الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

( 2 )

مقالات حول عملية اغتيال

 الشيخ أحمد ياسين

مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"

 

 

من جنة فلسطين إلى جنة الله

خالد محادين

صحيفة الرأي الأردنية 23/3/2004

 

بطائرات أميركية مقاتلة، وبصواريخ أميركية قاتلة، نفذ أرييل شارون حكم التصفية الذي كان جورج بوش قد أصدره ضد الشيخ الشهيد أحمد ياسين عندما أعلن على الملأ وأكثر من مرة أن أحمد ياسين زعيم إرهابي وأن حركة المقاومة الإسلامية حركة إرهابية، ولهذا لم تكن مفاجأة للعالم أن تتم أمس تصفيته وهو يغادر المسجد بعد صلاة الفجر، كما لم يكن صحيحاً ما زعمته الإدارة الاميركية عن كون عملية التصفية مفاجأة لها، فقد أصدرت واشنطن الحكم ونفذته تل أبيب.

 

العالم كله أدان هذه العملية الارهابية باستثناء الكيان الإسرائيلي الذي نفذها، وباستثناء واشنطن التي أفرحتها عملية تصفية «إرهابي» في حجم وطهر وشجاعة الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وكان أقصى ما صدر عن واشنطن زعم أنها فوجئت بالعملية، وأقصى ما صدر عن لندن أنها عمل غير مقبول وأنها تمثل تراجعاً في الشرق الأوسط، وكأن الشرق الاوسط شهد منذ قيام الكيان الصهيوني خطوة واحدة نحو العدل ونحو السلام ونحو الاستقرار.

 

لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين مجرد زعيم سياسي يتحمل بشجاعة مع شعبه مسؤولية مقاومة الاحتلال، وبذل كل ما يمكن لتحرير فلسطين، ولكنه كان أيضاً زعيماً إسلامياً يحظى بتقدير واحترام مئات الملايين من المسلمين الذين يتابعون كيف يتواصل احتلال الأرض المقدسة ويتواصل انتهاك حرماتها ومقدساتها وتتواصل الحرب على مساجدها وكنائسها، لهذا فهو ليس شهيد الفلسطينيين وحدهم ولكنه شهيد العرب وقبل هذا وذاك واحد من شهداء الإسلام الذين سقطوا في الحرب بين الايمان والكفر وبين الخير والشر وبين الإسلام وأعدائه من أعداء الإسلام وأعداء المسيحية الحقيقية، كذلك أعداء اليهودية التي ترفض الصهيونية بعنصريتها وشرورها، وعليه فإن تصفيته الإسرائيلية ـ الأميركية هي جزء من الحملة على العرب من المحيط إلى الخليج، وجزء من الحرب على الإسلام في كل زاوية من زوايا الأرض، وتصفية الشيخ أحمد ياسين ليست تصفية لمجرد زعيم سياسي أو قائد عسكري ولكنها عدوان على الإسلام والعروبة وعلى كل مسلم وعربي، سيكون له ما بعده مما يصعب على أحد توقعه، ومما يفتح أبواب جهنم على مصاريعها في كل لحظة وعلى امتداد الساحة الدولية الرحبة التي قررت تل أبيب ولندن وواشنطن أن تكون ساحة لإرهابها وحربها وعدوانها على الأمة ورسالتها.

 

إن فلسطينياً واحداً أو عربياً واحداً أو مسلماً واحداً بعد اليوم، لا يمكن أن يخدع نفسه أو يسمح لأحد أن يخدعه بالحديث عن السلام أو العدالة أو استعادة الحقوق أو احترام المجتمع الدولي والحضارة الاميركية الزائفة، والملايين التي عبرت عن سخطها وغضبها من العمل الإرهابي الذي استهدف الشيخ الشهيد لم تفسدها السياسة ولم يعد طرف عربي أو دولي قادراً على خداعها بالسلام وهي وحدها الملايين القادرة على تحويل هذا الغضب والسخط إلى قدرة هائلة على المقاومة والجهاد، إن لم يكن دفاعاً عن الوطن الذي يستحق كل دفاع، فدفاعاً عن دينها المستهدف اليوم من كل أعدائه وعن عروبتها التي حملت رسالة الإسلام للعالم فأخرجته من الظلمة إلى النور، قبل أن يعود بتحالفات الشر والعنصرية إلى غابة القتل والتدمير والإرهاب، والذبح المنظم للشعوب وأبنائها وقادتها الحقيقيين.

 

رحيل الشيخ أحمد ياسين لن يحمل الأمن والسلام والطمأنينة للمجتمع الإسرائيلي القائم على الخوف والقتل والأحقاد، ومغادرة  الشيخ الشهيد جنة فلسطين إلى جنة الله، لن تترك الكابوس الفلسطيني ينزاح اصبعاً واحدً عن صدور الإسرائيليين، والانتفاضة الفلسطينية المؤمنة الشجاعة التي أطلقها الشيخ الشهيد ستكون الحرب المقدسة التي اختار القتلة الإسرائيليون ألا تعرف محرمات أو حدوداً أو قوانين حرب أو معاهدات، ولو كان كل شعب يرفع راية بيضاء كلما استشهد زعيم له أو قتل زعماء منه، لما رأينا الآن عشرات الشعوب التي استشهد قادة كثر منها وتمت تصفية زعماء بالمئات فيها تنعم بأوطانها حرة كريمة عزيزة، وربما كان الفلسطينيون ـ هذا الشعب البطل المجاهد ـ  هم من أكثر شعوب الأمة التي قدمت التضحيات وسقط على درب حريتها وتحررها الآلاف وما زالوا يواصلون جهادهم ومقاومتهم حتى تحرير وطنهم من النهر إلى البحر، ورفع رايتهم المحروسة بأرواح الشهداء وتقديم نموذج آخر على ما تستطيع هذه الأمة أن تقدمه وأن تنجزه وأن تبدعه في محاصرة الأعداء وهزيمتهم.

 

تبقى كلمة اعتذار لروح الشيخ الشهيد مني كمواطن عربي كان يجلس في تلك الطائرات الأميركية المقاتلة، ويراقب عملية إعداد الصواريخ الأميركية القاتلة التي توجهت نحو عربتك الصغيرة لتخلط الحديد بالمطاط بالقماش بثرى فلسطين الذي يتطهر اليوم بدم شيخ جليل ومجاهد صلب ومقاوم عنيد غادر بيت الله بعد صلاة الفجر ليمضي إلى جنة الله.

 

عليك رحمة الله وعلينا أيضاً!!

 

 

************************

 

 

سلام عليك!

طارق مصاروة

صحيفة الرأي الأردنية 23/3/2004

 

هذا ليس اغتيالاً لرجل في مثل ظروف الشهيد أحمد ياسين، إنه محاولة كسر إرادة شعب، واستلاب أرضه، وتحويله من مجموعة بشرية متحضرة إلى جماعات طاعمة كاسية! وهو التعبير الأميركي الآخر بإعادة العراق إلى ما قبل الصناعة، حين كان الإنسان الأول يطارد لقمة العيش!!

 

حتى نفهم معنى قتل قيادات الشعب الفلسطيني قبل الانسحاب، فإن المبدأ الاول يقول إن الشعوب -بغض النظر عن مستوياتها الحضارية- تشعر بالاعتزاز والاذلال.. تتألم، تغضب، تمارس السكينة والعنف، لكن قادتها هم الذين يفكرون، ومن عقولهم وإخلاصهم تنسجم حركة الناس وتتوحد وتأخذ شكل المسيرة.

 

قتل قادة الشعب الفلسطيني بالرصاص، أو باغتيال السمعة الشخصية، قضية برعت بها "إسرائيل"، وأخذت شكلها الحالي المتمادي، ولعل استعراضنا لشهداء فتح، والجبهة الشعبية، والديمقراطية في لبنان وتونس وعواصم أوروبا وفلسطين يعطينا مؤشراً لقبول حالة السلام التي أقيمت مع «السلطة الوطنية»، ثم كان الانقلاب عليها ومحاصرة وعزل قيادتها التاريخية، لأنها لا تقوم «بواجبها» في قتل قادة حماس، أو في خنق إرادتهم السياسية!!

 

يضرب أرئيل شارون قيادة حماس في الوقت الذي يعلن فيه عن انسحابه من غزة، وهو يتوسل بالدول العربية التي خاطرت بالسلام مع "إسرائيل" والولايات المتحدة ليضعف مواقفها المؤيدة والداعمة للفلسطينيين، وهذا جزء من أهداف الحرب التي يشنها الآن، وعلى الذين يحبون الغضب الجماهيري الذي يتفجر دائماً في الداخل، فَهْم المعادلة الشريرة بدل الانضمام إليها!

 

سيكون الشيخ أحمد ياسين درة غالية من درر الشهداء وصفحة مشرقة من صفحات البطولة والجهاد، تماماً كما كان عزالدين القسام، وآلاف شهداء فلسطين الذين سقطوا على كل أرض، ووهبوا للفلسطينيين والعرب وكل الاحرار والشرفاء إرثاً عظيماً من القيم والرموز والمعاني الإنسانية الرفيعة.

 

الدمعة الحرى التي تسقط صباح رحيل الشيخ هي ذاتها الدمعة الحرى التي سقطت حين وصل مدينة الحسين الطبية عام 1997 من سجنه في الطائرة العسكرية، فهذا الجسم الصغير الذي يحضنه الملوك، وينتعش بأنفاس المحبة المطهرة من لدن رجال الجيش قبل عودته إلى عرينه في غزة، كان قادراً على أن يكون العملاق في أفق الصراع، كان أحمد ياسين وما زال أكبر من شارون ونتنياهو.

 

************************

 

 

 

إغتيال الشيخ ياسين: غياب صمام الأمان الفلسطيني؟

خالد الحروب

صحيفة الحياة 23/3/2004

 

بكل المعايير، إنسانياً، أخلاقياً، سياسياً، إستراتيجياً، أو أمنياً، تُعتبر جريمة الإغتيال الشاروني للشيخ أحمد ياسين جنونية بإمتياز. منطق الإغتيال بشع، بالتعريف، لكن قد يفهم المرء لجوء خصم ما إلى هذه الممارسة الغادرة طمعاً في تحقيق هدف ما, قد يتحقق أو لا يتحقق. لكن أن تُضاف، إلى بشاعة الممارسة ذاتها، صفاقة إستراتيجية فاضحة تتمثل في وضوح هدف معقول وراء الإغتيال فهذا ما يفيض عن حدود تعقل الفعل وإستكناه مراميه.

 

من ناحية أمنية إسرائيلية، لا يُعتبر الشيخ ياسين هدفاً إستراتيجياً صعب المنال. بل هو هدف سهل يمكن الوصول إليه في كل وقت: معروفة يومياته، وبرنامج تحركاته، وأوقات صلواته. لذلك فليس إنجازاً كبيراً الظفر به، بل على العكس فيه خسة وإنحطاط عسكريان. صحيح أن الشيخ هو الرقم واحد في حركة حماس، لكنه لم يكن يوماً منظم عملياتها العسكرية اليومية. هذا ما تعرفه "إسرائيل" قبل غيرها، وإن كان بزخمه وموقعه القيادي قريباً جداً من الدائرة الضيقة التي بيدها إعطاء الضوء الأخضر لإستمرار تلك العمليات، أو الأحمر لتهدئتها.

 

كان على الدوام العقل المتأني الضابط لأية عضلات قد تنفلت بلا هوادة. وكان برؤيته الثاقبة وواقعيته الملتزمة يدرك أن عمل حماس العسكري ليس بذاته هدفاً لا سقف له بل ممارسة عسكرية وسياسية تريد تحقيق هدف ما. ومن هنا كان لا يمحضها قداسة تتجاوز حدودها. ومن هنا أيضاً فقد كان مهندس فكرة الهدنة، منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، ولم يكن يعتبر قضية إيقاف العمل العسكري وإخضاعه للإستراتيجية العامة والظروف والمعطيات أمراً خارقاً للمقدس.

 

لا أحد في حركة حماس كان أو مازال يملك من المكانة والشرعية الدينية والسياسية والنضالية ما تؤهله لإتخاذ موقف كبير تجاه العمل العسكري كما كان الشيخ أحمد ياسين. وكانت شرعيته الواسعة، ونقاء تاريخه الشخصي والمسلكي، والمسافة الكبيرة بينه وبين أي من أقرانه نفياً لتنافسات الأقران وتأكيداً لحرصه الفائق على الوحدة الوطنية. كان ذلك كله يضعف منطق أي نقد يمكن أن يوجه إليه من داخل حماس. وكذا حال أي نقد كان قد يأتيه من خارجها. وبشكل ما نجح في أن يكون قليل الخصومات ولو لم يكن عديمها.

 

أهّله ذلك لأن يكون العنوان الأساسي الذي تتوجه إليه المبادرات الرامية الى تخفيف العمليات أو إيقاف تلك التي تنفذ داخل الخط الأخضر، أو للتصالح مع السلطة، أو لإتخاذ أي توجه من مستوى كبير. وكان الظفر بقرار منه أو كلمة بهذا الشأن أو ذاك يعني أن حماس ستلتزم بما أتفق عليه. هذا ما تعرفه حق المعرفة قيادات السلطة الفلسطينية والقيادات المصرية التي كانت تجتمع به للوصول إلى «إتفاق هدنة» هنا أو هناك. وهو ما يعرفه خافيير سولانا والإتحاد الأوروبي، وما يعرفه المندوبون الأميركيون المقيمون في الداخل لمراقبة الوضع. وقبل هؤلاء جميعاً، هذا ما كانت ولا تزال تعرفه "إسرائيل" حق المعرفة. وهي تعرف أن إحتمالات ضبط العمل العسكري، أو إيقافه ظرفياً، كانت بيد الشيخ ياسين، ليس حصرياً، لكن بشكل مجمل ومعنوي. لهذا فأن تقتله، فإن هذا يعني أنها تستدعي تلك العمليات بلا هوادة.

 

إذا كان هناك إمتعاض أو تململ داخل حماس، سواء دوائرها السياسية، أو في نطاق كوادرها العسكرية، إزاء توجه سياسي ما، فإن على المرء أن يتوقع أن يحبس الشيخ ياسين ذلك التململ في حده الأدنى. إن كان التوجه السياسي المعني قد حظي بـ«الشرعية الياسينية». وإذا كانت حماس، وهي الحركة الواسعة والكبيرة، قد حافظت على نفسها من أي إنشقاق أو تمزق، بشكل يثير الدهشة أقلّه بمعايير الساحة الفلسطينية، ورغم تناوب تيارات السياسة والضغط عليها، والشد والجذب الذي تابعه الإعلام في أكثر من مرحلة، فإن للشيخ أحمد ياسين الفضل في المحافظة على روح واحدة ومرنة للحركة، تتسع لإجتهادات متباينة. على أن أهمية بقاء حماس كحركة موحدة كانت تتجاوز الضرورة، أو الإفتخار الحزبي، بل كانت لها علاقة مباشرة بالمشروع الوطني برمته، حماس الموحدة، وبحكمة حكيمها الراحل، كانت هي صمام الأمان الذي ضبط بقوة وصرامة تيارات الإنفلات نحو حرب أهلية فلسطينية طاحنة كانت قد أقتربت كثيراً من نقطة الإندلاع.

 

في النصف الأول من عام 1994 نزلت الأفواج الأولى من الشرطة الفلسطينية المتكونة حديثاً من رحم أوسلو المرفوض حماسياً بشدة بالغة. كانت حماس في ذلك الوقت في أوج قوتها، ولم تكن ثمة سلطة تنافسها في القطاع. كان بعض الآراء الحماسية الغاضبة قد اقترح أن يتم الهجوم على تلك الأفواج وعدم منحها موطئ قدم، وإستغلال ميزان القوى المائل لصالح حماس، وميزان القوى الشعبي المائل ضد أوسلو - وبالتالي إفشال المشروع من أوله. لكن الشيخ أحمد ياسين كان قد أسس لتوجه عظيم سيظل يذكره له التاريخ الفلسطيني، وقد ضبط به مسيرة حماس إزاء منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الأخرى. قام هذا التوجه على مقولة أصبحت شبه مقدسة هي أن الحرب الأهلية «خط أحمر» عند حماس. كان مجرد الإعلان العام عن هذا الخط الأحمر كافياً لمنافسي حماس الذين استثمروه حتى النهاية. وهو ما حدث في سنوات لاحقة، إذ حصل إتكاء سياسي بارز على قناعة أساسية هي أنه مهما بلغ الضغط على حماس، قمعاً وسجناً وأحياناً قتلاً، فإنها لن ترد بالأسلوب نفسه لأن لها خطاً أحمر رسمته هي بذاتها. وكان الشيخ على يقين بأن الآخرين يستغلون هذا الخط الأحمر العام على حساب المكاسب الحزبية لحركته. لكنه بقي متمسكاً به، فخسرت حماس أكثر من معركة تكتيكية، لكن ربح الشعب الفلسطيني عدم تورطه في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

 

لم تكن سياسة تفادي الحرب الأهلية ظرفية، أو مرحلة عابرة، بل امتدت منذ قيام السلطة الفلسطينية، وشملت كل مراحل المد والجزر بين حماس والسلطة. وظلت حتى اللحظة الأخيرة قبل إستشهاده. فقبل أقل من أسبوع من العملية الشارونية الجنونية قال لي أحد قيادات السلطة الفلسطينية إن هناك حواراً شبه يومي مع الشيخ أحمد ياسين حول تفادي أي صراع بين حماس والسلطة في حال نفذت "إسرائيل" إنسحاباً أحادياً ومفاجئاً من قطاع غزة. كان القيادي الفلسطيني على ثقة كبيرة بأن حماس، بشيخها أحمد ياسين، تمتلك من العقلانية والحكمة والبراغماتية ما يكفي ويضمن عدم التورط في صراع مسلح أو أي شكل من أشكال الحرب الأهلية.

 

من جهتها، كانت الوفود الغربية والعربية التي تروح وتجيء إلى قطاع غزة تعرف العنوان الرئيسي فيها: أحمد ياسين. و"إسرائيل" نفسها كانت تعرف هذا العنوان إذا كانت تأمل بتحقيق أي أمن لمواطنيها عن طريق الوقف الوقتي أو الكلي للعمليات العسكرية. وأهل القطاع وسكانه وشرائح مجتمعه المتعددة, فقيرها وغنيها كانت تعرف العنوان نفسه فتذهب إليه إن تنازعت في ما بينها، أو أرادت حلاً لمشكلاتها. كان أحمد ياسين مرجعية من طراز قلّ نظـيره في عالم الإسلام السني: جمعت الأهلية الدينية والقيادة السياسية والشرعية النضالية والولاء الشعبي الإختياري. كان السلطة الأخلاقية والمعنوية والقضائية الشعبية في قطاع واقع تحت الإحتلال. ومن هنا ضاق به الإحتلال كما ضاق به قادمون جدد أرادوا نزع تلك السلطات ورسملتها.

 

وفي زياراته للدول العربية عقب الإفراج عنه في صفقة التبادل الشهيرة مع "إسرائيل" عن طريق ضغط من الملك حسين، أضاف إلى نفوذه السياسي الفلسطيني نفوذاً آخر على مستوى عربي وإسلامي. وزار رؤساء وقادة عرباً عديدين، وترك عندهم جميعاً إنطباعاً أساسياً هو أنه بوجود هذا الحكيم الفلسطيني زعيماً لأكبر تيار إسلامي فلسطيني، فإن الجبهة الداخلية الفلسطينية بخير، أو على الأقل لن تتورط في أسوأ السيناريوات. وعندما عاد إلى القطاع، توجه إلى منزله البسيط بين الناس العاديين، من دون إبهة، فظل الناس يرونه بينهم، يشعر بنبضهم ومعاناتهم من بيته ذاك. كانت علاقته مع السلطة الفلسطينية تمر بمراحل متغيرة، لكن صفته الأساسية بقيت ملازمة له حتى لحظة إستشهاده: صمام الأمان الفلسطيني.

 

هل تنفلت قوى التنافس والتنابذ الفلسطيني، بإسلامييها ووطنييها، ضد بعضها بعضاً بعد غياب أحمد ياسين؟ سؤال مفتوح وليس من السهل الإجابة عنه. فحماس تواجه بعده تحدياً كبيراً على مستوى قيادي يتمثل في تشكيل قيادة جماعية تحاول سد الفراغ الذي أحدثه غياب كاريزما الشيخ ياسين وقياداته المبنية على شرعيات مركبة. هذه القيادة مهمتها الأولى هي السيطرة على الجناح العسكري للحركة، الذي قد يتفلت أو يتململ في خضم أي خضات على مستوى القيادات السياسية. فبعد الآن ليست هناك هيبة الشيخ ياسين التي تلجم أي تململ أو تفكير بالإنشاق. أخطر ما يواجه الحركات النضالية و التحررية هي العلاقة بين قياداتها السياسية وقياداتها العسكرية، وإستمرارية خضوع الثانية للأولى.

 

ثاني تحديات حماس يتمثل في العلاقة مع السلطة والإبقاء على الخط الأحمر الذي صاغه الشيخ ياسين: خط الحرب الأهلية. تتفاقم أهمية هذا الخط مع مخطط شارون غير الواضح إزاء الإنسحاب من غزة. ومن حقنا أن نتشكك في أن في قلب هذا المخطط رؤية تراهن على قيام صراع فلسطيني - فلسطيني بين السلطة وحماس يكون دليلاً يحمله شارون و"إسرائيل" الى العالم بعدم صلاحية الفلسطينيين لإدارة أنفسهم. وبالتالي عدم أهليتهم لتسلم الضفة الغربية، وهو المطمع الشاروني الأهم. حماس ستواجه خيارات صعبة في التمسك بخيط دقيق يفصل بين مطامحها المشروعة كحركة سياسية بأن تتحصل على نفوذ وسيطرة سياسيتين توزيان حجمها في الشارع وبين أن تقودها تلك المطامح إلى صراع رأسي مع السلطة الفلسطينية يكون الدم الفلسطيني ثمنه الباهظ.

 

لكن أسوأ السيناريوات يظل في تفلت الجناح العسكري لحماس، أو إنشقاق الحركة. ففي وضع كهذا سيخسر الجميع، ويسير الوضع الفلسطيني إلى حالة من حالات «الجزأرة» حيث تتولد مجموعات عسكرية ضاربة، تخطط لعــمـلياتها العسكرية وتـــنفذها من دون برنامج سياسي عام. في الوضع الحالي، أي حماس المتماسكة، هناك قيادة سياسية تسيطر على العمل العسكري. وسواء اتفق المرء أو أختلف مع عمليات حماس، فإن المهم في هذا الوضع هو وجود آلية سيطرة وضبط، وقيادة يتم الإنصياع لها. معنى هذا أن القيادة السياسية عندها أهلية وكفاءة وقدرة على تعديل المسار وتحريكه وفق برنامج سياسي (خلافي أو إتفاقي). لكن في أي وضعية يكون جوهرها إنفلات الجناح العسكري من تحت سيطرة الجناح السياسي، فإن ذلك يعني غياب العنوان المركزي للتوجيه. عندها لن تكون حماس الخاسرة وحدها، بل الجميع معها. فالسلطة ستخسر إمكان التوجه نحو عنوان محدد وواضح تتفق معه، والأطراف الأقليمية ستواجه نفس الإضطراب، و"إسرائيل" ستواجه المزيد من العمليات من مجموعات لن تستطيع أن تنسبها إلى حركة أو جسم سياسي واضح. لكن حتى نصل إلى تلك المرحلة، على "إسرائيل" أن تمر وتتحمل عواصف العمليات الثأرية القادمة التي سببتها لنفسها بهذه الجريمة الغبية.

 

٭ كاتب وباحث فلسطيني - كامبردج

 

************************

 

 

اغتيال الشيخ ياسين واوهام السلام

إبراهيم العبسي

صحيفة الدستور الأردنية 23/3/2004

 

بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الاسلامية "حماس" ومرشدها الروحي، وبإشراف معلن ومباشر من سفاح صبرا وشاتيلا، وأحد أبرز القادة العنصريين الفاشيين والدمويين في الكيان الصهيوني، أرئيل شارون، لم يعد ثمة مكان لكل أوهام السلام، ومشاريع السلام ومبادرات السلام مع هذا الكيان العنصري الذي لا يعرف غير ثقافة الكراهية والحقد، ولغة الدم والموت والعنف والرصاص.

 

كما لم يعد ثمة ما يمكن ان تتخفى وراءه واشنطن في الحديث عن الإرهاب والإرهابيين، وهي التي شاركت في اقتراف هذه الجريمة البالغة البشاعة حينما أعطت شارون الضوء الأخضر لاغتيال الشيخ ياسين، بدليل أنها لم تزد في ردة فعلها على هذه الجريمة سوى دعوة الفلسطينيين إلى الهدوء وضبط النفس، كأنما تقول لهم، موتوا بصمت، وهدوء، واضبطوا أنفسكم وأنت تذبحون.

 

وهكذا يكون شارون ومن ورائه الإدارة الامريكية المتصهينة، قد أطلقا النار على ما يسمى بعملية السلام، اعتقاداً منهما بأن اغتيال الشيخ ياسين، ومسلسل الموت الذي يقوده شارون منذ أكثر من ثلاث سنوات، اجتاح خلالها وتوغل في كل شبر من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقتل أكبر عدد ممكن من المواطنين الفلسطينيين ورموز المقاومة الفلسطينية، من شأنه دفن الانتفاضة، ودفع الشعب الفلسطيني للاذعان والاستسلام للمشاريع التصفوية الصهيونية الأمريكية للقضية الفلسطينية، والخلاص من الشعب الفلسطيني إلى الابد. لكأنما نسي هؤلاء القتلة والإرهابيون، أن الشعب الفلسطيني كان دوماً عصياً على الموت والاستسلام. وأنه كان ينهض في أعقاب كل مذبحة أكثر اصراراً وعزيمة على تحرير أرضه وتحرير نفسه، وامتلاك حريته، وحقه في الدفاع حتى الموت عن وطن وتخليصه من براثن الاحتلال الصهيوني، بدءاً من عام 1948، مروراً بعام 1956، و1967، و1982، وحتى عام 2004، وإلى ما شاء اللّه.

 

وباغتيال الشيخ ياسين، ضمير الشعب الفلسطيني، ورمز صموده، وكفاحه الأسطوري يكون شارون ومن ورائه الإدارة الامريكية قد أسسا لمواجهة جديدة ومن نوع جديد أكثر شراسة وضراوة، ودفعا للشعب الفلسطيني على تحرير أرضه وانتزاع النهج الكفاحي للشيخ الشهيد الذي استطاع وهو المقعد والكسيح أن يبعث الرعب في أوصال جنرالات الإرهاب في الكيان الصهيوني، ومجانين المستوطنين في كافة المدن الفلسطينية المغتصبة، انطلاقاً من إيمانه وبحكم تجربته، وهو اللاجئ الذي شرد عن دياره، بأن تحرير فلسطين لا يمر إلا عبر الكفاح والاستشهاد والموت، مواجهة المغتصبين بنفس اللغة التي يفهمونها، وليس بلغة الاستجداء والمفاوضات العقيمة التي لم تنعكس على الشعب الفلسطيني إلا بالمزيد من القتل والاغتصاب ومصادرة الأرض والحقوق.

 

وباغتيال الشيخ ياسين يكون الصراع الفلسطيني الصهيوني -والعربي الصهيوني، قد دخل مرحلة جديدة، ينبغي أن يتبدد فيها الوهم العربي والفلسطيني في إمكانية التعايش مع المشروع الصهيوني القائم على العدوان والتوسع والاغتصاب والقتل والتصفية، والذي لا تتوقف أطماعه عند حدود فلسطين، بل القفز إلى دول عربية أخرى واحتلالها من أجل إقامة "إسرائيل الكبرى" التي يحلم بها شارون.

 

 

************************

 

 

أي صاروخ بعث الحياة في جسد حي؟

علي سعد الموسى

صحيفة الوطن السعودية 23/3/2004

 

حين اغتالوك شيخنا لم يقتلوا جسداً حياً: إنها عشرة صواريخ انطلقت غيلة لتجهز على رقبة. كانت رقبتك أيها الإمام المجاهد الشهيد أشد وقعاً عليهم من كل جيوش المواجهة فانتخبوا لها وزارة كاملة لتنجز المهمة وتحطم الرقبة الحية الوحيدة في عالم بلا رقاب وفي عروبة تحيا بلا رقبة.

 

أيها الشيخ الإمام المجاهد الشهيد: فاذهب إلى منيتك تحقيقاً لأمنيتك التي عشت لها وسجنت من أجلها وجاهدت في سبيلها ودعنا من بعدك نحني رقابنا فحين جفت الدماء في رقبتك، لم تبق رقبة واحدة في من بعدك: فضلاً أيها الشيخ، أعطنا دماء الرقبة المودعة.

 

عفواً أيها الشيخ فهم لم يغتالوك وحدك بل أضافوك رقماً للذين قتلوهم من قبلك. هؤلاء هم قتلة الأنبياء فأي شرف وعزة هذه التي أتتك زائرة مرغمة بعيد صلاة الفجر.

 

هؤلاء هم قتلة الأنبياء الذين لا تذهب صواريخهم إلا للدماء الزكية الطاهرة فدعهم يحتفلون بك ميتاً، وأنت الحي في مراتب "القتلى" من قبلك وفي منازل الصديقين والأنبياء والشهداء.

 

كنت صادقاً فكنت شهيداً وهذه الصواريخ الغادرة لم تنته بك إلى الأرض بل رفعت من قدرك إلى السماء وإلى المراتب التي نذرت الحياة من أجلها. الذي يحيا بعزمك لا يموت. لقد كنت رمزاً للأرض فلماذا لا تصبح رمزاً في السماء (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)، لماذا شيخنا لا تصبح رمزاً للحياة حين اختارتك صواريخ الصفاقة والغدر هدفاً للموت ولماذا كل هذه الصواريخ من أجل رقبة واحدة؟

 

شيخنا الإمام المجاهد الحي الشهيد، هذه المرة الثانية التي أكتب لك. كتبت فيما سبق حين فشل الغدر أن يحطم الرقبة في مرة سالفة. فرحنا بالفشل جميعاً دون أن نعرف لذة الحياة في الاستشهاد وراء قضية عادلة ودون أن ندرك أن موتك "المادي" بداية للحياة ودون أن ندرك أنك صرت اليوم كما تريد: جسداً حياً يعود إلى رقبة حية.

 

لقد أحببتك وعلمت أطفالي محبتك لأنك رمز شغل حياته ونذر نفسه لقضية عادلة حين اشتغل غيرك بالجهاد المزيف.

 

كانت رقبتك أقصر الطرق إلى مآذن الأقصى الشريف وكانت عيناك مناراً لمسالك جامع الخليل.

 

كان جسدك الميت حيفا ويافا وغزة وقبر صلاح الدين فأي أرض تلك التي تستطيع الصواريخ أن تدمرها وأنت المدن والأرض: أنت الحياة التي أتت إلينا في جسد ميت ورقبة حية.

 

أيها الشيخ المجاهد الحي: لقد أحببت فيك لسانك العطر الذي لم ينشغل، كما انشغل البعض، بالسباب والفرقة والشتيمة ولم أسمع منه انتقاصاً لنظام أو انتقاضاً على مبدأ أو لعناً على فرد أو جماعة أو انحيازاً لهذا ضد ذاك: لم أسمع على لسانك ذكراً لأحد إلا بالخير.

 

أحسن الله عزاءك فينا فأنت الحي ونحن الأموات.

 

 

************************

 

 

هنيئاً الشهادة يا شيخ فلسطين

زياد أبو غنيمه

صحيفة الدستور 23/3/2004

 

تماماً مثلما تمناها، وبقي يلهث وراءها وهو المقعد الكسيح طيلة حياته سقط شيخ فلسطين المجاهد الرمز أحمد ياسين شهيداً بالصواريخ الأمريكية التي قذفتها الطائرات الأمريكية بأوامر مباشرة من المجرم المسعور شارون.

 

كان شيخ فلسطين أحمد ياسين كلما تهدده المجرم المسعور شارون بالاغتيال يبتسم ويقول يا لغباء شارون يظن أنه يخيفني بتهديداته ولا يعرف أنني أتمنى الشهادة وأركض وراءها في سبيل الله دفاعاً عن فلسطين وعن القدس وعن الأقصى.

 

هنيئاً لشيخ فلسطين وهو يتضرج بدمائه الطاهرة شهيداً على باب بيت الله بعد أن أدى صلاة الفجر وهنيئاً لأرض فلسطين الطاهرة المباركة وهي تحتضن شيخها أحمد ياسين كما تحتضن الأم ابنها بلهفة وحنان وهنيئاً لحماس وهي تقدم شيخها ومؤسسها شهيداً يزين القافلة الطويلة المتجددة من شهداء فلسطين من القسام والسعدي والحسيني وجمجوم والزير وحجازي وعياش وأبو جهاد والشقاقي وأبو علي مصطفى والآلاف الآلاف من شهداء وشهيدات فلسطين.

 

استشهاد أحمد ياسين كان متوقعاً ولم يفاجئنا كما لم يفاجئنا من قبل استشهاد صلاح شحاده والمقادمة وأبو شنب وثابت ثابت وغيرهم من القادة الفلسطينيين من كافة الفصائل الفلسطينية كما لن يفاجئنا استشهاد آخرين من مشاريع الشهداء في حماس وفتح والجهاد والشعبية والديمقراطية والقيادة الموحدة ومن كل أبطال وبطلات فلسطين، وكيف يفاجئنا استشهاد هؤلاء الأبطال بيد اليهود وهي اليد التي لم تتورع عن قتل أنبيائهم.

 

عبثاً يتوهم المجرم المسعور شارون أنه باغتياله أحمد ياسين سيوقف هدير انتفاضة أهلنا المتصاعد في مواجهة احتلاله وطغيانه ووحشيته فما فتئت دماء الشهداء على مدى ما يقرب من مئة عام تزيد صلابة وصمود أهلنا في فلسطين ضد المشروع الصهيوني المدعوم أمريكياً وعالمياً وما فتئت دماء الشهداء تسقي آلاف أشتال مشاريع الشهداء والشهيدات الذين تنبتهم أرض فلسطين المباركة المعطاء.

 

استشهاد شيخ فلسطين أحمد ياسين فضح نفاق المنافقين من دول كبرى وصغرى وفضح صمت الصامتين الصم البكم العمي في أنظمتنا العربية تصوروا لو أن المجرم المسعور شارون أو أن أحداً من وزرائه أو أي يهودي محتل هو القتيل، هل كانت الإدارة الأمريكية المتصهينة تكتفي بإصدار بيان تافه يطلب ضبط النفس أم أنها كانت ستذرف سيولاً من الدموع وتهدر بياناتها بالتهديد والوعيد؟ وهل كان الصم البكم العمي في أنظمتنا العربية سيواجهون مقتل شارون أو غيره من المحتلين اليهود بالصمت المشين المريب المعيب الذي قابلوا به استشهاد أحمد ياسين وكل من سبقه وكل من سيلحق به من شهداء وشهيدات فلسطين أم أنهم كانوا سيسارعون الى ذرف الدموع وإصدار بيانات الشجب والاستنكار؟

 

استشهاد أحمد ياسين صرخة مدوية في آذان كل الذين ما زالوا واهمين بإمكانية التوصل إلى سلام مع هؤلاء اليهود وما زالوا واهمين بامكانية التعايش والتطبيع مع هؤلاء المجرمين، رسالة تقول لهؤلاء أن كفوا عن اللهاث وراء سراب السلام الموهوم مع هؤلاء اليهود وعودوا إلى خندق المقاومة والجهاد والاستشهاد.

 

وهي رسالة إلى القوى الفلسطينية بجميع اسمائها ولافتاتها أن اتقوا الله في وحدتكم الوطنية عضوا عليها بالنواجذ، وتخندقوا جميعاً في خندق المقاومة والانتفاضة وكفاكم إضاعة للوقت في اللهاث وراء أوهام السلام مع قتلة أنبيائهم.

 

وتقتضيني الموضوعية أن اقف محيياً الرئيس اللبناني إميل لحود الذي كسر الصمت العربي الرسمي بموقفه الجريء المنكر لجريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين ولأقف محيياً الأب الدكتور عطاالله حنا الذي جسد بموقفه الجريء النبيل الوحدة الوطنية التي ننشدها.

 

ويا شيخنا الحبيب أحمد ياسين بوركت يوم ولدت وبوركت يوم استشهدت وسلام عليك في عليين بإذن الله مع النبيين والصديقين والشهداء في كنف الرحمن ورضوانه وجنته.

 

************************

 

 

جريمة الاغتيال .. ودورها في المخططات الاميركية الاسرائيلية...!!

 جورج حداد

صحيفة الدستور الأردنية 23/3/2004

 

كثيرة.. حكايات الموت، ولكن أبلغها معنى، وأعمقها أثراً، وأبعدها تألقاً، حكاية التمرس بفن الموت، حينما يتجسد درباً للتمتع بفن الحياة الحرة العزيزة الراقية، آنئذ.. لا يكون الموت موتاً، بل استشهاد والاستشهاد هو.. شهادة الحياة في انتصارها على العدم. هو.. توهج الحياة في مقابل عتمة الفناء!

 

فظائع اليهود في أرضنا المحتلة، وآخرها.. جريمة اغتيال شيخ المجاهدين أحمد ياسين ورفاقه ومواطنيه صباح أمس، ليست بطولات يهودية، وإنما هي.. عمليات استشهاد فلسطيني مصمم.. إرادي.. مدرك.. واع بأن لوقفات العز أثمانها، وأن للجهاد في سبيل الله والحق والفوز بحرية الأرض والناس، تكاليفه التي.. بعضها القمع والجوع وبعضها الآخر.. الدمع و.. الدم!!

 

كل ما فعله ويفعله الشيخ المقعد العنيد المؤمن أحمد ياسين، ورفاقه المجاهدون المناضلون ومن سبقهم وسبقوه على دروب العطاء والتضحية، أنهم كرسوا أنفسهم شهداء للحق و.. منارات هدى و.. قمماً لمشاعل الحرية في هذا الليل البهيم الطويل!!

 

لا خوف على أحمد ياسين، ولا على من سقطوا ويسقطون، في ساحة الجهاد، فقد ذهب وذهبوا ويذهبون، راضين مرضيين بعد فوزهم بما كانوا يطلبون، فهؤلاء (.. لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) إنما الخوف كل الخوف، من السماح للذل أن يسود، و.. للخيانة أن تعشش، ولمنطق الجبناء أن يكون بديلاً، لعزيمة العقلاء من أصحاء العقل والنفس، المنزهين عن الغرض والمرض!!

 

إن اغتيال شيخ المجاهدين، بالرغم من كل ما ينطوي عليه، من مظاهر الخسة والوحشية والانتهاز، يجب ألا يصرف عيون المخلصين الغيارى، إلى إهمال الاحاطة بالمتابعة الدقيقة للخيوط البيانية ضمن الصورة الشاملة لصراعنا مع الصهيونية العالمية وإسرائيلها وداعمي عدوانها وباطلها، من مافيات السلاح والنفط، خاصة في أميركا!!

 

ليس سراً أن ما يشبه التطابق الكلي بين المخططات الاميركية والإسرائيلية، حيال منطقة الشرق الاوسط، بالرغم من تباين الأهداف بينهما. من هنا.. فإن أي قراءة جدية صحيحة لصورة الوضع وتطور الاحداث، إنما تبقى منقوصة وربما.. خاطئة، إذا لم تأخذ في حساباتها، هذا التحالف!

 

هذا يعني.. أن كل ما تقوم به "إسرائيل" في هذه المرحلة، إنما يتم بالتشاور والتنسيق مع الحليفة الكبرى الولايات المتحدة، وبالطبع.. فإن هذه الحليفة لا يمكن أن توافق على أي عمل إسرائيلي لا يكون متوافقاً مع مخططاتها.

 

ولا عبرة هنا، ببضاعة الكلام والتصريحات، فعملية كبيرة ذات امتدادات وتداعيات خطيرة مثل الإقدام على اغتيال الشيخ أحمد ياسين، لا يمكن أن تتم دون موافقة أميركية مسبقة، أما تصريح الناطق باسم البيت الابيض وتصريح مستشارة الأمن القومي كوندا رايس بنفي علمهما بالعملية أو.. موافقتهما عليها، فلا يعني شيئاً سوى التأكيد على العلم والموافقة المسبقة!!

 

وهنا.. يبرز السؤال: لماذا، ترى، يوافق الأميركيون على عملية، يعرفون جيداً أن تبعاتها مكلفة ولا يمكن أن تصب في خانة التهدئة بله... التوجه السلمي؟!!

 

الجواب.. بكل بساطة، هو أن للعملية وتبعاتها وتداعياتها، دوراً في توجيه الأحداث وتطويرها، إقليمياً، ليصبح بالامكان استغلالها واستخدامها في انجاح المخططات الأميركية الرامية، بالأساس، إلى رسم خريطة جديدة للمنطقة، تكون فيها المصالح الأميركية مؤمنة!!

 

أما كيف يتم ذلك.. فهنا يحدث التطابق الكلي بين المخططات الاميركية والاسرائيلية!

 

************************

 

 

أحمد ياسين... ما أروع الخاتمة... شهادة وانتصار

ياسر الزعاترة

صحيفة الدستور الأردنية 23/3/2004

 

قال القتلة إنه يستحق الموت، وقال العاشقون إن البطل لم يعد يطيق صبراً، وآن له أن يعانق الجنة التي خرج يطلبها منذ عقود.

 

زفّهم واحداً واحداً إلى الحور العين، من جمال منصور إلى صلاح شحادة إلى إبراهيم المقادمة وحتى إسماعيل أبو شنب، وظل على رصيف الشوق يمعن في مطاردة القتلة والاستهزاء بجبروتهم.

 

نادوا عليه، صلاح وإبراهيم والآخرون، نادوا عليه، هو الذي يعرف رنة الشوق في أصواتهم. هو الذي علّمهم كيف تزهو فلسطين بالشهداء. هو الذي علمهم أبجديات العشق من تكبيرة الإحرام ونداء حي على الجهاد إلى شهقة الدم في ساحات الوغى وميدان الشهادة.

 

ما كان له أن يخذلهم، هو الذي صاحبهم من سجن إلى سجن ومن زفة شهيد إلى زفة شهيد، ومن رصاصة إلى رصاصة ومن قنبلة إلى قنبلة.

 

ما كان له أن يتأخر عنهم، هو الذي كان فاتحة النشيد، وأول الرصاص وراية الرايات. هو الذي كان الطلقة الأولى، وأول من طلبوا الشهادة فأخطأتهم غير مرة.

 

نادوا عليه، وما كان له أن يتأخر أكثر من ذلك، فما عاد في العمر متسع للانتظار، وها إن الغزاة يهربون من غزة، وما كان له أن يشيعهم إلا بدمه الذي سرى في عروق الرجال الذين صنعوا الانتصار.

 

ما كان له أن يتأخر أكثر، هو الذي أقسم أن يوقع صك الانتصار بدمه، وهو الذي صنعه بجهده وجهاده طيلة عقود، من بناء المساجد وتعليم الناس الصلاة إلى تلقينهم آيات الشهادة.

 

نادوا عليه، صلاح وإبراهيم وإسماعيل ويحيى وجمال، وما كان له أن يتأخر عليهم أكثر من ذلك، هو الذي بدأ المسيرة وأودعها أسراره، ورآها كيف غدت "كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها".

 

نادوا عليه، وما كان له أن يتأخر أكثر.. لقد اشتاقوا للم الشمل. قالوا له، لقد كبرت الشجرة، وطاب الزرع، فأعجب الزراع وأغاظ الكفار، فالتحق بنا قبل أن يفر الغزاة من عنفوان دمك.

 

نادوا عليه فلبى النداء، وصعد شهيداً ولا أجمل.. شهيداً لم تعرف له الكتب مثيلاً.. شهيداً لم يحمل البنادق ولم يطلق الرصاص ولم يصنع القنابل. لكنه كان ذلك كله، لقد كان صانع الرجال الذين يصنعون ويطلقون وينفجرون. كان سيد المرحلة وبطلها بلا منازع. ألم يكن هو المؤسس والباني والمهندس؟

 

نادوا عليه، وما كان له أن يتأخر، وهو لم يكن يريد التأخير، لكنه كان مهندساً مبدعاً يسعى إلى التأكد من جودة البناء الذي صاغه بنبض روحه وجهده وجهاده.

 

الآن, وبعد أن تحسس المهندس روعة بنائه، ها هو يشرع روحه لنداء الشهادة، فيأتيه بعد صلاة الفجر، ندياً رائعاً يليق بالبطل المؤسس والمهندس.

 

ما كان لهذه الرحلة الطويلة أن تنتهي بغير الشهادة، وما كان للبطل أن يرحل إلا متوجاً بالغار، مزنراً بالدم، محمولاً على الأكتاف شهيداً تخرج له غزة بشيبها وشبابها، كما سبق وخرجت ليحيى عياش، بل أكثر من ذلك فيحيى كان تلميذاً، أما الشيخ فهو الشيخ.

 

غزاة أغبياء، لا يعرفون هذا الشعب ويجهلون هذه الأمة وطقوسها في صناعة الشهادة والشهداء والوفاء لدمهم ونهجهم.

 

غزاة أغبياء، يجهلون ما الذي يفعله الأبطال بالجماهير حين يستشهدون. غزاة أغبياء، لم يقرأوا التاريخ.. لم يقرأوا سيرة الأبطال والشهداء وما تصنعه بالأجيال.

 

الموت هو النهاية لكل إنسان، لكن الشهادة في حياة الأبطال والعظماء حكاية أخرى، فهي عنوان حياة للقضية التي ماتوا من أجلها، وهي هنا في حالة الشيخ، ليست قضية فلسطين فحسب، بل قضية الإسلام، وقضية الأمة في مواجهة محاولات التركيع التي تستهدفها من قبل الولايات المتحدة ومعها دولة الاحتلال الصهيوني.

 

ما أروع الخاتمة يا سيدي. الحسنيان معاً: شهادة وانتصار.. انتصار صنعته بيديك، بدليل إعلان الغزاة الفرار من جحيم غزة، وشهادة جاءت في موعدها لتحملك إلى العلياء شهيداً رائعاً تتبوأ الصدارة في أرواح جماهير الأمة.

 

ما أروع الخاتمة يا سيدي.. ألم تطاردهم زمناً طويلاً بمطاردتك الاحتلال من رصاصة إلى رصاصة ومن شهيد إلى شهيد؟

 

ما أروع الخاتمة يا سيدي.. انتصار لك، وانتصار لفلسطين وانتصار للجهاد والمقاومة، وهزيمة للقتلة من صهاينة وأمريكان لا بد سيدركونها ولو بعد حين.

 

سلام عليك شهيداً رائعاً، وعلى من سار على دربك إلى يوم الدين.

 

 

************************

 

 

الشيخ أحمد ياسين

بقلم: كامل الشريف

الدستور الأردنية

 

نهاية تليق بالشيخ المجاهد، لأنها أعطت لحياته معناها الكامل، وختامها الحاسم الرفيع.


لم يكن يليق له بعد مسيرة الجهاد الطويل أن يموت على فراشه كما قال مجاهد الرعيل الأول خالد بن الوليد، ولما استطاع لسان حاله أن يقول مع سيف الله »لا أقر الله أعين الجبناء.


رجل كسيح منذ صباه، ركبته الأمراض في السنين الأخيرة، حتى أصبح يعانق الموت كل ساعة، ولم يعد لديه ما يقدمه لقضية شعبه، فقدم الثمن الغالي الذي لا يستطيع أن يقدمه سواه. كان من الممكن أن يموت في أي لحظة كما يموت الألوف من الناس ويطويه النسيان، لكن القدر أراد أن يعطيه الجائزة الكبرى. وأن يصنع منه أسطورة بطولة، ويحيله إلى طاقة هائلة تتدفق في شرايين الشعب المجاهد، وشرايين العرب والمسلمين. لقد أراد له القدر أن يكون أنشودة يتغنى بها المجاهدون في جبال فلسطين، وعلى امتداد الرقعة العربية الإسلامية لأجيال كثيرة.


لقد كان احمد ياسين طرازا فريدا بين قادة الثورات الوطنية، فقد نبت مع جذور الشعب الفلسطيني، وقاسمه النكبات، وعاش معه في المنافي والمخيمات التي فرضتها عليه (إسرائيل)، وكان إيمانه عاصما له من اليأس أو الركض وراء السراب والأوهام، وقد أدرك قبل غيره حقيقة النوايا (الإسرائيلية)، وان السلام الذي يتحدثون عنه ليس سوى الاستسلام الرخيص، ففضل تسمية الأشياء بأسمائها وعدم إضاعة الوقت، وقد جاءت نهايته مصداقا لما آمن به ودعا قومه لإدراكه.

 

لقد أراد أن يقدم النصح لأمته والعالم في حياته، لكن مناخ الخديعة والاستسلام كان أقوى من محاولاته، وكان لا بد أن يقدم النصح مشفوعا بدمه ودم إخوانه لعله يظـفر بالتصديق.

 

دروس كثيرة قدمتها القذائف الجبانة التي أودت بحياة الشيخ المجاهد، أولها وأهمها أن من المستحيل إقامة سلام حقيقي مع( إسرائيل) لسبب بسيط، أنها كيان استعماري قام على القتل والاغتصاب، ولا يمكن لها أن تستريح وهذا ا لماضي تلاحقها أشباحه، ويرسم لها ملامحها ويحدد لها طبيعتها.

 

أنها أشبه ما تكون بالوحش الضاري الذي يلتهم ما يقدم له ويستزيد به لمواصلة العدوان، ومن واجب العرب والمسلمين أن يضعوا هذا الدرس ركيزة لسياستهم بعد هذا الضياع الطويل.. أما الدرس الثاني فهو إن (اسرائيل) على ما هي عليه من التقدم الفني والتفوق العسكري تقف على أقدام من فخار، وقد كشفت الانتفاضات الفلسطينية نقاط الضعف في كيانها، وها هي تباشير اليقظة تحرك العالم كله، وتخرجه من تأثير المخدر الصهيوني ليدرك مدى الجريمة التي ارتكبت ضد شعب فلسطين، ونرى مسيرات التضامن مع هذا الشعب تخترق شوارع العواصم العالمية، وتتحدى تهمة اللاسامية الرخيصة التي ظلت الصهيونية تهزها في وجه الأحرار، وهذه النتائج مهيأة للازدياد طالما بقيت الانتفاضة الفلسطينية، وتعمقت واتسع مجالها في المحيط العربي والعالمي.

 

لقد اثبت الشيخ "احمد ياسين" في حياته ومماته إن القوة المسلحة لا تستطيع أن ترهب شعبا يتمسك بحقوقه المشروعة، وإذا كانت(إسرائيل) تعتقد أن بوسعها أن تجعل المستعمرين أغلبية في فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان، فإنها ستظل أقلية منبوذة تافهة في المحيط العربي الإسلامي الواسع، ولا شك أن استشهاد الشيخ "احمد ياسين" سيغني عن كل منطق في دفع العرب نحو التضامن لحماية ديارهم أمام هذا الوحش الدموي.


إن( إسرائيل) تعتقد أن بوسعها قهر مقاومة الشعب الفلسطيني حتى يستسيغ الظلم، ويقبل بالدنية لكن الواضح أن هذا الشعب مصمم على نوال حقه المشروع ومستعد لدفع الثمن الغالي، ويجب أن يكون هذا التحدي هو شعار المرحلة المقبلة، وليكن ما يكون.

 

وإذا كان زعماء( إسرائيل) يتسابقون على الظفر بأوسمة هذا الانتصار الرخيص على رجل مقعد، فلا شك أن المستقبل سيكشف لهم أن هذه الفعلة النكراء هي بداية لمرحلة جديدة يتبخر فيها سراب الأوهام، وتضع العرب والمسلمين صفا واحدا أمام الحقائق، وان يتحملوا نتائجها بعزائم الرجال.

 

 

************************

 

 

اغتيال الشيخ "احمد ياسين" بمثابة اغتيال لما تبقى من عملية السلام القائمة

د . حنا عيسى أستاذ القانون الدولي

صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية 24-3-2004

 

إن اغتيال (إسرائيل) للشيخ المجاهد "احمد ياسين" فجر يوم الاثنين الموافق 22/3/2004 جاء نتيجة قرار سياسي من أعلى المستويات في (إسرائيل( تثبت للعالم اجمع بأنها غير معنية بالسلام ولا بالمفاوضات ذات المرجعية الصحيحة.

 

إن توقيت الاغتيال يعتبر تعبيرا عن رفض (إسرائيل) لخارطة الطريق والانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة رغم ادعاءات (إسرائيل) المتكررة بالانسحاب من جانب واحد، ورفض الحكومة (الإسرائيلية) لجميع الوساطات العربية الأخيرة.

 

إننا أمام هذا الوضع غير المدروس من جانب(إسرائيل) يضعنا في واقع لا نحسد عليه وخاصة أن الإدارة الأمريكية تدعم (إسرائيل) على حساب العرب مجتمعين ما يزيد الوضع تعقيدا ويوتر الأجواء نحو التصعيد بدلا من الهدوء.

 

في المقابل نرى أن شارون نظرا للوضع المتأزم في (إسرائيل) قد حقق لملمة اليمين (الإسرائيلي) باغتياله الشيخ احمد ياسين على حساب اليسار (الإسرائيلي) المتردد في موقفه وهذه كلها امتيازات خطيرة وتجاوز صارخ للخطوط الحمراء أما بالنسبة لنا كفلسطينيين فقد جاءت محاولة الاغتيال لتضعنا أمام هدف واحد لا ثاني ألا وهو أن الشعب الفلسطيني بمجمله مستهدف من قبل (إسرائيل) وليس أمامنا إلا خيار الصمود والتصدي والحفاظ على وحدتنا الوطنية وتجذيرها وإرساء دولة المؤسسات وحمايتها لصون الحقوق العامة وإتمام واجبات المواطنة من اجل بلوغ الحرية والاستقلال.

 

 

************************

 

 

أهداف الجريمة الخسيسة

من هنا وهناك عدلي صادق

صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية 24-3-2004

 

كثيرة كانت، مرامي الجنرالات القتلة، المجردين حتى من أبسط تقاليد الجندية؛ عندما أقدموا على قصف عربة الشيخ الرمز، "أحمد ياسين"، ذات العجلتين، لإزهاق روحه الطاهرة!


فمن أجل مراميهم، تهون عندهم، كل الكلمات، التي ستصف العمل بالجبن، وبالخسة، ويهون الشعور بالعار، الذي سيلحق بالعاملين في مصانع "ماكدونالد دوغلاس" الأمريكية، التي تنتج "الأباتشي" وغيرها، من الطائرات المخصصة للحرب الحديثة؛ عندما يعلمون أن منتوجهم، قد استهدف رجلاً مقعداً، يتحرك على عربة ذات عجلات!

 

وبالطبع، لم يكن تبرير الفعلة الخسيسة، بلسان شارون وموفاز، مقنعاً لأحد، مثلما لم يكن يستحق الإصغاء، فحيح الأفعى، كونداليزا رايس، عندما نفثت كلامها، تعليقاً على الفعلة الخسيسة: فإن كان الشيخ ”أحمد ياسين"، يتبنى أيديولوجية معاديا، وإن كان هذا هو السبب، الذي يقوم عليه الاتهام بأنه يقف وراء عمليات الجناح العسكري لحركة "حماس"؛ فلماذا أزعجهم أن يموت رحبعام زئيفي، الذي انتقلت تنظيرا ته الأيديولوجية الماحقة، والداعية إلى الإبادة، من الفلسطينيين إلى العرب جميعاً، والى السد العالي في مصر، والى دائرة جغرافية يتسع قطرها؟!

 

يُراد من اغتيال الشيخ، رفع سقف التوقعات بالقتل، لدى الفلسطينيين أنفسهم، ولدى العرب ولدى أمم العالم، التي تتابع ما تقترفه قوة الاحتلال الصهيوني. فعندما يصبح اغتيال الشيخ، أمراً واقعاً، ستكون اغتيالات من هم دونه، مكانة روحية أو سياسية أو فصائلية، أمراً طبيعياً. ولعل تقديرات الجنرالات، بأن الرجل الوحيد، الذي يحمل مسؤولية سياسية واجتماعية، أعم واشمل، وهو الرئيس ياسر عرفات، سيتلقى من خلال الفعلة الخسيسة، التي قتلت الشيخ "أحمد ياسين"، رسالة خطيرة، أو إشارة حمراء: كان الهدف، اليوم، ذا صلة بتشكيلات مسلحة، غير ملتزمة بشيء، ومطلقة الحرية، في تسجيل ردود أفعالها، وعلى الرغم من ذلك فعلناها، وبالتالي سيكون سهلاً أن نفعل الشيء نفسه، في اتجاهكم شخصياً!

 

فضلاً عن ذلك، فإن الفعلة الخسيسة، لم تكن ستقع، لو أن كلام وموقف الشهيد الشيخ "أحمد ياسين"، كان ضبابياً، وغير حاسم، بشأن موضوع وحدة الفلسطينيين، في حال إخلاء غزة، وبشأن ضرورة التلاقي بين القوى الحية، من الفصائل، لإسقاط رهان شارون وجنرالاته. فهؤلاء طرحوا فكرة إخلاء غزة، لكي ينالوا الأنموذج الفلسطيني الكارثي، أو الوسيلة الإيضاحية، التي تساعد الجنرالات، على إقناع العالم، بأننا لا نستحق الاستقلال والحرية. ومن خلال حكمة الشيخ، بدا أن الرهان ساقط حتماً، فأرادوا من خلال فعلتهم، تغييب الرجل الذي يتوافق عليه محازبو "حماس" وناشطوها، ظناً من الجنرالات القتلة، أن "حماس" ستكون عاجزة عن الحفاظ على وحدتها، لكي تستمر بحكمة الشيخ الشهيد، وبتراكم تجربته، وتجارب الشهداء والأحياء!

 

كانوا يظنون أن إخلاء غزة، سيجعلنا نتقاتل، مثل قبائل الهوتو والتوتسي، في إفريقيا، لكي نضيء بأنفسنا، الإشارة الخضراء، لأتفه الجنرالات، أو لأتفه الأنظمة، لكي يضعوا يدهم على مصيرنا، ولكي يشطبوا أمنياتنا. لكن حضور الشيخ، كان علامة سقوط، لرهان الجنرالات، وبشارة فوز للرهان الفلسطيني!

 

ليست هذه هي كل مراميهم، من وراء الفعلة الخسيسة. لكن الشيء المؤسف، والمثير للاستغراب، هو هذا البؤس العربي الرسمي، وهذه التفاهة السياسية، التي نخشى منها، على استقرار المنطقة وبلدانها. فالنظام الرسمي العربي، يستعد للقمة، التي ليس فيها بالنسبة للعدو، أهم من فقرة كانت معدة، للتضمين في البيان الختامي، تدعو إلى وقف العمليات الاستشهادية. خبر هذه الفقرة، جرى تسريبه عربياً، لأوساط (إسرائيلية)، وتناولته الصحافة العبرية. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلت الشهيد الشيخ "أحمد ياسين"، يُعد رسالته إلى القمة العربية. لكن شارون استبق القمة، وبيانها، بقتل الشيخ، بهذه الطريقة الجبانة، وكان من بين أهدافه، خلط الأوراق وبعثرتها، على الجانب العربي المأزوم، فيما هو يزاود على أعتا الفاشيين في جانبه!

 

من أطرف ما سمعت، من تعليقات البسطاء في بلادنا، على استشهاد الشيخ، قول رجل سبعيني جليل: (اليهود )عارفين إن الشيخ ميت ميت، اليوم أو غداً، وعارفين أن قتله عيب وخسة، لكنهم فعلوها، لكي يبصقوا في وجوه بعض الوجهاء العرب

 

 

************************

 

 

الشهيد الشيخ "أحمد ياسين"

بقلم: وليد العوض/ عضو المجلس الوطني

صحيفة القدس الفلسطينية 24-3-2004

 

ها هي قوافل الشهداء تسير على الدرب ، وفلسطين تفتح ذراعيها لتحتضن أبناءها في بطنها الدافىء وقرية جورة عسقلان المتاخمة لعسقلان على ساحل فلسطين تفرد ذراعيها وترتسم على ثغرها ابتسامة عريضة تفتخر بابنها البار الشهيد الشيخ "احمد ياسين" مؤسس حركة «حماس» بعد أن اغتالته (إسرائيل)، فمع ساعات الصباح الأولى ليوم الاثنين 2004/3/22 تناقلت وسائل الإعلام وبثت شاشات التلفاز صورا مروعة لبقع كبيرة من الدماء وقطع من اللحم المحترق و بعض من خلايا الدماغ المتقد وبقايا عجلة تعود لكرسي محرك يستخدمه شيخ مقعد غير قادر على الحركة إلا على كرسي، ولكنه ذو قلب كبير وعقل متزن أحب فلسطين فأحببناه وتوحدنا معه على حبها، هكذا كان المشهد المؤلم صبيحة يوم الاثنين الدامي مع كرسي متحرك وقطع من اللحم المحترق وجثمان طاهر شوهته الصواريخ الثلاثة التي أطلقتها طائرات الاباتشي هي كل ما تبقى من الشيخ "احمد إسماعيل ياسين" مؤسس حركة المقاومة الإسلامية « حماس» بعد أن نالوا منه وسقط معه عدد من مرافقيه والمصلين عقب أدائهم فريضة صلاة الفجر التي يحرص الشيخ الجليل على أدائها في مسجد المجمع الإسلامي القريب من منزله في حي الصبرا بمدينة غزة، وقد جاءت هذه الجريمة النكراء تعبيرا عن عمق الحقد الذي يعتمر في قلوبهم وتجاوز لم يسبق له مثيل لكل الخطوط الحمراء وأصبح (الإسرائيليون) يخشون ردا فلسطينيا الأمر الذي سيبقي الجميع غارقا في دوامة العنف وسفك الدماء و قد أثبتت التجربة بأن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يركع إلا لله وان الفلسطينيين لن يكونوا وحدهم من يذهبون بصمت إلى المقابر لوداع أبنائهم الذين تحصد أرواحهم ماكينة القتل (الإسرائيلية) وسوف لن يكون (الإسرائيليون) بمنأى عن ذلك، وسيدفعون من أرواح أبنائهم ثمنا باهظا لسياسة حكومتهم الرعناء، ومن الواضح أن هذه الجريمة تأتي في ظل استمرار مسلسل الجرائم وتصعيدها ضد الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية والإسلامية ويبدو أن هذا العدوان سيتواصل في المرحلة المقبلة في محاولة من رئيس الحكومة (الإسرائيلية) لرأب الصدع داخل حزبه وحكومته التي بدت واضحة في الآونة الأخيرة، كما وأنها تأتي تحت الظلال الكاذبة يحاول شارون أشاعتها بحديث مزعوم عن انسحاب من قطاع غزة، ويتضح مما تقدم أن شارون يستخدم خطته هذه لتضليل الرأي العام العالمي وفي نفس الوقت يقوم جيشه وطائراته باستمرار مسلسل الاغتيالات والعدوان ضد الشعب الفلسطيني الأمر الذي نشهده بكل وضوح منذ تصاعد الحديث عما يسمى بخطة الانسحاب من غزة من جانب واحد، لذلك اعقد انه بأن من الواجب اخذ الحيطة والحذر تجاه كل ما يخطط شارون للقيام به ضد شعبنا ونواياه المبيتة في مواصلة حربه واغتيالاته على شعبنا وقياداته الوطنية والإسلامية، والعمل بكل جهد لتفويت الفرصة على مخططات شارون وعدوانه المتوقع.

 

ومن هنا لا بد من القول إن فقدان الشيخ "ياسين" شكل بدون شك خسارة كبيرة أدمت قلوب كل أبناء شعبنا الفلسطيني، ولكن دماءه الزكية كان لها ابرز الأثر في التعبير عن وحدة شعبنا واحتضانه لأبنائه من كل الأطياف السياسية والوطنية والإسلامية فخرجت غزة المفجوعة باستشهاد الشيخ "احمد ياسين" بمئات الآلاف لتودع الشهيد المجاهد وإخوانه الشهداء، كما خرجت كافة المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الوطن والشتات في مسيرات غاضبة استنكارا لاغتيال الشيخ، وبذات الوقت خرجت الألوف من أبناء الأمتين العربية والإسلامية لوداع الشيخ الجليل واستنكارا للجريمة البشعة، وبنفس القدر استنكرت شعوب العالم ودوله المحبة للسلام والعدل هذه الجريمة، ومع ذلك فان خسارتنا للشيخ الجليل لا يمكن أن تعوض، ولكن دماءه الطاهرة يجب أن تبقى نبراسا يدق ناقوسها فوق رؤوسنا يدعونا إلى مزيد من الوحدة الوطنية والى مزيد من الكفاح المثابر حتى نيل حقوقنا العادلة وعلى رأسها حقنا في العودة وتقرير المصير و بناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس فنم قرير العين يا شيخنا الجليل فكما كنت رجل وحدة وصمام أمان في حياتك ستبقى كذلك في استشهادك.