( 3 )
مقالات
حول عملية اغتيال
الشيخ
أحمد ياسين
مؤسس حركة
المقاومة الإسلامية "حماس"
الشيخ والكرامة
وراء الكلام - أحمد دحبور
صحيفة
الحياة الجديدة الفلسطينية 24-3-2004
تأبى
الحركة الوطنية المعاصرة، إلا أن تتزود بالرموز اليومية، كأن في كل
حدث ذكرى، وفي كل ذكرى إعادة إنتاج لجوانب من هذه الملحمة
المتجددة. ويأتي استشهاد الشيخ القائد المجاهد "أحمد ياسين" في هذا
الإطار تماما. فعشرات الآلاف من البشر الذين كانوا يحملونه على
رؤوس القلوب، إنما كانوا يستحضرون لتوهم، معركة الكرامة في ذكراها
السادسة والثلاثين: 21/3/1968
صحيح أن
الطفل الذي رأى النور يوم الكرامة، قد أصبح الآن رجلا ناضجا بكامل
المسؤولية. ولكن الصحيح أيضا أن درس الكرامة يظل مطلوبا حفظه وأخذ
العبر منه للأجيال جميعا. ففي ذلك اليوم الربيعي المتفجر بالخضرة
من عام 1968، كان الجنرال ديان لا يزال سكران بنشوة النصر الذي
حققه على الجيوش العربية قبل تسعة اشهر، خلال ما أطلق عليه حرب
الأيام الستة. وبروح المنتصر الظافر حاول عبور نهر الأردن واجتياح
قرية الكرامة التي رابط فيها عشرات الفدائيين، بقيادة رجل في
الثامنة والثلاثين من العمر، لم يكن العالم قد عرف على نطاق واسع
بعد، أن اسمه ياسر عرفات، وأن لقبه أبو عمار.
كان من
الممكن لحملة ديان أن ترابط بعض الوقت في الكرامة ثم تمضي. لولا أن
أبا عمار أمسك بلحظة الحقيقة. فإما المواجهة وانتشار المقاومة،
وإما أن على الشعب الفلسطيني أن ينتظر فرصة تاريخية لا يدري أحد
متى تأتي أكلها. وكان عليه أن يعمل بمأثورة أن دماءنا في أجسادنا
إنما هي وديعة الأمة تطلبها حين تشاء..
وصمدت
المقاومة بما أذهل جيش ديان المتغطرس. وقدم الجيش العربي الأردني،
بقيادة المرحوم مشهور حديثة الجازي، مفاجأة المفاجآت. فالجيش
العربي يجب أن يليق باسمه. وهذا ما كان..
"كم من فئة
قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله". من الصعب إحصاء مئات المرات التي
ترددت فيها هذه الآية الكريمة، مكتوبة أو مقروءة أو مرئية بعد
ملحمة الكرامة. حتى ليمكن القول بلا مبالغة إن هذه الآية الكريمة
أصبحت الشعار الفطري الذي بتداوله الفدائيون بلا مزايدة أو مناقصة..
يحقق الزمن
دورته الجبارة. ويتواصل الصراع العربي الصهيوني، ولا سيما في
المستوى الفلسطيني الصهيوني منه، فيأخذ أشكالا مختلفة معقدة من
الوسائل والتدابير. ودائما كان البعيدون عن المشهد يتساءلون عما
إذا كان الفدائيون المحاصرون المطلوبون، المخذولون في بلاد كثيرة،
بوسائلهم المحدودة يستطيعون أن يوقعوا الأذى في قلب الاحتلال. وكان
الجواب يأتي من ساحة الميدان. فالفدائي المقاوم يخوض معركته مع
مجموعة مسنودة في أحسن الحالات بمجموعة مثلها. أما العدو فمعه
طائرات أمريكا، وصواريخ أمريكا، ودبابات أمريكا، ومدفعية أمريكا،
وفيتو أمريكا، وأخلاق أمريكا التي تسوغ ضرب المدنيين ونسف البيوت
على ساكنيها الأبرياء. وباستمرار كان طائر العنقاء يخرج من جرن
الرماد. وكان المقاوم يطل ببشارة النصر الآتية مهما طال العثار..
وفي ذكرى
هذه الملحمة المجيدة. يطل الرجل ذو المقعد المتحرك والإيمان العميق
والعناد اللا متناهي. كان "احمد ياسين" في محرق الحدث. يتلقى
التهديد تلو التهديد، فيقول: كن مع الله ولا تبال..
وفي ذكرى
الكرامة، كما في كل ذكرى، كان الشيخ الجليل مع الله، كان خارجا من
صلاة الفجر. ولا يزال يكرج على مقعده المتحرك حتى باب ذكرى
الكرامة. مد إليه الشهداء ظلالهم سجادة خضراء ليدخل محفوفا بالمجد
الذي يليق بأصحاب الكرامات.. مجد الكرامة والتحدي.. ومد يديه في
لهفة العاشق المنتظر.. يا للشيخ في ريعان السادسة والستين.. ثلاثة
صواريخ. وبضع قطرات من الدم الممزوج بمسك ماء الوضوء.. وإذا
بالملايين تملأ الشوارع.. تلك هي كرامة شيخ المجاهدين.
************************
جنون القوة
د. تيسير التميمي
صحيفة
الحياة الجديدة الفلسطينية 24-3-2004
في
(إسرائيل) شعب يخدم جيشا على النقيض من كل دول العالم الجيش في
خدمة الشعب، و(إسرائيل) مصنفة كأقوى ترسانة في الشرق الأوسط، هذا
صحيح، لكن الصحيح أيضا انه لا يوجد صراع مفتوح إلى الأبد كما يسعى
قادة (إسرائيل) إلى إدامة سياسة القتل والاغتيالات دون أن يسألوا
عن الثمن المسدد اقتصاديا، واجتماعيا، ونفسيا ولا نقول أخلاقيا
فآخر ما يفكر فيه شارون الأخلاق في أبعادها الإنسانية وهو ما تثبته
الوقائع، والدماء، والجرائم المرتكبة كل يوم والاغتيالات. وآخرها
اغتيال الشيخ الشهيد "احمد ياسين".
السياسة
(الإسرائيلية) تمارس تضليل مواطنيها هناك صراع داخلي على الحكم بعد
شارون، وشارون يرتكب الجرائم ويصدر أزمات (إسرائيل) الداخلية من
خلال منهجه القاتل ليهرب من أزمته الخاصة ليحتفظ بكرسي رئاسة
الوزراء أطول فترة ممكنة وكل ذلك على حساب الأمن الذي يدعى انه
يقاتل الفلسطينيين، ويغتال رموزهم من أجله.
جنون
القوة، وعربدة اذرعها المتمثلة بالأباتشي والطائرات الحربية
المقاتلة من صنع أمريكي.. لن تجلب الأمن والسلام والرفاه
الاقتصادي، والنمو، وتخفيض معدل البطالة ولن توقف الانهيارات
الاقتصادية بإغلاق آلاف المصانع وورشات العمل في(إسرائيل).
علّمنا
التاريخ ألا صراع دائما، ولا بد أن يحسم إما بالمصالحة والتسوية
والسلام، أو أن يفرض المنتصر شروطه على المغلوب.. وفي معادلة
الصراع الفلسطيني- (الإسرائيلي) أثبتت
كل التجارب، والأحداث، والدماء الأحل من خلال القوة المجنونة
فإرادة الشعب الفلسطيني لم تكسر.
قد يدمر
شارون اقتصادنا، وأشجارنا، ويغتال الأطفال، والنساء والشيوخ ولكنه
لن يهزم إرادتنا وحالنا مع القوة المجنونة كحال الشيخ في رواية
ارنست همنغواي «الشيخ والبحر» في صراعه مع اسماك القرش قالها ذلك
الشيخ «قد يدمر الإنسان ولكنه لا يهزم» وقالها الشيخ احمد ياسين في
صراعه مع أعداء الحياة. تستطيع آلة الحرب.. أن تحدث الخراب،
والدمار وتفجر الدماء الزكية لكن هذه السياسة ثبتت هزيمتها.. حتى
لو امتد الصراع إلى الأبد.. لأن الشعوب باقية والمجانين من الساسة
إلى زوال اسألوا التاريخ.. فعنده الإجابة.. أتمنى أن يقرأ الساسة
في (إسرائيل) سفر هذه البلاد منذ فجر التاريخ فعندهم المؤرخون،
ومراكز الأبحاث القادرون على الوصول إلى نتيجة مفادها أن الغزاة
ذهبوا ولم يبق في الوادي غير حجارته..
لماذا لا
يخرجون من دائرة التفكير الدموي من خلال صواريخ الاباتشي ويصلون
إلى قناعة أن السلام يأتي بمنح الشعب الفلسطيني حقوقه وزوال
احتلالهم لأرضه، وفي ذلك أمن وأمان يحصد ثماره الناس رفاها،
وانتعاشا اقتصاديا، وحياة لا تشوبها أصوات أزيز الرصاص،
والتفجيرات، ودوي انفجارات صواريخ الأباتشي.. وفي استعراض قاتل
مجنون مدعوم بالقوة الأعظم في هذا العالم ودونما وازع من ضمير أو
أخلاق أو حتى تفكير في مصلحة أطفالهم وأطفالنا ومستقبل هذه
المنطقة.. كل ما يهمهم مستقبلهم السياسي في لعبة صراع الحكم
الدائرة في إسرائيل والمتمثل في المثلث المتعصب شارون، وموفاز،
ونتنياهو وأتباعهم من الأحزاب المكبلة بمعتقداتها الأسطورية
الهادفة إلى اغتيال كل مقومات الحياة..
ولنا في معطيات أداء الاقتصاد (الإسرائيلي ) الشواهد التي تثبت
غباء وجنون الساسة الحاكمين في (إسرائيل). وفوق ذلك كله صمود الشعب
الفلسطيني حتى ولو اغتالوا شيخه وأحد رموز تاريخه المعاصر عند مطلع
الفجر.
************************
أبعاد المعركة المقبلة بين شارون وياسين
بقلم: د. إبراهيم البحراوي
صحيفة الأهرام
24/3/2004
صحيح أن
الجنرال شارون قد شعر بالفخار وجلس في كبرياء القائد العسكري
المنتصر بعد سبع ساعات من إشرافه شخصياً على اغتيال الشيخ أحمد
ياسين أمام الميكروفونات يتحدث من الغرفة المخصصة لكتلته
البرلمانية في الكنيست. وصحيح أن أعضاء الكتلة قد وجهوا له
التهاني وأنه تلقاها ليرسلها في تواضع مزيف لقادة الجيش وأجهزة
الأمن, وصحيح أن بدن الشيخ المقعد أحمد ياسين قد تحول إلى أشلاء
وهو خارج من صلاة الفجر لتنتهي حياته. ولكن هل انتهت المعركة بين
الجنرال شارون والشيخ الميت أحمد ياسين؟ الإجابة القاطعة.. التي
يمكنك أن تستدل عليها بقواعد التفكير العقلي ومن أفكار الباحثين
والمفكرين والساسة في "إسرائيل" - تقول إن المعركة مازالت مفتوحة
ومستمرة بين الرجلين, فكل منهما رمز لموقف ولجمهور من الناس
مازال على قيد الحياة.. وهذا النوع من المعارك لا ينتهي بموت رمز
بل يزيد اشتعالاً وتأججاً.
دعونا نرى
كيف يحلل بعض الإسرائيليين أبعاد المعركة المقبلة بين الجنرال الحي
والشيخ الشهيد.
لقد انقسم
كل من تحدثوا على شاشات التليفزيون الإسرائيلي تعليقاً على عملية
الاغتيال, ومن كتبوا في الصحف إلى قسمين: قسم يرى أن العملية لن
تحقق لإسرائيل مزيداً من الأمن وقسم آخر يرى أنها ستحقق لها الأمن
على المدى البعيد. ومع ذلك اتفق الفريقان على أن الأمن
الإسرائيلي سيتعرض للضربات المتزايدة خلال فترة قصيرة ولنتابع نوع
الجدل والخلاف بين الفريقين.
ظهر على
شاشة التليفزيون وزيران صوت أحدهما في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت
يوم 14/3/2004 ضد قرار اغتيال الشيخ أحمد ياسين قال الوزير
(أفراهام بوراز) لقد رفضت القرار وصوت ضده طبقاً للحسابات
المنطقية.. فلو كان اغتيال الشيخ ياسين سيؤدي إلى إصابة حركة
حماس بالشلل لكنت صوت معه, أما والمؤشرات تقول إن الاغتيال سيؤدي
إلى العكس أي إلى زيادة نشاط حماس فقد صوت ضد القرار. إن حماس
مرتبطة بشبكة أوسع من الإسلاميين في جميع أنحاء العالم وبالتالي
فإن اغتيال الشيخ لن يؤدي إلا إلى مزيد من عملياتها.
في المقابل
ظهر رئيس الوزراء الأسبق ووزير المالية الحالي بنيامين نيتانياهو
ليقدم تحليلاً يتفق في المدى القصير مع تحليل الوزير بوراز ولكنه
يؤكد أن النصر الإسرائيلي الناتج عن اغتيال الشيخ سيكون على المدى
البعيد. يرى نيتانياهو أنه صحيح أن حماس سترد في المدى القصير
بعمليات تهز الأمن الإسرائيلي لكن عملية الاغتيال ستحقق النصر
لإسرائيل في المدى البعيد. كيف؟ تسأل المذيعة. ويجيب نيتانياهو
قائلاً: إن هذه العملية تبعث برسالة إلى كل من يعمل ضد أمن
"إسرائيل" وهي رسالة تقول إن "إسرائيل", لن تضع أي حسابات لقيمة
الشخص ولا لمكانته وهذا ما يجعل قادة حماس يرتدعون في المستقبل.
وأضاف
المهم الآن أن نقوي دفاعاتنا لكي نصعب على حماس عملية ضربنا,
ويكون هذا باستكمال بناء السور العازل الذي يقلل من عمليات التسلل
إلى داخل "إسرائيل", فهكذا نستطيع في المدى البعيد أن نقوي
قدرتنا على توجيه الضربات إليهم ونضعف في الوقت نفسه من قدرتهم على
المساس بنا.
إذن هذان
منطقان مختلفان لوزيرين صوت أولهما ضد قرار الاغتيال, وصوت
الثاني معه. غير أن الجدل سيزداد انفتاحاً على مستوى المحللين
العسكريين والسياسيين. الجنرال (جودا عوفير) يرى أن الشيخ أحمد
ياسين سيكون وهو ميت أقوي مائة مرة عما كان عليه وهو حي. فلقد
كان حياً يحرك فقط تنظيم حماس أما وهو ميت فإنه سيحرك أناساً
عاديين سيدفعهم الغضب لمشهد بدنه الممزق وهو خارج من المسجد إلى
التحرك. وينضم إلى هذا الرأي الدكتور (بوعاز جانور) الخبير بمعهد
دراسات الإرهاب والذي يرى أن المشكلة الأمنية التي خلفها اغتيال
الشيخ تتمثل في الناس العاديين الذين سيتحركون بالدافع الذاتي
بعيداً عن الرقابة المفروضة على حركة التنظيمات, وهؤلاء يمثلون
خطراً لا يمكن توقع تحركاته.
وفي
الاتجاه نفسه يري الدكتور (رؤبين باز) المحلل السياسي أن عملية
الاغتيال تحمل لإسرائيل مخاطر أوسع. فالشيخ ياسين كان يعارض قيام
حماس بأي عمليات ضد المصالح الإسرائيلية في الخارج, غير أن
اغتياله سيجعل العالم كله مسرحاً للعمليات ضد المصالح الإسرائيلية
خاصة أن بطن "إسرائيل" عارية في العالم.
في المقابل
يقدم (زئيف شيف) أحد المحللين الاستراتيجيين تحليلاً في صحيفة
هاآرتس يشير إلى أن المعركة مازالت مفتوحة, وأن عملية الاغتيال
تخدم الأمن الإسرائيلي على المستوى الاستراتيجي. فهي جزء عضوي من
خطة الانفصال من جانب واحد عن غزة والتي أعلنها شارون. كيف؟ يقول
شيف إن الرسالة التي بعثت بها "إسرائيل" عن طريق اغتيال الشيخ تفيد
أنه عندما يتم تنفيذ خطة الانفصال عن غزة فإن حماس لن تكون قادرة
على الادعاء بأن الانسحاب الإسرائيلي قد تم تحت ضغط عملياتها,
وأنها سترغم "إسرائيل" على القيام بانسحاب شامل مع تواصل هذه
العمليات.
ويري شيف
أن عملية الاغتيال هي جزء من حملة هجومية ستسبق الانفصال عن غزة
وهي حملة تستهدف ترويع الشارع الفلسطيني ومنع حماس من السيطرة عليه
لإعطاء الفرصة للسلطة الفلسطينية لفرض هيبتها وتطبيق القانون
والنظام في غياب حماس.
وفي تقديري
أن تحليل شيف يستحق أن ننظر له بجدية حيث أن هناك شواهد تؤكده.
وأهم هذه الشواهد هو أن قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي في جلسة
14/3/2004 حول اغتيال الشيخ أحمد ياسين لم يكن مقصوراً على الشيخ
وحده بل هو قرار شامل باغتيال جميع قيادات حماس. معنى هذا أننا
بالفعل على مشارف معركة مقبلة بدأت باغتيال الشيخ ياسين. إن
أبعاد هذه المعركة تشير إلى أنها معركة فاصلة بين شارون وحماس,
وأن نتائج عملياتها ستحسم مصير أحد الأطراف. فإذا استطاعت حماس
أن توجه ضربات مؤثرة ممتدة على مدى زمني متواصل حتى نهاية العام
فإن مصير شارون سيصبح محل تهديد فعلي في الداخل, وسيزداد احتمال
إسقاط حكومته نظراً لفشله الأمني. أما إذا استطاع شارون أن يوجه
ضربات جديدة مؤثرة لبنية حماس وهيكلها القيادي مع امتصاص أثر بعض
العمليات المحدودة من جانبها.. فإن حماس ستجد نفسها مع نهاية
العام وقد ضعفت في شارع غزة مما يفتح الطريق لخطة الانفصال وتسليم
غزة للسلطة الفلسطينية التي تتلقى التعزية في الشيخ ياسين وعينها
على نتائج المعركة المقبلة بين شارون والشيخ الشهيد.
************************
أحمد ياسين.. رسالة في حياته ومماته
بقلم: د. علاء الدين القوصي- الأستاذ بجامعة
أسيوط
صحيفة الأهرام
24/3/2004
يعيش
الإنسان في هذه الدنيا الزائلة لفترة تطول أو تقصر حسب مشيئة المولى
وإرادته التي تحدد أيضاً للعبد نوعية ونتاج حياته حسب عمله ونيته
ورزقه, هناك من يقضي فترته في هذه الدنيا ثم يغادرها كأن لم
يعشها فلا هو حقق هدفا ولا هو أدي رسالة, وهناك من يعيشها في لهو
ولعب أو ظلم وفساد وإفساد ثم يغادر الدنيا بعد أن يكون قد خسرها
وخسر معها آخرته, أما الفائزون حقا فهم يعيشون دنياهم كمشاعل
مضيئة لتحقيق رسالات سامية وأهداف نبيلة ومقاصد خيرة تمكث في الأرض
ولا تنتهي بنهايتهم يأت.
يأتي في
مقدمة هؤلاء الفائزين الأنبياء والرسل الذين ينشرون رسالات ربهم ثم
من بعدهم يأتي الشهداء والأولياء والمصلحون وبعض الزعماء وقادة
الشعوب والمناضلين والمفكرين الذين يكتب الله لهم ألا تضيع حياتهم
وأعمالهم هباء منثوراً كالزبد يذهب جفاء, وفي غالبية الأحيان
تقضي المشيئة الربانية بأن تكون نهاية هؤلاء الفائزين عظيمة
كحياتهم, وفي الحقيقة أنني بعد أن صدمني الاغتيال البشع للمناضل
الشهيد أحمد ياسين وأسلوب العربدة الإجرامي الذي اغتيل به وبعد أن
أصابني الغثيان من منظر دمائه الشريفة المنسكبة على الأرض المباركة
ومن أشلاء جسده الطاهر وبقايا كرسيه المتحرك التي تطايرت بفعل
صواريخ مجرمي العصر وطواغيته, بعد كل ذلك تأملت قليلاً في حياة
هذا الشهيد فغبطته وشعرت بضآلتي الشديدة أمامه وأمام عظمته كانت
حياة الرجل سلسلة من الرسائل والإنجازات النبيلة بدءاً من نعومة
أظافره, وحتى أراد الله له هذه النهاية المؤثرة, أصيب الرجل في
طفولته بكسر في عموده الفقري أجلسه على كرسي متحرك لبقية عمره,
غير أن هذا لم يثنه عن أداء رسالته ولم يمنعه من أن يتعلم ويدرس ثم
يصير معلماً وداعيه في المدارس والمعاهد ودور العلم والمساجد ثم
مناضلاً ضد البغي والظلم والطغيان واغتصاب الأوطان, وظل الرجل من
على كرسيه المتحرك يذود عن أرضه وعرضه ويقود شعبه في سبيل استرداد
أراضيه برغم سجنه ومرضه ومحاولات اغتياله المتكررة حتى كتب الله له
الشهادة بهذه النهاية العظيمة, ولقد كان من الممكن أن يموت الرجل
بالمرض أو بحكم سنه أو في حادث سيارة, لكن المولي عز وجل أراد له
موتة شهيد تليق به وبكفاحه ونضاله ورسالته التي أكدتها الطريقة
التي مات بها, والتي كشفت للعالم أجمع الوجه الحقيقي الإجرامي
البشع لهذه العصابة الصهيونية ومن يعاونها.
هذه
الطريقة التي كشفت لنا أيضاً أنه لم يعد من حقنا أن نصدق ولو لبرهة
أن هؤلاء الأشرار يفكرون في السلام وأنهم يؤمنون بلغة غير لغة
القتل والإرهاب وسفك الدماء وقتل الأبرياء, ولو كانوا على
كراسيهم المتحركة, هذه الطريقة التي كشفت لنا أيضاً أن المقصد
الحقيقي لهذه العصابة من وراء كل جرائمهم البشعة هو إرهابنا وهز
عزيمتنا وكسر إرادتنا والقضاء على شعب حر بأكمله وليس فقط الشيخ
أحمد ياسين القعيد الذي كم كان من السهل عليهم أن يعتقلوه أو
يسجنوه أو يحاكموه ولكنهم بالطبع لم يرضوا بهذا الحل الخالي من
الإرهاب وإثارة الرعب الذي يتصورون وهماً وخيبة أنه من الممكن أن
يكون ضمن أسلحتهم في سبيل تحقيق أهدافهم الخائبة الفاشلة.
لقد انتقل
الشهيد إلى جوار ربه بعد أن حقق رسالته خلال حياته وكشف الأقنعة في
مماته وبإذن الله تتوحد صفوف المناضلين وتتحقق أهدافهم بعد مماته
وهنيئاً لك يا شيخ ياسين بالفوز بإذن الله برضاه وبجنته وعلى الله
قصد السبيل.
************************
استشهاد الشيخ أحمد ياسين.. دلالات وعبر
عبد الله الذوادي
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 24/3/2004
كعادة
اليهود الذين تمثلهم "إسرائيل" لا يحتفلون بالمناسبات إلا بإراقة
الدم، فقد قتلوا الأنبياء نبياً تلو الآخر ما لم يسر على هواهم.
وها هو شارون المجرم يشرف بنفسه الخسيسة المجرمة على قتل الشيخ
أحمد ياسين مؤسس حركة حماس.
اغتاله
شارون بعد خروجه من المسجد بعد أداء صلاة الفجر على كرسيه المتحرك
الذي لازمه منذ أن كان طفلاً، يأتي هذا الاغتيال البشع والجريمة
المنكرة لشيخ جليل مقعد لا يملك حولا ولا قوة إلا قوة الإيمان بحق
بلده وشعبه، يأتي عشية ذكرى توقيع معاهدة السلام مع جمهورية مصر
العربية التي تصادف بعد غد الجمعة السادس والعشرين من شهر مارس،
حيث وقعت هذه الاتفاقية، اتفاقية الدمار وليس السلام في 26 مارس من
عام 1979م، وبموجب هذه الاتفاقية التي وقعها الرئيس المصري أنور
السادات ومناحيم بيجن رئيس وزراء الكيان الصهيوني والرئيس الأمريكي
جيمي كارتر في منتجع كامب ديفيد، بموجب هذه الاتفاقية خرجت أكبر
دولة عربية وهي مصر من حلبة الصراع مع العدو الصهيوني، وعلى إثر
هذا الخروج نبتت لإسرائيل مخالب وأنياب كأنياب الذئاب، بعدما ضمنت
حياد مصر في أي نزاع عربي إسرائيلي وبدأت تشن العدوان تلو العدوان
طيلة ربع القرن الماضي، بدأته بغزوها للبنان واحتلال جنوبه لمدة
عشرين عاماً ولم تخرج إلا بعدما نالت الضربات القاسيات على أيدي
المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله، وأثناء احتلالها للبنان
ارتكبت مذابح صبرا وشاتيلا وتمكنت من إخراج منظمة التحرير
الفلسطينية بقيادة الزعيم ياسر عرفات واغتالت قادة فلسطينيين في
تونس ونكلت بالشعب الفلسطيني منذ معاهدة الدمار المشئومة إلى يومنا
هذا، هدمت المنازل وملأت السجون بأبناء فلسطين وهودت القدس
والجولان السورية وتوجت جرائمها يوم الاثنين الموافق 22/3/2004م
فجراً باغتيال الشيخ أحمد ياسين وتسعة من مرافقيه.
وإذا كانت
هذه الجريمة في حق رجل طاعن في السن مقعد قد أثارت معظم بلدان
العالم، إلا أن شارون ما كان بإمكانه أن يقدم على هذه الجريمة
النكراء ما لم يأخذ الضوء الأخضر من ولي نعمته الرئيس الأمريكي
الصهيوني جورج بوش الابن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي جاء
احتلال بلاده للعراق وتدميره وتمزيقه كواحد من تداعيات اتفاقية
الدمار التي هدفت فيما هدفت إلى إطلاق يد "إسرائيل" في المنطقة
تعربد وتفعل ما تشاء لتحقيق الحلم الصهيوني بقيام دولة "إسرائيل
الكبرى" من النيل إلى الفرات، وإذا كانت بلاد النيل قد حيدت فإن
الفرات وأرض الفرات أصبحت في متناول الدولة الصهيونية تعب من
خيراتها ما تشاء وتعبث بأمنها وتقتل شعبها.
هكذا كانت
اتفاقية السلام بين مصر و"إسرائيل" وبالاً على الأمة العربية،
تعالوا نحدد ما حصدته هذه الأمة جراء هذه الاتفاقية: احتلال لبنان،
مذابح صبرا وشاتيلا، تهويد القدس، تهويد الجولان السورية، ترحيل
منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، قتل قادة فلسطين في تونس،
إعادة احتلال الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس ياسر عرفات في مقره في
رام الله إلى يومنا هذا، تصفية قيادات فلسطينية كثيرة، مواصلة
العدوان على لبنان، العدوان على سوريا عام 2003م، احتلال العراق،
وأخيراً وليس آخراً مقتل الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس والبقية
تأتي، ولم تجن مصر أي فائدة من اتفاقيات السلام، حتى سيناء فإن
هناك قيوداً على حركة جيشها فيها.
"إسرائيل"
والولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النازيين بوش وشارون وذيلهما
توني بلير أقنعوا العالم بأنهم يكافحون الإرهاب، الإرهاب المتمثل،
حسب زعمهم، في تنظيم القاعدة وفي المنظمات الفلسطينية التي تدافع
عن وجودها وأرضها السليبة في فلسطين، اتكأوا على أحداث 11 سبتمبر
2001م واستغلوها لمحاربة ما سموه بالإرهاب واختاروا العرب
والمسلمين من بين شعوب العالم كافة، دمروا أفغانستان ثم العراق
والدور آت على دول عربية وإسلامية بحجة حمايتها للمنظمات
الإرهابية، وإذا كانت في العالم أوكار للإرهاب والإرهابيين فانهما
أمريكا و"إسرائيل"، وإذا كان للإرهاب قادة فانهما جورج بوش وشارون.
هذان المعتوهان تتملكهما شهوة القتل والسيطرة على العالم، يساعدهما
في ذلك إرادة القادة العرب والمسلمين المسلوبة وسيطرة الطغم
الحاكمة على إرادة الشعوب وتجييرها وحبسها في المعتقلات والسجون
وتجميد الجيوش العربية بأسلحتها كافة ولا تستنفر إلا عند بدء أي
انتفاضة شعبية تتمرد على الواقع المخزي المزري.
إن شعب مصر
العربي صاحب النضال الطويل لم يقبل بنتائج هذه الاتفاقية وأبى على
مدى الخمس والعشرين سنة الماضية منذ توقيع الاتفاقية أن يطبع
علاقاته مع الكيان الصهيوني وسيبقى كذلك لأنه يشعر بالذل والمهانة
جراء هذه الاتفاقية الشؤم طالما ظل الاحتلال جاثماً على أرض فلسطين
وشعب فلسطين وفي مرتفعات الجولان السورية.
أيها العرب
افسحوا الدرب للمنتقمين لشرفكم وكرامتكم، أيا كانت توجهاتهم وكفوا
عن وصف المناضلين بالإرهابيين فإن الإرهاب له وجهة واحدة هي واشنطن
وتل أبيب، وله قائدان هما الصهيوني شارون والمتصهين جورج بوش.
اضربوا يا مناضلي فلسطين في كل اتجاه وحولوا نهار "إسرائيل" إلى
ليل دامس يبعث الرعب في قلوب الصهاينة واضربوا غزاة العراق في كل
مكان ومزقوا قلب جورج بوش حسرة على فشله القادم بإذن الله.
وأنتم يا
قادة العرب والمسلمين يا من ليس في مقدوركم وقف هذه المذابح في
بلدانكم التي يرتكبها الصهاينة وجنود الاحتلال افسحوا لشعوبكم دروب
النضال لتهب في حرب مقدسة تقتلع أوكار الشر لا من محيطنا العربي
والإسلامي ولكن في كل بقعة من بقاع الدنيا، وأنتم يا شعوب العالم
احموا قيمكم وإنسانيتكم من الإرهابيين الحقيقيين بقيادة بوش
وشارون.. إن لم يقف العالم في وجه هذين الشريرين فلن ينعم العالم
بالاستقرار، وخذوا من مقتل الشيخ أحمد ياسين الموعظة والعبرة،
وأكرر ما كان شارون الذي يفخر بقتل هذا الشيخ العجوز المقعد ليقدم
على هذه الفعلة الشنيعة التي هزت العالم لو لم يحصل على الضوء
الأخضر من الإرهابي الكبير جورج بوش الذي تتلطخ يداه بآلاف القتلى
منذ توليه الرئاسة، دراكولا العصر الحديث.
أما أنت يا
شيخ المناضلين يا تاج العرب والمسلمين يا من ترقد في مثواك الأخير
وقد نلت الشهادة التي طالما تمنيتها فإن دمك الطاهر المراق سيبقى
وقوداً يشعل جذوة النضال إلى أن تتحرر فلسطين بفضل أبنائك وأحفادك
الفلسطينيين، ثم في جنة الخلد مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن
أولئك رفيقا يا شيخنا الجليل ولن يذهب دمك هدراً، إن شاء الله،
فتحية للشيخ أحمد ياسين آخر ضحايا معاهدة الدمار المصرية
الإسرائيلية عشية مرور 25 عاماً على توقيعها والنصر للعرب
والمسلمين.
************************
اغتيال أحمد ياسين: تقديم شهيد إلى "حماس"
الكاتبة: آمي ويلينتز
صحيفة الاتحاد
الإماراتية 24/3/2004
في عام
1997، تم إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس من
أحد السجون الإسرائيلية حيث قضى ثمانية أعوام من أصل حكم بالسجن
المؤبد. وفور عودة الشيخ ياسين إلى غزة، نقله مستقبلوه من طائرة
الهيلوكبتر إلى مخيم اللاجئين في مدينة خان يونس، حيث وقفت أنا بين
الآلاف من مؤيديه المنتشين بعودته. كان المشهد جامحاً وشديد
التأثير، إذ كان أتباع الشيخ ياسين ينشدون ويهتفون فرحاً في
السيارات ووسائل النقل مع حمل الشيخ في كرسيه المتحرك ليعتلي منصة
مزينة بصور الهجمات الفلسطينية الدامية على "إسرائيل".
وقد ذهبتُ
بعد مضي أسابيع إلى زيارة الشيخ أحمد ياسين في بيته البسيط المؤلف
من طابق واحد في آخر زقاق قذر يعج بالغبار في مدينة غزة. وقد جلس
آنذاك في كرسيه المتحرك في طرف الغرفة الواسعة، ورأسه مغطى بغطاء
فضفاض من القماش الأبيض الذي يخلو من أية تزيينات. كانت قدماه
مستريحتين في خف جلدي بنيّ اللون ويشبه تماماً ذلك الخف الذي تركه
وراءه يوم أول من أمس الاثنين حين وجدت ثلاثة صواريخ إسرائيلية
هدفها فقتلته وسبعة آخرين.
كان الشيخ
أحمد ياسين شخصية مثيرة للقلق في ذلك اليوم من عام 1997. كان يتحدث
بصوت حاد من طبقة مرتفعة، وكان فيه ما هو أقرب إلى القهقهة حين شرع
في توجيه الانتقادات الحادة إلى "إسرائيل" وأقسم وحلف أنه لم يكن
على علم بالتخطيط العسكري لحركة حماس. قال إنه زعيم الحركة الروحي،
لكنه بالطبع اعتبر أن العنف مبرّر لتحرير بلده المحتل. كان الشيخ
أحمد ياسين يُميل رأسه لينصت إلى أسئلتنا التي طرحناها عليه باللغة
الإنجليزية، وكانت عيناه تشعّان بالذكاء وهو يردّ باللغة العربية
على أسئلتنا من خلال المترجم. لقد كانت ظروف إطلاق سراح الشيخ أحمد
ياسين آنذاك مرتبطة، ككل شيء في حياته، بالعلاقات المتأرجحة ما بين
صعود وهبوط بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فما هو السبب الذي يدفع
حكومة إسرائيلية إلى تحرير رجل صدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة
بسبب إصداره أوامر بتنفيذ عمليات قتل جنود إسرائيليين وأشخاصاً
فلسطينيين يُشتبه بتعاونهم مع الاستخبارات الإسرائيلية؟
ربّما يكون
ما لوى ذراع "إسرائيل" آنذاك هو سيناريو شبيه بسيناريوهات سلسلة
أفلام "شرطة كي ستون" الكوميدية الصامتة، وربما يكون ذلك من تواقيع
مخيلة المؤلف والكاتب الشهير جون لي كار. ففي العاصمة الأردنية
عمّان، وفي 25 سبتمبر من عام 1997، خرج خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي لحركة حماس من سيارته فتعرض لهجوم من شخصين قام أحدهما
بغرز إبرة اخترقت الجلد خلف أذن خالد مشعل اليسرى فأودت به إلى
غرفة إسعاف في عمّان حيث شارف على الموت. وقام الحارس الشخصي
المرافق لخالد مشعل، وهو الذي لم يُصب بأذى، بالقبض على
المهاجمَين. وفي اليوم التالي، كشف الأردنيون أن الرجلين من عملاء
الموساد. ولتأمين إطلاق سراح العميلين، تعرّض رئيس الوزراء
الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو لضغوط من الملك حسين لإطلاق سراح
أحمد ياسين بالإضافة إلى ستين سجيناً فلسطينياً غيره. في نهاية
المطاف، نجا خالد مشعل من الموت. وفي الحقيقة أن الإسرائيليين
كانوا يبحثون عن سبيل يحفظ ماء وجههم ويؤدي بهم إلى إطلاق سراح
أحمد ياسين.
فبوجود
أحمد ياسين في السجن، وجد الإسرائيليون أنفسهم مسؤولين عن عجوز
مشلول وعاجز في الستين من عمره وفي حالة صحية سيئة مرشحة للتدهور.
إنه رجل ازدادت شهرته واحترامه بين الفلسطينيين مع مضي كل يوم قضاه
في السجن الإسرائيلي. وقد كانت الحكومة الإسرائيلية قلقة من احتمال
وفاة الشيخ في أية لحظة في السجن الذي جعله يتحول إلى أسطورة. وما
من شك في أن أحمد ياسين كان ثاني أشهر وأحبّ زعيم لدى الفلسطينيين
بعد ياسر عرفات. فعلى رغم كل شيء، لم ترغب "إسرائيل" في تحويله إلى
شهيد. لكنها فعلت ذلك الآن، وبطريقة أكثر وضوحاً بكثير ممّا لو مات
الشيخ لأسباب طبيعية خلف قضبان السجن الإسرائيلي. لقد تحول إلى
شهيد حتى إذا قلنا إنه لم يكن رجلاً صالحاً، وإنه كان يقدم العون
لأشخاص عازمين منكبين على القتل، وإن حركة حماس دأبت على تنفيذ
أعمال الإرهاب الشريرة اللاإنسانية على مدى سنوات بمباركة من
ياسين.
وعلى رغم
ذلك، يشكّل قيام الإسرائيليين بقتل الشيخ أحمد ياسين تمزيقاً لا
رجعة فيه أتى على ما بقي من إمكانيات تحقيق السلام. فعملية
الاغتيال هذه تأتي في لحظة خطيرة وعقيمة انعدم فيها احتمال التواصل
بين طرفي النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. وحتى إذا أعلن رئيس الوزراء
الإسرائيلي عزمه على الانسحاب الأحادي من غزة، فلا شك في أنه دأب
على التخطيط لهذا الهجوم الذي استهدف أحمد ياسين. وعلى رغم أن
شارون تناول طعام الغداء على شاطئ البحر منذ أيام قليلة مع ابن
الملك حسين، أي مع الملك عبد الله، فلا شك في أن توقيت هجومه هذا
على ياسين كان مقرراً ومحدداً.
ويتعجب
المرء هنا حيال شارون الذي توخى الحذر في خضم كل هذا العنف فلم
يتعرض لياسر عرفات بالأذى. فما الذي يا تُرى خطر في خياله عندما
أصدر أوامره إلى جنوده ليقترفوا عملاً كهذا لا سبيل إلى التراجع
عنه ويؤدي إلى توليد مضاعفات من المؤكد أنها ستكون كثيرة ومتطرفة
ولا سبيل إلى التنبؤ بها. ومن المؤكد أن رميه لرشوة سياسية إلى
جناح اليمين، على سبيل الاسترضاء والتهدئة، لا يمكن أن يستحق الضرر
الذي ألحقه الآن ببلده "إسرائيل".
إن قيام
"إسرائيل" بقتل الشيخ أحمد ياسين حركة ترشح بالتحدي والازدراء
والميل إلى القتال، وهي تقدّم دليلاً يبرهن على مدى استعداد ورغبة
الإسرائيليين في الخروج عن المألوف إلى دائرة المستغرب المستهجن في
سياق سعيهم إلى الانتقام لقاء العمليات الانتحارية الفلسطينية التي
تتواصل على رغم الجدار الذي تبنيه "إسرائيل" بغية منع وقوع تلك
العمليات. ومشكلة الانتقام أنه قلّما يقاس. لقد دأبت "إسرائيل" على
مطاردة أحمد ياسين وزعماء حركة حماس بعقلية تبنت هدفاً واحداً لا
ثاني له وتتمحور حول ما يمكن لإسرائيل أن تفعل، بدلاً من أن يكون
محورها ما ينبغي عليها أن تفعل. ولذلك فإن عمليات اغتيال كهذه
عرضةٌ للشكوك والمساءلة، ليس فقط من الناحية الدبلوماسية
والقانونية، بل ومن الناحية الاستراتيجية أيضاً.
فما الذي
تحققه عملية الاغتيال هذه لإسرائيل وللإسرائيليين؟ إذا كانت عمليات
اغتيال قادة حماس تشكل مؤشراً، فإن النتيجة الفورية لقتل أحمد
ياسين ستأتي بشكل هجمة من عمليات التفجير الانتحارية التي تستهدف
المدنيين الإسرائيليين. إن قتل الشيخ أحمد ياسين سيقوّي المواقف
الفلسطينية ويزيدها صلابةً، وسيؤدي إلى المزيد من تقويض خط الوسط
السياسي الفلسطيني، أو ما بقي منه. وربما يكون قصد شارون من اغتيال
أحمد ياسين هو أن يبيّن للفلسطينيين من هو الانتحاري حقاً!.
آمي
ويلينتز: مراسلة سابقة لصحيفة نيويوركر الأميركية في القدس، ومؤلفة
رواية "معبر الشهداء"
ينشر
بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"
************************
بكيت فرأيت...
خالد جمال المطوع
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 24/3/2004
«في رثاء
الوالد المجاهد الشيخ الشهيد أحمد ياسين» في نزيف الوقت وأنا هنا
زائر لتلال الشهداء والتي غدت أطواداً شاهقة في سهو النار وغفلة
الحديد عن اصطخاب وتكاثف خفقات الروح المكللة بالدم، بكيت أنا
الحجر المقعر فرأيت في مرآة ومشكاة وشمعة دمعتي البارقة تلك
الشهيد الشيخ أحمد ياسين فارساً باسلاً ذا وجه قدسي شامخ لم ير
مثله بعد السنوات المائة الأولى من العصر النبوي، وهو يمتطي براقاً
بلون الأصيل، براقاً ظهره حرم، وقد عدا يصهل بآفاق جديدة لمجد
الأجيال القادمة في مروج الفردوس، وشذا الزعفران والمسك والصندل
والعود والكافور يهال جراء ذاك العدو فيعانق أعناق رياح رشيقة
تسابقه في ذاك الفضاء الرغد، وكأن بيني وبينه يخلق سحاباً زكياً
يسيل الأنوف ويرخي الفكر منديلاً خزرياً وينثر البصيرة في ذاك
السحاب نثاراً لألأً، والفارس المكتحل بنقاوة الليل الساجية،
الفارس بلحيته المخضلة بسمو النور ونبل الدم ووقار الشيب يرتدي
الشمس خوذة بعدما أطفأتها غرته المحجلة من أثر الوضوء، حيث يسطع
منها ذاك الفجر!
وأي فجر
ذاك الذي يحضن المشرق والمغرب طائرين غريدين في كنفه؟! وقد نويت
تحيته وتقبيل يديه ورأس هذا الفارس الوالد القدسي، إلا أنني لم
أدرك إلا مؤخراً بأنني لست سوى روح خاملة ومخللة في مغارة جسد نائم
لا يتسلح إلا بقدرات ومواهب خسيسة تغمس الحبر بالنار، في حين كان
ذلك الفارس روحاً يقظة وريحاً تعصف في سهوب الفردوس المحاطة برواسي
المسك وقبب العقيق وأشجار اللؤلؤ والزبيب و الزبرجد بجذوع الذهب،
ومن تحت هالته القدسية وتحت حوافر بُرَاقِه العنبرية تندلق ينابيع
سلسبيل فضية، انحنى البراق بجيده المهيب ليشرب، لينزل من بعدها ذاك
الفارس الوقور المغوار فاتحاً أصابعه الدرية ليشرب بوقار من تلك
الينابيع الباردة، متوضئاً متطهراً بالفضة الزاكية وهو الطهر حتى
إذا ما تقاطر من لحيته ذاك الأريج الفضي ابتسم لي بحنو كمن
يُهَوِنْ علي مصيبتي ونكستي وكارثتي في فقده، وإذا به يزيح درعه
الذهبي و تحته السندس الثمل في خضرته، كاشفاً لي عن جرح نازف
بعنفوان فتي، يطفر الدم فيه بهيئة تلك الينابيع الفضية لتغور
بإعجاز إلهي احتراماً لطهر وجلالة ونبل وقداسة ذاك الدم الأذفر،
والذي ما إن يصيب شيئاً وإلا تشيدت بعنفوانه القصور والأواوين،
ونمت كالنوافير الأشجار بزهورها وثمارها الناهدة، ولربما نبتت
الحور العين لولا أنني غضضت بصري احتياطاً، فطفرت لوحدها بضع قطرات
فإذا بها بحيرة من ذاك الدم نويت أن ألمسها، إلا أن هذا الفارس
النبيل أشار إلي بمنتهى الرزانة والحكمة بالتمهل دون أن يرتكب سفه
اللغو، فسردتها في ذاتي: «لا تلمس الدم إن لم تكن روحاً مثلي قد
نالت الشهادة من رأسها، دعه ينمي ويحي لأجيالي وأبنائي الشهداء
الكثر الوافدين نزلاً خلفي هذا النعيم الرغد». فانخرطت حينها في
البكاء غير أني لم أكن متيقناً أصلاً من أنني لم أرَ كل ذلك
الفردوس في دمعة ثقيلة مكتنزة وهائلة لا أعرف كيف خرجت من عيني،
فشئت أن أحفظها في قارورة كي لا تجف، كي أغسل وجهي كل يوم بها،كي
أتوضأ بها،إلا أنني أدركت حينها لا جدوى من تلك الدمعة، لأشرع في
تدوين جُمل قد تكون منفسة عن مصاهري وبقبقات أحماضي الداخلية
المتفاعلة وهي: «شكراً أيها الخنزير المختون أرييل شارون بوعومري»
لقد حققت لوالدي الشهيد أغلى أمانيه و أسمى غاياته، فلولا صواريخك
تلك لما هو الآن فارساً أميراً قدسياً يجوب بِبُراقِه مروج الفردوس
السرمدية!
المجد
لحكام العرب وحكام العالم أجمع على استنكاراتهم وإداناتهم الظريفة،
والتي لا تكال حتى ببصقة مسلول! المجد للجماهير العربية الأبية وقد
عمدت موجها بدم القديس الشهيد أحمد ياسين، لولا أنني لا أتمنى أن
تعود لمدها وجزرها من جديد في قمقم النظام العربي الحاكم!
والعار
للبطولة الصهيونية السافلة وهي تطلق ثلاثة صواريخ على شيخ مقعد على
كرسيه، يعاني من عمى شبه كلي، مصاب بالتهابات معوية ورئوية مزمنة
من دون سيارات مصفحة سوداء أو بدلة واقية من الرصاص أو حتى سكين
تشذيب الأظافر!
أيها
الخنزير المختون أرييل شارون «بوعومري» هل تعلم بأن جرح الشهيد فم،
جرح الشهيد بركان ودمه مفتاح لأشداق الجحيم؟!
************************
وداعاً شيخ المجاهدين.. وعذراً فقد خذلناك
ناصـر الفضـالة
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 24/3/2004
ما أن فجعت
بالخبر المحزن لاغتيال الشيخ القائد الرمز «أحمد ياسين» حتى برزت
أمامي صورة تلك الابتسامة العذبة التي تفيض إيماناً وثقة التي
ارتسمت على محياه عندما كان يجيب سائله الذي قال: أيها الشيخ ألا
تخشون على أنفسكم من القتل.. لقد توعد الصهاينة باغتيالكم وقيادات
حماس.. فأجاب: نحن لا نخاف الموت، بل نتمناه في سبيل الله..
الشهادة بالنسبة لنا عرس نزف فيه إلى الجنة.. صدق الشيخ المجاهد..
فقد طلب الاستشهاد لنفسه، وعمل له، وسعى إليه، وكان دوما يردد
(الموت في سبيل الله أسمى أمانينا).
بلا شك
سيكون استشهاد الشيخ ياسين عنواناً لمرحلة جديدة في مقاومة
«الصهاينة» أعداء الإنسانية فقد أثبت التاريخ أن المقاومة تستمد
قوتها وتسري فيها روحاً جديدة وفي أبنائها من دماء الشهداء
الأبرار.. وسيشكل دم الشيخ الطاهر وقوداً للمقاومة لا ينتهي ولا
ينضب. ولكن لا يزال صدى ندائه الذي وجهه لأمة العرب والإسلام يتردد
في أسماعنا وقلوبنا.. ليضعنا على محك المسئولية الجسيمة والأمانة
العظيمة التي حملنا إياها ذلك الشيخ الجليل تلك المسئولية التي قال
عنها الشيخ أحمد ياسين الغاضب الحزين على حال أمته وهو ينادي:
"أوَما
ترون أيها العرب كم بلغ بكم الحال !؟ إنني أنا الشيخ العجوز لا
أرفع قلماً ولا سلاحاً بيديّ الميتتين !! لستُ خطيباً جهورياً أرجّ
المكان بصوتي !! ولا أتحرك صوب حاجة خاصة أو عامة إلا عندما يحركني
الآخرون لها !! أنا ذو الشيبة البيضاء والعمر الأخير!! أنا من
هدّته الأمراض وعصفت به ابتلاءات الزمان !! كل ما عندي أنني أردت
أن يكتب أمثالي ممن يحملون في ظواهر ما يبدو على أجسادهم كل ما
جعله العرب في أنفسهم من ضعف وعجز! أحقا هكذا أنتم أيها العرب
صامتون عاجزون أو أموات هالكون!! ألم تعد تنتفض قلوبكم لمرأى
المأساة الوجيعة التي تحل بنا فلا قوم يتظاهرون غضبا لله وأعراض
الأمة؛ ولا قوم يَحْمِلون على أعداء الله الذين شنوا حرباً دولية
علينا وحولونا من مناضلين شرفاء مظلومين إلى قتلة مجرمين إرهابيين
وتعاهدوا على تدميرنا والقضاء علينا !! ألا تستحي هذه الأمة من
نفسها وهي تُطعن في طليعة الشرف لديها !! ألا تستحي دول هذه الأمة
وهي تغض الطرف عن المجرمين الصهاينة والحلفاء الدوليين دون أن
يعطفوا علينا بنظرة تمسح عنا دمعتنا وتربّت على أكتافنا !! ألا
تغضب منظمات الأمة وقواها وأحزابها وهيئاتها وأشخاصها لله غضبة حقة
فيخرجون جميعاً في حشود هاتفة ليقولوا: يا الله اجبر كسرنا وارحم
ضعفنا وانصر عبادك المؤمنين ! أوما تملكون هذا!! أن تدعوا لنا!!
قريباً ستسمعون عن مقاتل عظيمة بيننا لأننا لن نكون حينها إلا
واقفين مكتوب على جبيننا أننا متنا واقفين مقبلين غير مدبرين ومات
معنا أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا وشبابنا !! جعلنا منهم وقوداً لهذه
الأمة الساكنة البليدة !! لا تنتظروا منا أن نستسلم أو أن نرفع
الراية البيضاء لأننا تعلمنا أننا سنموت أيضاً إن فعلنا ذلك
فاتركونا نموت بشرف المجاهد ! إن شئتم كونوا معنا بما تستطيعون
فثأرنا يتقلّده كل واحد منكم في عنقه؛ ولكم أيضاً أن تشاهدوا موتنا
وتترحموا علينا؛ وعزاؤنا أن الله سيقتص من كل من فرّط في أمانته.
ونرجوكم ألا تكونوا علينا ؛ بالله عليكم لا تكونوا علينا يا قادة
أمتنا يا شعوب أمتنا !! اللهم نشكو إليك.. نشكو إليك ..نشكو إليك..
نشكو إليك ضعف قوتنا.. وقلة حيلتنا.. وهواننا على الناس.. أنت رب
المستضعفين وأنت ربنا.. إلى من تكلنا.. إلى بعيد يتجهمنا.. أم إلى
عدو ملكته أمرنا. اللهم نشكو إليك دماءً سفكت.. وأعراضاً هتكت..
وحرمات انتهكت ..وأطفالاً يتمت.. ونساء رملت.. وأمهات ثكلت..
وبيوتاً خربت.. ومزارع أتلفت.. نشكو إليك.. تشتت شملنا.. وتشرذم
جمعنا.. وتفرق سبلنا.. ودوام الخلف بيننا.. نشكو إليك ضعف قومنا
وعجز الأمة من حولنا وغلبة أعدائنا."
واليوم بعد
أن ترجل عنوان الجهاد والمقاومة.. عنوان الكرامة لهذه الأمة..
عنوان كرامة العرب والمسلمين.. هل أجبناه؟ هل ثارت نخوتنا
لنداءاته..؟ هل شمرنا عن سواعدنا لنصرة إخوتنا.. ومقدساتنا..
وشرفنا المهدور على أيدي الصهاينة وأعوانهم من المجرمين؟ لقد
خذلناك يا شيخ الجهاد والمجاهدين.. فقد ألهتنا نفوسنا الضعيفة
بالصغائر عن اللحاق بغاياتك العظيمة التي لو أدركناها لتبدل الحال
من أوحال الذل والمهانة.. إلى سحائب العزة والكرامة...
وداعاً يا
شيخ المجاهدين.. وعذراً لخذلاننا..
ولا حول
ولا قوة إلا بالله.
************************
اغتيال شيخ المجاهدين وعبث العَومِ ضد سنن الله
عز وجل
د. محمد بسام يوسف
كان
الإرهابيون المتسترون بمقولات (مكافحة الإرهاب) يتوقعون أن (الثور
الشاروني)، سيكون جامحاً ساحقاً ماحقاً، فتنتهي مقاومة الاحتلال،
ويتم القضاء على الانتفاضة قضاءً مُبرماً!.. لكن (شارون) خيب آمال
حلفائه الإرهابيين، ولم يكن بغطرسته وإجرامه، إلا القابِلة
القانونية، التي استولدت أدوات غرقه وغرق كيانه الصهيوني من رحم
الانتفاضة المباركة!..
فكانت
العمليات الاستشهادية في عمق هذا الكيان، إحدى أهم الأدوات التي
وُلِدت مكتملة النمو معافاة!.. وكانت عمليات المقاومة الضاربة في
(تل أبيب) وعمق الكيان المسخ، التي اشتدت بعد مدةٍ وجيزةٍ من
اعتلاء المجرم الإرهابي (شارون)، هرم العصابة الحاكمة في الكيان
الصهيوني .. نموذجاً واضحاً للأدوات المثالية، بكل صورتها الدقيقة
وتداعياتها، التي كشفت هشاشة المجتمع العنصري الصهيوني، وحقيقة
بنائه الرملي المتداعي!..
عمليات
المقاومة البطولية في كبد الكيان المسخ وقلبه، لقنت الصهاينة ومَن
وراءهم درساً بليغاً باللغة التي يفهمونها، جوهره: إنه لا يمكنهم
العيش بأمانٍ وسلام، علي وَقْع مجنـزراتهم، التي تحرث الأرض
العربية الفلسطينية!.. وأن هذا النوع من اللعب والتمتع بمشاهد
الدماء والدموع والجنازات العربية المسلمة .. ممنوع منعاً باتاً!..
فمَن يرغب في الاستمتاع بمشهد دم طفلةٍ رضيعةٍ من مثل: (إيمان حجو)
ومثيلاتها، عليه أن يكون مستعداً للغرق في بحار الدم المتدفق من
قلبه وخاصرته وصدره!.. وهكذا كان لا بد من سفينة نجاةٍ ضخمةٍ هذه
المرة، لقَطْرِ الإرهابي (شارون) وكيانه المزعزع!..
لم يكن
مجرم الحرب الأمريكي: (بوش الصغير) .. إلا (المهندس) الذي صمم
مخططات بناء سفينة النجاة الأمريكية الضخمة!.. ولم يكن بعض الحكام
العرب المشتركون في الزفة الأمريكية الصهيونية، إلا (البَنائين)
المنفذين لتصميم سيدهم المهندس الأمريكي الصهيوني!.. فشرعوا -بعد
إنجاز مهمتهم في التواطؤ على احتلال العراق- ببناء سفينة النجاة
المذكورة، التي ستَقْطُرُ القارب الصهيوني، الغارق في مزيجٍ من
الدماء والرمال المتحركة، وذلك بافتتاح أول ورشة بناءٍ ذات أهدافٍ
تآمريةٍ قذرةٍ .. علي أمة العرب والإسلام!.. وهكذا ظنَ الطائشون
الجبناء، أن خطوتهم الدنيئة باغتيال شيخ المجاهدين ورمز المقاومة
"أحمد ياسين".. سيؤمن لهم سفينة نجاتهم، وما علموا أنهم بذلك يبنون
أدوات سحقهم وأبادتهم، ويشيدون رافعةً ضخمةً لجهاد شعبٍ مقاوِم،
ولإيقاظ أمةٍ نائمة، ستكتسح بإذن الله كل مجرمٍ جبانٍ صهيونيٍ أو
أمريكي نذلٍ متواطئ، أو خائنٍ منافقٍ عميلٍ!..
ما يدعو
إلي الدهشة وارتفاع المعنويات والثقة باقتراب نصر الله عز وجل في
آنٍ .. هو تلك البذور المدمِرة، التي نثرها عباقرة الهندسة والبناء
الأمريكيون والصهاينة، في سفينتهم قيد البناء!.. فكل ما قدمه
المعلم المهندس، وما سينفذه البناءون العرب من مكرٍ وأفكارٍ
ومخططات .. يحمل بذور خرابه بين طياته!.. و إلا ما معني أن تصب كل
الجهود، لحماية الجلاد من ضحيته، ولتحقيق أمنه وسلامه، من خلال
حلولٍ أمنيةٍ مسكِنةٍ، تخلو من أي حلٍ سياسيٍ حقيقي، يعترف بأن
احتلال الأرض، وترويع أهلها، وممارسة كل أشكال القهر والظلم
والإجرام بحقهم .. مخالف لكل الأعراف الدولية والإنسانية
والأخلاقية؟!.. وما معني أن تُعتَبَرَ كلمة: (آه)، الصادرة عن
الضحية الذبيحة .. دليلاً قاطعاً على إرهابيتها وعنفها غير
المبرَر؟!.. وما معنى الاستنفار بالدرجة القصوى، للتحريض على
اعتقال طفلٍ مقاومٍ قاصِرٍ أعزل، بتهمة الإرهاب وارتكاب أعمال
العنف، لأنه (شَهَقَ) شهقةً مزعجةً، قبل أن تصعد روحه إلى السماء،
بفعل قذيفةٍ متحضرةٍ انطلقت من دبابةٍ صهيونية الجنسية، أمريكية
الصنع والمنشأ، تزرع الأمن والسكينة والاستقرار والسلام
الأمريكي؟!.. وما معنى أن تكون أعمال المحتل المتغطرس في وطنٍ
محتَلٍ، من قتلٍ وسلبٍ ونهبٍ، وتجريفٍ للأراضي الزراعية الحية،
وقطع أشجارها، وإبادة الحياة على ظهرها .. أن تكون لضروراتٍ أمنيةٍ
تحفظ أمن ذلك المحتل المعتدي؟!.. وما معنى أن يزعم المهندس الأخرق،
أنه سيحقق السلام في فلسطين، بينما جيشه الهمجي الفاشي يشن حرباً
ظالمةً لئيمةً، ويحتل بموجبها بلداً عربياً شقيقاً مسلماً مجاوراً
لفلسطين.. هو العراق؟!..
أما ما
يدعو إلى الاستغراب والاندهاش والمرارة في آنٍ .. أن يتحول بعض
الضحايا، إلى عمالٍ ناشطين في ورشة بناء (سفينة النجاة الأمريكية)،
لإنقاذ جلاديهم من الغرق!.. فتتقزم قضية العرب والمسلمين المركزية
بجهودهم العبقرية الفذة، إلى بنودٍ ينبغي تنفيذها، في (متاهة
الطريق) الأمريكية الصهيونية!.. بعد أن مَسَخوها سابقاً (أي القضية
المركزية) إلى: بنودٍ مبهمةٍ كُتِبَت في (أوسلو)، وشارعٍ حزينٍ في
(الخليل)، وموقعٍ عسكريٍ في (غزة)، وسلطةٍ مسلوبة الأرضية والإرادة
والهوية والشرف والمصداقية، وملهاً ليلي في (أريحا) أو (رام
الله)!..
ليس هناك مَن يقدر من البشر، على إيقاف المقاومة المشروعة
للاحتلال، أو إنهاء الانتفاضة المباركة، لا المهندس، ولا البَناء،
ولا العمال، ولا الجلاد، ولا جحافل المتواطئين أو الخونة أو
المشاهدين المتفرجين عن بُعدٍ من بليدي الحس الإنساني والعربي
والإسلامي!.. المقاومة تتوقف فحسب، عندما تسير الأمور وفق السُنَن
الكونية، سُنَنِ الله عز وجل في الأرض .. حين ينتهي الظلم، ويزهق
الباطل المتمثل في: الاحتلال، وسفك الدماء من غير حساب، وزرع
الخراب والدمار في كل بيتٍ آمنٍ وكل أرضٍ عاشقةٍ للحق والعدل
والحرية ورافضةٍ للقهر والظلم والعبودية!.. فهل يستوعب هذه
البدهية، أولئك الذين يصرون على العوم ضد سُنَنِ الله عز وجل في
أرضه؟!..
************************
الشيخ الشهيد
محمد كريشان
في قرارات
كبرى مثل الإقدام على اغتيال الشيخ الشهيد "أحمد ياسين" الذي
أرادته (إسرائيل) حدثا مفصليا كبيرا قبل إعادة انتشارها المتوقعة
من قطاع غـــزة - حتى لا تكرر تجربتها في جنوب لبنان حين خرجت
مدحورة مذلولة - كان يفترض أن يكون القرار سياسيا و أمنيا في نفس
الوقت، بل أن يكون لخبراء الأمن الكلمة الفصل على أساس التداعيات
الأمنية الخطيرة لعمل في مثل هذا الحجم، لكن الأمور في (إسرائيل)
لم تسر على هذا النحو فقد بات من الواضح أن حكومة شارون الدموية
فقدت أعصابها بالكامل إذ لم يعارض الخطة، حسب تقارير الصحافة
(الإسرائيلية)، سوى الوزراء الثلاثة الذين ينتمون إلى حزب "شينوي"
العلماني المشارك في الائتلاف فيما لم نشهد معارضة من أوساط في
الأجهزة الأمنية لجنون شارون ووزير دفاعه. حتى رئيس جهاز الأمن
العام (الإسرائيلي) ("الشاباك")، آفي ديختِر الذي ذكرت بعض المصادر
أنه أبدى تحفظا على قرار اغتيال "ياسين" ، على أساس أن الأضرار
الناجمة عن مثل هذه الخطوة تفوق الفوائد المرجوّة منه، لم يتورع ،
حسب القناة العاشرة في التلفزيون (الإسرائيلي) ، أن يطرح اقتراحًا
بديلاً يتمثل باغتيال جميع قادة حركة "حمــاس" على نحو متزامن!!.
بالتأكيد
لم يكن غائبا عن ذهن أصحاب القرار (الإسرائيلي) أن اغتيال الشيخ
"ياسين" لن يمر دون أن يفتح أبواب الجحيم على (الإسرائيليين) و مع
ذلك أقدموا عليه لأنهم في العمق لا يرغبون في التوصل إلى أية تهدئة
أو تسوية مهما كانت فضلا عن أنه ليس سرا أن سلسلة الاغتيالات التي
قامت بها (إسرائيل) منذ سنوات و ما زالت تقوم بها لم تؤد إلى أية
نتيجة بل إن مقاومة الفلسطينيين ازدادت شراسة رغم غياب شخصيات هامة
من أمثال أبو جهاد أو أبو إياد أو فتحي الشقاقي أو غيرهم من
الشهداء الذين كانت تعتقد أن غيابهم سيفتت من عزم الفلسطينيين.
أما
الحقيقة التي ازدادت اليوم وضوحا على وضوح فهي أنه طالما أن حكومة
شــارون، و أي حكومة (إسرائيلية) سابقة أو لاحقة في الحقيقة ، تشعر
بأن ظهرها محمي من الإدارة الأمريكية التي رفضت إدانة الاغتيال
مكتفية بتلك الدعوة السمجة الخاصة بــ "ضبط النفس" التي اقتبستها
منها كذلك كل من اليابان و أستراليا، فإنها ليست في وارد مراجعة
حساباتها العدوانية الطائشة التي جعلت منها دولة إرهابية بأتم معنى
الكلمة و عصابة حاكمة على طريقة المافيا و ليست حكومة مسئولة في
الحد الأدنى مما تعارفت عليه الدول في عالم اليوم.
و إذا كانت
(إسرائيل) تمتلك قائمة كاملة بالتصفيات المطلوبة و إذا لم يعد لمثل
هذه الاغتيالات من سقف فإن المقبل من الأيام سيكون أكثر شراسة و
ألما خاصة عندما لا يتردد مستشار شارون في الإعلان عن أن الرئيس
ياسر عرفات هو أسوأ من الشهيد ياسين مما يضعه تلقائيا على رأس
المطلوب تصفيتهم قريبا. و إذا كانت (إسرائيل) ارتعبت لمجرد إقدام
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين للثأر من اغتيال أمينها العام الشهيد
أبو علي مصطفي باغتيال وزير السياحة المتطرف رحبعام زئيفي فإن
عليها اليوم أن تكون أكثر رعبا لأن اغتيال الشيخ "ياسين" لا يمكن
أبدا أن يمر دون أن يصل في سياق الرد عليه إلى حد تحديد شخصيات
(إسرائيلية) من الصف الأول ضمن الأهداف المشروعة ليس لحماس فقط و
إنما لأكثر من جهة فلسطينية أصبحت تعتقد بأن (إسرائيل)لا توفر أحدا
و بأن حربها باتت مفتوحة على الجميع و بالتالي عليها أن تتوقع كل
شيء و من الجميع. أما خارطة الطريق و غيرها من مبادرات التهدئة
فيبدو أن الحديث عنها سيختفي لفترة قد لا تكون بالقصيرة .
************************
حمامة فلسطين الطاهرة
أيمن اللبدي ـ
فلسطين
سقطتْ
حمامةُ فلسطينَ اليومْ
سقطتْ
شهيدةً بيضاءَ وضّاءَ، طيبةً طاهرةً زاهرةً عفيفةً متوضئةً مصليّةً
مكبّرةً مهللةً بهيّة ْ
سقطتْ على
دربِ الأبطالِ من الرجالِ الرجالِ، ورأسُها شامخٌ للسماءِ على
محجّةٍ بيضاء َ ودربٍ خالدْ
سقطتْ
وعنوانها الإباءُ والشممْ ،والعزمُ والقدرةُ على قهرِ الألم ْ،
واحتسابُ الأجرِ على خالقِ الثناءِ وربِّ الكرم ْ
سقطتْ وهي
تنيرُ الدربَ وتعينُ على الحقِّ، وتتحمّلُ الكربَ وتقف ُ سداً
منيعاً ضدَّ الفتنةِ والشقِّ
سقطتْ ولم
تفتنها عن مسيرتها الخالصة بهارجٌ ولا مفاتن ْ، ولم تحرفها عن
رسالتها مواسمٌ ولا كمائنْ
سقطتْ وهي
على الحقوقِ أمينة، وعلى تخاذلِ الحالِ حزينة ْ، وفي استنهاضِ
الهممِ ركينة ْ
سقطتْ وما كلَّت عنِ الفداءْ، ولا رغبتْ عن الدعاءْ، ولا حرصت على
التصاقٍ إلا بأمر السماءْ
سقطتْ
تناجي ثرى فلسطينْ، وتعطِّرُ الدارَ بزهرِ المخلصينْ، وتستبشرُ
بالقادمينْ كما زفّت عندَ ربِّ العرشِ المكينْ
سقطتْ
حمامةُ فلسطينْ
يا أيها
الشيخُ الجليلْ
يا درعَ
غزّةَ، وصباحَ القدسِ، وسكينةَ بيتَ لحمٍ، وأمانَ يافا، وبشرى
الجليلْ
لا تذهبِ اليومَ منا قبلَ أن نقسمَ بينَ يديكَ وعلى مسمعِ روحكَ
الطاهرةِ الجليلةِ بأنَّ الدنيةَ منا هي المستحيلْ
لا تذهبِ
اليومَ قبلَ أن نجدِّدَ العهدَ ونؤكِّدَ الوعدَ بأنَّ كاملَ
الترابِ وكاملَ الثأرِ هي الوصيةُ الوحيدةُ والحلُّ السبيلْ
لا تذهبِ
اليومَ قبلَ أن نقسمَ من جديدٍ على البيعةِ وعلى انتهاءِ التشرذمِ
والضيعةِ وعلى اللقاءِ من حولِ السلسبيلْ
لا تذهبِ
اليومَ وإن بكيناكَ طويلاً وسمعتنا نندبُ رحيلاً، لا تذهب قبلَ أن
نقتلَ في يومنا هذا البكاءَ و العويل ْ
لا تذهبِ
اليومَ قبلَ أن نحمِّلكَ سلامَنا لمن صرتَ بينهم وصاروا أمامنا
وشددنا للحاقِ بهم ركبَنا وقطعنا القصيرَ والطويلْ
لم تمتْ يا
شيخنا الشهيدْ
فلقد صدقت
وعدا ً ووفيتَ عهداً وأتممتَ قصداً وأثمرتَ جهداً وولدتَ جنداً
وأقمتَ سداً وهزمتَ حداً وأنرتَ لحداً وجنيتَ شهدا
اللهُ
أكبرُ فيكَ حيّاً وفيّا، ولكَ الخلودُ مع الأبرارِ والشهداءِ
نحسبكُ ونحتسبكَ إلى اللهِ عليّا، وفي جناتهِ ورضوانهِ اليومَ
سفيراً رضيّا
فاستنفري
أيتها الكتائبُ والسرايا، لم يعدْ بعد اليومِ في الوقتِ ما يقبلُ
مهلاً ولا خبايا، من سارَ معكِ هو منا ومن سار عليكِ لم يعد منا
ولا فينا ولا استبقي طاعةً ولا في الأمرِ لهُ عندنا بقايا
فُصلَ القولُ وحانَ الصولُ وليسَ للمرجفِ ولا للمستعقلِ على العارِ
سمعٌ ولا نول ُ
والهدمُ بالهدم والتدميرِِ، والنارُ بالنارِ والتسعيرِ، والرأسُ
بالرأسِ والتكثيرِ، والبادي أظلم ُ
رفعَ العذلُ وسقطَت المهلُ، ولا يأخذنَّ في الباغي هونٌ ولا حول
لا مانعَ إلا ما منعَ الله ولا مهربَ اليومَ للصهاينة من القصاصِ
إلا لسماه
شيخنا الشهيد "أحمد ياسين"
لن نبكيكَ
وإن بكيناكَ
ونقرؤكَ
السلامَ ولا سلام لقاتليكَ ونبلغكَ الأمانَ ولا أمانَ لغادريك َ
ونشهدكَ الوفاءَ ولا بقاءَ لشانئيكَ
وما المهلُ
إلا لتسّر بها ناظراكَ وتستريح عقبها من نواتجها في فردوسكَ وعلاك
ولا نقولُ وداعاً بل إلى لقاءٍ نسارعُ إليكَ فيه ومن سبق من
شهدائنا الأبرارِ سراعا
فيا فرحَ وفوزَ المستبشرين ْ ممن بقي على دربِ ياسينَ
وحمى اللهُ
فلسطينْ.
************************
لا نامت أعين الجبناء
سوسن البرغوثي
لم يكن
"أحمد ياسين" سوى رمزا للمقاومة الشعبية في فلسطين، وهو واحد من
شعب فلسطين
المجاهد.
حماقة من
يظن بأن المقاومة لن تستمر، بل وغبيّ من لا يدرك بأن وتيرة
المقاومة ستتصاعد، وهذا كفيل بزيادة التوتر في المنطقة بأسرها.
عندما وصل
شارون إلى رأس الحكم، جاء بمشروع ينفذ سياسة (إسرائيل) التي قامت
على أساسها دولة (إسرائيل) فهو إذن لا يعمل بمفرده. هي سياسة
عنصرية تعتمد الإرهاب مسلكاً ووسيلة لتحقيق الغاية من إقامة تلك
الدولة.
وليس من شك
في أن جميع المسئولين في (الدولة العبرية) يدركون الآن بعد تنفيذ
الجريمة البشعة بأن الشيخ "أحمد ياسين" يرقد بسلام بعد أن شرّفه
الله بالشهادة التي طلبها، ويدركون بأنهم لن ينعموا بالأمان.
رجل طاعن
في السن ومقعد ومشلول ولا يملك أي قوة بدنية يسبب لهذا الكيان
بكامله وأفراده وأسلحته هذا الحجم من الرعب، فكيف يمكن أن يكون
الشعور على المستوي الشعبي في الكيان الصهيوني بعد استهدافه..؟
لا شك بأن
الأم والطفل في الكيان الصهيوني الآن أكثر رعباً وأكثر خوفاً من
وقوع عمليات استشهادية. وستنهض فلسطين كلها بشيبها وشبابها لتقول
لا لنزيف الدماء وبالوقت نفسه ستقدم الدماء للدفاع عن حقها في
الدفاع عن النفس وبالمقاومة لاسترداد الكرامة .
ما يهمنا
الآن أن يعرف العالم كيف نقف يدا واحدة ونرصّ الصفوف. لا بالشجب
والرفض والاستنكار فقط، بل بالكلمة والعمل.
أين نحن من
الاستفادة من الحدث لنقول للرأي العام العالمي.. اشهدوا بأم
أعيــــنكم كيف يصعّدون العنف .. وكيف يمارسون إرهـــاب دولة..
ويعملون على فناء شعب بأكمله؟ !
أم تراها
رسالة إلى العالم يقولون من خلالها بأنهم سادة المنطقة.؟ مهيمنون
ومحتلون لفلسطين والعراق.؟ ويلوحون بعصا التأديب لكل طالب حرية
وتحرر.؟
ونحن نودع
الشيخ الجليل إلى مثواه، نقول برغم الحزن والقهر بأن المسيرة
ستستمر وبضراوة أكثر وصمود أكثر وإصرار أكثر، ولن يثني عزيمة هذا
الشعب أرتال الشـهداء فهم قرابين الحرية والشرفاء والملائكة ولهم
الجنّة
ونحن في
هذا الواقع المؤلم وسط الصمت العالمي المشبوه نحتاج أكثر من أي وقت
مضي إلى مزيد من اللحمة الوطنية وتراص الصفوف وإلى مزيد من التصميم
والتضحيات والاعتماد على الله والنفس..
هو الغضب
الذي سيتحول إلى نار تحرق الغزاة، وإلى عمل جاد لإنهاء مهزلة وجود
هذا الكيان الإرهابي.
أحرار
العالم مطالبون اليوم ليس فقط بالوقوف دقيقة صمت تقديراً واحتراماً
وتحية إلى روح الشهيد "ياسين"، بل بالتحرك العملي على كل الجبهات
وعلى أقل الجبهات شأنا كفعل مقاومة ورفض لممارسات هذا الكيان
البغيض,.
ولعل
الشبكة الإلكترونية المفتوحة والحرة قادرة أن تحمل كم الغضب وتوصله
إلى كل مكان. نقول لكل فرد يعيش في حومة الكيان الصهيوني هذه
دولتكم المتحضّرة؟ وهذه حضارتكم التي تقوم على الدم والجماجم، وعلى
فناء شعب مسالم بأكمله.. هي وسيلة احتجاج وإيصال مقولة وندرك
جميعاً بأن الأكثرين يتابعون مجريات الشبكة، وهو أضعف الإيمان لكنه
فعل مقاومة وجهاد.
أما العمل
الآخر الموجع، والرد الآتي فشعب فلسطين مستمر بكفاحه، وسيلقن
الغزاة الدرس تلو الدرس، وأننا هنا باقون، على أرضنا وتاريخنا
وتراثنا.
وداعاً
مسألة السلام فقد دفنتها الصهيونية قبل أن تولد، وفتحوا باب العنف
على مصراعيه وعلى العالم أن يتحمل كل نتيجة.
إن اغتيال
الشيخ "ياسين" واغتيال باسم سالم قديح عضو كتائب عز الدين القسّام
الذراع العسكرية لحركة المقاومة، وهدم البيوت وتشريد الأطفال
والنساء، لن يواجه بالصمت من الشعب الفلسطيني.
الحزن
مستمر على شهداء سيولدون في كل يوم، ولن يقف حمام الدم..
وهذا الخرس
العربي الرسمي يساهم في دعم سياسة دراكولا ومن ورائه أمريكا التي
تدعي بأنها الساعية إلى تحرير الشعوب! وفي سبيلها إلى ذلك فهي تكيل
بمكيالين. تمعن وتفتك بشعب العراق وأفغانستان، ويستمر شارون
بمذابحه.. والعالم والعرب غارقون بالصمت..
عزاؤنا على
من يصمت وليس على من يستشهد (فما لجرح بميت إيلام) فهل نحن موتى
بلا قبور؟ وهل نحن الخانعون ونتلقى الصفعات؟
أم ترانا
نسينا بأن السيد المسيح عليه السلام رسول المحبة والسلام باع رداءه
ليشتري سلاحاً!؟
كما أن
الرسول محمد عليه الصلاة وسلم نشر كلمة الحق بالفتح؟!
*وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ *
.«دق
الله العظيم».
************************
لنا الفخر يا شيخنا الشهيد والحزن للعملاء
فايز أبو شمالة
عضو المجلس الوطني الفلسطيني
حقّ لنا أن
نفتخر نحن الشعب العربي الفلسطيني بأن الطائرات "الإسرائيلية" قصفت
بالصواريخ الشيخ "أحمد ياسين"، مقعداً قائداً قادراً أن يثير الرعب
في قلب كل معتدٍ أثيم!
حقّ لنا أن
نثق بالغد العربي الطاهر النقي من لوثة العملاء المتآمرين، فما دام
فينا قيادة تستفز الطائرات الحربية، فنحن على الطريق الصحيح الذي
سيقود إلى تحقيق الأمل، إننا نطمئن أكثر لحبة القمح التي تنمو
سنابل.
حق لنا أن
نفتخر بالشيخ شهيداً ألف مرة من أن نراه يحمل لقب وزير، أو وكيل
وزارة، أو لواء أو عميد، أو أي مسمى فقد حضوره ومضمونه تحت تلويح
السيف "الإسرائيلي" المشهر الغادر.
حق لنا أن
نفتخر بالشيخ "أحمد ياسين" مطارداً من الطائرات "الإسرائيلية" من
أن نراه يعبر إلى الضفة الغربية زائراً بعد التنسيق مع
(الإسرائيليين)، وتحت ظلال العلم (الإسرائيلي).
حق لنا أن
نفتخر بالشيخ "أحمد ياسين" شهيداً من أن نراه يجلس على طاولة
المفاوضات للتوقيع أمام عدسات المصورين متنازلاً عن قرية الجورة
وحمامة والسوافير وبيت دراس، ويافا وعكا وحيفا، مثيراً شهوة وشهية
الغاصب (الإسرائيلي).
ما كنت
أتمنى أن أرى الشيخ "أحمد ياسين" في منزل آخر، إنه يأتلق اليوم مع
الكرامة والشهامة التي جئنا لها منذ زمن، إنه في المكان الحقيقي من
قلب الشعب العربي الفلسطيني الذي لا يكذب في مشاعره، ولا يخادع في
ولائه وانتمائه، هذا هو مكان الشرفاء الأوفياء الأمناء على مصير
الأمة!
إن غياب
الشيخ "أحمد ياسين" على الطريقة (الإسرائيلي) ليؤكد أنه على حق،
وأن غيره ممن يتمسحون بالوطن على باطل، ما داموا يلتقون، وينسقون،
ويتصلون، ويرتبون الأوراق مع (الإسرائيليين) على مستقبل مشترك، فيه
(اليهودي) سيداً آمراً ناهياً غاصباً محتلاً، وفيه العربي خادماً،
مطيعاً ذليلاً موظفاً صغير الأداء!!، ومن يتشكك في ذلك يقدم للطفل
وللمرأة العجوز جواباً على السؤال الكبير، لماذا (إسرائيل) تذبح
هذا العربي الفلسطيني بالطائرات وتجري مع ذاك العربي الفلسطيني
الاتصالات وترتب اللقاءات؟!
لقد التقيت
الشيخ الشهيد "أحمد ياسين" عدة أيام في (معبار) سجن الرملة
(الإسرائيلي) سنة 1990، شاركنا فيها رفيق عمره وسابقه إلي الشهادة
الشيخ صلاح شحادة، لم يكن صعباً أن يتعرف أحدنا على الآخر عن طريق
القرية التي هجر منها سنة 1948، فما أقرب المسافة بين قرية بيت
دراس وقرية الجورة! إنها بعمق المسافة بين الشهيد وبين المنتمي
الحقيقي لدينه ووطنه، لقد عبر الشيخ الشهيد "أحمد ياسين" المسافة
راضياً مرضياً، مطمئناً واثقاً، مبتسماً نقياً، يردد: إن هذا طريق
من هم في مقعد صدقٍ، سأقتحمه، سأفرغ التهديد (الإسرائيلي) بتصفية
القيادة السياسية "لحماس" من مضمونه، سأترك (الإسرائيليين) حائرين
في الخطوة القادمة مع أول رد قسامي قاسٍ!!، فما دامت القيادة لا
تخضع، ولا تلين، ولا تخاف، ولا تخشي على مصالحها، فقد خسرت
(إسرائيل) صلب معركتها التي طالما انتصرت بها!!!
فهل يستطيع
أي مسئول فلسطيني أن يلتقي ( بالإسرائيليين) دون أن يثير من خلفه
عاصفة أسئلة عن أصله، وعن الريح الشيطانية التي رمت بذرته في
أرضنا؟ وعن انتمائه للوطن، وعن زمن ارتباطه عميلاً مع
(الإسرائيليين)؟؟!!!
هل يقدم أي
مسئول عربي على زيارة (إسرائيل) والتوقيع على أي اتفاق كان؛ دون أن
يأذن للأجيال القادمة بنبش قبره وقبر أجداده، وتصفيه أحفاده ولو
بعد حين؟؟!!
الحمد لله
رب العالمين الذين أطعم الشيخ "أحمد ياسين" ما تمناه لنفسه ولكل
الأوفياء المخلصين من أبناء هذا الشعب الطاهر البريء المعطاء
الأمين، لنا بك الفخر يا شيخنا الشهيد ولأعدائك يوم حزين.
أنت على حق
يا شيخنا الشهيد، وهم؛ أعداؤك على باطل، موتك حياة يا شيخنا
الشهيد، وحياة أعدائك موت تليد، وإن كانت الطائرات (الإسرائيلية)
قد اختطفت منك بعض حياة، فإنك اختطفت وميض الفجر، تشهره سيفاً في
وجه القهر، تنثره إرادة وصلابة وتحقيق وجود، ترشه عطرا، وأنفاس
بارود، تتجدد يا شيخنا الوليد، تنبت ألف شهيد وشهيد.
************************
... ويبقي الشعب الفلسطيني
آسيا العتروس
عندما تقدم
(إسرائيل) على اغتيال الشيخ "ياسين" زعيم حركة حماس قبل أسبوع واحد
على موعد انعقاد القمة العربية المرتقبة في تونس فان ذلك لا يمكن
أن يكون مجرد صدفة. وعندما يسارع (الإسرائيليون) للإعلان عبر
إذاعتهم بلغة لا تخلو من الفخر والاعتزاز بأن رئيس وزرائهم المنتخب
ارييل شارون نفسه أمر بتنفيذ العملية وخطط لها من مزرعته بالقدس
المحتلة فان في ذلك رسالة واضحة المعالم والإبعاد ليس للعالم
العربي والإسلامي فحسب بل وكذلك لكافة المجتمع الدولي الذي بات
متواطئا بصمته إزاء الجرائم (الإسرائيلية) اليومية في حق مختلف
فئات أبناء الشعب الفلسطيني.
والحقيقة
إن جريمة اغتيال الشيخ "ياسين" إلى جانب ثمانية من الفلسطينيين لم
تكن الأولى من نوعها ولن تكون حتما الأخيرة في سلسلة الجرائم
اليومية في الأراضي المحتلة.
وبدون شك
فان في ظروف وملابسات ما حدث فجر الاثنين يأتي ليكشف المزيد مما
خفي حتى الآن من وجه الاحتلال البشع الذي لم يكن ليتردد طوال
العقود الماضية عن استهداف المتشردين والأيتام من نساء أو أطفال أو
شباب والذي لا يستثني الأجنة في الأرحام أو حتى المحتضرين في
المستشفيات وسيارات الإسعاف. وهو يعود اليوم ليمارس تحت أنظار
العالم أبشع أنواع الجرائم ويدوس علي ابسط قواعد حقوق الإنسان
المتعارف عليها.
إن في
أطوار وملابسات عملية اغتيال الشيخ "ياسين" ومن كان معه تأتي مجددا
لتؤكد أحقية الكيان (الإسرائيلي) في دخول قائمة الدول الإرهابية في
العالم دون منازع أو منافس لها.
قد لا
تختلف صورة الشيخ المقعد الذي لا يكاد يبصر والذي يحتاج إلى
المساعدة في كل خطوة يخطوها وهو يتحول إلى أشلاء آدمية متناثرة وهو
يغادر المسجد بعد صلاة الفجر عن صورة الطفل الشهيد محمد الدرة وهو
يحتضر بين أحضان والده تحت أنظار جنود الاحتلال، إن نهاية كل منهما
بل ونهاية كل شهيد فلسطيني برصاص الاحتلال تؤكد حالة الخوف الساكن
في قلوب (الإسرائيليين) من ذلك الفلسطيني الأعزل سواء كان رضيعا أو
طفلا أو عجوزا أو مقعدا وهي حالة لا يمكن لمختلف أنواع الأسلحة
الأمريكية المتوفرة لدى الجنود والمستوطنين (الإسرائيليين)
إزالتها.
إن اغتيال
الشيخ "ياسين" أو الذين سبقوه لا يمكن أن يضع حدا للمقاومة
الفلسطينية الباسلة ولان يدفع بالفلسطينيين للتنازل عن قضيتهم.
ولعل
الأيام القليلة القادمة ستكشف(للإسرائيليين) إن الشعوب والحضارات
لا تزول بزوال رمز من رموزها أو قائد من قادتها أو زعيم من زعمائها
فالأسماء المنفردة ترحل حتما ولكن القاعدة الشعبية الفلسطينية تظل
قائمة لتواصل النضال وتقود المعركة الموالية لإزالة الاحتلال.
لقد أرادت
(إسرائيل) من وراء هذه العملية أن تزرع الرعب والخوف في نفوس
الفلسطينيين وتؤكد انه بإمكان أسلحتها وصواريخها استهداف من شاءت
من القيادات الفلسطينية ودون استثناء وهي بذلك تدفع بهم نحو حالة
من الارتباك والفوضى تحسبا للهدف(الإسرائيلي) المقبل.
ولعل أحوج
ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم وهم الذين لا يحتاجون لمواعظ أو
الدروس، ألا يقعوا في الفخ (الإسرائيلي) وان يحولوا عملية اغتيال
الشيخ البشعة من نقطة ضعف إلى نقطة قوة توحد صفوفهم وتجمع كلمتهم
لتحديد الخطوات المطلوبة في المرحلة القادمة لدعم قضيتهم المشروعة
علي مختلف المستويات الدعائية والإعلامية والدبلوماسية وكل أشكال
النضال المطلوبة لمواجهة المخاطر المتفاقمة وليظل الشعب الفلسطيني
قائما.
************************
الشهيد "أحمد ياسين" صانع مرحلة المقاومة
والصمود وصانع جيل التحرير
نبيل شبيب
كما كانت
حياة الشيخ الجليل والمجاهد الكبير "أحمد ياسين" مصدرا من مصادر
حياة الأمة من جديد، وانتقالها من مرحلة التسليم بعد التسليم إلى
مرحلة المقاومة والصمود، فإن شهادته ستدخل في كتب التاريخ بمشيئة
الله، باعتبارها منعطفا سيضاعف بمشيئة الله سرعة خطوات التحرير،
بعد أن ساهم الشيخ لمجاهد الشهيد الإسهام الأعظم في صناعة جيل
التحرير بفلسطين، وإعادة الأمل إلى الجيل المعاصر في سائر أنحاء
البلدان العربية والإسلامية، من خلال ما يصنعه أبناؤه البررة
بفلسطين، المقاومون والصامدون، في وجه العنف الإرهابي (الإسرائيلي)
المتواصل ليل نهار.
لقد أدى
الشيخ المجاهد كل ما يمكن أن يؤديه في حياته، وما كان له "حياة
خاصة" كسواه، فحياته لفلسطين، وكلماته لفلسطين، وأفكاره لفلسطين،
وأعماله لفلسطين، وشهادته اليوم لفلسطين.. ولم يعرف تاريخ فلسطين
الحديث أحدا ساهم في إعادة مسيرة العمل من أجل التحرير إلى طريقها
القويم بحجم إسهامه، فإليه وإلى من سار على دربه (وسيتتابع الطريق
على دربه) يعود الفضل في الحيلولة دون توجيه الحراب الفلسطينية إلى
الصدور الفلسطينية، والفضلُ في تركيز الجهاد الفلسطيني على الأرض
الفلسطينية، وفي الارتفاع بالقضية من مستوى المراهنات السياسية دون
نهاية، إلى مستوى العمل الشعبي الفاعل والانطلاق من قلب الشعب
باتجاه هدف التحرير، بعيدا عن كل هدف مزيف آخر.. وإليه وإلى إخوانه
يعود الفضل في العودة بالقضية إلى موقعها الطبيعي، قضية مصيرية،
بمختلف الموازين الإسلامية والقومية والوطنية والإنسانية، دون أي
تناقض بين وجه وآخر من وجوهها المتعددة، ودون القبول بحال من
الأحوال بها وهي القضية المصيرية الكبرى إلى حضيض المساومات
وأوحالها.
إنها
الشهادة الكريمة التي تتوج حياة عامرة بالعطاء والجهاد والصمود
والمقاومة، لم يعرف خلالها منذ شبابه المبكر هدفا آخر في حياته سوى
تحرير أرضه وشعبه، طالبا في ذلك مرضاة الله تعالى، بعيدا عن دنيا
الزعامات والمناصب، والجاه والمال، والراحة والرفاه.. لم يعرف
مطلبا أنانيا لذاته، فكان -تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح
جنانه- رمزا يمشي على الأرض، مجسدا لما تصنع العقيدة الصادقة،
والإخلاص الكبير، والصبر الطويل، ومؤكدا أن الانتصارات الكبرى في
تاريخ البشرية لا تأتي بالتمنيات، وإنما بالعمل الصادق البصير
المتواصل على الطريق القويم، فذاك ما يصنع التحولات الكبرى في حياة
الأمة ويخرج بها من نفق اليأس والتيئيس والخذلان والتسليم.
لقد نصب
"أحمد ياسين" بحياته المعطاءة وبشهادته الجليلة منارات في حياة
الأمة تبين معالم الطريق في حقبة تاريخية مظلمة، وهي طريق واحدة،
سار فيها <محمد صلى الله عليه وسلم< على درب أنبياء التوحيد خاتما
رسالة التوحيد للبشرية، وما زالت مستمرة، وكما أنجبت العز بن عبد
السلام وصلاح الدين الأيوبي، في حقبة التحرير من غزو المغول
والصليبيين، فقد أنجبت حديثا عز الدين القسام و"أحمد ياسين" في
حقبة التحرير من الغزو الصهيو-أمريكي.
ولا تُقاس
الإنجازات الكبرى في حياة الأمم بحياة الأفراد، بل بحياة الأجيال،
ولهذا فإن عظمة الشيخ المجاهد الشهيد تتمثل في أنه رحمه الله
تعالى، قد صنع روحا جديدا في الأمة، وصنع جيلا جديدا لتحريرها،
وسيحقق هذا الجيل بعون الله هدف التحرير والنصر، وسيعيد بإذن الله
الأمن والسلام لمهد النبوات وأرض الإسراء والمعراج .
************************
بسم الله الرحمن الرحيم
اغتيالُ شيخِ المجاهدين
وعَبَثُ العَومِ ضدّ سُنَنِ الله عز وجل
بقلم : الدكتور محمد بسام يوسف
كاتب وأديب سوري
في تسعينيات
القرن المنصرم، لم يكن (إسحاق رابين) يتوقّع، أنه سيغرق في بحرٍ من
دماء ضحاياه، الذين كسّروا رأسه، بعد ظنّه أن تكسير عظامهم سينجيه
من الغرق .. فاستنجد -آنذاك- بأولياء أمره، وعُقِد في (شرم الشيخ)
أول مؤتمرٍ إرهابيٍ في التاريخ، باسم: (مكافحة الإرهاب)، الذي ضمّ
فيمن ضمّ: أخطر سلالات الإرهاب العالمية، بدءاً بالراعي الأميركي
(النـزيه) لمهزلة (السلام الحربيّ)، وانتهاءً ببطل الإرهاب
اليهوديّ الصهيونيّ!..
سُتْرَة
النجاة التي ارتداها –في ذلك الوقت- المقبور: (رابين) في شرم
الشيخ، بعد سلسلة العمليات الاستشهادية للمقاومة في عمق كيانه ..
كانت سُترةً مهترئةً، كالورق الذي سطّر عليه الإرهابيون الحقيقيون
تعريفهم المضلِّل للإرهاب!.. ولم يكلّف كشف اللعبة السمجة، أكثر من
بضع رصاصاتٍ، يهودية الطعم واللون والرائحة، صهيونية الهوية
والجنسية، استقرّت في رأسه وعنقه وصدره، لتقول له بلغةٍ عِبْريةٍ
واضحة: الإرهاب صناعة يهودية، وبراءة اختراعه مسجلّة باسم
الصهيونية، منذ نشوئها ونضوج روحها العنصريّة الإجرامية!..
الإرهابيّان
اليهوديّان الصهيونيّان: (شمعون بيريز) و(بنيامين نتنياهو) .. لم
تحقق لهما كل نجدات (أوسلو)، النجاة الحقيقية من الغرق في رمال
جنوبيّ لبنان المتحرّكة، التي ابتلعت الأول في (قانا)، ثم أجهزت
على الثاني في إحدى ليالي القَدْر المباركة!..
سيّئ الذكر:
(أيهود باراك)، اليهودي الصهيوني، غرق في دماء شهداء انتفاضة
الأقصى المبارك، ولم تنفعه، كما لم تنفع كيانه، كل قوارب النجاة
المصمّمة في (كامب ديفيد) و(واشنطن) و(نيويورك) و(شرم الشيخ) ..
وفَرَّ ذليلاً مهزوماً صاغراً من جنوبيّ لبنان، قبل أن تبتلعه
الرمال المتحرّكة، كما ابتلعت سابقَيْه: (بيريز ونتنياهو)، لكنّ
انتفاضة الأقصى كانت له بالمرصاد، ولم يُجْدِهِ نفعاً قارب النجاة
الأميركي، فغرق في بحر عنصريّته، وعنصريّة مجتمعه اليهوديّ
الصهيونيّ المتطرّف الفاسد!.. الذي قدّم الإرهابي المجرم: (آرئيل
شارون)، ورقةً أخيرةً، لإنقاذ الكيان المصطنع، المصنّع في أنابيب
الصليبية الغربية .. من الغرق في خضمّ حقده وإمعانه في الاحتلال
والإجرام!..
الإرهابيّ
الأحمق (شارون)، انطلق من حيث انتهى صنوُهُ (باراك)، لمتابعة حلقة
الإرهاب والغطرسة، رُبّاناً للمركب اليهودي الصهيوني، تحت غطاءٍ
كاملٍ وصمتٍ تامٍ من قبل العالَم الغربيّ الصليبيّ، بما فيه المقرّ
الرسمي للإرهاب العالمي، الكائن في البيت الأبيض الأميركي!..
كان
الإرهابيون المتستّرون بمقولات (مكافحة الإرهاب) يتوقّعون أنّ
(الثور الشاروني)، سيكون جامحاً ساحقاً ماحقاً، فتنتهي مقاومة
الاحتلال، ويتم القضاء على الانتفاضة قضاءً مُبرماً!.. لكنّ
(شارون) خيّب آمال حلفائه الإرهابيين، ولم يكن بغطرسته وإجرامه،
إلا القابِلة القانونية، التي استولدت أدوات غرقه وغرق كيانه
الصهيوني من رحم الانتفاضة المباركة!.. فكانت العمليات الاستشهادية
في عمق هذا الكيان، إحدى أهم الأدوات التي وُلِدت مكتملة النموّ
معافاة!.. وكانت عمليات المقاومة الضاربة في (تل أبيب) وعمق الكيان
المسخ، التي اشتدّت بعد مدةٍ وجيزةٍ من اعتلاء المجرم الإرهابي
(شارون)، هرم العصابة الحاكمة في الكيان الصهيونيّ .. نموذجاً
واضحاً للأدوات المثالية، بكلّ صورتها الدقيقة وتداعياتها، التي
كشفت هشاشة المجتمع العنصري الصهيوني، وحقيقة بنائه الرمليّ
المتداعي!..
عمليات
المقاومة البطولية في كبد الكيان المسخ وقلبه، لقّنت اليهود
الصهاينة ومَن وراءهم درساً بليغاً باللغة التي يفهمونها، جوهره:
إنه لا يمكنهم العيش بأمانٍ وسلام، على وَقْع مجنـزراتهم، التي
تحرث الأرض العربية الفلسطينية!.. وأنّ هذا النوع من اللعب
والتمتّع بمشاهد الدماء والدموع والجنازات العربية المسلمة ..
ممنوع منعاً باتّاً!.. فمَن يرغب في الاستمتاع بمشهد دم طفلةٍ
رضيعةٍ من مثل: (إيمان حجّو) ومثيلاتها، عليه أن يكون مستعدّاً
للغرق في بحار الدم المتدفّق من قلبه وخاصرته وصدره!.. وهكذا كان
لا بدّ من سفينة نجاةٍ ضخمةٍ هذه المرّة، لقَطْرِ الإرهابي (شارون)
وكيانه المزعزع!..
لم يكن مجرم
الحرب الأميركي: (بوش الصغير) .. إلا (المهندس) الذي صمّم مخطّطات
بناء سفينة النجاة الأميركية الضخمة!.. ولم يكن بعض الحكّام العرب
المشتركون في الزفّة الأميركية الصهيونية، إلا (البَنّائين)
المنفّذين لتصميم سيّدهم المهندس الأميركي الصهيوني!.. فشرعوا -بعد
إنجاز مهمتهم في التواطؤ على احتلال العراق- ببناء سفينة النجاة
المذكورة، التي ستَقْطُرُ القارب الصهيونيّ، الغارق في مزيجٍ من
الدماء والرمال المتحرّكة، وذلك بافتتاح أول ورشة بناءٍ ذات أهدافٍ
تآمريةٍ قذرةٍ .. على أمة العرب والإسلام!.. وهكذا ظنَّ الطائشون
الجبناء، أنّ خطوتهم الدنيئة باغتيال شيخ المجاهدين ورمز المقاومة
(أحمد ياسين).. سيؤمّن لهم سفينة نجاتهم، وما علموا أنهم بذلك
يبنون أدوات سحقهم وإبادتهم، ويشيّدون رافعةً ضخمةً لجهاد شعبٍ
مقاوِم، ولإيقاظ أمّةٍ نائمة، ستكتسح بإذن الله كل مجرمٍ جبانٍ
صهيونيٍ أو أميركيٍ نذلٍ متواطئ، أو خائنٍ منافقٍ عميلٍ!..
ما يدعو إلى
الدهشة وارتفاع المعنويات والثقة باقتراب نصر الله عز وجل في آنٍ
.. هو تلك البذور المدمِّرة، التي نثرها عباقرة الهندسة والبناء
الأميركيون والصهاينة، في سفينتهم قيد البناء!.. فكلّ ما قدّمه
المعلّم المهندس، وما سينفّذه البنّاؤون العرب من مكرٍ وأفكارٍ
ومخطّطات .. يحمل بذور خرابه بين طيّاته!.. وإلا ما معنى أن تصبّ
كل الجهود، لحماية الجلاّد من ضحيّته، ولتحقيق أمنه وسلامه، من
خلال حلولٍ أمنيةٍ مسكِّنةٍ، تخلو من أي حلٍ سياسيٍ حقيقيّ، يعترف
بأنّ احتلال الأرض، وترويع أهلها، وممارسة كل أشكال القهر والظلم
والإجرام بحقّهم .. مخالف لكلّ الأعراف الدولية والإنسانية
والأخلاقية؟!.. وما معنى أن تُعتَبَرَ كلمة: (آه)، الصادرة عن
الضحيّة الذبيحة .. دليلاً قاطعاً على إرهابيّتها وعنفها غير
المبرَّر؟!.. وما معنى الاستنفار بالدرجة القصوى، للتحريض على
اعتقال طفلٍ مقاومٍ قاصِرٍ أعزل، بتهمة الإرهاب وارتكاب أعمال
العنف، لأنه (شَهَقَ) شهقةً مزعجةً، قبل أن تصعد روحه إلى السماء،
بفعل قذيفةٍ متحضّرةٍ انطلقت من دبابةٍ صهيونية الجنسية، أميركية
الصنع والمنشأ، تزرع الأمن والسكينة والاستقرار والسلام
الأميركي؟!.. وما معنى أن تكون أعمال المحتلّ المتغطرس في وطنٍ
محتَلٍّ، من قتلٍ وسلبٍ ونهبٍ، وتجريفٍ للأراضي الزراعية الحيّة،
وقطع أشجارها، وإبادة الحياة على ظهرها .. أن تكون لضروراتٍ أمنيةٍ
تحفظ أمن ذلك المحتلّ المعتدي؟!.. وما معنى أن يزعم المهندس
الأخرق، أنه سيحقق السلام في فلسطين، بينما جيشه الهمجيّ الفاشيّ
يشنّ حرباً ظالمةً لئيمةً، ويحتل بموجبها بلداً عربياً شقيقاً
مسلماً مجاوراً لفلسطين .. هو العراق؟!..
أما ما يدعو
إلى الاستغراب والاندهاش والمرارة في آنٍ .. أن يتحوّل بعض
الضحايا، إلى عمّالٍ ناشطين في ورشة بناء (سفينة النجاة
الأميركية)، لإنقاذ جلاّديهم من الغرق!.. فتتقزّم قضية العرب
والمسلمين المركزية بجهودهم العبقريّة الفذّة، إلى بنودٍ ينبغي
تنفيذها، في (متاهة الطريق) الأميركية الصهيونية!.. بعد أن
مَسَخوها سابقاً (أي القضية المركزية) إلى: بنودٍ مبهمةٍ كُتِبَت
في (أوسلو)، وشارعٍ حزينٍ في (الخليل)، وموقعٍ عسكريٍ في (غزّة)،
وسلطةٍ مسلوبة الأرضية والإرادة والهوية والشرف والمصداقية، وملهىً
ليليٍ في (أريحا) أو (رام الله)!..
ليس هناك مَن
يقدر من البشر، على إيقاف المقاومة المشروعة للاحتلال، أو إنهاء
الانتفاضة المباركة، لا المهندس، ولا البَنّاء، ولا العمّال، ولا
الجلاّد، ولا جحافل المتواطئين أو الخونة أو المشاهدين المتفرّجين
عن بُعدٍ من بليدي الحسّ الإنسانيّ والعربيّ والإسلاميّ!..
المقاومة تتوقّف فحسب، عندما تسير الأمور وفق السُنَن الكونية،
سُنَنِ الله عز وجل في الأرض .. حين ينتهي الظلم، ويزهق الباطل
المتمثّل في: الاحتلال، وسفك الدماء من غير حساب، وزرع الخراب
والدمار في كل بيتٍ آمنٍ وكل أرضٍ عاشقةٍ للحق والعدل والحرية
ورافضةٍ للقهر والظلم والعبودية!.. فهل يستوعب هذه البدهية، أولئك
الذين يصرّون على العوم ضدّ سُنَنِ الله عز وجل في أرضه؟!..
23 من آذار 2004م
************************
على الطريق
شيخ لأذان الفجر الجديد
طلال سلمان – السفير اللبنانية
توضأت فلسطين
بدماء شيخها وقامت تؤذن لفجر جديد للجهاد الموصول فوق الأرض
المباركة بالشهادة. علا الصوت بنداء الوطن المقدس لينبّه الغافلين
أو المتناومين أو المخدَّرين بأضغاث أحلام اليقظة إلى أن زمن الوهم
الأميركي بخريطة طريق إلى التسوية قد خرّ صريعاً بصواريخ الأباتشي
التي تقوم على حراستها طائرات <<الأف 16>> التي وصلت للتوّ من
مخازن البنتاغون.
بثّ الفجر
القاني الصبح الجديد بكوفية بيضاء على رأسه. لم يعد الشيخ بحاجة
إلى مقعده ذي العجلات لكي يتنقل بين صلاة الدعوة وصلاة الجهاد.
غمرت الدماء
وادي النيل مستعجلة موسم الفيضان. اختلطت بدماء أبطال العبور الذين
أوقفوا بالأمر دون هدفهم فقضوا غماً وانسحاقاً بذلّ الانكسار الذي
منعهم من تحقيق نصر ممكن، وبشهداء أقل.. هناك في سيناء وفي القناة
ومن حولها وصولاً إلى فلسطين.
انهمرت الدماء
نزولاً إلى بحيرة طبريا، وأكملت مسارها عبر مجرى نهر الأردن مرتقية
هضاب الجولان إلى اليرموك... ثم إلى الفرات لكي يحملها إلى العراق
فتلاقي دجلة إلى شط العرب وتلتف على خصر الجزيرة مع الخليج عبر
مضيق عمان قاصدة اليمن.
ها هي دماء
الشيخ تفور وتنساب عبر ليبيا عمر المختار في اتجاه تونس التي تخاف
من <<القمة العربية>> فتكاد تصرخ بأعلى صوتها: اللهمّ ادفع عني هذه
الكأس!.. وفي الجزائر تتداخل الدماء بالدماء حتى تكاد الصحراء تغدو
حقلاً من شقائق النعمان المغربية.
عجباً، يخافون
من الشيخ المقتول المغسول بدماء وضوئه، وينسون القاتل، بل يكاد
بعضهم يذهب إليه لاستغفاره، أو ليطلب إليه أن يترك له أمر التصفية
بالتفاوض بدلاً من الرصاص، أو بالفتنة بدلاً من الجهاد.
والشيخ الذي كان مجرد داعية بلا قدمين قد غدا بالشهادة رسولاً
بجناحين، ينشر ظله الدامي فوق هذه الأرض المنوّمة بالقهر، المغيّبة
بالأسر، المنهوبة ثرواتها بالأمر، ومع ذلك فهي تنتظر من يتخذ منها
سيفاً فتحميه، ويتخذ من أهلها حصناً فيمنعون عنها الغاصب والعادي
والناهب والسمسار والنبي الدجال والطاغية المتألّه بسد من
أجسادهم... أليس ذلك أشرف من أن يقضوا في سجن الظلم والفقر والتخلف
المفروض بالأمر السامي؟!
ما سر هذه
المقدسة فلسطين التي لا تتوقف عن التعاظم حتى لتكاد تكون وجه
العالم الإنساني كله: مع كل شمس جديدة تمنحه المزيد من ملامحها
المجرحة والمتوهجة بدم الشهادة؟!
تتوالى مواكب
التشييع، نهراً، بحراً، محيطاً. يدفن الشهداء الشهداء ثم ينضمّ
الجميع إلى الموكب المهيب الذي يتعاظم عدداً ومنعة كلما استخدم
القتلة الشارونيون أسلحة تدمير أعظم فتكاً: أف 16 وأباتشي لمواجهة
رجل يستطيع بالكاد أن يؤدي صلاته فوق مقعده ذي العجلات؟!
كلما شُيّعت
كوكبة جديدة نهض الشهداء القدامى فانضموا إلى المسيرة واستأنفوا
مواجهة الموت الإسرائيلي حتى إنهاكه بالقتل!
ليس الوطن
مقبرة.. إنما يتوقف الشهداء فيها لحظات لالتقاط الرايات التي
أسقطها الرصاص من أيدي السابقين، ثم يستأنفون مسيرتهم المظفرة إلى
الحلم المجبول بدمائهم بامتداد الأرض التي كانت لهم وستبقى لهم ولن
تكون إلا لهم.
لم تصب مذبحة
الجامع في حي صبرا في غزة أياً من سلاطين العرب بأذى. لم يكونوا
هناك. لم يكونوا هنا. لم يكونوا في أي مكان. كل الأمكنة لأرييل
شارون وخدينه جورج .و. بوش. ثم أنهم لم يتبعوا شيخ فلسطين يوماً
ولو إلى الصلاة. له دينه ولهم دين..
لم تصب
الصواريخ القمة العربية لأنها وهم أو سراب. ثرثرة بلا عمود فقري،
بلا قوام، بلا نصاب، بلا قرار... وانعقادها عبء يهرب منه
<<أهلها>>، فإن أصرت عليها واشنطن، ومعها دائماً تل أبيب، انصاعوا
وتركوا لها أن تصدر بيانها الختامي <<مشترطين>> أن يترك لهم شرف
الترجمة إلى... لغة القرآن بطبعته الحديثة المعدلة بالأمر!
ثم أن
السلاطين بحاجة إلى بعض الوقت لكي يزيلوا عن وجوههم دماء شيخ
فلسطين،
وهم يدركون أنهم، ومهما حاولوا، سيجدون شيخ فلسطين ينتظرهم
ليحاسبهم في القاعة المذهبة كما في الطريق إليها، أو عند العودة
منها.
ستحضر فلسطين
التي فرحوا بغيابها كقضية، ولم يتبق منها إلا قرار لا ينفَّذ
بتحويل السلطة التي صارت شرطة مفككة إلى وكالة غوث <<وطنية>> تحتاج
إلى من يغيثها.
**
كان أحمد
ياسين شيخاً ل<<حماس>>. ها هو الآن شيخ لفلسطين وعبرها للأمة
جميعاً. شيخ للمظلومين، للمحرومين من أوطانهم وفي أوطانهم. شيخ لكل
أولئك الذين لا يجدون مرجعاً ينصرهم وهم يجاهدون لرفع القيد من
رقابهم وأيديهم.
انقلبت
الأسطورة إلى حقيقة باهرة السطوع كالدماء المراقة فجراً على الأرض
المطهرة في غزة بني هاشم في فلسطين: كان شيخاً لتنظيم سياسي مقاوم
كثيراً ما اختلف الناس معه أو عليه... ها هو الآن شيخ للأمة
جميعاً. ها هو في موقع الرمز.
الحقيقة صلبة
كالأرض ومقدسة كالأرض ودامغة كالدم.
لم
يكن الشيخ أحمد ياسين أسامة بن لادن ولم تكن <<حماس>> طالبان
الفلسطينية أو العربية. كان، ببساطة، صاحب قضية. لم يكن نبياً ولا
رسولاً يبشر بكلمة الله. كان، ببساطة، صاحب الأرض المطرود من أرضه،
المقتول في أرضه، الباقي في أرضه.
لم ينسف
الأبراج في العواصم البعيدة على رؤوس من فيها بغير تمييز، وبغير
رأفة، بذريعة أنه يقاتل الظلم والقهر الاستعماري.
لم يكن قاتلاً
كما أولئك المستقدَمين من أربع جهات الدنيا ليأخذوا منه أرض أجداده
بقوة السلاح. كان يحاول أن يحفظ الأرض لأهلها المقتولين فيها
وعليها.
لم يكن
سلطاناً يقمع شعبه لحساب الأجنبي. كان مجرد إنسان يرفع صوته لكي
يحفظ ما تبقى من حقه في أرضه.
لكن المعادلة الأميركية الإسرائيلية المفروضة على الدنيا تقضي
باعتبار صاحب الأرض المقتول إرهابياً والمحتل القاتل مبشراً
بالديموقراطية ومناضلاً من أجل حقوق الإنسان!
شيخ فلسطين.
شيخ المقاومة. شيخ الشهداء: ها أنت الآن القدوة والمثال. ها أنت
تخم الحق الذي لا تراجع عنه ولا تنازل. ها أنت الآن الاسم الحركي
للقضية... ها أنت في قلب الاسم المقدس: فلسطين، فاهنأ في هذا
المقام يجللك دم وضوئك حتى لتصير صورتك بعضاً من ملامحها.
************************
استشهاد الشيخ احمد
ياسين : بداية النهاية لزوال دولة الكيان المسخ
د. محمد أحمد البحر
بعد أن أدى صلاة
الفجر في جماعة في مسجد المجمع الإسلامي يوم الاثنين 1/ صفر /1925 هـ
الموافق 22/3/2004م جلس رحمه الله مع شباب المسجد في حلقة القرآن، ثم خرج
من المسجد متوجهاً إلى بيته وفي منتصف الطريق قامت الطائرات الصهيونية
وبإشراف من شارون نفسه باغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة
الإسلامية حماس وذلك بإطلاق صواريخ أدت إلى استشهاده وخمسة من المصلين
واثنين من مرافقيه
هذا الاغتيال
الجبان يعبر عن طبيعة اليهود الخبيثة التي اعتادت على سفك الدماء وقتل
الأبرياء ، كيف لا وهم قتلة الأنبياء والمرسلين والصالحين فقد قتلوا يحيى
وزكريا قال تعالى فيهم "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا
ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ
وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ
الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ
يَعْتَدُونَ" آلا عمران 112
جاء في تفسير ابن
كثير بهذه الآية فيما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كانت
بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة
نبي ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار.
لقد تناثرت
أشلاؤك يا شيخنا في سماء فلسطين، وتحطم كرسيك الذي كنت تجلس عليه،
واحترقت لفحتك التي كنت تضعها على صدرك الشريف إنها جريمة العصر إنها
جريمة القرن الواحد والعشرين.
إن يوم استشهادك
يا شيخنا هو ميلاد جديد للمقاومة وللقضية، يوم استشهادك بعث جديد سيسرى
في روح الأمة يوم استشهادك استنهاض للهمم من جديد، انه يوم الانتصار، يوم
الكرامة، يوم العزة والفخار، فقد خرجت غزة والضفة بمئات الألوف رجالاً
ونساءً وشباباً وشيوخاً تودعك وتعاهدك على المضي في طريق الجهاد وعلى
الموت في سبيل الله وخرجت الجماهير الغاضبة تستنكر الجريمة النكراء في
مصر والأردن ولبنان وسوريا واليمن والسودان وغيرها من البلاد العربية
والأوروبية، خرجت كلها لتقول : نحن معك يا رمز المقاومة سنسير على دربك
بإذن الله تعالى
لقد رحلت عنا يا
شيخنا بعد أن زرعت الأمل فينا بأن النصر قادم بإذن الله وأن المقاومة
مستمرة حتى دحر الاحتلال.
رحلت عنا
وتلاميذك ومحبوك في كل بيت وشارع في المدارس والجامعات والمساجد سيحملون
الراية من بعدك فنم قرير العين هانئاً هادئ البال فأنت الذي قلت:هدفي هو
رضاء الله عز وجل، وها أنت تلقى الله وهو راضٍ عنك إن شاء الله، وأنت يا
شيخنا قد تميت الشهادة في سبيل الله مراراً وكنت تسخر من ظائرات العدو
وبطشه، فاختارك الله إلى جواره في الفردوس الأعلى إن شاء الله تعالى "
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ
أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ" البقرة 154
يقول الشهيد سيد
قطب رحمه الله معقباً عن هذه الآية : إن هنالك سيخرون شهداء في معركة
الحق شهداء في سبيل الله، قتلى، أعزاء، قتلى كراماً أزكياء ... وهؤلاء
الذين يقتلون في سبيل الله فاعليتهم في نصرة الحق الذين قتلوا من أجله
فاعليه مؤثرة والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد وتأثر
الباقين من ورائهم
باستشهادهم يقوَى
ويمتد فهم ما يزالون عنصراً فعالاً واقعاً مؤثراً في تكييف الحياة
وتوجيهما.
حقاً يا شيخنا
القعيد فقد كنت والله كالأسد الهصور فبمجرد أن تتحدث أو تصرح بصوتك
الخافت الرصين ، تنزل الخوف والرعب في قلوبهم رغم أنك على كرسيك قعيد ،
نذكرك يا قائدنا حين صرّحت قبل استشهادك فقلت : إن شارون سيخرج من غزة
منهزماً بسبب ضربات المجاهدين وأن انسحابه من غزة هو ثمرة الجهاد
والمقاومة ، بهذه الكلمات أربكت شارون وحكومته وجعلته في هوس حتى بدأ
يتخبط كالمجنون يرسل بدباباته وصواريخه تجتاح كل يوم مدن وقرى فلسطين
ويوقع الخسائر في الأرواح والمعدات ، فكان الرد السريع بالعملية المشتركة
بين كتائب عز الدين القسام وكتائب شهداء الأقصى في ميناء اسدود والتي
وقعت كالصاعقة على دولة الكيان المسخ وجعلتهم في إرباك وتخبط حقيقي لم
يسبق له مثيل في تاريخ دولتهم منذ نشأتها ، كانوا يخافونك يا شيخنا بعزة
الإسلام التي وقرت في قلبك ، كانوا يخافون منك ومن تلاميذك المجاهدين
الصادقين أكثر مما يخافون من الله كما قال الله تعالي : " لأنتم أشد رهبة
في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون " الحشر 12 .
لقد ظن شارون
واهماً أنه باغتيالك سيقضي على حماس سيقضي على المقاومة والجهاد أو يوهن
من عزيمتها ، وهو لا يدري أنه حفر قبره بيده ، وسيعلم ولو بعد حين أن
اغتيال الشيخ هو بداية حقيقية لزوال دولة الكيان المسخ .
لقد علمتنا يا
شيخنا معنى الثبات على الموقف والمبدأ في أحلك الظروف وأصعبها ، فقد جاء
إليك الوفد المصري يحمل رسالة من اليهود والأمريكان مفادها : إن قبلت
حماس بوقف إطلاق النار فإن (إسرائيل)
ستوقف اغتيال قيادات حماس فقلت لهم على الفور : هذا مرفوض مرفوض نحن لا
نقاتل من أجل حماية رؤوسنا ولو كنا نريد ذلك لجلسنا في بيوتنا مع نسائنا
وأطفالنا وتركنا الجهاد ، نحن نقاتل من أجل عدالة قضيتنا ، ولا نخاف
الموت ؛ إن قيادات
حماس ليست بأفضل من أطفال فلسطين الذين يذبحوا أمام سمع وبصر العالم كله
علمتنا يا شيخنا كيف نتخذ القرار بالشورى فأنت رغم جلالك وقدرك عند أبناء
الحركة الإسلامية لكنك تأبى إلا أن تكون فرداً
منهم تخضع للنظام الداخلي للإخوان المسلمين ولمؤسسات الحركة في كل شئ ،
فكنت لا تأخذ رأياً إلا بالشورى فحين اتصل بك الوزير عمر سليمان رئيس
المخابرات المصرية حين احتدت الأمور وزادت وتيرة الانتفاضة ضد اليهود قال
لك : يا سيدي الشيخ نرجو أن تتدخل لحل هذه المشكلة بإعلان الهدنة ، فقلت
له : أنا لا أستطيع
أن آخذ قراراً
لوحدي ، بل سأعرض الأمر على مؤسسات الحركة ، وهي صاحبة القرار !!
يا شيخنا عشت
معلماً للأجيال حين كان بيتك مأوى للشباب وأنت في معسكر الشاطئ الشمالي
في غرفة القرميد الصغيرة التي لا تتجاوز 3 × 3 م هذه الغرفة التي كانت
خلية نحل على مدار الساعة ، ما دخل أحد عندك إلا وخرج راضياً مقتنعاً بل
نقول : نذكرك يا شيخنا وأنت تربي الأجيال في مسجد المعسكر الشمالي ،
نذكرك خطيباً في مسجد العباس تحرض الناس على الجهاد وتبث فيهم روح الأمل
بالنصر على أعدائنا .
يا شيخنا أنت
المجاهد ، أنت الداعية ، أنت السياسي الفذ ، أنت المربي ، أنت القائد ،
أنت العالم ، أنت الأب والأخ والزوج كنت أباً للفقراء والمحتاجين ما دخل
عليك أحد إلا أعطيته مما أعطاك الله .
سلام عليك يا أبا
محمد في الأولين والآخرين وإلى أن نلقاك في الفردوس الأعلى بإذن الله على
سرور متقابلين .
|