الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

المجاهدان القسّاميان الشهيدان مجدي أبو وردة وإبراهيم السراحنة

 

"فزنا ورب الكعبة"

 

الخليل ـ خاص

الحمد لله الذي جعل الشهادة كرامة لا تنقطع لأوليائه ومجاهديه وحملة دعوته وجعل الشهداء روحا تسري بجسد الأمة فتبعث فيه الحياة كلما وهن أو تراخى أمام الأعداء.

 

نعيش بين هذه السطور "مع شهيدين حاولنا أن نفصل بينهما في الكتابة، فلم نتمكن من ذلك، حيث أنك لا تستطيع الحديث عن "مجدي أبو وردة" دون الحديث عن "إبراهيم السراحنة" فقد كانا جسدين تخللتهما روح واحدة، في المسجد أو الحي أو المخيم تجدهما معاً، يفكران بذات الفكرة ويحلمان الحلم نفسه.. أما الفكرة فكانت تدور في فلك السؤال التالي: "متى نفوز بالشهادة" وأما الحلم فهو لحظة نيل الشهادة.

 

كان حديثهما يتركّز حول الشهداء وكراماتهم وجهادهم، وعندما انطلقت كتائب الشهيد عز الدين القسام ازدادت الأشواق للجهاد، حتى أن "مجدي" و"إبراهيم" كانا يخرجان إلى الجبال حول مخيم الفوار قرب الخليل على أمل أن يلتقوا مع مجاهد قسّامي مطارد يلتحقون معه بصفوف كتائب القسّام.

 

كان عمر مجدي لحظة استشهاده ثماني عشرة سنة ، عاشها ملتزماً مسجد المخيم، مصاحباً الشباب المسلم، عرف بنشاطه وذكائه.. انطلق مع الانتفاضة منذ يومها الأول ممسكا بحجارته ومقلاعه، في مواجهة الصهاينة الذين شردوا أهله من القرى والمدن إلى مخيمات اللجوء والشقاء..  كان يرقب بيانات حماس ليحفظ أيام التصعيد ويعد لكل يوم عدته، أمنيته الوحيدة كانت أن يلتقي أحد مجاهدي الكتائب ليضمه إلى صفوف كتائب القسّام، حتى أنه تعاهد مع أخيه " إبراهيم السراحنة إن وفق الله أحداً منهما "للعمل مع الكتائب أن يضم الآخر معه ليجاهدوا ويستشهدوا معاً، وتعاهدا أن يشفع من يستشهد أولا لأخيه، هكذا كانت حياتهما وتصوراتهما في زمن تعلق فيه غيرهم بالموسيقى والغناء وكرة القدم.. في زمن عاد فيه الإسلام غريباً كما بدأ غريباً.

 

كانت بداية انضمامهما لكتائب القسّام اثر استشهاد المهندس "يحيى عياش" وتعهد الكتائب بالثأر لمهندسها، وعبور حسن سلامة أسلاك القطاع نحو فلسطين المحتلة عام 1948 ومنها إلى الضفة الغربية، محملاً بحقائب تحمل للصهاينة الموت الزؤام، فتوجه إليهما المجاهد "محمد أبو وردة" أحد نشطاء الكتلة الإسلامية في معهد المعلمين في رام الله وكان يعرفهما جيدا، فكانت الموافقة الفورية.. وعندما التقيا المجاهد " حسن سلامة " فوجئ بحديثهما عن الجهاد وحبهما وعشقهما للشهادة، وأخبراه أن هذا اليوم هو أسعد أيام حياتهما بل إنهما غير مصدقين أنهما يجلسان مع أحد القسّاميين المطاردين.. وعندما طلب منهما العودة إلى المخيم لوداع الأهل دون أن يشعروا أحداً بالأمر رفضا في البداية وقالا: لا نخاف ألا نلتقي فتضيع الفرصة.. وأخيرا وافقا على الذهاب ليوم واحد.

 

يقول المجاهد "حسن سلامة" وجدت نفسي صغيرا أمام هذه المعنويات العالية ولدى لقائنا في الموعد المحدد فوجئت أنهما ينتظران قبل موعد اللقاء بساعات وكانا في غاية القلق والخوف من عدم قدومي، وانتقلنا قبل العملية بثلاثة أيام لأحد المنازل بهدف الاطمئنان على احوالهما ومعنوياتهما والحديث عن دور ومهمة كل منهما، غير أن مجدي وإبراهيم كانا فرحين جداً بالمهمة، تبدو السعادة على وجوههما، وكانت هذه الأيام أجمل أيام قضياها صياما وقياما وتلاوة وأحاديث لا تنقطع عن الشهداء والشهادة، والعمل الجهادي، كأنهما في نزهة جميلة ينتظران الانتقال إلى رحلة أبعد وأجمل لا تصدق أبدا حين ترى فرحتهما أنهما بعد ساعات سينفذان أصعب وأشرف مهمة بتفجير أجسادهما شظايا في وجه الغاصبين، وكانا طوال هذه الأيام يحتضنان السلاح كأنما يعشقانه ويودعانه قبل وداع الحياة الدنيا وكأنما يرددان قول الشاعر :

 

قل لمن يحسب أن أمة                أنكرت أمجاد سعد والوليد

نحن شعب لم يعد يخشى         الردى أو يبالي برصاص أو حديد

كلما أطفئ منا قبس                  أشرق القرآن بالفجر الجديد

قد رجعنا راية زاحفة                      بعد أيام ضياع وشرود  

ونهضنا نحو آفاق العلى                     يسلم الراية جد لحفيد

إنها الجنة تبغي ثمنا                  عزا إلا من شرايين الشهيد

 

وتم وضع الترتيبات النهائية للعمليات وكانت مهمة مجدي الصعود إلى باص "رقم 8 " بملابس مدنية وتم إجراء تغييرات  في مظهره ليتناسب مع المهمة وتعريفه جيدا طبيعة الموقع والحقيبة التي يحملها، وكيف تعمل وعندما أخبره الإخوة بطريقة معينة للطوارئ يتمكن بواسطتها من الانسحاب بسلام وقت اللزوم، رفض الخطة ولم يتصور للحظة أن يعود من مهمته خائبا ولشدة خوفه من فشل المهمة كان يطلب كل ساعة التأكد من الحقيبة تعمل جيدا، وتم تصويره بشكله الأخير قبل العملية حاملا حقيبته ممتشقا سلاحه، يلقي وصيته وكلماته الأخيرة لإخوانه، فكانت كلماته نارية تخرج كالقذائف يحث إخوانه على الجهاد، وطلب المسامحة من الجميع، وانتقل إلى القدس المحتلة قبل العملية بيوم ليكون يوم الأحد 25/2/96 موعد العملية، وكم كانت جميلة ليلته الأخيرة حين ودع أخاه "حسن سلامة " معانقا وقال : " إياك أن تنتظرني فأنا أبدا لن أرجع ، بل أنا من سينتظرك" .

 

وانطلق صباح الأحد مع المجاهد " أيمن الرازم " إلى هدفه ولم يتركه إلا بعد أن اطمئن على رؤيته يصعد الحافلة بكل هدوء ، دون تردد أو انفعال، وكأنما أمضى حياته كلها بانتظار هذا اليوم، فكان صادقا مع الله، فلم يخذله قلبه في أشد لحظات يمكن أن تمر على إنسان يعلم أنه خلال دقائق سيتحول إلى شظايا وقطعا متناثرة، يجدد سيرة أنس بن النضر حين تغيب عن بدر فأقسم " لئن أشهدني الله موقعه مع رسوله ليرين الله ما أفعل" وفي أحد ثبت وقاتل حتى استشهد.. وأسفرت تلك العملية الاستشهادية عن مصرع أكثر من " 25 " صهيونياً وإصابة مئات آخرين غالبيتهم جنود..

 

في هذه اللحظات كان "إبراهيم" بصحبة المجاهد "أكرم القواسمي " يتجه نحو هدف العملية الثاني، وهو تجمع للجيش الصهيوني في عسقلان قرب السجن، مرتديا ملابس عسكرية، كانت كلماته الأخيرة في وصيته " السلام والتحية وطلب المسامحة من والدته التي لم ينتظر عودتها، متعجلا الشهادة كأنما يردد قول ذلك الصحابي الذي رمى تمرات كانت بيده، لم يطق أكلها قبل الشهادة مرددا " بخ .. بخ.

 

وكان موعد عملية إبراهيم بعد مجدي بساعة فودعه قائلاً : "نلتقي بعد ساعات في الجنة" وفي الطريق سمع أخبار السادسة والنصف تذيع نبا الانفجار الأول فطلب من أكرم أن يسرع قدر المستطاع لأن مجدي سبقه للجنة ويريد اللحاق بأخيه " واستجاب أكرم لطلبه وأوصله للمحطة المزدحمة بالجنود الصهاينة فاندفع " إبراهيم " ليقف بينهم ويفجر حقيبته، فتتطاير رؤوسهم العفنة وأشلائهم النجسة، وتحلق روحه الطاهرة لتعانق روح أخيه "مجدي" في علياء الخلد يرددان "فزنا ورب الكعبة" .

 

وهكذا كان الثأر وكانت البطولة وكانت الشهادة وتحققت أمنية مجدي وإبراهيم بالشهادة .. نسأل الله ألا يفتننا بعدهم ولا يحرمنا أجرهما ويرزقنا الثبات على طريق الحق ـ طريق الجهاد ـ وأن نسعد بلحظة يجتمع فيها جند الحق حول المسجد الأقصى وقد تحرر من رجس الصهاينة وقد علت رايات أحمد خفاقة من جديد .

وبقي أن نقول كلمة أخيرة ونحن نطالع سيرة هذين الشبلين وجمال اخلاقهما وشفافية روحيهما ونقاء قلوبهما ، كلمة قالتها الداعية المسلمة "صافيناز كاظم " حين سئلت من أحد الصحفيين ألا تظنين أن من يفجرون أنفسهم وسط اليهود هم أناس متوحشون وقساة؟"، فقالت : "إن هؤلاء الاستشهاديين هم أرق وأوفى الناس لأنهم عرفوا فساد اليهود وما تعانيه البشرية من كيدهم وتخريبهم، فقرر هؤلاء الشهداء أن يريحوا العالم من الصهاينة بالتضحية بأنفسهم فهم بذلك جعلوا موتهم الطاهر فداء للبشرية أجمع.

 

هؤلاء شهداؤنا وهذا دربهم وتلك ذكراهم ووصيتهم، فهل نكون على مستوى مثل هؤلاء أو على الأقل نتشبه بهم، علّنا نلقاهم في الجنان ونسمع قصتهم وحكاياهم بآذاننا.