الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

( 1 )

مقالات حول عملية اغتيال

 الشيخ أحمد ياسين

مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"

وترجل شيخ الجهاد الفلسطيني

عادل أبو هاشم

مدير تحرير جريدة الحقائق- لندن

 

وترجل عنوان الجهاد والمقاومة...

ترجل عنوان كرامة هذه الأمة...

ترجل عنوان كرامة العرب والمسلمين... 

 

لقد ترجل شيخ الجهاد الفلسطيني المجاهد القائد الشيخ أحمد ياسين.. وهو الذي ما ترجل قط ولا استراح ولا استكان طوال حياته.

 

لقد ارتبط اسمه دومـًا بفلسطين... القضية والشعب والمقدسات والأرض، وأعطى القضية الفلسطينية شبابه وعمره وحياته.

 كانت حياته من أجل فلسطين.. ومن أجل القدس.. ومن أجل الأقصى.

 

شهيدنا الشيخ الجليل:

ليس من السهل أن يكتب المرء عن المجاهد المبارك الشيخ أحمد ياسين، فالرجل ليس شهيدًا وحسب، إنه أبرز رموز الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية.. الذي لم يفرط في شبر واحد من فلسطين.

فقد كان مثالا للإنسان المؤمن بربه ورسالته وقضيته.

فكل كتابة عنه ستكون ناقصة، لأن قضيته لم تكتمل بعد.

أن يستشهد القائد العظيم الشيخ أحمد ياسين فهذا أمر طبيعي.

فعندما اختار الشيخ ياسين طريق الجهاد فإنما قد اختار الشهادة.

وباختياره الشهادة.. اختار الحياة لأبناء شعبه وأمته.

 

لقد استشهد الشيخ ياسين في كل لحظة من لحظات حياته الطويلة جهادًا ونضالا، فسيرة جهاده ونضاله من أجل وطنه وشعبه وقضيته العادلة، كان الاستشهاد نهايتها الطبيعية، وسيرة جهاده هي في الواقع حياته العملية كلها.

 

لقد طلب الشيخ ياسين الاستشهاد لنفسه، وعمل له، وسعى إليه، لأنه آمن به وهو الذي كان يردد دائمـًا "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

 

آمن بأن العمل لفلسطين لا حدود له ، وأن فجر النصر آت لا محالة رغم الظلام الحالك الذي يلف الأمة ، وأن الدم والمشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من بعيد ، وأن هناك طريقـًا آخر غير طريق الخنوع والاستسلام، أو القبول بالفتات أو انـتظار ما يسمح به العدو الإسرائيلي بالتـنازل عنه ألا وهو طريق الجهاد والاستشهاد .

 

لقد آمن الشيخ ياسين وأن مقاومة المحتل لا تتحمل المواقف الوسط، ولا المهادنة، ولا التأجيل، ولا الاستراحة، وأن الطريق إلى فلسطين يمر من فوهة البندقية.

 

وباستشهاده ينهي الشيخ ياسين سنوات حافلة من الجهاد والنضال والاعتقال.

 

من الصعب أن أرثي الشهيد الشيخ أحمد ياسين بالكلمة، ومن الصعب أن أرثيه بالدمع الساخن لأن مآقينا جفت منذ عشرات السنين.

 

جفت مآقينا منذ أن وطأت أول قدم صهيونية أرض وطننا الحبيب.

 

جفت مآقينا منذ أن سقط أول شهيد فلسطيني برصاص العدو الصهيوني.

 

فلن نرث بعد اليوم شهدائنا، بل سنثأر لهم من قتلتهم، من عدونا الأبدي والأزلي، سارق أرضنا وأحلام طفولتـنا.

 

ستبقى كل كتابة عن الشيخ ياسين ناقصة، لأن قضيته هي قضية الشعب الفلسطيني كله، هي قضية الجيل الذي يصنع المسيرة، وهي قضية لم تكتمل بعد.

خسارتـنا كبيرة..

لكن عزاءنا أن الشهيد نال طلبه من الله عز وجل أن يكتبه شهيدًا..

وقد نال هذه الشهادة.

 

وسيشكل دم الشيخ ياسين الطاهر وقودًا جديدًا للمقاومة لا ينضب ولا ينـتهي، ورافعة للشعب الفلسطيني المجاهد وكفاحه الطويل.

 

وسيكون هذا الدم نورًا ونارًا:

نورًا ينير الدرب إلى فلسطين..

ونارًا ولعنة على الصهاينة المحتلين..

وسيشكل استشهاد الشيخ ياسين عنوانـًا لمرحلة جديدة في مقاومة العدو الصهيوني، فقد أثبت التاريخ أن المقاومة تستمد من دماء الشهداء روحـًا جديدة.

 

أيها الشيخ الجليل:

وأنت اليوم في السماء تتهادى إلى سمعك صيحات الحق تدوي في كل فلسطين.. من المجاهدين أطفالا ونساءً وشيوخـًا تعلن من جديد عن الجهاد والنضال.. ذلك الذي غرزته في أعماقهم، وأشربته أبناءهم فروته دماءهم..

أيها الرجل الرجل... يا ضمير الأمة ونسيجها الطاهر.

أيها القائد والأب والأخ والرمز والإنسان.

اليوم عرسك في جنة الرحمن.

في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

كم كنت عظيمـًا في حياتك... وكم كنت عظيمـًا في مماتك.

كنت بالأمس تقود المجاهدين الأحياء من الرجال.. واليوم تقود الأبرار من الشهداء.. وحسن أولئك رفيقـًا.

أحزاننا عليك كبيرة... وكل المآقي عليك مفتوحة... وكل القلوب عليك منفطرة.

فتحية لك يا شيخنا الجليل يوم ولدت.. وتحية لك يوم رحلت.. يوم انطلقت روحك إلى السماء.

وتحية لك يوم تبعث حيا

اليوم يستقبلك الشهداء ممن سبقوك

فالشهادة حق لا يناله إلا الأبرار، وأن العهد سيظل دائمـًا عهد الصادقين على دربك.. درب المجاهدين من أجل فلسطين.

فنم قرير العين.. فقد أديت واجبك نحو ربك ودينك وقضيتك.

 

وإنا لله وإنا إليه راجعون

 

 

************************

 

 

رحل جسدا وبقي مثلا

محمد أبو عزة

 

خصصوا قمراً صناعياً لمراقبة بيته في الأربع والعشرين ساعة...

 

وجندوا فصيلة من العملاء للاطلاع على عاداته ونوع طعامه وأسماء زواره ومكان نومه وأصناف الأدوية التي يستعين بها للتقوّي على طاعة الله ....

 

وأقاموا غرفة عمليات سرية لاختيار الزمان والمكان بدقة، لكي لا يفشلوا كما فشلوا في أيلول الماضي.

 

وانتقوا طائرة حديثة، شحّموها وجهّزوا صواريخها، واختاروا قوادها..

 

وزيادة في "الحرص" و"الحَيطة"، ركب الجنرال شارون تلك الطائرة، ليشاهد بأم عينه كيف سيتمزق جسد الشيخ الجليل..

ولو أن أحداً رأى استعداداتهم وتجهيزاتهم لاعتقد  أن جنرالات الكيان الصهيوني يستعدون لاحتلال بلد عربي، تماما كما فعل هتلر حين كان يستعد لاحتلال النمسا.

 

ولم يكن عدوهم غير شيخ مقعد، لا يستطيع أن يحرك يدا أو قدما..

 

وكان الشيخ فوق عربته المتواضعة، يدفعه أولاده وبعض المجاهدين الذين لا يقلّون عنده معزة عن أولاده .

 

وكان هناك بعض الذين تشاركوا مع الشيخ في صلاة الفجر، من الجيران وأبناء الجيران.. لم يكن يركب عربة مجنزرة أو دبابة، ولم يكن لديه أي متراس يحتمي وراءه، ولا قميصا من الزرد يرد الرصاص.

 

لقد كان يطلب الشهادة والموت في سبيل الله، بعد حياة حافلة بالجهاد لم يستسلم ولم يفرط ولم يتخاذل، بل ظل القائد والمعلم الميداني الذي تعلمت وأخذت عنه أجيال وأجيال، واقتبست من جذوته جذوه، ومن سجاياه سجايا.

 

ولقد ظن الصهاينة أنهم باغتيال الشيخ إنما يقتلون حامل العلم، وبمقتل حامل العلم يتفرق الجيش، وتتبدد حركة المقاومة بددا.

 

لم يدركوا أن حركة حماس ليست حركة أشخاص، وإنما حركة مؤسسات، فالأشخاص يغيبون، ولكن المؤسسات باقية، ولكن الشعب باقٍ، ظنوا أن صواريخهم سوف تصيب العقيدة والثوابت والمبادئ الأصيلة وبتغيب الشيخ يتحقق لشارون وجنرالاته الانتصار، ويحصلوا على الأمن الذي وعدوا به ولكن خاب أملهم.

 

لقد استطاعوا اغتيال الشيخ ولكنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا عليه الغياب، فلقد رحل جسدا ليبقى مثلا ورمزا وقدوة، وليصعد دمه ودماء الشهداء الذين ارتقوا معه راحلة الشهادة، إلى العلا..

 

رحيل الشيخ المجاهد، بل شيخ المجاهدين الفلسطينيين خسارة، سنفتقد برحيله العقل المعنى والروح المضيئ، والقلب المؤمن.. القلب الذي اتسع لاحتضان أبناء الشهداء والأسرى الذين فقدوا المعيل سواء أكان أبا ،أم ابنا، أم شقيقا، فيمسح دموعهم، ويكفكف أحزانهم، ويضعهم على الطريق الذي سار عليه الأعزاء الذين عبّدوا درب الشهادة .

 

ولكن ما يعزينا أنه نال الشهادة، وأعطونا اسم قعيد واحد في تاريخنا الإسلامي نال الشهادة، ومن دون أن تكون عنده قدرة بدنية على سلّ سيف الجهاد من غمده، وامتشاق البندقية، والتزنز بالزنار الناسف...

 

وما يعزينا أكثر أن تاريخ الثاني والعشرين من آذار سيكون له ما بعده، ما قبله شيء، وما بعده آخر ..

 

ما يعزينا هذه المسيرات الملايينية التي مشت في كل العواصم العربية، غاضبة هادرة ومزمجرة، كالأسود التي انطلقت لتبحث عن الحمر.

 

لقد اختار شارون وجنرالاته الهدف والزمان والمكان، لفرض الاستسلام المذل والانتحار الذاتي على الفلسطينيين والعرب، ومواصلة نشر اليتم والثكل والدمار..

 

وتصوروا أن هذه الجريمة ستكون مجرد جرح كبير في الجسد الفلسطيني والروح الفلسطينية..

 

وقد قالت الجماهير في غزة وفلسطين والوطن العربي والعالم الإسلامي، كلمتها قالت أن دم الشهيد الجليل ليس ماء مباحا، يسفكه الصهاينة أو يسفحونه في أي زمان ومكان.

 

وأن اغتيال شيخ الشهداء والمقاومين لن يكون سطوراً باكية في صفحات معتمة في تاريخ الذبائح البشرية المطلولة الدماء..

 

إن ضريح الشهيد الكبير وأضرحة كل الشهداء، في كل مقابر الشهداء في فلسطين وأقطار الشتات ستظل مفتوحة كمحاكم دائمة الانعقاد، تحاكم وتصدر الأحكام، بل وتبرم الأحكام وتنفذها، لأن محكمة المقاومة أكبر من كل المحاكم، وأحكامها نافذة أكثر، وفي مقدمتها التصميم على ردع الغاصبين.

 

لقد مشى الوطن العربي كله تحت راية "لا إله إلا الله" الخضراء، وهذا معناه أن دم شهيدنا الكبير أيقظ النيام وهز الأسّرة وقلب الطاولات وخربط المعادلة المفروضة.

 

وهذا معناه أن دم الشهيد لم يذهب هدرا، إنه مثل حبة القمح التي تلقى في أثلام التربة، لتعطي –إذا تعهدنا ها بالري- طحيناً وخبزا للجياع، وحرية للمأ سورين..

 

ولقد عاهدت الأمة الله على أن تروي الروح المجاهدة التي غادرت عالمنا راضية مرضية..

والدم بالدم، والعين بالعين  ، فهذا يوم له ما بعده.

 

************************

 

 

 

اغتيال الشيخ ياسين يفتح الباب لاغتيال عرفات

 

شاكر الجوهري

صحيفة العرب اللندنية 23/3/2004

اغتيال الشيخ أحمد ياسين، يمكن أن يفتح الباب أمام احتمال اغتيال ياسر عرفات. ليس هذا ضرب من التخمين، وإنما هو حساب سياسي، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ما يحول دون إبعاد أو اغتيال الرئيس الفلسطينى حتى الآن هو الخشية من أمرين:

الأول: ردة الفعل الشعبية الواسعة المتوقعة على مثل هذا الحدث غير العادي.

الثاني: رفض الإدارة الأميركية لهذا الإغتيال، الذى من شأنه تخريب عملية التسوية السياسية من أساسها.

أما وأن شارون اتخذ، مع طاقمه الوزاري المصغر، قرار اغتيال مؤسس وقائد "حماس"، ومرشدها الروحي، فإن ردة الفعل الشعبية على اغتياله لن تكون أقل من ردة الفعل المتوقعة فى حال اغتيال عرفات.. كما أن اغتيال عرفات الآن قد لا يضيف جديداً نوعياً على ردة الفعل القائمة، وذلك فضلاً عن أن أزمة انتخابات الرئاسة الأميركية تجعل من الإعتراض الأميركي هامساً وباهتاً، وغير ذي جدوى.

فالرئيس الأميركى جورج بوش، الذى يستشعر مدى ضعفه فى مواجهة منافسه الديمقراطي جورج كيلي، ليس في وضع يسمح له بأدنى اعتراض على سياسات ومغامرات شارون، الذي بادر إلى استثمار العملية الإستشهادية الأخيرة فى أسدود، وتوظيفها من أجل تبرير اغتيال الشيخ ياسين، متجاهلاً حقيقة أن رد الفعل هذا لا يقارن مطلقاًَ بالفعل الذى أقدمت عليه "حماس" بالمشاركة مع كتائب شهداء الأقصى، فضلاً عن أن عملية أسدود هى عملية متواضعة من حيث عدد القتلى اليهود الذين سقطوا جراءها، مقارنة بعمليات استشهادية أخرى كانت أكثر مأساوية من حيث نتائجها.. لكنه التوقيت المناسب فى هذه المرة، خاصة وأن شارون بدأ التحضير له منذ وقت غير قصير، عبر إعلان مبادرة الإنسحاب من غزة، وما رافقها من تصعيد فى الوحشية الإسرائيلية، داخل القطاع بالذات، تحت شعار تخفيض سقف توقعات الفلسطينيين، وتفويت أي فرصة تؤدى إلى إظهار الإنسحاب من قطاع غزة باعتباره انتصاراً للمقاومة الفلسطينية من شأنه أن يذكي جذوتها كذلك في الضفة الغربية، لتصبح فى مستوى عنفوانها فى غزة..

إلى ذلك، فإن مزيداً من تيئيس الفلسطينيين يمكن أن يراهن عليه شارن لإطفاء جذوة المقاومة ككل، على نحو يبطل الأسباب الموضوعية التى دفعته إلى التسليم بعدم قدرته على هزيمة الشعب الفلسطيني، والإعتراف بعدم قدرته على مواصلة احتلال هذا الشعب، والإضطرار إلى التفكير فى تفصيل حل ما، يضمن له الإستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية، واحتواء أكبر قدر ممكن من مقاومة الفلسطينيين.

احتمال اغتيال عرفات أصبح وارداً إذن، وهو ما سيلعب دوراً بالغ الأهمية فى صياغة ردة فعل السلطة على حادث اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وعلى نحو يفترض معه التراجع عن جملة اجراءات بدأت تستعد السلطة لاتخاذها مؤخراً ضد مجموع الفصائل المقاومة ("حماس"، الجهاد الإسلامي، كتائب شهداء الأقصى)، مثّل التقرير السياسي غير المعلن، الذى أقره المجلس الثوري لحركة "فتح"، فى اجتماعه الأخير اواخر شباط/فبراير الماضي، مفصلاً بالغة الأهمية فيها، خاصة وأنه أعقبه الكشف عن الخطة الأمنية التى وضعها اللواء أمين الهندي مدير المخابرات العامة الفلسطينية.

لقد رفض التقرير السياسي للمجلس الثوري بوضوح بالغ "كافة العمليات ضد المدنيين سواءً أكانوا إسرائيليين أو فلسطينيين"، واعتبر "العمليات التفجيرية" ضارة بالكفاح المشروع للشعب الفلسطيني، وذلك فى إشارة للعمليات الإستشهادية، وأكد "ضرورة تعزيز سيادة القانون وحفظ النظام العام وإنهاء فوضى السلاح، والمليشيات أيا كانت تسمياتها ومسمياتها"، ودعا إلى "وحدانية السلاح الشرعي"، واعتبر أي مساس بهذه المبادئ "مساس بالهدف الوطنى وبالمستقبل".

وبناء على هذا التقرير، وضعت المخابرات العامة الفلسطينية الخطة الأمنية التى تقضي بأن تبدأ كل أجهزة السلطة حملة مشتركة تتمثل أول خطواتها بإصدار بيان "عن القوى الوطنية والإسلامية يدعو الشعب الفلسطيني إلى الوحدة وتغليب المصلحة العامة، وعدم خرق النظام والقانون، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، والحذر من الإنجرار إلى الفوضى والإقتتال الداخلي، ونبذ كل المجموعات والأفراد التى تتصرف بشكل منافي للدين والقوانين والمصلحة العامة"، مترافقاً مع إصدار إعلان آخر "يخصص للسائقين يدعوهم للإلتزام بأحكام قانون السير، ويدعوهم إلى تسوية أوضاعهم القانونية، والأوضاع القانونية لمركباتهم"، ثم تسيير الأجهزة الأمنية لدوريات فى الطرقات والشوارع بنفس النظام الذى كان معمول به سابقاً، بحيث تنتشر أجهزة الأمن فى الشوارع بحسب خطة لتقسيم المدينة (غزة) إلى قطاعات، وتكليف كل جهاز بالإنتشار فى قطاع معين، وتسيير الدوريات فيه، وبطلب من هذه الدوريات تقديم كل المساعدة لدوريات الشرطة التى تنتشر بهدف ضبط حركة السير وحركة المركبات على الشوارع، وتتصاعد الإجراءات الأمنية، وفقاً لهذه الخطة، على مدى خمسة أسابيع وصولاً إلى "توقيف الأشخاص الذين لا ينصاعون لقانون منع حمل السلاح فى المناطق العامة".

وتقول الخطة صراحة إنها "عبارة عن سلسلة من الإجراءات والتدابير الهادفة بشكل أساسي إلى استعادة قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على بسط النظام والقانون، ومنع انتشار الفوضى والإنزلاق نحو اقتتال داخلي، واستعادة قدرة الردع للأجهزة الأمنية الفلسطينية، كما أنها تمهد الأرض لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية بتنفيذ التزاماتها الأمنية"، وعلى نحو يهييء إلى "الانتقال بعدها إلى خطوات أخرى تنطبق باستحقاقات السلطة الوطنية الفلسطينية الأمنية وواجباتها بموجب الإتفاقيات المتوقعة وعملية السلام".

وتكشف الخطة عن أنها "ستنفذ بإشراف كامل من مجلس الأمن القومي الذي يرأسه السيد ياسر عرفات وبأوامر واضحة منه".

وفى ضوء ذاك، أبدى المراقبون تشاؤماً حيال إمكانية اندلاع مواجهات عسكرية أخرى بين مقاتلي "حماس" وأجهزة السلطة الأمنية فى قطاع غزة، خاصة وأن اشتباكات من هذا القبيل بدأت مع البدء فى تطبيق مهمات الأسبوع الأول للخطة الأمنية، متمثلة فى الإشتباكات التى وقعت بين دورية من الإستخبارات العسكرية، وعناصر من حركة "حماس".

مثل هذه الإشتباكات لم يعد متوقعاً تكرارها الآن فى ضوء اغتيال الشيخ أحمد ياسين، حتى وإن كانت السلطة، أو بعض أطرافها، وبعض الأطراف العربية، يرحب بنتائج الإقتحامات والإغتيالات الإسرائيلية لكوادر فى حركات المقاومة الفلسطينية، على نحو يمهد الأرض أمام استعادة السلطة لهيبتها، وتنفيذ مخططيها الأمني والسياسي، لا يفجر الأرض من تحت أقدامها، ويهدد مستقبل المشروع الوطنى الفلسطيني، كما هو حال اغتيال الشيخ ياسين، بما يؤشر إليه من تداعيات أكثر خطورة، قد تطال ياسر عرفات نفسه..!

والسلطة، وفقاً لمصادر قيادية فيها، تدرك الآن، أن التداعيات الأمنية التي ستترتب على اغتيال الشيخ ياسين، ستمثل مبررات وذرائع لشارون كى يؤجل، أو يلغى فكرة الإنسحاب من قطاع غزة، هذا إن كان مثل هذا القرار قد اتخذ فعلاً، ولم يكن مجرد تكتيك هدفه الأساس إعفاء الرئيس الأميركي من أي حرج يمكن أن يلحق به جراء تصعيد الوحشية الإسرائيلية.

وفى كل الأحوال، فإن أول ما يعنيه اغتيال مؤسس "حماس" وقائدها هو توقف تنفيذ الخطة الأمنية الفلسطينية فى قطاع غزة.. ذلك أن السلطة غير مؤهلة، ولا تستطيع أن تلاحق كوادر وعناصر حركة تغتال "إسرائيل" مؤسسها وقائدها، ذلك أن السلطة ستبدو فى مثل هذه الحالة تعمل فى خدمة "إسرائيل"، ويحركها شارون بواسطة الريموت كونترول.

ويجب أن نلتفت كذلك إلى أن توقيت اغتيال الشيخ ياسين متصل بإنجاز شوط كبير من بناء جدار العزل والنهب، الذى يزعم شارون أنه أمني..! وتلقى شارون لإشارات عديدة بعضها عربي، برفض تولى "حماس" السلطة الفعلية فى قطاع غزة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، وهو ما اعتبره ضوءاً أخضر يأذن له باغتيال الشيخ ياسين، بما يفقد "حماس" قائداً بمثل وزنه، هو الوحيد القادر على تأمين سيطرة "حماس" على غزة.

فها هو اغتيال الشيخ ياسين يبرز هدفاً آخر بالغ الأهمية للجدار، هو افساح المجال أمام شارون لارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر، بعد أن يكبل قدرة الفلسطينيين على الرد والإنتقام ومواصلة مقاومة الإحتلال.. ذلك أن شارون أدرك مبكراً أن ارتفاع وتيرة المقاومة داخل قطاع غزة المسيج منذ زمن بالأطواق الأمنية الإسرائيلية المتعددة، كان يقابله قدرة مقاومي واستشهاديي الضفة الغربية على تجاوز الخط الأخضر باتجاه الخاصرة الإسرائيلية بالغة الرخاوة فى هذه المدينة أو تلك، وانزال ضربات موجعة بالمدنيين الإسرائيليين من خلال العمليات الإستشهادية، التى أوشكت أن تحقق توازناً فى الردع، وهو ما اضطر شارون إلى المناورة عبر إعلان مبادرات سلمية كان أهم أهدافها إلهاء العالم العربي، بل العالم كله عن الأخطار الحقيقية الكامنة فى مشروع الجدار.

والآن، إذا كان اغتيال قائد "حماس" من شأنه أن يصعد المواجهة بين الشعب الفلسطيني، الذى يحظى بتعاطف الرأى العام العربي، الذي لم يعد يحتمل المزيد من الإحتقان الذي يؤهله للإنفجار، فكيف يمكن للنظام العربي أن يقر الإصلاحات الديمقراطية التى أدرجتها الإدارة الأميركية على جدول أعمال قمة تونس، دون تفكيك القنبلة الفلسطينية شديدة الإنفجار أولاً..؟!

لا جدال أن واشنطن تدرك حقيقة التناقض بين مطالبها من النظام العربي وتواطئها مع "إسرائيل" إلى حد يدعو للتساؤل حول مدى جدية أميركا فى دمقرطة المنطقة، وما إذا كانت تختلق، بهذه المبادرة، مجرد ذرائع هدفها الحقيقي تبرير تخليها عن النظام العربي الحليف، ما دام غير قادر على اعتماد الديمقراطية، كما هو غير قادر كذلك على وقف مقاومة مواطنيه للإحتلالين الإسرائيلي فى فلسطين، والأميركي فى العراق، ما دام جورج بوش قرر من جانب واحد أن وقف المقاومة يتأتى فقط من خلال الديمقراطية، مفترضاً أن الشعوب العربية تطمح إلى استبدال انظمتها السياسية بالإحتلال..!

ليس هناك ما يثير الشكوك فى النوايا الأميركية أكثر من ردة الفعل الأميركية الأولية على اغتيال الشيخ المقعد أحمد ياسين، الذى ليس فيه ما يتحرك غير عيناه، وهو على كرسيه المتحرك عائد من صلاة الفجر.. فلم يجد الناطقون الأميركيون ما يقولونه بمناسبة بشعة من هذا الطراز سوى الدعوة إلى ضبط النفس، وهم أنفسهم الذين أثاروا العالم كله، حين ألقى مقاتلو جبهة التحرير الفلسطينية اليهودي الأميركي المقعد هوليون كلينغوفر من على ظهر السفينة اكيلو لاورو عام 1986، بتصرف فردي منهم، ودون تعليمات قيادية، واعتقلوا لهذا السبب محمد عباس (أبو العباس) أمين عام الجبهة المذكورة عام 2003 فى بغداد، الذى برأه القضاء الإيطالي من هذه القضية فى حينه، وأبقوه معتقلاً لديهم حتى مات فى ظروف غامضة لم تتكشف تفاصيلها حتى الآن..!

ازدواجية المكاييل الأميركية لا تكشف فقط عن ازدواجية فى المعايير، لكنها تهدد كذلك أمن واستقرار المنطقة والعالم بأشد الأخطار، خلافاً لما تزعمه واشنطن من حرصها على استقرار العالم أجمع.

والأيام المقبلة تبدو حبلى بكل خطير..!

 

************************

 

 

الشهيد أحمد ياسين

 

راكان المجالي

صحيفة الدستور الأردنية 23/3/2004

هذا يوم له ما بعده، يوم تعم فيه الصدمة والذهول العالم أجمع، Ãما في الوطن العربي والعالم الاسلامي فÅن الفاجعة خيمت على كل بيت وهزت كل القلوب، Åنه فجر Ãسود دام سيفتح Ãبواب الجحيم على "Åسرائيل" وسيؤجج الصراع في المنطقة، وطبقاð لعقلية شارون الاجرامية العنصرية فÅن مقتل الشهيد الشيخ Ãحمد ياسين سيحقق هدفه باغتيال عملية السلام في فلسطين والمنطقة، ولكن فاته بالتأكيد حتمية Ãن يدفع حياته ثمناð لهذه الجريمة، وفاته Ãن سعيه لتوسيع الصراع وتعميق الجراح وÅلغاء كل الخطوط الحمراء سيعني الوصول الى قادة ورموز "Åسرائيل" ãä ßÈÇÑ ÇáÅرهابيين الذين ينتشون بارتكاب الجرائم..

وشارون اعتقد وهو يتبجح بانتصار الجيش الإسرائيلي المدجح بأعلى درجات القوة ضد شيخ مشلول لا يملك إلا الكلمة إنه بذلك سوف يثير الرعب والذعر في قلوب كل القيادات السياسية في فلسطين، واعتقد أنه قادر على إخافة الشعب الفلسطيني وردعه وتحطيم إرادته لكن ما حدث أمس يؤكد أن الشعب الفلسطيني تحول أمس الى كتلة لهب سوف تحرق المعتدين المحتلين..

وإذا كان شارون يتعمد بأن يظهر بصورة المتطرف الأهوج والإرهابي المجنون المتعطش لدم الابرياء فإن صورة الوحش الأعمى لم تعد تخيف الشعب الفلسطيني، ولم يعد هنالك مجال لحساب ماذا يمكن أن يفعل شارون أو السؤال عما سيرتكبه من جرائم، فالذي قتل الشيخ ياسين لا يتورع عن ارتكاب أية جريمة أخرى، وهو يضع الشعب الفلسطيني أمام تحد مصيري بالانتصار على هذه العقلية، وافهامه وافهام العالم بأن الاحتكام للقوة يعطي للشعب الفلسطيني الحق في الرد بكل السبل وجميع الوسائل..

ولم يخف شارون موقفه بعد جريمته أمس فهو يريد اغتيال عملية السلام من خلال اغتياله للشيخ ياسين، وهو يضعف كل القوى المعتدلة المؤمنة بالسلام بل إنه يريد أن يحرجهم ليخرجهم من حالة التوازن والرهان على السلام..

وعلى مستوى المشاعر يمكن التأكيد على أنه لا توجد كلمات يمكن أن تعبر عن الفاجعة، لكن على مستوى التفكير يمكن الاستنتاج بأن دم الشيخ ياسين قد وحد قلوب الشعب الفلسطيني فكلهم اليوم أحمد ياسين وكل فلسطيني أصبح مشروع شهيد.. كما أن دم أحمد ياسين قد جمع كلمة العرب والمسلمين وأعاد للقضية الفلسطينية مكانتها لتعود قضية العرب الأولى والمركزية..

 

************************

 

 

اليوم الشيخ ياسين.. وغداً.. .؟!

 

سمير عواد

صحيفة العرب اللندنية 23/3/2004

فور ورود نبأ إغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) سارعت خدمة شبيغل أونلاين لعرض مقابلة أجريت فى العام الماضى مع الشيخ الراحل عقب الإعلان عن مبادرة جنيف والتى تبنى الشيخ ياسين موقفاً معارضاً لها. فى هذه المقابلة سألته مراسلة مجلة (دير شبيغل) فى فلسطين، أنيتى غروسبراندت عن رأيه بأعمال التصفية المركزة ضد الكوادر الفلسطينية وما إذا يشعر أنه على القائمة كانت إجابة الشيخ: كلما قضى الإسرائيليون على قائد واحد منا ظهر عشرة مكانه.

كان من الأجدر على رئيس الوزراء الإسرائيلى والجنرال السابق آرييل شارون أن يقرأ عبارات الشيخ ياسين جيداً وفهم أبعادها. وقد اختار الوقت المناسب للتعبير عن موقفه تجاه السلام إذ أمر باغتيال الشيخ ياسين بعد يومين فقط على اجتماعه سراً فى مزرعته مع عبدالله الثانى ملك الأردن، وقبل أيام قليلة على انعقاد القمة العربية فى تونس. لكن شارون الذى يبغض وصفه بالبلدوزر، ارتكب خطأ فادحاً وصب الزيت على النار حين أمر بالقضاء على الشيخ ياسين.

ليست الجريمة مفاجأة لأحد حتى الشيخ ياسين نفسه كان يعرف أن يد الغدر طويلة وقد تناله فى أى وقت. إن اغتيال مؤسس حركة(حماس) لن يسهم بأى حال فى توفير الأمن للإسرائيليين والأغلب أن هذه الجريمة طبعت قبلة الموت على كافة جهود السلام لأن شارون قدم الدليل القاطع على أنه ليس رجل سلام فقد تلطخت يداه بما فيه الكفاية من دماء الفلسطينيين ووضع "إسرائيل" فى موقف صعب وخطير لأن السؤال ليس إذا بوسع (حماس) الانتقام لمقتل زعيمها الروحى أو نوعية الهدف المقبل، وإنما كيف ومتى تبدأ سلسلة العمليات الانتقامية وهل تقتصر على "إسرائيل" فقط.

لقد حملت قيادة (حماس) الولايات المتحدة الأمريكية جزءاً من المسئولية وقال متحدث باسم الحركة إن شارون لم يتجرأ على إصدار أمر لارتكاب هذه الجريمة البشعة لولا أنه حصل على موافقة من واشنطن. منذ أن زار شارون البيت الأبيض بعد وقت قصير على فوز الرئيس بوش نشأ تحالف ثنائي بين الرجلين وقد وصف بوش رئيس الوزراء الإسرائيلى بأنه رجل سلام.

وكان هجوم الحادى عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001 على الولايات المتحدة فرصة استغلها شارون لإعلان ما وصفه بالحرب المناهضة للإرهاب مستخدماً نفس الأسلوب الذى اتبعه الرئيس الأمريكى بوش ضد الطالبان و(القاعدة)، وشرعت "إسرائيل" بممارسة التصفية الجسدية لكوادر فلسطينية بداعي الحرب الوقائية التى من شأنها ردع خصوم الدولة العبرية. ولم تصدر عن المجتمع الدولى إدانة واضحة لعمليات الإعدام التى تمارسها "إسرائيل" ضاربة بعرض الحائط ميثاق حقوق الإنسان وحق الشعوب العيش فى أمان. وحافظت "إسرائيل" على سمعتها ككيان يرفض الإذعان لقرارات مجلس الأمن الدولى وتبقى قوتها الوحيدة أنها مسلحة بمائتي رأس نووية وبتعاضد الولايات المتحدة الأمريكية.

إن اغتيال الشيخ ياسين لن يوفر الأمن للإسرائيليين، بل على العكس، متى وأين سوف تنفجر أجساد الفلسطينيين الشبان داخل الحافلات والمطاعم والمراقص وأماكن تجمع الإسرائيليين؟ وحين يحصل نزيف دم جديد، لمن سوف توجه أصابع الاتهام؟

إن شارون الذى نشأ وهو يقاتل الفلسطينيين ولا يعرف غير لغة العنف، لا يملك تصورات سياسية وبعد هذه الجريمة البشعة أصبح من الصعب على رئيس الوزراء الفلسطينى أحمد قريع الحديث قريباً مع رئيس وزراء جعل قتل الفلسطينيين من أولويات سياسته الدنيئة. إن هذا لم يكن ليحصل لو أن العالم خاصة الغرب اهتم فعلاً بالبحث عن حل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي وضغط على شارون كى يأخذ الفلسطينيين على محمل الجد ويتفاوض معهم لأنه سيان عند الفلسطينيين من هو الإسرائيلى الذي يوقع معهم على اتفاقية سلام.

جريمة يوم الاثنين عرت شارون وسقطت منه حتى ورقة التوت ولن يكون بعد اليوم جديراً بالحديث أو التفاوض معه حتى ينتخب الإسرائيليون بديلاً له. ومتى يأتى دور عرفات إذ ليس هناك محرمات فى سياسة التصفية الإسرائيلية التى ينبغى محاسبة المسئولين عنها أمام محكمة جرائم الحرب فى لاهاي.

لقد ارتكب الناخبون فى "إسرائيل" خطأ فادحاً حين انتخبوا شارون وحين أعادوا انتخابه والذين أيدوه ينبغى أن يسألوا أنفسهم اليوم إذا الوضع الأمني بعد اغتيال الشيخ ياسين تحسن أم أن العرق يتصبب من جباههم.

 

************************

 

 

اغتيال الشيخ ياسين: خط فاصل

 

 بسام ضو

صحيفة الوطن القطرية 23/3/2004

جريمة اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين التي ارتكبها «شارون» وكيان الاحتلال الإسرائيلي كله، رسمت بلا شك خطاً فاصلاً في تاريخ المواجهة بين الشعب الفلسطيني والعدو المحتل، فما بعدها سيكون جديداً نوعياً في كل شيء، على مستوى المواقف والأساليب، وسيترك آثاره الكبيرة على الساحتين العربية والدولية، وليس على الساحة الفلسطينية فقط.

أبرز معالم هذه المرحلة المتوقعة يمكن تلخيصها بالنقاط الآتية:

1 - إنطلاق الشعب الفلسطيني في انتفاضة جديدة أكثر عمقاً، وأوسع نطاقاً، بحيث تكون الانتفاضة الثالثة بعد انتفاضة 1987، وانتفاضة 2000.

2 - ازدياد زخم العمليات الفدائية والاستشهادية، رداً على جرائم الاحتلال، ورداً على الطروحات الداعية إلى قبول تسوية مع كيان الاحتلال.

3 - الزلزال السياسي بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، سيهز ما تبقى من أعمدة السلطة الفلسطينية، وسيتعزز الاتجاه نحو المقاومة لدى كثير من قواعدها، إذ ما معنى الحديث عن مفاوضات منتظرة، وعن تسوية سياسية، بعدما انكشفت خديعة بناء دولة فلسطينية، وبعدما أسقط شارون كل شيء ما عدا القتل والاستيطان؟

4 - سيضيق الوقت كثيراً أمام السلطة الفلسطينية كي تتخذ قراراً تاريخياً أبعد من مجرد استنكار الجريمة، فإما تتجه فعلياً نحو خيار التوحد مع الانتفاضة الجديدة الآتية، وإما ستبقى على الهامش.

5 - ستزداد موضوعياً العوامل السياسية التي تعمق التوحد بين الفصائل الفلسطينية التي تحمل السلاح بوجه الاحتلال الإسرائيلي، وسيؤدي ذلك حتما إلى بلورة آفاق سياسية وميدانية حديثة في الشارع الفلسطيني.

6 - الوضع العربي سيزداد انكشافاً وإحراجاً، فالعملية جاءت قبل عشرة أيام تقريبا من القمة المرتقبة في آخر هذا الشهر، فعلي أي مستوى سيكون الموقف؟ وكيف سيخاطبون الشارع العربي؟

7 - الولايات المتحدة التي ترعى شارون وكيان الاحتلال ستخلق التبريرات لهذه الجريمة النكراء لكن دول الاتحاد الأوروبي لن تستطيع مجاراة واشنطن في ذلك لأسباب تتعلق بردات الفعل المحتملة داخل الجاليات العربية والإسلامية في الدول الأوروبية ثم للتباين في النظرة إلى الوضع في الشرق الأوسط خصوصاً بعد اتساع مأزق الاحتلال الأميركي للعراق.

وبعد فإن جريمة اغتيال الشيخ ياسين، بما هو رمز تؤكد مجدداً أن كيان الاحتلال الإسرائيلي خائف على مستقبله رغم قوته، بينما الشعب الفلسطيني واثق من مستقبله رغم التحديات التي يواجهها.

 

************************

 

 

المقاومة لن تستكين.. بعد الشيخ ياسين

 

محمد مبارك جمعة

صحيفة أخبار الخليج البحرينية 23/3/2004

الفاجعة التي أصابت (شعوب) الأُمتيْن العربية والإسلامية باستشهاد الشيخ الجليل أحمد ياسين، إنما جاءت في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لأمثال هذا البطل المجاهد.. وفي زمن أصبحت فيه جِباه القيادات العربية والإسلامية ممهورة بالذل والمهانة ومُلطخة بعار الصمت المقيت.

ففي اللحظة التي مَزقت فيها الصواريخ جسد هذا الرجل المؤمن وهو عائد من صلاة الفجر، كان من يُحيطون بأرضه المغتصبة من زعماء العرب ينعمون بالنوم الهانئ داخل قصورهم المنيعة.

وفي اللحظة التي استُشهد وأُصيب فيها العشرات من أبناء الشعب الفلسطيني الأَبِي، كان خونة وعملاء الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" يحتفلون بالنصر الأمريكي في العراق، ويحتفلون بالديمقراطية الأمريكية الجديدة التي أعطت الضوء الأخضر وإشارة الأمان للصهاينة بارتكاب جريمتهم.

إن الشيخ أحمد ياسين الـمُقعَد، بجسمه الهزيل وصوته المبحوح وصحته المتدهورة، كان يُشكل خطراً كبيراً على الصهاينة القتلة في "إسرائيل" بسبب قوة إيمانه وحرصه على الموت دفاعاً عن قضية الإسلام والمسلمين.. أما قادة الدول العربية والإسلامية، بكل ما يَخزِنُونَه اليوم من جيوش وأسلحة وطائرات، فإنهم لا يُمثلون أدنى مشكلة أو أدنى هَم بالنسبة للكيان الإسرائيلي الذي يعلم أن هذه الجيوش لم تُوضع أصلاً من أجل قتاله وتدميره وإنما للدفاع عن كراسي الحكم ومن أجل قمع وتصفية الشعوب العربية التي تُعتبر العدو رقم واحد لقياداتها، وبالتالي فإن هذه الجيوش المتكدسة قد ساهمت وتُساهم بشكل أساسي في الدفاع عن مصالح "إسرائيل".

صحيح أن الشيخ الشهيد أحمد ياسين يُعتبر الأب الروحي لحركة المقاومة الإسلامية حماس ومؤسسها، إلا أننا واثقون من أن غيابه عن الحركة -بعد أن قام الآن بواجبه تجاه إسلامه وشعبه- لن يَحُط من عزائم المقاومين، ولن يُثَبط من إصرارهم على استهداف العدو الصهيوني في عقر داره.. لأن حماس ليست تستمد قوتها من شخص أو آخر.. أو من قيادي أو غيره -كما يظن مُجرم الحرب شارون ويظن غيره من الصهاينة الجبناء- وإنما تستمد قوتها من عدالة قضيتها، ومشروعية مقاومتها، ونصرة وإيمان وصبر جميع الشعب الفلسطيني المجاهد. وما الشيخ الشهيد أحمد ياسين إلا واحد من ملايين المخلصين للقدس ولفلسطين.

على صعيد رد فعل القيادات السياسية في الوطن العربي إزاء جريمة الاغتيال هذه، فإننا ننتظر أن تتلقى كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية وابلاً من قنابل التنديد والشجب والاستنكار (شديدة اللهجة) كي يكونا عبرة لغيرهما. أما الشعوب العربية والمسلمة فسوف تُعبر عن غضبها وعن صحوة ضميرها، وستتظاهر في مسيرات حاشدة معادية للولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، بينما ستُمارس جيوشنا العربية (العاطلة عن العمل) - كعادتها - مهمتها الطبيعية في الدفاع عن "إسرائيل" عن طريق قمع وكبت هذه المظاهرات والتنكيل بالمشاركين فيها حتى تتوقف ومن ثَم تتلاشى دول العالم الاسلامي.

 

************************

 

 

عرس فلسطيني

 

غازي الذيبة

صحيفة الوطن القطرية 23/3/2004

كأنه مقدر للفلسطيني أن يظل حاملاً جلجلته، وماضياً في طريق الآلام الى حيث الضوء إلى هناك.. حتى العلا، حافلاً بالشهادة وأعراس الأمل.

وكأن الشيخ الجليل أحمد ياسين، كان مترفقاً في حياته مثلما شهادته، التي أشعلت حياة أخرى في أرواح تسعة ملايين فلسطيني، ومائتين وخمسين مليون عربي ومليار وربع المليار مسلم.

وكأن تلك الصواريخ التي شقت جسده الطاهر، رفقة أجساد ثمانية، كانت تحيطه كهالة الضوء، تعرف أن مصائر البشر، لا يمكن أن يبيدها بارود أو نار، فالحياة تمتلىء بالروح وأحمد ياسين، الذي عاش مقعداً منذ صباه، وأشعل طرائق جديدة للانتفاضة، يمتلك طاقة حية على الاستمرار والمضي قدماً بمشروع الحرية الذي، وقف على بواباته بكل خلايا جسده وخلايا روحه، غير عاجز او مقعد.

ها صباح جديد أيها الفلسطينيون،، صباح من لحم ودم، صباح تكابد فيه حياة الشقاء من أجل الأمل، فتصعد فيها أرواح: عز الدين القسام ودلال المغربي وفرحان السعدي وايمان حجو ومحمد جمجوم وعطا الزير وعبدالقادر الحسيني وإبراهيم أبودية وعبدالرحيم محمود وخليل الوزير وصلاح خلف وأبوعلي اياد وأبوعلي مصطفى وجيفارا غزة ومحمد الدرة.. والشيخ أحمد ياسين.

ها صباح آخر، يلف بملاءة الضوء فلسطيناً جديدة،، فلسطينا تتجدد في التو واللحظة، لتشهق في سماواتها طيور الشهداء وعصافير الذين سيسقون أمهاتنا ماء الجنة، وشفاعات الذين سيقودوننا إلى انهار اللبن والعسل والحرية،، تلك الطلقة كهواء نبيل.. هواء لا يعرفه إلا الفلسطيني، ذاك الذي صار قيمة قبل أن يصير جسداً موزعاً بين ذرى التلال ورهافة السهول، الفلسطيني الذي يحتمي بالنبض ليبذر الأمل، وبالحياة ليمنح الحرية حقها في أن تكون وفي أن نكون، وبالوطن.. الذي سنسمي ابناءنا باسم شهدائه وشعرائه وزيتوناته وجميزاته، وسنسمي بناتنا باسماء جميلاته وشهيداته، الوطن.. الذي توضأ الشيخ أحمد ياسين من مائه فجراً وصلى على ترابه فجراً وأزهر دمه في جنباته فجراً.. أزهر ليعلمنا كيف تصبح الحياة بعد الشهادة، حياة، لا يطالها نازيو العصر ولا همجيو التاريخ ولا قتلة الرسل، حتى بالصواريخ.

 

************************

 

 

دم الشيخ ياسين لن يذهب هدراً بل سيكون ناراً ولعنة على

"إسرائيل" وحلفائها

فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي

«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا»

«الأحزاب: 23» صدق الله العظيم.

 

لقد ودعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وودعت فلسطين كلها: سلطة ومقاومة، بل ودعت الأمة العربية، والأمة الإسلامية: رجلاً من رجالاتها، والرجال قليل، إنه الشيخ أحمد ياسين، الذي عاش عمره للدعوة والجهاد، ونذر حياته للنضال من أجل تحرير وطنه من الاحتلال الصهيوني الغاشم. وأسس حركة "حماس" لتقوم بدورها في الجهاد، وقضى في السجن ما قضى من سنوات وهو صابر مرابط، لا يهن ولا يستكين، وكان قد حدد غايته بوضوح، وهي: ضرب الاحتلال ودحره بكل ما يمكن من قوة، وعدم الخروج بهذه العمليات عن دائرة فلسطين كلها، وتحريم توجيه السلاح إلى صدر فلسطيني. فالدم الفلسطيني حرام حرام حرام. وكان هذا الرجل القعيد الأشل يزلزل الكيان الصهيوني، ويرعب قادته العسكريين والسياسيين وهو جالس على كرسيه لا يستطيع أن يفارقه إلا بمعين.

 

إنّ رجولة الرجال لا تقاس بقوة أجسامها، بل بقوة إيمانها وفضائلها. وقد قال تعالى عن المنافقين: «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» «المنافقون: 4 »، وقال العرب في أمثالهم: ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل؟ إن استشهاد الشيخ أحمد ياسين بهذه الصورة المروعة، وهو خارج من مسجده بعد أداء صلاة الفجر، ومعه ثمانية آخرون استشهدوا، وآخرون جرحوا، إن هذا الحادث الجلل ليحمل إلينا وإلى الأمة دروسا يجب أن نعيها:

 

أولها: أنّ الرجل باستشهاده قد حقق أمنية كان يطلبها لنفسه من ربه، كما يطلبها كل مجاهد مخلص: أن تختم حياته بالشهادة، وهل هناك ختام أغلى وأعظم من هذا الختام؟

 

سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم آتني أفضل ما آتيت عبادك الصالحين! فقال له: إذن يعقر جوادك، ويراق دمك!

 

فهذا أفضل ما يؤتيه الله عباده الصالحين.

 

ولو كان أحمد ياسين ينشد السلامة، ويحرص على الحياة، لاستطاع أن يتجنب الصلاة في المساجد، ولا سيما صلاة الفجر، وأن يغيِّر مكانه من بيت إلى بيت، ولكنه أصرّ على أن يؤدي الصلوات في الجماعة، فجاء مقتله بعد أن أدى فرضه، وأرضى ربه، ولقيه متوضئاً مصلياً راكعاً ساجداً، راضياً مرضياً. وقد قال تعالى: «والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم. ويدخلهم الجنة عرفها لهم» «محمد: 6-4». وإنا لنتمنى وندعو ربنا أن يختم لنا بما ختمه لأحمد ياسين.

 

وثاني الدروس: أنّ موت أحمد ياسين لن يضعف من المقاومة، ولن يطفئ شعلتها، كما يتوهم شارون وعصابته في دولة الكيان الصهيوني، بل سيرون بأعينهم: أنّ النار ستزداد اشتعالاً، وأنّ أحمد ياسين ترك وراءه رجالاً، وأنّ كل الفصائل ستثأر لأحمد ياسين، وكلها توعدت إسرائيل: كتائب القسام، وسرايا القدس، وكتائب شهداء الأقصى، وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى، ومناضلو الجبهة الشعبية، وكل أبناء فلسطين: وحدتهم المحنة، ووقفوا صفاً واحداً ضد المجرمين السفاحين. إنّ دم الشيخ ياسين لن يذهب هدراً، بل سيكون ناراً ولعنة على إسرائيل، وحلفاء إسرائيل «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» «الشعراء: 227».

 

ولقد جربت إسرائيل القتل والاغتيال للقادة من قديم: جربته في لبنان (أبو يوسف النجار ورفاقه)، وجربته في تونس (أبو جهاد وأبو إياد)، وجربته في فلسطين: قتلت يحيى عياش، وفتحي الشقاقي، وأبو علي مصطفى، وصلاح شحادة، وإسماعيل أبو شنب، وغيرهم وغيرهم، فلم تتوقف المقاومة، ولم تسكن ريح الجهاد، بل حمي الوطيس أكثر مما كان.

 

وكيف لا وقد علمنا القرآن أنّ المسلم لا يقاتل من أجل شخص، ولو كان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يقاتل من أجل مبدأ ورسالة، ولهذا حين أشيع نبأ قتل الرسول الكريم في غزوة أحد، وفتّ ذلك في عضد كثير من المسلمين، نزل قول الله تعالى: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين» «آل عمران: 144». وضرب لهم مثلاً بما حدث لأصحاب الدعوات قبلهم «وكأين من نبي قاتل (وفي قراءة: قتل) معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين» «آل عمران: 146». إنّ الشعب الفلسطيني البطل شعب ولود، كلما فقد بطلاً، ولد بطلاً آخر، بل أبطالاً يخلفونه ويحملون رايته، ولن تسقط الراية أبداً، وما أصدق ما قاله الشاعر العربي قديماً:

 

إذا مات منا سيد قام سيد      قؤول لما قال الكرام فعول!

 

وثالث الدروس: أنّ إسرائيل قد طغت واستكبرت في الأرض بغير الحق، وأمست تقترف الجرائم البشعة كأنما تشرب الماء، فهي في كل صباح ومساء، تعيث في الأرض فساداً، وتهلك الحرث والنسل، تسفك الدماء، وتقتل الأبرياء، وتغتال النجباء، وتذبح الأطفال والنساء، وتدمر المنازل، وتجرّف المزارع، وتقتلع الأشجار، وتنتزع الأرض من أصحابها بالحديد والنار، وتقيم الجدار العازل على الأرض الفلسطينية عنوة، جهاراً نهاراً، وقد توجت جرائمها المستمرة بهذه الجريمة النكراء، أم الجرائم، اغتيال الرجل القعيد المتطهر المصلي بتخطيط من شارون وإشراف منه. فهي تجسد إرهاب الدولة بأجلى صوره. وهذا نذير ببداية النهاية للطغاة، فإنّ ساعتهم قد اقتربت، فإنّ الطغيان إذا تفاقم، والظلم إذا تعاظم: يسوق أصحابه إلى الهلاك وهم لا يشعرون

«فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين» «الأنعام: 45-44».

 

ورابع الدروس: أنّ أمريكا شريكة في المسؤولية عن هذه الجريمة وما سبقها من جرائم، فإسرائيل ترتكب مجازرها بسلاح أمريكا، ومال أمريكا، وتأييد أمريكا. وهي لا تقبل أن تؤدب إسرائيل، أو تدان أو توجه إليها كلمة لوم، وإلا فإنّ (الفيتو) الأمريكي بالمرصاد.

 

ولو كنت قاضياً يحكم في هذه الجريمة، ويحاكم القتلة والجناة فيها، لكان المتهم الأول عندي فيها هو الرئيس بوش. فهو المحرض الأول على الجريمة، وهو الذي أعطى المجرم السلاح، وهو الذي يعتبر المجرم القاتل مدافعا عن نفسه.

 

بوش هو الذي أفتى شارون وعصابته بأنّ "المقاومة الفلسطينية إرهابية" وفي مقدمتها "حماس" والجهاد، ومعنى أنها إرهابية: أنها تستحق القتل، وأن لا عقوبة على من قتل الإرهابيين. وهكذا قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي: إنّ أحمد ياسين كان ممن يستحق القتل.

 

هذا هو منطق أمريكا وإسرائيل، أو منطق بوش وشارون: أحمد ياسين إرهابي مجرم يستحق القتل، لأنه يدافع عن وطنه، عن أرضه وعرضه، عن منزله ومزرعته وشجرة زيتونه، عن حرماته ومقدساته. أما شارون القاتل السفاح، فهو ضحية مسكين، لا يمكنه الفلسطينيون الأشرار أن يلتهم كل ما يريد من أراضيهم.

 

وخامس الدروس: أن لا أمل فيما سموه "مسيرة السلام" و"مفاوضات السلام"، فإنّ كل راصد للأحداث بحياد وإنصاف يستيقن أنّ إسرائيل لا تريد سلاماً حقيقياً، سلاماً عادلاً شاملاً، يرد الحق إلى أهله، ويوقف كل امرئ عند حده. إنها لا تعترف إلا بمنطق القوة، ولا تفهم إلا لغة الحديد، ولا تتكلم إلا بلسان النار. وإنما تلهي الفلسطينيين والحكام العرب بهذه الوعود الكاذبة، والأماني الزائفة، والسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

 

لقد عرفنا بالممارسة والتجربة: أنّ ما أخذ بالقوة لا يرد إلا بالقوة، وأنّ الخيار الوحيد للفلسطينيين هو خيار المقاومة، والبديل عن المقاومة هو الاستسلام الخاضع لإسرائيل، ولا حد لأطماع إسرائيل. البديل للمقاومة هو الموت.

 

وسادس الدروس: إن على الفلسطينيين جميعاً أن يتحدوا: وطنيين وإسلاميين، سلطة ومقاومة، فإنّ عدوهم يضرب الجميع، ويتحدى الجميع، ولا تدري الضربة القادمة إلى من توجه؟ قد يكون الضحية القادمة عرفات، وقد يكون غيره من القادة، فليضع كل منهم يده في يد أخيه. وليكن شعارهم قول الله تعالى:

«إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص» «الصف: 4».

 

وسابع الدروس: إنّ على العرب أن يصحوا من سكرتهم، وأن يخرجوا من كهفهم الذي ناموا فيه طويلا، ليؤدوا ما عليهم نحو إخوانهم، بل نحو أنفسهم، فقضية فلسطين قضية الأمة كلها، للأسف الشديد، لم يعد الصراع عربياً- إسرائيلياً كما كان، بل أصبح فلسطينياً- إسرائيلياً، أما العرب فغائبون «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون» «الحجر: 72». دافع العرب عن فلسطين سنة 1948 وكانت الجامعة العربية وليدة عمرها ثلاث سنوات، مكونة من سبع دول، فلما قارب عمرها الستين، وزاد عددها على العشرين دولة، تخلت عن دورها، ونكصت على عقبها. وتركت الفلسطينيين وحدهم يقاومون بصدورهم وأيديهم أكثر ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط، مؤيدة بالإمكانات الهائلة القاتلة.

 

وثامن الدروس: يتعلق بالأمة الإسلامية حينما ارتفعت المآذن معلنة بالتهليل والتكبير: أنّ على الأمة الإسلامية واجباً نحو أرض الإسراء والمعراج، نحو القدس الشريف، ونحو المسجد الأقصى، الذي بارك حوله، إنّ الأقصى ليس ملك الفلسطينيين وحدهم، حتى يكلفوا بالدفاع عنه دون سائر الأمة.

 

لقد اغتصب المسجد الأقصى قديماً أيام الصليبيين، وبقي أسيراً في أيديهم نحو تسعين عاماً، وكان الذين هبوا لنجدته وتحريره من أجناس وألوان شتى من المسلمين: عماد الدين زنكي التركي، وابنه نور الدين محمود، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي الكردي، والظاهر بيبرس المملوكي، وغيرهم. والمسلمون "أمة واحدة" يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. وفرض عليهم أن يتضامنوا ويتلاحموا حتى يحرروا أرض الإسلام. ومقدسات الإسلام، ويدافعوا عن حرمات الإسلام.

 

وإنّ استشهاد الشيخ أحمد ياسين لهو نذير لهم: أن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا: وأن يُسْمِعوا صوتهم، واحتجاجهم بالبرقيات والمسيرات وصلاة الغائب. إننا ننادي العرب والمسلمين جميعاً: أن يقفوا بجانب إخوانهم في أرض النبوات، ويمدوهم بكل ما يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم وذراريهم، وما يقدرهم على العيش بالحد الأدنى، فحرام على العربي، وعلى المسلم: أن يأكل ملء بطنه، وينام ملء جفنه، وإخوانه لا يجدون ما يمسك الرمق. إن الصهاينة وحلفاءهم الأمريكيين أرادوا أن يجففوا كل المنابع التي تمدهم بالقليل من المال، وعلينا أن نفشل خططهم، ونحبط كيدهم، ونوصل إليهم ما يعينهم على البقاء والجهاد.

 

وتاسع الدروس وآخرها: يتصل بالأحرار والشرفاء في أنحاء العالم، هؤلاء الذين خرجوا بالملايين في مسيرات غاضبة من أجل الحرب على العراق، يتحدون أمريكا وحلفاءها، هؤلاء الشرفاء مطالبون بأن يعلنوا سخطهم على الجرائم الصهيونية الشنيعة، التي تصابح الفلسطينيين وتماسيهم، ولا تدع لهم زرعاً ولا ضرعاً، وآخرها اغتيال الشيخ القعيد على كرسيه بلا رحمة ولا شفقة.

 

كما ننادي المؤسسات والهيئات العالمية وعلى رأسها مجلس الأمن: أن يقوموا بواجبهم في فرض الشرعية الدولية على الصهاينة الذين يضربون عرض الحائط بكل بالأخلاق والأعراف والقيم والقوانين.

 

وختاما نقول للصهاينة: لقد ارتكبتم الفعلة التي لا يغفرها أحد لكم، وإن في ذلك لبشرى لنا، وتدميرا لكم، ورب ضارة نافعة. وعلى الباغي تدور الدوائر. وإن مع اليوم غدا، وإن غدا لناظره قريب. "وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، «وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد» «هود: 102».

 

 

************************

 

 

 

خلاصات عشر حول استشهاد الشيخ أحمد ياسين

 

 (مهدي أحمد صدقي الدجاني)

 

لا مراء أنّ الحدث جلل، وأنّ المصاب عظيم. ولا يملك المرء بعد أن يسترجع إلا أن يقف أمام الحدث مستلهما الحكم والخلاصات التي ينطق بها.

 

الخلاصة الأولى التي تبرز أمام الناظر في الحدث تتعلق بمفهوم الشهادة. فيا لعظمة الشهادة، تلك المنزلة التي ينعم الله بها على المصطفين من عباده. وبقدر ما يحزن المرء على خسارة إنسان له في القلوب منزلة عظيمة؛ بقدر ما يمتلئ المرء إجلالاً وتوقيراً لفكرة الاستشهاد ومعنى الشهيد الذي يرتقي في موكب رباني إلى دار البقاء، والذي يعوِّض الله فقدانه بشيوع رمزه وانتشار نموذجه.

 

وبقدر ما يشعر المرء بمعاناة أرض فلسطين لكثرة ما رأته من معاناة شعبها؛ بقدر ما يفخر المرء بكون هذه الأرض "المباركة" هي المحل الرئيسي لتجلي مفهوم الشهادة في عالمنا المعاصر. وها هي البركة تمتد لأرض الرافدين ولأراض أخرى في عالمنا.

 

الخلاصة الثانية تتعلق بالعلاقة بين استشهاد الشيخ وقوافل الشهداء الذين سبقته. فالمرء يشعر أنّ استشهاد الشيخ هو تتويج لاستشهاد العشرات الذين ارتقوا خلال هذا الشهر، والذين ناهز عددهم الثمانين شهيداً، بل وللمئات الذين ارتفعوا خلال انتفاضة الأقصى، وللآلاف من أبناء فلسطين بل وأبناء الأمة الذين سموا خلال المواجهة الممتدة مع المغتصب ومؤيديه. وكأنّ القدر يصرّ ألا ترتقي القافلة بدون قائدها، ويصرّ أن يتلاحم دم القيادة مع دم أبناء شعبها تتويجاً للتلاحم الذي جمع بينهما خلال مسيرتهما الممتدة.

 

الخلاصة الثالثة تتعلق بسجايا الشيخ كإنسان. فقد تحلى طيلة حياته بالزهد والوقار والدماثة والوجه الطلق المشرق والأدب الجم. وكان من يلقاه يذكر مجلسه بالخير. كما كان إنساناً مثقفاً واعياً بقضية شعبه وتاريخها وأسسها ويغلب على حديثه التكلم بالفصحى.  

 

الخلاصة الرابعة تتعلق بمكانة الشيخ ككقائد لفئة أساسية من فئات شعب فلسطين عبر مرحلة مفصلية من مراحل القضية. فبالنسبة لعلاقة هذه القيادة بالفئة التي تتزعمها؛ فقد شهدت مسيرتها أنها استطاعت أن تجمع حولها مؤيديها وأن تسيٍّر أمور التنظيم الذي أسسته بشكل سلس وأن تتجنب الانشقاقات الداخلية وأن تتعامل بحكمة مع الأجيال الوسيطة والشابة داخل التنظيم، بما انعكس بالإيجاب على مسيرة التنظيم نفسه.

 

وبالنسبة لعلاقتها بالفئات المناظرة؛ فقد حافظت تلك القيادة على قدر جيد من التنسيق مع قيادات الفئات الأخرى، كما سمحت لتنظيمها أن يباشر قدراً من التنسيق العسكري مع التنظيمات الأخرى، حتى تلك المخالفة لها في التوجه الفكري كالجبهة الشعبية أو في التوجه السياسي ككتائب شهداء الأقصى. وقد رسخ هذا الأمر مفهوم اللحمة والمصير المشترك الذي يربط أبناء الشعب في مواجهتهم لعدوهم. كما أدى إلى إرهاق المحتل الذي اضطر إلى المراوحة بين مهاجمة كل فئة على حدة، دون أن يستطيع أن يزيح أياً منها عن الساحة.

 

أما بالنسبة لعلاقتها بالسلطة؛ فقد استطاعت تلك القيادة أن تتعاطى بحكمة مع السلطة ومع الفئات المختلفة داخلها، ولم تُجرّ إلى مواجهات داخلية، بل استوعبت استفزازات بعض فئات السلطة، كما حافظت على شعرة معاوية مع مخالفيها، الأمر الذي أسهم في الحفاظ على قدر غير مجحود من الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل الساحة الفلسطينية، ومنع المحتل من تحقيق هدفه الاستراتيجي بإثارة الفتنة بين بني الوطن الواحد.

 

أما بالنسبة لعلاقتها بأبناء شعبها؛ فقد تجاوزت تلك القيادة أسوار مفهوم التنظيم، وارتبطت بأبناء شعبها بأبوية محببة غاضة الطرف عن انتماءاتهم، وتبنت خطاباً يتجاوز الاختلافات، كما قدمت المؤسسات التي أسستها خدماتها لعموم الشعب دون تفرقة، بما استحق معه الشيخ عن جدارة لقب "شيخ فلسطين".

 

أما بالنسبة لعلاقتها بالإدارات الأساسية في الأمة؛ فقد نجحت تلك القيادة في تأسيس علاقات احترام مع تلك الإدارات، بما وفّر قدراً لا بأس به من التأييد الرسمي الضمني أحياناً والصريح أحياناً أخرى. أما على مستوى علاقتها بالمحتل وعمقه الأممي؛ فالملاحظ أنّ هذه القيادة لم تقع في براثن منح المحتل الشرعية القانونية أو السياسية، كما نأت بنفسها عن أن تصبح عرضة للتلاعب في عمليات تسوية استهدفت أساساً تقنين الاحتلال. 

 

الخلاصة الخامسة تتعلق بسياسة اغتيال القيادات التي تنتهجها الإدارات الإسرائيلية المتعاقبة، والتي هي في حقيقتها فرق موت صهيونية. فأهم ما تعبِّر عنه هذه السياسة الدموية هو معاناة تلك الإدارات من "فقدان الحيلة السياسية" في مواجهة الانتفاض والمقاومة. بل وتعبر عن نجاح نهج الانتفاض والمقاومة الذي تتبناه القيادات التي تتم تصفيتها. وقد حدثتنا تجارب الشعوب المتحررة كيف أنّ قوى الاستلاب والطغيان تلجأ لهذا الخيار عندما تشعر بمأزق سياسي لا تجد معه سبيلاً سوى محاولة إنهاء وجود الطرف المناوئ بالكلية.   

 

الخلاصة السادسة تتعلق بحقيقة أنّ هذا المسلك الذي يتجاوز كل الخطوط الحمراء في السياسة؛ لا يتم إلا بضوء أخضر من العمق الأممي للاحتلال الإسرائيلي. لكنّ التساؤل يثور عن سبب تأييد العمق الأممي للاحتلال لهذا المسلك وفي هذا التوقيت خصوصاً.

 

البادي، أولاً، أنّ ذلك العمق الأممي بعد أن ألفى نفسه في عزلة عالمية لا يجد لنفسه صاحباً سوى الاحتلال الإسرائيلي وبعض الإدارات الرسمية الكبرى، وبعد أن بات يعاني من هذه العزلة التي تجلى فيها التناقض الحاسم بين مسار الطغيان والاستلاب والقارونية الأممية الذي يتزعمه؛ ومسار التحرر والمقاومة الذي يُعتبر الشيخ أحد رموزه عالمياً؛ شعر بالحاجة إلى التخلص من الرموز التي يؤدي بقاؤها إلى استمرار وضوح هذا التناقض، وإلى استمرار مواجهة الطغيان والاستلاب العالمي.

 

ثانياً، فإنّ توقيت الاغتيال وتزامنه مع تعاظم أزمة الإدارة الأمريكية فيما يتصل بورطتها في العراق؛ يعزز المقولة القائلة بحاجة الإدارة الأمريكية إلى حدث سياسي جسيم يشغل المراقبين ومعهم الساحة الأمريكية الداخلية عن عدّ الأنفس التي يتم حصدها يومياً بالعراق، وعن محاسبة تلك الإدارة لتضليلها شعبها بالنسبة لغايات الهجوم على العراق.

 

الخلاصة السابعة تتعلق بكون توقيت هذا الحادث الجلل قد جاء قبيل انعقاد القمة العربية. فحدث كهذا يدعو الإدارات العربية إلى اتخاذ مواقف استراتيجية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ولعلنا نستحضر أنّ فكرة انتظام القمة العربية في حد ذاتها أتت استجابة للواقع الشعبي الذي تأجج عشية اندلاع انتفاضة الأقصى. من ثم فإنّ حدثاً كهذا والتأجج الشعبي الذي بدأ بالفعل يتعاظم في أعقابه؛ يشكلان دعوة جديدة للإدارات العربية للمضي قدماً خطوة أخرى، ولاتخاذ مواقف أكثر تعبيراً عن حقيقة منحنيات المواجهة مع الاحتلال. والواقع أنّ هذه الدعوة ليست موجهة لإدارات الدول العربية فحسب؛ بل إلى إدارات الأمة بأسرها.  

 

الخلاصة الثامنة تتعلق بالرد على هذا الفعل الدموي. فالملاحظ أنّ مما زاد من جرأة الإدارات الإسرائيلية على الإقدام على سياسة اغتيال القادة، وهو الأمر الذي يشكل خطاً أحمر في العلاقات السياسية؛ هو أنّ الردود التي أتت عقب تلك الاغتيالات لم تكن متناسبة مع حجم الاغتيال. ويلاحظ أنّه رغم أنّ النمط المتكرر للعمليات الذي ساد خلال عقد من السنين كان مؤثراً على صعيد توفير الردع المناسب بالنسبة لأعضاء وفئات التجمع الإسرائيلي، بما أثمر خروجاً جماعياً لأعداد كبيرة منه؛ إلا أنّ هذا النمط لم يوفر الردع المناسب على مستوى "إدارة الاحتلال" نفسها. ذلك أنّ تلك الإدارة لا تعبأ، إلا بشكل محدود؛ بأن يتم استهداف مجموعات من أعضاء التجمع الإسرائيلي. بل إنّ المعروف عن تلك الإدارة تاريخياً أنها هي أحياناً ترتكب جرائم ضد أعضاء التجمع الإسرائيلي كعمليات تفجير أو ما شابه للحصول على مكاسب سياسية. لذا؛ فالحكمة تقتضي استهداف مواطن الوجع الحقيقي لدى جسد الاحتلال.

 

الخلاصة التاسعة تتعلق بمستقبل شعب فلسطين عقب خسارته أحد قادته الرموز. فالواقع أنّ كل شعب يفقد رمزاً بهذا الثقل يصاب بصدمة كبرى. لكن الملاحظ في ضوء استقصاء سنن الشعوب التي خاضت غمار التحرر بل في ضوء مسيرة شعب فلسطين نفسه؛ أنّ الشعب والفئات الفاعلة فيه سرعان ما يفيق من هول الصدمة بل ويعظم من سرعة سيره على نهج الرمز الذي فقده.

 

ولعلنا نستحضر كيف أنه عقب استشهاد الشيخ عز الدين القسام منذ حوالي سبعة عقود على يد الاحتلال البريطاني؛ شعر شعب فلسطين بصدمة خاصة، وأنّ الشيخ كان أول من حمل راية الجهاد المسلح المنظم في مواجهة الاحتلال المزدوج البريطاني والصهيوني.

 

وبرزت أحاديث عن نجاح الاحتلال البريطاني في وأد فكرة الجهاد المسلح في مهدها. غير أنه لم تمرّ سنوات قليلة إلا وانطلق في فلسطين أكبر جهاد عرفه تاريخ فلسطين الحديث، وسمي "الجهاد الكبير"، والذي اتصل بين عامي 1936 و1939م. وسرعان ما برزت قيادات جديدة استلهمت نهج القسام واستطاعت أن تجمع قوى شعب فلسطين خلفها.

 

الخلاصة العاشرة تتعلق بمستقبل التسوية في ضوء هذا الحدث الجلل. فثم رأيان في تفسير إقدام إدارة الموت الإسرائيلية على هذا الاغتيال بالتزامن مع إعلانها إخلاء غزة. الأول يقول إنها تستهدف أن يسبق الإخلاء تدمير البنية البشرية والتحتية التي تمكن غزة من الوقوف على قدميها. الثاني يقول بأنها تريد أن يظهر للعالم أنها تركت غزة عن قوة لا عن ضعف.

 

والواقع أننا لا نرى صواباً في أي من الرأيين. فإدارة الاحتلال ما كانت تنوي الانسحاب من غزة ابتداء. بل ذهبت نيتها تلقاء إجراء عملية إعادة انتشار تماثل تلك التي أجرتها عقب أوسلو. فكما استهدفت من إعادة الانتشار الأوسلوية فسح المجال لفتنة أن تبرز بين فئات شعب فلسطين؛ فقد استهدفت من إعادة الانتشار الجديدة إثارة الفتنة بين الجانب المصري والجانب الفلسطيني، وذلك لما رأته من تصاعد منحنى العلاقات بين مصر ومختلف فئات شعب فلسطين المقاومة خلال المرحلة الماضية، ولما رآه الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي من أنّ مصر بكليتها قد شكلت عمقاً استراتيجياً لمناخ الانتفاض الفلسطيني. لذا؛ حاولت الإدارة الإسرائيلية اليائسة إعادة الكرة على مستوى العلاقات المصرية الفلسطينية، غير عالمة أنّ مصير هذه الكرة سيكون مطابقا لمصير الكرة السابقة.

 

الخلاصة أنّ مسيرة إدارة الاحتلال في التسوية ستظل على حالها. غير أنّ الواضح أنّ استشهاد الشيخ سيسهم في زيادة نفي منطق التسوية التلاعبية، وسيسهم في ترسيخ شرعية المقاومة باعتبارها المسار الرئيس الذي يجب التعويل عليه ودعمه.