبته التوبيخ ودفع غرامة
مقدارها قرش "إسرائيلي" واحد!![156] وكأن روح كل فلسطيني لا
تساوي أكثر من جزء ضئيل من القرش وفق القضاء "الإسرائيلي".
وفي
مجزرة مخيم خان يونس في 3 نوفمبر 1956 قتل الصهاينة 250 من سكانه
المدنيين، ثم عادوا فقتلوا 275 مدنياً آخرين من المخيم نفسه في 12
نوفمبر 1956، كما قتلوا في اليوم نفسه أكثر من مائة مدني من سكان
مخيم رفح للاجئين[157].
ونفذ
الصهاينة مجزرة "السموع" في 13 نوفمبر 1966 حيث استشهد نحو 18
شخصاً وجرح 134 آخرين[158].
وعندما احتل الصهاينة في حرب 1967 الضفة الغربية وقطاع غزة قاموا
بتشريد 330 ألف فلسطيني، واعترف أحد الجنود الصهاينة الذين رابطوا
على نهر الأردن أنه قد صدرت لهم أوامر واضحة وصريحة بقتل المدنيين
الذين يحاولون العودة إلى الضفة الغربية وقال "كنا نقتل الأحياء
إذا وجدناهم، ونقتل الجرحى حتى لو كانوا نساءً أو أطفالاً. وأثناء
خدمتي العسكرية، وبعد انتهاء الحرب بمدة طويلة كنا نطلق النار
دائماً في منطقتنا، وفي كل ليلة كان يسقط قتلى، وفي صباح كل يوم
كنا نجد بينهم جرحى ما نلبث أن نقضي عليهم".
وقد
ذكر الضابط الصهيوني إيلي ليفي وهو برتبة نقيب قصة تشير إلى طريقة
تفكير وعمل القيادة "الإسرائيلية"، فذكر أنه في أثناء حرب 1973
اقتحم وعدد من جنوده قرية في هضبة الجولان جنوبي القنيطرة، وجمعوا
سكانها القلائل في ساحة كبيرة. وفجأة جاء الجنرالين رفائيل إيتان
وأبيغدور بنغال، وسأل إيتانُ مندهشاً الرائدَ غوري ماذا ستفعلون
بهم؟ فقال الرائد: أعتقد أننا سنطلب منهم العودة إلى منازلهم. فصرخ
إيتان: ماذا؟ ألن تطلقوا النار عليهم؟! إنهم جميعاً جنود سوريون
يتخفون بزيٍّ مدني، وأُقسم على ذلك. فتدخل النقيب إيلي ليفي وقال:
ولكن بينهم نساء وأطفالاً. فردّ عليه إيتان: يُخيّل إليك ذلك!!
عليكم أن تطلقوا النار عليهم، وتقتلوهم جميعاً. فقال إيلي: أهذا
أمر يا سيدي؟ قال إيتان: نعم هو كذلك. فقال إيلي: أريد أمراً خطياً
بذلك!! فقال إيتان بسخرية: إنك لا تريد أن تقاتل، لقد خاب ظني فيك
أيها الشاب!![159] وقد كان رفائيل إيتان هذا يشغل قائد فرقة
مدرعات في الجولان في حرب 1973، ثم أصبح قائد المنطقة الشمالية
1974 ـ 1977، ثم أصبح رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي 1978 ـ 1983
حيث تولى قيادة الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982. وهو صاحب
عبارة شهيرة يذكر فيها أن الفلسطينيين في الأرض المحتلة هم "صراصير
مخدَّرة في قنينة"!![160]
وفي
أثناء الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان في صيف 1982، وبعد أقل من
أربعة أسابيع على بدايته (5 ـ 30 يونيو 1982) استشهد نحو 15 ألف
مدني وقال أحد الأطباء الكنديين العاملين في صيدا إن 50% من
الشهداء هم من الأطفال دون سن 13 سنة. وأشارت تقديرات أخرى إلى أنه
مع منتصف أغسطس 1982 كان قد استشهد نحو 19 ألفاً، بينما جرح حوالي
80 ألفاً آخرين[161]. وقد ذكر المقدم الإسرائيلي إيتان
كليبنوت في شهادته التي نشرتها جريدة هعولام هزيه في 7 يوليو 1982
بأن هناك ضابطاً وجنوداً تعمدوا قتل مدنيين عزلاً وأبرياء داخل
المخيمات الفلسطينية وقال إنه يذكر جيداً بأن الجنود أطلقوا النار
بأمر من ضباطهم الكبار على عجزة فلسطينيين ونساء وأطفال داخل
الملاجئ في مخيم عين الحلوة. وقال "لقد شاهدت أطفالاً فلسطينيين
يبكون ويصرخون بعد أن قتل الجنود أمهاتهم على مرأى منهم. كما أن
بعض الجنود ألقوا قنابل حارقة داخل ملاجئ عين الحلوة، وكان فيها
عشرات السكان المدنيين الذين لم يخرج منهم أحد"[162].
وفي
16 ـ 18 سبتمبر 1982 نظم الصهاينة بقيادة أريل شارون ورفائيل إيتان
وأمير دوري مذابح صبرا وشاتيلا وأوكلوا مهمة التنفيذ لمليشيات
الكتائب، ومليشيات النمور التابعة لكميل شمعون، وحراس الأرز
التابعة لإيتان صقر، ورجال جيش لبنان الجنوبي العميل التابعين لسعد
حداد، وكلها مليشيات مارونية. فقد احتل الصهاينة بيروت الغربية في
15 سبتمبر، وفي السادسة مساء من اليوم التالي بدأ تنفيذ المجزرة
التي استمرت نحو 40 ساعة. وزود الصهاينة ـ الذين حاصروا المكان ـ
المليشيات المجرمة بوسائل الإنارة، وراقبوا عمليات الذبح كمن يجلس
في الصف الأول من المسرح. وقد أدت هذه المذابح إلى استشهاد 3297
معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ واستخدمت الفؤوس والبلطات
والسواطير والسكاكين لتهشيم الرؤوس وقطعها، والتمثيل بالأجساد،
فضلاً عن اغتصاب النساء والفتيات. وتلذذ المجرمون خصوصاً بقتل
الأطفال والتمثيل بهم. ووجدت في أحد البيوت جثة طفلٍ رضيع قطعوا
أعضاءه، ثم صفّوها بعناية على شكل دائرة ووضعوا الرأس في الوسط[163].
لقد
كانت مذابح مخيمي صبرا وشاتيلا من المذابح المروعة التي اهتز لها
الضمير الإنساني، والتي لم تستطع القوات الصهيونية والكتائبية
التستر على أهوالها. وسارع الكيان الصهيوني كعادته بتشكيل لجنة
تحقيق في محاولة لتلميع صورته إعلامياً وتبرئة ساحته وساحة قادته.
وقد اكتفت اللجنة بتوجيه اللوم لشارون. لكنه سرعان ما عاد وزيراً
للإسكان، ثم انتخب رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني في فبراير 2001.
وكان
اندلاع الانتفاضة المباركة في الضفة الغربية وقطاع غزة فرصة للكيان
الصهيوني لقتل المدنيين، فاستشهد في سنواتها الست 1987 ـ 1993 ما
مجموعه 1540، وجرح 130 ألف، واعتقل 116 ألفاً آخرين. وقد شملت
قائمة الشهداء 268 طفلاً و127 امرأة حسب تقدير مؤسسة التضامن
الدولي لحقوق الإنسان[164]. وفي أثناء هذه الانتفاضة ارتكبت
القوات الصهيونية ـ ضمن ما ارتكبت ـ مذبحة المسجد الأقصى في 8
أكتوبر 1990 إذ هبَّ المسلمون للدفاع عن المسجد الأقصى عندما حاولت
جماعة يهودية تسمى "أمناء جبل الهيكل" وضع حجر الأساس للهيكل
اليهودي الثالث في ساحة الحرم. وتدخل الجنود الصهاينة وأخذوا
بإطلاق النار على المصلّين. دون تمييز مما أدى إلى استشهاد 21 وجرح
150 آخرين[165].
وفي
صلاة فجر الخامس عشر من رمضان 1414هـ الموافق 25 فبراير 1994 قام
ضابط الاحتياط الصهيوني باروخ جولدشتاين باقتحام مسجد الحرم
الإبراهيمي في مدينة الخليل، حيث بدأ بحصد المصلين الساجدين
بأسلحته الرشاشة، بينما ساعده عدد من المستوطنين في تعبئة الذخيرة.
وكان يحاصر الحرم الإبراهيمي عدد كبير من الجنود وحرس الحدود
الصهاينة يقدرون بـ300، وقد قام هؤلاء الجنود بإطلاق النار على
المسلمين الذين هاجموا جولدشتاين بأجسادهم وقتلوه، كما قاموا
بإطلاق الرصاص على المسلمين الخارجين من المسجد وعلى الناس الذين
حضروا لإسعاف إخوانهم، ولحقوا بالمصابين والمسعفين إلى أبواب
المستشفيات، وقتلوا المزيد. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى استشهاد
29 فلسطينياً وجرح أكثر من 300 آخرين. وجولدشتاين هو ضابط (طبيب!!)
احتياط برتبة نقيب، وهو مهاجر من نيويورك في الولايات المتحدة.
وكان يَعدُّ العرب مثل "الوباء ... إنهم الجراثيم التي تنقل إلينا
الأمراض"، وكان متديناً، يَعدُّ مثل هذا العمل "تقرباً إلى الله".
وقد عدّه اليهود المتدينون "قديساً"، ولا زال قبره مزاراً ومحجاً
لهؤلاء اليهود[166].
وعندما أعلنت السلطات الصهيونية في 24 سبتمبر 1996 عن افتتاح نفق
تحت المسجد الأقصى (موازٍ لأساسات الجدار الغربي للمسجد) هبّ
المسلمون من جديد في موجات احتجاج عارمة، بينما بالغ الصهاينة في
القمع والتنكيل واستخدموا الطائرات المروحية. وقد استشهد 62
فلسطينياً وجرح نحو 1500، وكان بين الشهداء نحو 15 من الشرطة
الفلسطينية الذين اضطروا للرد، بسبب هجمات الصهاينة على مناطق
السلطة الفلسطينية[167].
وتمثل
انتفاضة الأقصى التي اندلعت منذ 28 سبتمبر 2000 نموذجاً للتضحية
الفلسطينية وللإرهاب الصهيوني. فقد استخدم الصهاينة كل ما في
أيديهم من وسائل البطش والدمار من الأسلحة الرشاشة والصواريخ
والطائرات المروحية وطائرات الـ إف16 الحربية والرصاص المحرم
دولياً ... في مواجهة شعب أعزل مصمم على الحرية والتحرير. واضطر
الفلسطينيون إلى اللجوء إلى تفجير أنفسهم في عمليات استشهادية في
التجمعات الصهيونية أحدثت نوعاً من توازن الردع مع الصهاينة.
وتشير
تقديرات مركز المعلومات الفلسطيني إلى أنه بعد مضي عام على انتفاضة
الأقصى فقد استشهد (حتى 31 يناير 2003) نحو 2272 فلسطينياً وأصيب
نحو 35 ألفاً بجراح[168]. أما تقديرات وزارة الصحة
الفلسطينية فترتفع تقديراتها للفترة نفسها إلى نحو 2800 شهيد،
بينهم حوالي 530 طفلاً ويافعاً دون الثماني عشرة سنة[169].
وقد
ازدادت شراسة الحملة الصهيونية لسحق الانتفاضة، في شهري مارس
وإبريل 2002، وقامت بتنفيذ مجازر بشعة، كان أبرزها مذبحة مخيم جنين
التي ذكرت العديد من التقديرات الفلسطينية أنه قد استشهد فيها
حوالي 500 فلسطيني، خلال النصف الأول من شهر إبريل 2002، غير أنه
لم تظهر أرقام دقيقة حتى لحظة كتابة هذه السطور، ولم يكشف حتى الآن
إلا عن نحو 57 شهيداً، كما أشير إلى وجود نحو 250 مفقوداً.
وقامت بتدمير مباني المخيم على ساكنيها، في الوقت الذي منعت فيه
السلطات الصهيونية وسائل الإعلام من الاقتراب، حتى لا يطلع العالم
على حقيقة ما يجري. وقد جرت في الوقت نفسه مذبحة مماثلة في نابلس
استشهد فيها نحو سبعين فلسطينياً. وفي أثناء حملتها على مدن وقرى
الضفة الغربية، في تلك الفترة، قامت بتدمير معظم البنية التحتية
الفلسطينية بما فيها مؤسسات السلطة الفلسطينية التعليمية والصحية
والأمنية، وبمصادرة وسرقة الكثير من محتوياتها. كما احتلت رام الله
وسيطرت على مقر ياسر عرفات، الذي حوصر مع عدد من مساعديه في بعض
غرف المقر. وقام الصهاينة بتدمير سيارات الإسعاف، بل وباستخدامها
في "اصطياد" الفلسطينيين، ومنعت فرق الإسعاف من الوصول إلى
المصابين، الذين نزفت دماؤهم حتى استشهدوا، كما منعت لأيام عديدة
دفن جثث الموتى، وقد انتقد تيري رود لارسن مبعوث الأمم المتحدة
الخاص إلى الأراضي الفلسطينية بحدة الحكومة الإسرائيلية، ووصف
الدمار الذي ألحقته بمخيم جنين (بعد أن تجول بنفسه فيه يوم 18
إبريل 2002) بأنه "أبشع من أن يُصدَّق"، ووصف المخيم بأنه "دُمِّر
تماماً، كما لو أن زلزالاً قد ضرب المنطقة"، كما انتقد الحكومة
الصهيونية لمنعها دخول فرق الإغاثة إلى جنين طوال أحد عشر يوماً[170].
وهكذا، فإن الإرهاب هو جزء طبيعي من الأيديولوجية الصهيونية،
وعقلية التجمع الاستيطاني والقيادة الحاكمة في الكيان الإسرائيلي.
هوامش الكتاب
[1]
انظر الموسوعة الفلسطينية، إشراف أحمد المرعشلي (دمشق: هيئة
الموسوعة الفلسطينية، 1984)، ج3، ص474-475.
[2]
حول التقسيمات الإدارية لفلسطين في العهد الإسلامي، انظر: المرجع
نفسه، ج1، ص119-124.
[3]
عجاج نويهض، رجال من فلسطين (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة،
1980)، ص314-315.
[4]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص124، ومصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1،
ق1، ط2 (بيروت: دار الطليعة، 1973)، 15-21.
[5]
حول جغرافية فلسطين، انظر: صلاح الدين البحيري، "جغرافية فلسطين"،
في المدخل إلى القضية الفلسطينية، تحرير جواد الحمد، سلسلة دراسات،
رقم 21 (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 1997)، ص15-24.
[6]
رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأبو داود.
[7]
حديث حسن رواه الطبراني.
[8]
رواه البخاري.
[9]
محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل
إبراهيم (القاهرة: دار المعارف، 1969)، ج1، ص265.
[10]
رواه البخاري ومسلم والنسائي.
[11]
رواه أبو داود وابن ماجة بسند صالح.
[12]
رواه أبو داود.
[13]
سورة الإسراء: 1.
[14]
سورة الأنبياء: 70.
[15]
إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم (بيروت: دار إحياء التراث
العربي، 1969)، ج3، ص184-185.
[16]
سورة الأنبياء: 80.
[17]
ابن كثير، مرجع سابق، ج3، ص187.
[18]
سورة سبأ: 18.
[19]
ابن كثير، مرجع سابق، ج3، ص533.
[20]
سورة المائدة: 20.
[21]
مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1، ق1، ص343.
[22]
كما في الحديث الذي رواه أحمد على شرط البخاري.
[23]
انظر مثلاً: مصطفى مراد الدباغ، القبائل العربية وسلائلها في
بلادنا فلسطين (بيروت: دار الطليعة، 1979)، ص21-22، وص30-32.
[24]
رواه مسلم.
[25]
رواه مسلم.
[26]
فضائل الشام ودمشق للربعي، تخريج محمد ناصر الدين الألباني (دمشق:
المكتب الإسلامي، د.ت)، ص5.
[27]
حديث صحيح، رواه أحمد وابن ماجة.
[28]
حديث صحيح، رواه الطبراني.
[29]
حديث صحيح، أخرجه الحاكم وأبو نعيم في الحلية.
[30]
رواه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه أرطاة بن المنذر، وبقية رجاله
ثقات.
[31]
رواه أحمد بهذا النص، ورجاله ثقات إلا مهدي بن جعفر الرملي، فقد
وثقه ابن حبان ويحيى بن معين وضعفه البخاري.
[32]
سفر التكوين 12/1، نقلاً عن سمير أيوب، وثائق أساسية في الصراع
العربي الصهيوني (بيروت: دار الحداثة للطباعة النشر، 1984)، ج1،
ص29.
[33]
سفر التكوين، 13/14، نقلاً عن المرجع نفسه، ج1، ص31-32.
[34]
سفر التكوين، 5/15، نقلاً عن المرجع نفسه، ج1، ص32.
[35]
سورة آل عمران: 67-68.
[36]
سورة البقرة: 136.
[37]
سورة المائدة: 20.
[38]
سورة الأعراف: 157.
[39]
سورة الصف: 6.
[40]
سورة المائدة: 109.
[41]
سورة المائدة: 60.
[42]
انظر: عمر سليمان الأشقر، العقيدة في الله، ط5 (الكويت: مكتبة
الفلاح، 1984)، ص256-261.
[43]
سورة المائدة: 4.
[44]
سورة آل عمران: 181.
[45]
سورة التوبة: 30.
[46]
انظر: محمد علي الزعبي، دقائق النفسية اليهودية (بيروت: د.ن،
1968)، وانظر أيضاً: بولس حنا سعد، همجية التعاليم الصهيونية
(بيروت: دار الكتاب العربي، 1969)، وتوفيق الواعي، اليهود: تاريخ
إفساد وانحلال ودمار (بيروت: دار ابن حزم، 1995).
[47]
مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج9، ق2(1)، ص41-50.
[48]
سورة المائدة: 70.
[49]
محمد الزعبي، مرجع سابق، ص75.
[50]
ظفر الإسلام خان، تاريخ فلسطين القديم 1220ق.م-1359م: منذ أول غزو
يهودي حتى آخر غزو صليبي، ط4 (بيروت: دار النفائس، 1984)، ص59.
[51]
سورة البقرة: 124.
[52]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص13-19، وص361-362، وج3، ص271-281.
[53]
حول تاريخ فلسطين القديم وبني إسرائيل في فلسطين، انظر مثلاً: ظفر
الإسلام خان، مرجع سابق، ص35-124، والموسوعة الفلسطينية، ج1، ص37،
وص238، وج3، ص184-186، وص271-281، وج4، ص174.
[54]
انظر عبد الوهاب المسيري "يهود العالم" في دليل إسرائيل العام،
تحرير صبري حريس وأحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،
1996)، ص477-489.
[55]
حول يهود الخزر، انظر مثلاً: أسماء فاعور، فلسطين والمزاعم
اليهودية (بيروت: دار الأمة، 1995)، ص235-241.
[56]
ظفر الإسلام خان، مرجع سابق، ص98.
[57]
انظر المرجع نفسه، ص117-134.
[58]
حسان حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909،
ط2 (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1980)، ص82-84.
[59]
انظر: هند أمين البديري، أراضي فلسطين: بين مزاعم الصهيونية وحقائق
التاريخ (القاهرة: جامعة الدول العربية، 1998)، ص260-163؛ ومحمد
عزة دروزة، فلسطين وجهاد الفلسطينيين، (القاهرة: دار الكتاب
العربي، 1959)، ص11؛ وعبد العزيز محمد عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين
الحديث: 1831-1914 (بيروت: مكتبة المحتسب-المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، 1983)، ص62؛ ومحمد النحال، سياسة الانتداب البريطاني حول
أراضي فلسطين العربية، ط2 (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1981)،
ص87.
[60]
حول تفصيلات استيلاء اليهود على الأراضي في فلسطين 1917-1948 انظر:
هند البديري، مرجع سابق، خصوصاً الفصل الثالث ص143-277، والموسوعة
الفلسطينية، ج1، ص557-563، وج4، ص662.
[61]
انظر: غازي السعدي، من ملفات الإرهاب الصهيوني في فلسطين (2):
مجازر وممارسات 1936-1983 (عمان: دار الجليل، 1984)، وإبراهيم أبو
جابر "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية
الفلسطينية، ص427، وص457-459. والمركز الفلسطيني للإعلام، أخبار
يوم 29 مارس 2000
www.palestine-info.org.
[62]
استفاد الباحث من عدد من المراجع والتقارير المنشورة في الصحف
للوصول إلى الأرقام المشار إليها في الفقرة. انظر مثلاً: خالد عايد
"الوجود الاستيطاني في الأراضي المحتلة"، في دليل إسرائيل العام،
ص351-404، والموسوعة الفلسطينية، ج1، ص222-227.
[63]
انظر: خالد عايد "الوجود الاستيطاني في الأراضي المحتلة"، في دليل
إسرائيل العام، ص376-377.
[64]
عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ط9 (بيروت: المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، 1985)، ص41-42.
[65]
المرجع نفسه، ص43-67.
[66]
المرجع نفسه، ص49.
[67]
انظر" الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص180، وهند البديري، مرجع سابق،
ص187-237.
[68]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص561-562، وهند البديري، مرجع
سابق، ص239-248، وصالح أبو يصير، مرجع سابق، ص465-485.
[69]
انظر: هند البديري، مرجع سابق، ص249-259، ومحمد عرابي نخلة، تطور
المجتمع في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني 1920-1948 (الكويت:
ذات السلاسل، 1983)، ص144.
[70]
انظر نص الفتوى في: وثائق الحركة الفلسطينية 1918-1939: من أوراق
أكرم زعيتر، أعدتها للنشر بيان نويهض الحوت (بيروت: مؤسسة الدراسات
الفلسطينية، 1984)، ص381-391.
[71]
انظر: بيان الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين
1917-1948 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981)، ص294-296،
وعيسى السفري، فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، ط2 (القدس:
منشورات صلاح الدين، 1981)، ص230، ومحمد عزة دروزة، فلسطين وجهاد
الفلسطينيين، ص34-35، والموسوعة الفلسطينية، ج3، ص562.
[72]
تنشر الدراسات والصحف الكثير عن ممارسات الصهاينة ضد الأوقاف
الإسلامية. وما ذكر هنا، على سبيل المثال، نشر في جريدة الرأي
العام، الكويت، 22 إبريل 1986، والوطن، الكويت، 16 ديسمبر 1985،
واللواء، الأردن، 10 إبريل 1986. ولمزيد من التفصيلات حول الأوقاف
الإسلامية في الأراضي المحتلة سنة 1948 يمكن الرجوع إلى دراسة هامة
باللغة الإنجليزية، وهي:
Michael Dumper, Islam and
Israel: Muslim Endowments and the Jewish State (Washington:
Institute for Palestine Studies, 1994).
[73]
الرأي العام، 22 ديسمبر 1985.
[74]
انظر: رفيق النشتة، وإسماعيل ياغي، تاريخ مدينة القدس (عمان: دار
الكرمل، 1984)، ص94، وهنري كتن، فلسطين في ضوء الحق والعدل (بيروت:
1970)، ص45.
[75]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص522.
[76]
النتشة، مرجع سابق، ص157.
[77]
حول هذه الفترة عن تهويد القدس، انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3،
ص521-527، وإبراهيم أبو جابر وآخرون "قضية القدس ومستقبلها، "في
المدخل إلى القضية الفلسطينية (عمان: مركز دارسات الشرق الأوسط،
1997)، ص544-568. وجريدة الدستور، 18 يونيو 1997.
[78]
حول نسب الملكية في القدس، انظر: إبراهيم أبو جابر وآخرون، مرجع
سابق، ص541، وص557. ورفيق النتشة، مرجع سابق، ص98.
[79]
هناك الكثير من المصادر التي تحدثت عن عمليات تهويد منطقة الأقصى
والحفريات تحته والاعتداءات عليه، انظر حول الفقرتين السابقتين
مثلاً في: إبراهيم أبو جابر، مرجع سابق، ص564-568، والموسوعة
الفلسطينية، ج3، ص522-523، والأخبار اليومية، مثلاً في: جريدة
الخليج 13 فبراير 2000، و 27 يوليو 2000، و 9 سبتمبر 2000، و 8 و
17 يناير 2001، والمركز الإعلامي الفلسطيني (http:/www.palsetine-info.org)
بتواريخ 23 مارس 2000، و 2، 6 إبريل 2000.
[80]
غطت الجرائد اليومية تلك الأحداث، انظر الأخبار في الأيام التالية
للأحداث، مثلاً في: جريدتي الرأي والدستور.
[81]
حول القدس في الأمم المتحدة، انظر مثلاً: الموسوعة الفلسطينية، ج3،
ص548-553.
[82]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص362.
[83]
انظر بالتفصيل في المرجع نفسه، ج1، ص37، وج23، ص273-279، وج4،
ص174، كما سبقت الإشارة إلى كتاب تاريخ فلسطين القديم لظفر الإسلام
خان، والذي ينصح بقراءته حول هذا الموضوع.
[84]
الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص218-219، وص401-402.
[85]
المرجع نفسه، ج1، ص362-366، وج3، ص253. وحول تفصيلات القبائل
العربية في فلسطين انظر كتاب: مصطفى مراد الدباغ، القبائل العربية
وسلائلها في بلادنا فلسطين.
[86]
حسان حلاق، مرجع سابق، ص82-84.
[87]
لا تتفق معظم المصادر على أرقام دقيقة محددة حول أعداد السكان سنة
1918، وإن كانت الفروقات بينها بسيطة وغير ذات أهمية، وتقديرات
أعداد اليهود في مصادر تتراوح بين 7% إلى 10% من السكان، والأرقام
المشار إليها هي ما يراه الباحث أقرب إلى الصحة بناء على دراسة
مقارنة للعديد من المصادر.
انظر
مثلاً: النحال، مرجع سابق، ص87، ومحمد عزة دروزة، فلسطين وجهاد
الفلسطينيين، ص11. وانظر أيضاً: تقرير لجنة بالين
P.C. Palin
التي
شكلتها السلطات البريطانية للتحقيق في انتفاضة موسم النبي موسى
التي اندلعت 4-10 إبريل 1920 والمحفوظ في:
F.O.371/5121،
ص3.
[88]
انظر: محمود ميعاري "التركيب السكاني"، في دليل إسرائيل العام،
ص42.
[89]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص558.
[90]
المرجع نفسه، ج1، ص559-560.
[91]
Salman
Abu
Sitta,
Palestinian Right to Return (London: The Palestine Return
Centre, 1999),
p.16.
[92]
انظر: نشرة العودة، ع65، يوليو 1999، وكليفورد رايت، حقائق وأباطيل
في الصراع العربي الإسرائيلي، ترجمة عبد الله عريقات وعبد الله
عيَّاد، (عمان: دار الناصر، 1992)، ص36، وجريدة الأنباء (الكويت)،
3 فبراير 1986.
[93]
تخضع أعداد الفلسطينيين عادة لتقديرات، وليس للإحصائيات الدقيقة.
وهناك إحصائيات وتقديرات سنوية محددة للفلسطينيين في الكيان
الإسرائيلي مع ملاحظة أنهم يضمّون إليهم فلسطينيي منطقة القدس
الشرقية (لأن الكيان أعلن ضمها رسمياً إليه) وهم يقدرون بنحو 200
ألف، وقامت السلطة الفلسطينية بعمل إحصاء للسكان في الضفة والقطاع
سنة 1997 وهي عادة ما تضم سكان القدس الشرقية.
أما
إحصاءات فلسطينيي الخارج فأرقامها تقديرية بحسب اجتهادات الباحثين،
ويمكن الوصول إلى معرفة الأرقام التقديرية للفلسطينيين لكل عام من
خلال احتساب الزيادة السنوية لأعدادهم والتي يبلغ معدها 3.4%
تقريباً. انظر التفصيلات في الصفحات التالية.
[94]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص23-24.
[95]
المرجع نفسه، ص25.
[96]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص24، وص31.
[97]
المرجع نفسه، ص26، وانظر النص نفسه ونصوص أخرى لويتز في:
Nur Masalha, The
Expulsion of the Palestinians
(U.S.A.:
Institute for Palestine Studies, 1993), pp.131-2.
[98]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص26-29. وانظر: الموسوعة الفلسطينية، ج1،
ص585.
[99]
المرجع نفسه، ص32.
[100]
Abu
Sitta,
op.cit, p.27.
[101]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص429.
[102]
المرجع نفسه، ص427.
[103]
Abu
Sitta,
op.cit., p.16-24.
[104]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص15 نقلاً عن صحيفة صنداي تايمز
اللندنية، 15 يونيو 1967.
[105]
المرجع نفسه، ص85، نصّا شاحاك ودايان ذُكرا نقلاً عن جريدة
الجارديان (مانشستر)، 14 نوفمبر 1973.
[106]
المرجع نفسه، ص82.
[107]
المرجع نفسه، ص89.
[108]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص427، وص459.
[109]
انظر: إيليا زريق، "أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل" في دليل إسرائيل
العام، ص338.
[110]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص429.
[111]
المرجع نفسه، ص427.
[112]
انظر :إيليا زريق، "أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل" في دليل إسرائيل
العام، ص317-347. وكليفورد رايت، مرجع سابق، ص88.
[113]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص427.
[114]
أحمد يوسف، الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر: فلسطينيو 1948
(الولايات المتحدة: المؤسسة المتحدة للنشر والتوزيع)، ص8-9.
[115]
أحمد خليفة "الأحزاب السياسية" في دليل إسرائيل العام، ص172-174،
وإبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص442-447.
[116]
أحمد خليفة "الأحزاب السياسية" في دليل إسرائيل العام، ص174-176،
وإبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص448-449.
[117]
أحمد يوسف، مرجع سابق، ص24-25.
[118]
حول نتائج الانتخابات "الإسرائيلية" لسنة 1999 انظر مثلاً: إبراهيم
أبو جابر "الانتخابات الإسرائيلية: قراءة في اتجاهات التصويت
وعوامل النصر والخسارة"، مجلة فلسطين المسلمة، يوليو 1999.
[119]
أحمد يوسف، مرجع سابق، ص27-28.
[120]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص559-560، وجورج قصيفي، الرهان
الديمغرافي في فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1990)،
ص13.
[121]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص559.
[122]
Don
Peretz,
The West Bank: History, Politics, Society and Economy (Boulder:
West
View,
1986), p.80.
[123]
ديفيد جليمور، المطرودون، ترجمة شاكر إبراهيم (القاهرة: مدبولي،
1993)، ص141.
[124]
جريدة الأنباء، 3 فبراير 1986.
[125]
جريدة الاتحاد، الإمارات العربية المتحدة، 8 نوفمبر 1999. وتقديرات
السكان لسنة 2001 متوافقة تقريباً مع ما أعلنه حسن أبو لبدة رئيس
الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أنه في نهاية سبتمبر 2001 كان
عدد سكان الضفة مليونين و210 آلاف، وسكان القطاع مليوناً و120
ألفاً، انظر جريدة الخليج، 29 سبتمبر 2001.
[126]
تعد نسبة 3.4% هي نسبة الزيادة العامة المعتادة للشعب الفلسطيني،
وهي على أية حال نسبة تقريبية لعلها الأقرب للصواب ولكن لا بد من
الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعد أرقاماً متحفظة بالنسبة إلى قطاع
غزة بالذات والذي يعد من أكثر المناطق تزايداً للسكان في العالم
حيث ترتفع النسبة إلى نحو 4% سنوياً، ووفق تقديرات الزيادة بـ 4%
فإن عدد سكان القطاع في سنة 2001 هو 1.194.426، وفي 2003 يكون
1.291.891، وفي 2005 يكون 1.397.309، والله أعلم.
[127]
مها عبد الهادي، الأوضاع الاقتصادية والفرص المتاحة: الأوضاع
الاقتصادية والإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة (عمان: مركز
دراسات الشرق الأوسط، 1999)، ص14-16.
[128]
جريدة الخليج، 3 مارس 2000.
[129]
انظر: نبيل السهلي، "سكان الضفة والقطاع" في جريدة الشرق الأوسط،
14 أغسطس 1996.
[130]
انظر: جريدة الخليج، 10 مارس 2001، ومقال عبد الغني الشامي "تقرير
إحصائي فلسطيني رسمي" في العودة، سبتمبر 1998.
[131]
حول الأوضاع التعليمية في الضفة والقطاع، انظر: محمد حلاج، التربية
والتعليم الفلسطينيان في الأراضي المحتلة، وعبد الفتاح الجيوسي،
فلسطين المحتلة: الصمود والتحدي (عمان: دار الكرمل، 1988)، ص84-88،
وص103-106. وجريدة الرأي العام، الكويت، 14 يوليو 1986.
[132]
انظر: العودة، سبتمبر 1998، وجريدة الرأي العام، 15 يوليو 1986.
[133]
سمير يوسف، "الوضع الصحي في الضفة الغربية والقطاع كارثة حقيقية"،
في جريدة الدستور، 31 أكتوبر 1993.
[134]
الجيوسي، مرجع سابق، ص112-113.
[135]
جريدة الخليج، 17مايو 1998.
[136]
المرجع نفسه.
[137]
انظر مجلة المجتمع، ع1378، 30 نوفمبر 1999.
[138]
جريدة الخليج، 4 إبريل 2000.
[139]
مجلة المجتمع، ع1378، 3 نوفمبر 1999.
[140]
المرجع نفسه.
[141]
انظر مثلاً حول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: الكتيب الذي أعدته
مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
The Institute
for Palestine Studies, Palestinian
Refugees
in Lebanon (Beirut: IPS, 1999)
[142]
Ibid
[143]
Ibid
[144]
انظر مقال نبيل السهلي "اللاجئون الفلسطينيون في سوريا: حقائق
ديموغرافية"، في جريدة الاتحاد، 8 يناير 2000، ومجلة المجتمع،
ع1378، 30 نوفمبر 1999. وانظر حول اللاجئين: تيسير عمرو "مشكلة
اللاجئين والنازحين الفلسطينيين"، في المدخل إلى القضية
الفلسطينية، ص593-614.
[145]
حول التقديرات الكويتية للعدد، انظر: المجتمع، ع1378، 30 نوفمبر
1999.
[146]
انظر: مقابلة أسعد عبد الرحمن مع جريدة الخليج، 4 إبريل 2000.
[147]
انظر: العودة، 1 فبراير 1999، و 15 ديسمبر 1999، وجريدة الخليج، 9
ديسمبر 1999.
[148]
جريدة الخليج، 9 يناير 2000.
[149]
انظر مثلاً: السبيل (الأردن) 16 مايو 2000.
[150]
انظر مثلاً حول الإرهاب الصهيوني والتخلص من العرب في: الموسوعة
الفلسطينية، ج1، ص113-115، وص185-192.
[151]
انظر حول مذبحة دير ياسين في: المرجع نفسه، ج2، ص432-435.
[152]
حول قصص حياة البلبيسي والحاج إسماعيل وصالحية وغيرهم، انظر كتاب:
عاصم الجندي، دير ياسين.
[153]
الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص435.
[154]
انظر: جواد الحمد، المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني
1948-2000، ط3 (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 2000)، ص17.
[155]
المرجع نفسه، ص24.
[156]
المرجع نفسه، ص27-31
[157]
المرجع نفسه، ص83.
[158]
المرجع نفسه.
[159]
غازي السعدي، أحاديث الغزاة، ص63.
[160]
دليل إسرائيل العام، ص526.
[161]
www.passia.org/index-pfacts
[162]
غازي السعدي، أحاديث الغزاة، ص87.
[163]
جواد الحمد، المجازر الصهيونية، ص35-47.
[164]
انظر: صوت الشعب، 8 ديسمبر 1993، والأسواق (الأردن)، 25 مارس 1996.
[165]
جواد الحمد، المجازر الصهيونية، ص54.
[166]
المرجع نفسه، ص63-75.
[167]
انظر: صحف الرأي، والقدس العربي، والخليج، 25-29 سبتمبر 1999،
www.passia.org/index-pfacts
[168]
www.pnic.gov.ps
[169]
الخليج، 16 فبراير 2003.
[170]
تحدثت جميع وسائل الإعلام عما حدث في جنين ومخيمها، ونقلت تصريحات
لارسن، انظر مثلاً: الخليج، 19 إبريل 2002.
|