|
المجاهد القسّامي الشهيد وليد
اعبيدو

اقتحم مركزاً لجيش الاحتلال بالقرب من الحرم الإبراهيمي
الشريف
الخليل ـ خاص
عندما دخلنا إلى منزل والد
الشهيد وليد اعبيدو طلبت منا والدة الشهيد أن لا نجلس على المقاعد بقوة لكي لا
تتبعثر الحجارة من تحت المقعد الخشبي.. جدران من الطوب المكشوف ونوافذ بدون زجاج
وسقف من الزينكو وأرضية مشققة من الباطون.. فتيات يافعات وأمّ
أرّق الفراق جفنها.. نصف كبدها تحت التراب والنصف الآخر
في غياهب السجون.. وقد لاحظنا أن عائلة الشهيد تستخدم فراشاً
أرضياً خارج الغرفتين لاستقبال
الضيوف..
هذا هو باختصار منزل
الاستشهادي وليد اعبيدو بعد أن هدمت سلطات الاحتلال منزله وشردت عائلته..
لقد أصبحت هناك حالة من
التعايش لدرجة الرضى بين المواطن الفلسطيني والألم والمعاناة حتى باتت المعاناة جزء
منه وأصبح هو جزءاً منها .
المولد والنشأة
ولد الشهيد القسّامي وليد
محمد حجازي عبيدو في حي الشعابة في مدينة الخليل يوم
26/8/1983م تلقى تعليمه في مدرسة الراشدين ولم يحالفه الحظ لإكمال دراسته حيث ترك
المدرسة في الصف الثامن وتوجه للعمل، وتؤكد والدته أنه أظهر
نبوغاً في هذا مجال العمل، فقد كان
يتقن الكثير من الأعمال بالرغم من أنه
كان يعمل سائقاً، وأتقن إلى
جانب هذه المهنة مهنة التنجيد والحلاقة ومهنة كهربائي سيارات وقد حصل على رخصة شحن
عمومي وكان يتقن كل عمل يقوم به.
وتقول والدته
"كان محبوباً ومميزاً وكثير المرح لا
تمل جلساته ولا يكره من قبل أحد،
وكان يناديني "فطوم"
وكثيراً ما يفتعل المواقف المضحكة حتى لا يراني حزينة أو غاضبة".
اعتداء وحشي على أحد
الحواجز الصهيونية
ويقول والده
"أبو نبيل"
لقد كان الشهيد يمارس حياته بشكل اعتيادي بالرغم من أنه
كان متديناً ويقرأ القرآن ويصلي باستمرار وقد تعرض قبل استشهاده بستة أشهر إلى حادث
لئيم من قبل جنود الاحتلال،
وقد كان وقتهاً يعمل سائقاً
على سيارة تابعة لمصنع الجبريني للألبان،
وعند خروجه من الشارع القريب من المصنع فوجئ بحاجز للجيش الصهيوني فطلب منه الجنود
أن يشارك في عملية سحب يا نصيب على مجموعة أوراق وضعت في كيس وقالوا له سوف تأخذ
نصيبك بحسب ما هو مكتوب على الورقة،
ولما سحب وليد الورقة وجد عبارة (كسر رأس) موجودة على الورقة
التي سحبها وكان جنود الاحتلال قد مارسوا هذه اللعبة على الفلسطينيين في بداية عام
2003 وخصوصاً على الحواجز وأصيب العشرات منهم بكسور في الأرجل والأيدي والرأس.
ويضيف "أبو
نبيل" أن جنود الحاجز
قاموا بضرب وليد ضرباً مبرحاً على الرأس ومختلف أنحاء
جسمه حتى فقد الوعي وظن الجنود أنه
توفي فقاموا بحمله في الجيب العسكري وساروا به من حي الشعابة حتى طريق بعيد ووعرة
شرق الخليل تسمى طريق البقر وألقوا
به على تلة من التراب، وعادوا
أدراجهم، وقد لاحظ بعض
الفلسطينيين الجيب العسكري وذهبوا لاستطلاع الأمر فوجدوا وليد بين الحياة والموت
فقاموا بقله إلى المستشفى
ومكث مدة طويلة تحت العلاج حتى استعاد عافيته..
يقول أبو نبيل بالرغم من
هذه الفترة الطويلة من العلاج إلاّ أن وليد كان
أصيب بحالة من الشرود والعصبية وكان كلما يتذكر ما فعل به
الجنود يقفز واقفاً ثم يغادر المنزل..
وبعد هذا الحادث أيضاً
لاحظنا أن وليد كان يكثر من الجلوس وحيداً ثم كان يطيل فترات التعبد والصلاة وقراءة
القرآن ثم فاجأنا بأنه ترك العمل في مصنع الجبريني وسلم
والده مفاتيح السيارة وأخبرهم أنه
لا يرغب بالعمل وسوف يتعلم الحلاقة في محل علاء الفاخوري
ويضيف
والده قائلاً: "كنا نعتقد
أنه ترك العمل بسبب حالته
النفسية وتركنا له الخيار خاصة وأنه
كان بارعاً في كل عمل يتعلمه،
وكنا مطمئنين عليه
لأنَّه لم يكن مطلوباً لقوات الاحتلال ولم يكن مطارداً ولم يعتقل من قبل وكان يبدو
عادياً جداً".
رؤيا
تقول والدته
إن الشهيد كان على علاقة حميمة
بالشهيدين القسّاميين حمزة القواسمة وطارق أبو اسنينة اللذين
نجحا بالدخول إلى جيب
استيطاني بالقرب من مستوطنة "خارصينا"
شرق الخليل وقتلا مستوطناً وجرحاً اثنين آخرين وتضيف أن
ابنها شارك في عزاء الشهيدين بقوة حتى اعتقد الناس
أنه من
الأقارب وكان ينقل المعزين في سيارته
بدون أجرة، وتقول والدته
سألته لماذا تفعل ذلك والدنيا برد شديد فقال لي انتم تعرفون ما هو أجر الذي يشارك
في الجنازة العادية فكيف إذا كانت الجنازة للشهيد.
وتضيف والدة الشهيد أن وليد
أخبرها أن حمزة القواسمة
وطارق أبو اسنينة حضرا إليه وهو نائم وقالا
له لماذا تأخرت عنا يا وليد إن
مقعدك عندنا لا يزال فارغاً..
وقد تكررت هذه الرؤيا مرتين
وفي المرة الثالثة حضر إليه رجل ذو لحية طويلة بيضاء ويلبس ملابس بيضاء وقال له لقد
تأخرت يا وليد هيا تعال معي وأخذ
بيده وسارا معاً..
وتقول والدة الشهيد عندما
قص الرؤيا علي قلت له لا تذهب يا بني.إلى طريقهما وربما كان الحلم لأنك لا تصلي بعض
الفروض فقال يا أمي إنني لا اترك فرضاً ولا سنة،
وقد قلت من خلال الرؤيا أن والدتي لا ترغب بالذهاب إليكم ولكنه أخذني معه.
وتقول لقد كنت انصحه
بالزواج فكان يقسم لي أنه سوف
يفعل لي ما هو أعظم من ذلك وأقسم
لي أنه سوف يدخلني الجنة،..
وبعد استشهاده ـ تضيف والدته
ـ رأيت في المنام أن عروساً جميلة جاءت
إلي وقالت لي أنا زوجة وليد لقد
أرسلني إليك حتى تريني ثم أخذتني إلى زاوية من قصر كبير وقالت هذا منزل وليد وقال
انظري وأشارت إلى وعاءين كبيرين أحدهما
مليء بفاكهة تشبه الجوز والأخرى بفاكهة تشبه الصنوبر ولكن حجمها كبير وقالت لا تعدي
لنا الطعام نحن يوجد لدينا الكثير من هذا وإن
صبرت ستنالين مثله، وغداً سوف
يأتيك وليد وفي الليلة التالية جاءني وليد في المنام وقال لي يا أمي هل رأيت عروسي
لقد أرسلتها لك لتشاهديها فقلت له نعم العروس .
وعن لحظاتها الأخيرة معه
تقول والدة الشهيد إن وليد
دعاها يوم الجمعة أي قبل استشهاده بيومين،
وقال لها أريدك أن تتناولي الطعام مع إخوتي وأخواتي. فقلت له لا أجد لي رغبة فقام
باستدعاء إخوته وأخواته وأعدّ
لهم الطعام وسهر معهم ثم ذهب ونام بجانب والدته وتقول أنها أعدت القهوة في الصباح
وجلست أمام البيت لتشرب وعندما استفاق من النوم خرج إليها وسألها مداعباً أين أنت
يا "فطوم"
هل يوجد أحد في الدنيا يترك
ضيفه ويخرج من المنزل وسألني على غير عادته ماذا سأطبخ هذا اليوم فقلت له ورق عنب
فقال سأتناول الغداء هنا في المنزل.
وعند الظهيرة حضر إلى
المنزل ووقف عند الباب وقال:
الله ما أجمل رائحة الطعام الذي تطبخينه يا أمي ثم توضأ ودخل في غرفته واخذ يصلي
ويقرأ القرآن لمدة تزيد عن ساعة وذهبت إليه وطلبت منه أن يتناول الغداء كما وعد
فتناول الطعام وقال لي يا أمي ماذا يفعل الأهل عندما يستشهد أبناءهم؟ فقلت له ماذا
جرى لك هذا اليوم، فقال إنني
أريد أن أذهب في رحلة مع
صديقي علاء الفاخوري، فقلت له لقد ذهبت في رحلات كثيرة وطلبت منه أن يؤجلها حتى
نخرج سوياً، فقال لقد اتفقت
مع علاء وانتهى الأمر، وقلت له هل معك نقود تكفي فقال معي خمسون شيكلاً وسوف
أستلف من علاء أن
أحتاج الأمر.
طلب من شقيقته أن
تعد
له كأساً من الشاي بالنعناع وملأ الكأس ثم خرج إلى والده،
ثم قال له والده "مالي أراك
"مشخص"
يعني تلبس هنداما جديداً؟"،
فقال أريد أن أخرج في رحلة مع علاء وكان يرتشف من كأس الشاي بهدوء وبعد ذلك سار
قليلاً ثم ودعني قائلاً "بخاطرك"
فقلت مع السلامة ثم كرر الكلمة بعد أن سار لعدة أمتار
أخرى وكررها للمرة الثالثة ثم وقف قليلاًُ،
وتقول أم نبيل لقد التقت عيني بعينه وهو ينظر إلي وإلى
والده وإلى البيت وعندما
شاهدني أنظر إليه رفع يديه
قائلاً "فطوم بخاطرك"
ثم ابتعد عن المنزل.
ولم يحضر وليد إلى المنزل
تلك الليلة وقد أخبرنا بعض الجيران أن
جنود الاحتلال قاموا باعتقال عدد من شبان حي الشعابة واعتقدنا أن وليد معهم،
وفي صباح اليوم التالي، يقول
أبو نبيل: ذهبت إلى نقطة
الجيش وسألت عن وليد إذا كان بين المعتقلين أم لا فقال الجندي إذا أخذه الجيش سيعود
إلى المنزل وطلب مني أن أغادر المنطقة.
ولما تأخر وليد شعرنا
بالقلق كثيراً وقد كنت في منزل أحد
الأقارب حيث حضر أحد الصحفيين
وأخبرني بأن الجيش الصهيوني
يقوم بحملة تفتيش في المنازل ونصحني بأن أعود للمنزل وعند عودتي لاحظت أن الجيش كان
يقف أمام منزلنا، فأمرني
الجنود أن أرفع يدي ففعلت
وقاموا بتفتيشي وقيدوا يدي وقال لي الضابط عددي أبناءك
فعددتهم وعندما وصلت إلى اسم وليد قال لي أين هو؟ فقلت
ذهب مع علاء الفاخوري في رحلة فقال لقد مات؟ لقد قتلته أنا؟ فقلت له إذا كنت قد
قتلته فهو شهيد عند الله. فقال هل قال لك هذا؟ فقلت القرآن
يقول هذا .
وقام باحتجازي أنا ومعظم
أفراد عائلتي في مركز التوقيف في مكتب الارتباط في الخليل وفي اليوم التالي تم
نقلنا إلى مركز التوقيف في "عتصيون"
وهناك أخضعونا للتحقيق والضرب والإهانات.
يقول
"أبو نبيل"
(67 عاماً) أنه
حدث المحقق عن القصة المؤلمة التي حدثت مع ابنه على الحاجز وقال له
"كيف يحدث هذا
الشاب لم يقترف جريمة،
وقال أيضاً أنتم من أوجدتم
بتصرفاتكم الحقد في قلوب أبنائنا ؟ ولكن المحقق رد عليه قائلاً
"إذا أنت أرسلته لينتقم؟ والله لأرينّك
نجوم الظهر" ويضيف "أبو نبيل قائلاً: "ثم
أخذ يكيل لي أقذع الشتائم
والسباب مما يندى له الجبين وقد أفرج عن الجميع وبقي ابني حازم رهن الاعتقال".
قصة الاستشهاد
يوم
8/6/2003 أعلنت الإذاعة الصهيونية في الساعة الثامنة مساء أن استشهاديين
فلسطينيين اقتحما تجمعاً
للجيش الصهيوني بالقرب من الحرم الإبراهيمي الشريف وقاماً بإطلاق النار باتجاه
الجنود الصهاينة وقد تم إصابة عدد من الجنود وقد استشهد
أحد المهاجمين فيما نجح الآخر في الانسحاب.
وبحسب روايات شهود العيان
فإن القوة العسكرية عندما شاهدت المهاجمين علاء الفاخوري ووليد اعبيدو هربوا من
المكان وطلبوا الإمدادات فحضرت قوات كبيرة إلى المكان واستعانوا بطائرة هليوكبتر
وقاموا بمحاصرة علاء الفاخوري حيث استشهد على الفور فيما انسحب وليد إلى بناية
لعائلة اسكافي ودارت هناك مواجهة مسلحة استمرت لعدة ساعات حيث استشهد وليد بعد أن
هدمت سلطات الاحتلال المنزل.
وبعد استشهاد وليد بستة
أشهر قامت قوات الاحتلال بهدم منزل العائلة والمكون من طابقين وتبلغ مساحته 288
متراً مربعاً وقد تم هدم المنزل على كافة محتوياته .
|