الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

( 5 )

مقالات حول عملية اغتيال

 الشيخ أحمد ياسين

مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"

- لماذا استعان شارون بهتلر لاغتيال مؤسس «حماس»؟

- القاتل والشهيد
- شيخ الشهداء على طريق التحرير
- هذه النعمة الشارونية المرسلة!

- اغتيال الشيخ ياسين: اليأس الصهيوني في متاهته

- الشيخ ياسين واغتيال المستقبل العربي

- دعوة إلى الاسترخاء!

- أحمد فلسطين والمسلمون
- الشيخ أحمد ياسين.. جهاد واستشهاد
- المقاتل الإسلامي الرمز
- بين شرعية المقاومة وشرعية النظام العربي فلسطين تعود إلى القمة العربية .. فماذا بعد ؟!
- صوت الحكمة والوحدة الوطنية
- ما أوضحه دم الشيخ

- رجل تعدت حكمته حدود جسده

- في القضية الفلسطينية.. الإسلام هو الحل

- صوت الحكمة والوحدة الوطنية.................. عبد الإله بلقزيز
- شيخ الجهاد والشهادة يعبر المحيط إلى أرض الكرامة والسيادة

 

 

 

لماذا استعان شارون بهتلر لاغتيال مؤسس «حماس»؟

 

سليم نصّار

 

صحيفة الحياة اللندنية 27/3/2004

 

كتب غوردن توماس في مؤلفه الموثق «جواسيس جدعون» يصف حادث اغتيال خليل الوزير (ابو جهاد) ويقول:

«يوم 16 نيسان (أبريل) 1988 صدرت أوامر «الموساد» بضرورة تنفيذ قرار الاغتيال بـ«أبو جهاد» باعتباره المسؤول عن إدارة التنظيمات الفلسطينية المقاتلة داخل الأراضي المحتلة.

 

وفي ساعة متأخرة من ذلك اليوم أقلعت طائرة من طراز «بوينغ 707» من مطار حربي جنوب تل أبيب، تقل على متنها وزير الدفاع إسحق رابين ومجموعة من ضباط القيادة. وحلّقت على علو شاهق فوق فيلا أبو «أبو جهاد» الواقعة في منطقة سيدي بوسعيد شمال العاصمة تونس. ثم تبعتها طائرة تجسس شبيهة بـ«الأواكس» مزودة بآلات رصد ومراقبة تعمل بواسطة أجهزة قادرة على التقاط الصور والأصوات داخل الفيلا عبر أزرار دقيقة زُرعت سابقاً في الصالون وغرف النوم».

 

«بدأت عملية الاقتحام بتوجيه من إسحق رابين الذي شاهد «أبو جهاد» وهو يتجه نحو قاعدة الجلوس بعدما قبّل ولده المستلقي في سريره. وبادر عنصران من الموساد لتنفيذ الأوامر في حين أطلق عنصر ثالث النار من مسدس كاتم للصوت على السائق الذي كان ينتظر في سيارة المرسيدس. وسقط أبو جهاد فوق سجادة الصالون في حين ركضت زوجته وهي تحمل الطفل لتستطلع الخبر. ونهرها القاتل بالعربية مهدداً باغتيالها، ثم استدار ليطلق النار مرة ثانية على رأس زوجها قبل أن يهرب مع رفيقيه في سيارة كانت تنتظرهما وراء الفيلا».

 

ويقول الكاتب توماس إن رابين نظر إلى ساعة يده ليتأكد من أن عملية التنفيذ لم تستغرق أكثر من 13 ثانية. وبعد إعلان النبأ هدد الوزير عازر وايزمان بالاستقالة من الحكومة لأن قرار التصفية اتُخذ من قبل اللجنة الوزارية المصغرة، ولأن الاغتيال في نظره لا يقرب فرص السلام.

 

عقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين جنّد أرييل شارون رجال الحكومة والمعارضة للدفاع عن موقفه المطالب بضرورة تصفية كل زعماء «حماس» و«الجهاد الإسلامي». وباشر حملته بقتل ستة قياديين من هاتين المنظمتين قبل أن يشرف على عملية اغتيال أحمد ياسين بمشاركة وزير الدفاع شاؤول موفاز ورئيس الأركان موشيه يعالون. وأيّده من دون تحفظ في هذا القرار رئيس الوزراء السابق أيهود باراك الذي أعلن عبر شاشات التلفزيون أن مؤسس «حماس» كان يشكّل عائقاً أساسياً في طريق السلام مثله مثل ياسر عرفات. واغتنم باراك هذه الفرصة ليذكّر المشاهدين بأن رئيس السلطة الفلسطينية رفض التنازلات التي قدمها له بواسطة الرئيس بيل كلينتون، الأمر الذي أنهى مستقبله السياسي وعطّل دور «حزب العمل». وكان واضحاً من عبارات الدعم المطلق لعملية الاغتيال، أن باراك يريد امتطاء موجة التشدد، بهدف كسب الشعبية التي فقدها بعد مفاوضات «كامب ديفيد». كما يريد من جهة أخرى تذكير الإعلاميين بأن عملية «فردان» سنة 1973 تحولت إلى حكاية أسطورية يتبجح بها الإسرائيليون لأنها قضت على أول رموز المقاومة الفلسطينية كمال عدوان ويوسف النجار وكمال ناصر. وبعد انقضاء ثلاثة أشهر على هذه الحادثة التي مهدت للصدام اللبناني ـ الفلسطيني كشفت الصحف الغربية عن تفاصيلها «الجيمسبوندية» وكيف أن باراك تنكر في زي امرأة شقراء أثناء تنفيذ عملية الاغتيال.

 

ويمكن استخلاص نتيجة مهمة من تصريح باراك مفادها أن كل زعيم إسرائيلي لا بد وأن يتوج سجله الشخصي بوضع إشارة مميزة تدل على مشاركته في قتل زعماء المقاومة الفلسطينية. ولكن الدوافع التي قادت شارون إلى إصدار أمر بقتل مؤسس حركة «حماس» الشيخ أحمد ياسين تبدو غامضة لأن المبررات التي قدمها كانت سخيفة وغير مقنعة. قال إن ياسين هو الذي يوجه نشاط الانتحاريين في «حماس» وإن حق الدفاع عن النفس يمنح "إسرائيل" العذر الوافي لقتله، تماماً كما تمنح اعتبارات مشابهة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، الحق في مطاردة أسامة بن لادن واغتياله. ولما اعترض وزير خارجية بريطانيا جاك سترو على هذا المنطق، معلناً أن مبدأ حق الدفاع عن النفس لا ينطبق على عمل غير شرعي وغير مبرر، هاجمه المعلّقون اليهود بحجة أنه لا يقيم وزناً للضحايا الإسرائيليين. وكتب ماثيو هوفمان في صحيفة «ذي اندبندنت» مقالاً ادعى فيه أن سترو يريد من اليهود القبــول بقدر الموت الصــامت الذي مارسته عليهم النازية، وأن اعتراضه على اغتيال ياسين ـ في المعرض الاستعادي ـ هو اعتراض على قتل هتلر لأنه يقتل اليهود. وانبرى لانتقاد هذه المقارنة الخاطئة السفير الفلسطيني عفيف صافية، وقال عبر شاشات التلفزيون إن الشيخ ياسين طالب بجلاء الاحتلال عن الضفة وغزة، وإنه من السخف ربط الدعوة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال بالحملة العالمية لمحاربة الإرهاب.

 

ويبدو أن الاستقواء بذكرى هتلر كان دائماً المبرر الذي يقدمه شارون لإسكات الدول الغربية ومنعها من التصدي لتجاوزاته. ففي الجلسة التي عقدها مناحيم بيغن لتقويم النتائج السياسية المتوقعة بعد ضرب المفاعل النووي العراقي، دافع وزير الزراعة في حينه أرييل شارون، عن هذا القرار بالقول إنه لا يجوز تكرار تجربة الحرب العالمية الثانية. وقدم للجنة الأمنية المصغرة مطالعة ركّز فيها على التذكير بأن فشل الاستخبارات البريطانية والفرنسية في اغتيال هتلر، أدى إلى اندلاع الحرب وإلى مقتل ملايين البشر بينهم ستة ملايين يهودي. لهذا السبب ـ حسبما قال شارون ـ يجب تدمير المفاعل النووي العراقي قبل أن يمتلك هتلر العرب (أي صدام حسين) سلاح الدمار الشامل. وعندما أعرب رئيس «حزب العمل» شمعون بيريز عن خشيته من إغضاب الولايات المتحدة خلال معركة انتخابات الرئاسة، تصدى له بيغن معترضاً وقائلاً: إنه لن يسمح بعد اليوم بحدوث هولوكوست آخر على يد «هتلر» آخر. ولقد استعمل بيغن هذا الوصف يوم حاصر ياسر عرفات في بيروت سنة 1982 وقال للصحف إنه تخيل أبو عمار يمثل شخصية «هتلر» وهو قابع في ملجأه في برلين، «لهذا ضربته بعنف وحقد من يثأر لجريمة تاريخية». ومثل هذا التفكير الأعمى الذي لا يفرق بين الجلاد والضحية هو الذي يتحكم بسلوك "إسرائيل" تجاه العرب.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن تفسير الحجج التي قدمها شارون لاغتيال أحمد ياسين باعتباره يشكل خطراً على الفكر الصهيوني الأصولي المطالب باسترجاع كل أرض "إسرائيل" التاريخية. وقد ساعده على استحضار روح الانتقام سرعة التغيير لدى الرأي العام الاسباني، وما أحدثته قنابل مدريد من رعب هيمن على الشارع الأوروبي. كي يطمئن الأوروبيين والأميركيين إلى عدم تأثر "إسرائيل" بالمناخ الأمني العالمي، قام شارون بتسديد ضربة إلى الشيخ ياسين مدعياً أنه يمثل للدولة العبرية الخطر الذي يمثله بن لادن للمجتمع الدولي. لذلك اعتمد على منطق المطالبين في بروكسيل بضرورة ايجاد نظام أمني جديد يحميهم من هجمات «القاعدة»، كي يصور المأزق المماثل الذي تعاني منه "إسرائيل" بسبب المقاومة الفلسطينية. وهو بهذا الربط يسعى إلى محو عامل الاحتلال وإظهار «حماس» كنسخة أخرى عن «القاعدة».

 

 وساعده على تكوين هذه الصورة المشوهة الموقف الرسمي الأميركي الذي عبّر عنه الرئيس جورج بوش بالقول: «إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها». ولما سئل عن حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، أجاب بأن «خريطة الطريق» توفر لهم هذا الحق. وكان شارون يتوقع مثل هذا الجواب المتحفظ من الرئيس الأميركي لأن اتهامات الحزب الديموقراطي ستدفعه للاستنجاد باللوبي اليهودي الذي يوفر له الحماية الإعلامية المطلوبة لتنظيف الأخطاء السياسية والعسكرية والاقتصادية المتراكمة.

يبقى السؤال المتعلق بتوقيت اغتيال الشيخ ياسين، ومدى ارتباط هذه الجريمة بالوضعين الداخلي والاقليمي اللذين يستحوذان على اهتمام رئيس حكومة "إسرائيل"!

 

يقول المراقبون إن عملية الاغتيال وما قد يصحبها من ردود فعل دموية، ستساعد شارون على انجاز خطة الفصل التام وإغلاق كل المعابر المؤدية الى قطاع غزة. ومثل هذا التدبير المؤلم سيحرم أكثر من 15 ألف غزاوي من ظروف العمل في "إسرائيل". والملاحظ في هذا السياق، أن الحكومة تعمل تدريجاً على استبدال العمال الفلسطينيين بعمال تايلنديين، الأمر الذي يؤدي الى إلغاء عقود العمل مع أربعمئة ألف شخص يشتغلون في المنطقة الصناعية. إضافة الى هذا الأذى الاقتصادي العام، فإن الانتاج الزراعي سيتأثر حتماً بإقفال المعابر التي تشهد مرور سبعمئة شاحنة يومياً.

 

من جهة أخرى، تتحدث الصحف الإسرائيلية عن خلاف مستحكم بين السياسيين والعسكريين حول خطة الفصل. ولم يعد سراً أن رئيس هيئة الأركان ورئيس «الشاباك» يعارضان الانسحاب المنفرد بسبب الثمن الباهظ الذي قد يدفعه الجيش من وراء هذه الخطوة الصغيرة. وتكمن مخاوفهما من اتساع رقعة الانتفاضة، ومن استغلال الانسحاب وتفسيره بأنه هزيمة عسكرية، كما حدث في لبنان. وكي يلغي هذا التصور أمر شارون بقتل أهم شخصية نضالية للتدليل على أنه لا يخاف من ردود الفعل. وهكذا منع الجيش والاستخبارات من التأثير على القرارات السياسية المتعلقة بالحلول المرحلية كما أخاف في الوقت ذاته الأحزاب الصغيرة التي يحرضها منافسه نتانياهو وذلك عن طريق الايحاء لشمعون بيريز ورفاقه بأن شهر أيار (مايو) سيشهد ولادة حكومة ائتلافية ثانية.

 

على الصعيد الاقليمي فُسرت عملية اغتيال الشيخ ياسين بأنها اغتيال متعمد لمشروع التسوية، خصوصاً أن تداعياته قد نسفت كل تنسيق محتمل مع شركاء السلام في مصر والأردن وفلسطين. علماً أن شارون أشاد عقب تنفيذ عملية القتل، بضرورة الاقتداء بمصر التي وقعت معاهدة سلام مع "إسرائيل" قبل 25 سنة. ورد عليه وزير خارجية مصر أحمد ماهر بانتقاد أسلوب الاغتيالات، مؤكداً أن بلاده فقدت على الجانب الآخر شريكاً حقيقياً من شركاء صناعة السلام.

 

وفي هذه الحال تبدو ساحة الشرق الأوسط مشرعة لكل الاحتمالات والتوقعات بسبب شلل الإدارة الأميركية واستبدال أسلوب المفاوضات بأسلوب الاغتيالات. وبما أن شارون أراد أن يضع مسألة «الإرهاب» على رأس قائمة جدول أعمال قمة تونس، فإن "إسرائيل" توخت احراج الزعماء العرب الذين يؤمنون بأن مقاومة الاحتلال لا تدخل في خانة الإرهاب، وأن عمليات «حماس» تختلف عن عمليات «القاعدة»!

 

* كاتب وصحافي لبناني.

 

************************

 

 

 

القاتل والشهيد

 

عزت القمحاوي

 

صحيفة القدس العربي 27/3/2004

 

رغم ارتفاع أصوات المعارضة ضد غرور القوة لدى اليمين الأمريكي والصهيونية العالمية، إلا أن ذلك لم يحدث غلاً بعد أن نجحت أمريكا و"إسرائيل" في فرض مفهوم أخلاقي على مصطلح الإرهاب بحيث لم يعد هناك - حتى بين أعتى المعارضين لهما ـ من يتأمل الكلمة بوصفها مصطلحاً سياسياً وضرورة يلجأ إليها الجانب الأضعف في أي صراع لخلق كمية من الفزع في صفوف الخصم باستخدام قدرته المحدودة على التدمير.

 

وبهذا النسيان لا نعثر بين أصدقاء قضيتنا على من يحاول أن يتذكر أن مفهوم الاستشهاد والفداء لا يقتصر على الدين الإسلامي فقط، ولا من يحاول تفهم دوافع الاستشهادي الذي يضع نفسه في مقدمة الضحايا، بينما يعلم الجميع أن العصابة الصهيونية التي تقاوم حتى اليوم كل فرص التحول إلى دولة قامت أساساً وتواصل وجودها بالإرهاب وترويع المدنيين الفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل عن أرضهم.

 

والمؤلم أن من يتحدثون عن لا أخلاقية قتل المدنيين الإسرائيليين لا ينتبهون إلى المسؤولية الأخلاقية التي يرتبها فائض القوة على الكيان الصهيوني الذي يمارس الإرهاب دون حاجة إليه.

 

وبعيداً عن أخلاقية ما تفعله "إسرائيل" في ملاحقتها الأفراد بالطائرات والصواريخ، فإنه يدخل ضمن المفهوم السياسي لـ الإرهاب حيث تحاول من خلال هذه الملاحقة إحداث أكبر قدر من الفزع لدى الفلسطينيين، تماماً مثلما سلكت عصابات المستوطنين قبل إعلان الدولة.

 

وإذا كانت قد اكتفت حتى فجر الاثنين الماضي بترويع الفلسطينيين وتيئيسهم، فإنها تقدمت خطوة أبعد باغتيالها الشيخ أحمد ياسين، الذي استهدفت من ورائه تفزيع كل المدنيين العرب في رسالة واضحة: إرهاب الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط بلا سقف.

 

*   *   *

 

القتل هو القتل في النهاية. ولكن الجريمة تكون فظيعة بسبب فارق القوة بين القاتل والمقتول. والرجل المقعد الواهن كان ضعيفاً حتى ليبدو ميتاً من تلقاء نفسه، بحيث يصبح الهجوم عليه بالصواريخ جريمة شديدة البشاعة، إلا أنه مدان من وجهة نظر الإسرائيليين بالتحريض على العمليات الاستشهادية.

 

الأفظع من قتل ياسين يعرف الصهاينة أنهم ارتكبوه مراراً في عمليات قتل الأطفال التي قادتها عصابات المستوطنين الصهاينة قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي أو مذابح ما يسمى بـ جيش الدفاع سواء كان هذا في المذابح الجماعية أو في تعمد اصطياد طفل وحيد كما حدث في حالة الطفل محمد جمال الدرة الذي شاهد العالم تعمد تصفيته في حجر أبيه، دون أن يتغير شكل العدالة على الكوكب. فقط بعض الاحتجاجات التي ذهبت في النهاية إلى النسيان! أي أن فظاعة جريمة اغتيال أحمد ياسين لا تتجلى بكاملها عند مقارنة موته بموت الفلسطينيين الآخرين، بل عند مقارنة موته بحياة شارون.

 

*   *   *

 

أحمد ياسين ابن أرض فلسطين ولم يكن مضطراً لقيادة حماس لو لم يفتح عينيه على الترويع الذي تعرض له شعبه من عصابات المستوطنين ومآسي التهجير بعد إعلان الدولة العبرية. مقعد منذ صباه ولم يتجه بتكوينه الديني إلى تأسيس وقيادة حركة للكفاح المسلح إلا بعد أن حوصرت فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى، وفرض عليها التخلي عن الكفاح المسلح مقابل حد أدنى من الحق بقي حتى الآن بعيد المنال لأن "إسرائيل" تحاول فرض أمر واقع يستند إلى القوة وليس إلى العدل. ولأنه مقعد ولا يكاد يرى أمامه، فإن كل ما تستطيع أن تتهمه به "إسرائيل" هو التنظير للقتل .

 

أرييل شارون في المقابل، ابن مستوطنين بولنديين وافدين على هذه الأرض، جاءا لينجبا فوقها وحشاً يمارس القتل منذ صباه الباكر. ليس مقعداً، انضم إلى عصابات الهغاناه وهو بعد صبي في الرابعة عشرة من عمره. وارتبط اسمه بمجزرة قبية عام 1953 وصبرا وشاتيلا عام 1982 التي لم تدنه بسببها الهيئات الدولية فحسب بل لجنة تحقيق إسرائيلية!

 

وإذا ما أغفلنا دوافع القتل لدى الرجلين ومشروعيتها (دوافع ابن الأرض ودوافع المستوطن الغريب) فإن مجرد التحريض على القتل حمل أحمد ياسين إلى قبره، بينما حمل أرييل شارون إلى كرسي رئاسة الوزراء في "إسرائيل" - الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط - ليواصل ممارسة القتل والأمر به وليس مجرد التحريض عليه.

 

ويبدو أن شارون والأغلبية الإسرائيلية التي تحتفظ به في هذا الموقع، والإدارة الأمريكية الساهرة على إقلاق أمن العالم، كل هؤلاء لم يدركوا المغزى العميق لقيادة مشلول بهذه الهشاشة لحركة المقاومة من فوق كرسي متحرك: القضايا العادلة لا تموت. والقدرة على التدمير لا تعني القدرة على إحراز النصر النهائي.

وربما يدرك الصهاينة هذه الحقيقة، ولكنهم لا يلتفتون إليها لأنهم شخصياً لن يكونوا ضحايا الانتقام، بل شعبهم الذين يعلفونه خوفاً، ويمنونه كل يوم بأمن لن يأتي أبداً.

 

************************

 

 

شيخ الشهداء على طريق التحرير

 

بقلم: طلعت إسماعيل

 

صحيفة البيان الإماراتية 27/3/2004

 

أسبوع واحد يفصل ما بين قمة تونس العربية واغتيال شيخ الشهداء أحمد ياسين، فهل نتوقع قرارات ترد لهذه الأمة الذبيحة جزءاً من كرامتها المهدرة في العراق وفلسطين؟! نشك كثيراً، لأن الخطاب يعرف من عنوانه، خاصة وأن رد الفعل الرسمي عربياً على جريمة اغتيال زعيم حماس ومؤسسها كان دون مستوى سلاح الشجب والإدانة المعروف، بل إن البعض حمل في طيات استنكاره لاغتيال الرجل تبريراً لجريمة شارون النكراء.

 

نعم شارون هو القاتل المباشر، غير أن للسفاح شركاء يتساوون معه في المسئولية عن الجريمة، إما بالصمت أو بالتخاذل عن نصرة أشقائهم الفلسطينيين بما أعطى السفاح وعصابته فرصة تنفيذ مخططاتهم واللعب بالنار كما يحلو لهم.

اختار الارهابي شارون ذكرى مرور 25 عاماً على توقيع أول اتفاق سلام إسرائيلي مع أكبر دولة عربية ليرتكب جريمته في رسالة لا تخطئها عين مفادها أن ما تريده تل أبيب يجب أن ينحني له العرب بعد أن رضوا بمنطق الهوان والاستسلام لرغباته المدمرة بدعم وتأييد كامل من إدارة أميركية لا تقل عنه تطرفاً.

 

أضعنا 25 عاماً في الركض وراء سراب كاذب تحت لافتة تسمى السلام لم يكن شارون أول من يحطمها، فقد سبقه سفاحون آخرون ممن سفكوا دماء آلاف الشهداء وسعوا إلى اخضاعنا وتركيعنا بشتى الطرق والوسائل.

 

طالبونا بالواقعية والاعتراف بموازين قوى مختلة، في مصادرة على المستقبل مقابل جزء من أرض فلسطين، وعندما قبلنا عادوا ليعرضوا جزءاً من الجزء فرضينا، وعندما لم يبق ما يمكن تقديمه او التنازل عنه، بات علينا خلع جلودنا لارضاء أعدائنا، فخرج من بيننا من يرد الصاع صاعين..

 

وهنا ارتجت عروش واهتزت مقاعد وثيرة. وسارع البعض إلى خلط الأوراق التي لا تفرق بين الحق المشروع في تحرير الاوطان من الاحتلال والتهم الرخيصة بالارهاب، حتى كدنا نصدق أننا إرهابيون.. والأنكى أن البعض تواطأ سراً وعلانية على حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه في مواجهة آلة القمع الشارونية وهؤلاء لا يلومون إلا أنفسهم عندما تستيقظ الشعوب، وتسجل صفحات التاريخ بمداد أسود أفعالهم الشنعاء.

 

تساءل كثيرون عن هدف السفاح شارون من اغتيال الشيخ أحمد ياسين رغم أنه لم يكن هدفاً صعب المنال في وقت سابق أو لاحق على يوم الجريمة، واجتهد كثيرون أيضاً في الاجابات التي تراوحت بين سعي شارون إلى تدمير حركة المقاومة الاسلامية حماس أو السعي لتفجير حرب أهلية وسط الفصائل الفلسطينية بعد الانسحاب من غزة.

 

وهناك من رأى في الجريمة رغبة مبكرة في إحراج القمة العربية المقبلة ودول عربية بعينها، وهي إجابات تتكامل وتتلاقى مع اجابة رابعة تتمثل في تأكيد تل أبيب قدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء، مثلما فعلت واشنطن باحتلالها العراق في تحد سافر للمجتمع الدولي.

 

ضبطت الحكومات العربية أنفاسها على وقع تصريحات كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي للرئيس الأميركي، غير أن واشنطن لا يجب ان تتوقع أن تضبط الشعوب ايقاع حركتها على ذات البوصلة الأميركية، لأن الدم لا يولد إلا الدم، والرصاص لا يجلب سوى أصوات القنابل والمتفجرات، وباغتيال الشيخ أحمد ياسين لابد وأن تسقط العديد من المماحكات حول شرعية العمليات الاستشهادية التي تستهدف الإسرائيليين جميعاً صقورهم وغربانهم المتخفية في شكل حمائم فاجرة على السواء.

 

لا أحد يمكن أن يلوم حماس وكل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا الظرف على رد الفعل وأن تجاوز كافة الخطوط على اختلاف ألوانها وأولها الأحمر القاني، لأنه ليس قدراً أن يستباح دمنا ولا يراق دم قاتلينا.

 

ولتخرس كل الأصوات التي تلوك من وقت لآخر معزوفة الاستسلام تحت وهم السلام.

يناور بعض العرب، ويداور البعض الآخر لتبرير التخاذل والجبن أمام عدو لا يعرف غير لغة القوة بديلاً، فتأتي الرياح بعكس ما يشتهي المتخاذلون.. المجتمع الإسرائيلي يفرز أكثر من فيه تطرفاً دفاعاً عن مشروعه الباطل، وأصحاب الحق في الأرض المسلوبة يرفعون إلى مقدمة الصفوف المرتعشة أيديهم لقيادة الأمة في أحلك الظروف وأشدها مرارة، وهي مفارقة عجيبة تنفرد بها أمة العرب وسط أمم الأرض.

 

وعزاؤنا في تلك المظاهرات الشعبية التي خرجت في أوساط طلاب الجامعات العربية، وهو ما يعطينا الأمل في الغد، لأنه ورغم كل برامج الاسفاف التي تقدمها الفضائيات العربية تحت عنوان «تلفزيون الواقع» تبقى القاعدة الشبابية العربية بصحتها انتظاراً للحظة الخلاص والاصطفاف وراء قيادات تعرف أهدافها والتي تتخطى بالضرورة حدود التشبث بمقاعدها بأي ثمن.

 

ويحدونا الأمل أيضاً في أن يشكل استشهاد الشيخ أحمد ياسين رافداً جديداً لرافعة الفعل المقاوم، ليس في فلسطين وحدها، بل في كل الأرض العربية، فقد كان الرجل رحمه الله نموذجاً صلباً في الدفاع عن الحق والعدل، وجسد مسيرته النضالية روح الأمة الحقيقي في أفضل تجلياته.

 

المصاب جلل بلا شك غير أن الأمة التي أنجبت أحمد ياسين قادرة على صنع من هم على ثباته وصلابته، أولئك القابضون على جمرة النصر والقادمون من نسل الفاتحين العظام والمحاربين الأشداء الذين لا يرهبون عدوهم ما بقيت فيهم شريعة الجهاد قائمة.

 

هي ساعة لاستنهاض الهمم، وليست لحظة لليأس والقنوط، فكم من جحافل جرارة جاءت غازية فالتهمتها الصحراء العربية على مر التاريخ، عندما توفرت الإرادة التي نتمنى أن يكون استشهاد الشيخ أحمد ياسين خطوة على طريق استعادتها، ودافعاً لنا حتى نصبح أمة جديرة بالنصر الذي تستحقه.

 

فقط لا نريد أن تخرج علينا أبواق فقه الهزيمة، وحناجر الدعوة إلى التخاذل والاستسلام، وأرباب الوقوعية بذريعة الواقعية، لأن أولئك الأشد خطراً من صواريخ شارون ودباباته.

 

استشهاد أحمد ياسين لن يكون أبداً نهاية المطاف، وتكفي صورة الشوارع الإسرائيلية وقد خلت من روادها خوفاً وهلعاً خشية الانتقام الفلسطيني، وهو ما يبرهن على مدى جبن القاتل الذي يحتمي خلف أعتى آلات القتل جبروتاً، فليس صحيحاً أننا الأضعف، طالما بقيت فينا كتائب القسام وسرايا القدس وكتائب الأقصى، وكل الفصائل المقاتلة دفاعاً عن شرف هذه الأمة وكرامتها.

 

إلى جنة الخلد يمضي الشيخ أحمد ياسين ورفاقه تاركاً خلفه ميراثاً للأجيال القادمة بعد أن قام بتعبيد طريق البوابة الكبرى لتحرير فلسطين وهو الطريق الذي لا يعرف أصحابه الخوف أو الاستسلام وإن حدقت بهم الأخطار من كل جانب.

 

************************

 

 

هذه النعمة الشارونية المرسلة!

 

د. عبدالوهاب الافندي

 

صحيفة القدس العربي 27/3/2004

 

بعد الحرب الأولى على العراق عام 1991 اقترحت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية على قادة الولايات المتحدة بنصب تمثال من الذهب في أبرز مساحات واشنطن للرئيس العراقي صدام حسين عرفاناً لما ساهم به في تمرير المخططات الأمريكية للهيمنة علي منطقة الشرق الاوسط.

 

بنفس الروح يمكن أن يقترح على الحكومة الفلسطينية المستقلة القادمة أن تنصب تمثالاً من معدن مناسب في أبرز مساحات القدس المحررة للزعيم الصهيوني أرييل شارون عرفاناً بدوره في تدمير "إسرائيل" وخدمة القضية الفلسطينية.

 

شارون ساهم أكثر من أي زعيم عربي آخر، بما في ذلك الزعماء الفلسطينيون، في خدمة القضية الفلسطينية وإضعاف "إسرائيل" سياسياً ومعنوياً، وإلى حد ما عسكرياً فبينما نجح الزعماء العرب في تحويل الدول العربية لمعسكرات اعتقال للفصائل الفلسطينية (ومواطني تلك الدول) وخطوط دفاع أساسية عن "إسرائيل"، أو مساحات اقتتال بين العرب كان شارون هو الوحيد الذي نجح في تحويل لبنان من ساحة اقتتال عربية ـ عربية إلى الجبهة الوحيدة المفتوحة ضد "إسرائيل".

 

وكما جنى شارون لإسرائيل أكبر هزيمة عسكرية وسياسية لها في لبنان، ويستعد الآن لأخرى في غزة، فإنه أول زعيم إسرائيلي يمهد عودة الفلسطينيين إلى ديارهم. فشارون طرد عرفات من بيروت ولكنه أعاده إلى رام الله على رأس قوة من ثلاثين ألف جندي أصبحوا اليوم قوة ضاربة تقف إلى جانب الحق الفلسطيني.

 

شارون ساهم أيضاً في إظهار الوجه القبيح لإسرائيل حساً ومعنى، وعراها في وجه الرأي العام العالمي من كل ورقة توت أخلاقية كانت تتستر بها، فظهرت على الملأ وكاميرات التلفزيون كما هي: دولة قمعية عنصرية توسعية قوامها القتل والنهب المسلح واستعباد الخلق الذين ولدتهم أماتهم أحراراً.

 

وها هو شارون يوالي انجازاته حين قام باغتيال زعيم حماس الشيخ أحمد ياسين، فنسف بصاروخ واحد (أو ثلاثة) كل حججه وحجج حليفه جورج بوش حول محاربة الإرهاب فما هي الحجة المتبقية لإدانة الإرهاب إذا لم تكن لا أخلاقية الهجوم المسلح ضد شيخ مقعد مريض خارج مكان العبادة أمراً منكراً لا مبرر له؟

 

شارون حول الإدانة الدولية الواسعة لعمليات حماس ضد "إسرائيل" إلى إدانة جماعية لإسرائيل، وأعطى شرعية لأعمال حماس، بحيث أن العالم كله أصبح اليوم يتوقع، بل يترقب وينتظر، أكثر الأعمال دموية من حماس، بحيث أن الاستغراب سيكون في حالة ما لم تحدث هذه الأعمال. وبدلاً من أن يثير وقوع أعمال انتحارية جديدة الاستنكار، فإنه سيجعل العالم يتنفس الصعداء ويخف التوتر فيه تماماً كما يحدث حين تنحل العقدة في فيلم مطاردة مثير.

 

ومن من الزعماء العرب كان يستطيع أن يوحد العرب في المشرق والمغرب، ومن سنة وشيعة، ومسلمين ومسيحيين كما رأينا في الأيام الماضية؟ لقد تناسى العراقيون خلافاتهم، ومشاكلهم الكثيرة، وخرجوا يتظاهرون جماعات جماعات، شيعة وسنة، ومسالمين للاحتلال ومحاربين له، وكلهم يهتف على قلب رجل واحد ضد أعداء الأمة.

 

وفي بقية الدول العربية التي أصاب شوارعها وعواصمها ركود الموت دبت الحياة فجأة في رميم العظام، واستيقظ البعض من سباته، وتذكر أن فلسطين ما زالت محتلة والعواصم عاجزة، ولكن حتى هذه اليقظة القصيرة كانت تحتاج إلى صدمة شارونية مثل هذه.

 

قد يأتي يوم تستجمع فيه الأمة العربية قواها وتملك زمام أمورها، وتقدم للقيادة أهل الكفاءة والقوة والأمانة وتخوض معاركها بحزم واقتدار وتقضى على الفساد والمفسدين والعجز والعاجزين، ولكن هذا أمر دونه ظهور المهدي المنتظر، وعلامات الساحة الأخرى، وفي هذه الاثناء فلنا أن نحمد الله على هذه النعمة الشارونية التي تكشف وتفضح المفضوح، وتقوم بواجب إيقاظ النائمين، وتوحيد المتفرقين، فلأمر ما أصبح شارون اليوم زعيم العرب الأوحد.

 

************************

 

 

 

اغتيال الشيخ ياسين: اليأس الصهيوني في متاهته

 

د. عبد الوهاب المسيري

 

صحيفة الاتحاد 27/3/2004

 

لماذا فعل شارون فعلته الشنعاء هذه؟ وما مغزى إعلان النظام الصهيوني أن "موسم الصيد" قد بدأ، بمعنى أن جيش الاحتلال الصهيوني سيصعّد من عمليات اغتيال القيادات السياسية والثقافية والعسكرية للشعب الفلسطيني؟. ولماذا بدأ "الموسم" في هذا الوقت تحديداً باغتيال الشيخ ياسين، الذي كانت تحركاته معروفةً للجميع منذ أمد بعيد؟ وماذا يعني اتساع قائمة الاغتيالات لتشمل الرئيس عرفات نفسه، وعبدالعزيز الرنتيسي ومحمود الزهَّار (من حركة "حماس") وعبدالله الشامي (من حركة "الجهاد") وأبو قُصي (من"كتائب شهداء الأقصى")؟ هذه بعض الأسئلة التي تطرحها الجريمة الصهيونية الأخيرة، والتي يجب التأمل في أسبابها ودوافعها المتعددة والمتداخلة. ويمكن هنا التوقف أمام عدد من الدلالات الواضحة:

 

أولاً: يُعد القضاء على النخب السياسية والثقافية لحركات المقاومة هدفاً أساسياً على الدوام للقوى الاستعمارية. فقد اغتال النازيون آلاف المثقفين في بولندا، فضلاً عن أعداد كبيرة من القيادات العسكرية. ولاشك أن الصهاينة تعلموا الدرس من النازيين. فاغتيال الشيخ ياسين ينضوي تحت هذا النمط، حيث اغتيل قادة آخرون من قبل، من أمثال غسان كنفاني، وكمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار، وأبو إياد، وأبو جهاد، و"المهندس" يحيى عياش، وأبو علي مصطفى وغيرهم كثيرون. ومع ذلك، فإن اغتيال الشيخ ياسين يُعتبر تصعيداً نوعياً وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء.

 

ثانياً: يود شارون توجيه رسالة لليمين الصهيوني، الذي يشكل قاعدته الانتخابية والجماهيرية الحقيقية، مؤداها أن انسحابه من غزة لا يعني مطلقاً الاستسلام للفلسطينيين.

 

ثالثاً: لا تزال تجربة لبنان تلاحق قادة الجيش الإسرائيلي وهم يعملون على ألا يكون الانسحاب من غزة مثل الانسحاب من جنوب لبنان. فهم يرون أن الجيش الإسرائيلي لابد أن ينسحب وهو يشعر بأنه منتصر، بينما تنشغل حركة "حماس" بالدفاع عن نفسها وقد أصبح ظهرها إلى الحائط، كما صرح أحد المعلقين في إذاعة الجيش الإسرائيلي.

 

رابعاً: نُفذت عملية الاغتيال في إطار سياسة البطش التي رسمها شارون لنفسه، والتي تنطلق من تصور أن "ما لا يُؤخذ بالقوة يُؤخذ بمزيد من القوة"، وهي امتداد لفلسفة الجدار الحديدي التي طورها فلاديمير جابوتنسكى، الأب الروحي والفكري لليمين الصهيوني، الذي انطلق من تصور بسيط وبديهي مفاده أنه لا يوجد شعب تنازل عن أرضه طواعية لشعب آخر، ولذلك فلا يوجد أمام المستوطنين الصهاينة من حل سوى الضرب بيد من حديد على السكان الأصليين إلى أن يقتنعوا بأنه لا مفر من الإذعان وقبول الأمر الواقع.

 

خامساً: لا يمكن للوجدان الصهيوني أن يقبل بأن الفلسطينيين شعب لهم حقوق في وطنهم، وأن ما يقومون به هو فعل مقاومة مشروع. فالصهاينة يرون الفلسطينيين باعتبارهم أشياء أو رعاعاً أو مجموعات بشرية غير مترابطة ليست لها أية طموحات قومية محددة. وانطلاقاً من هذا يرون أن المقاومة الفلسطينية هي من "فعل فاعل" و"مهيج خارجي". ففي بدايات القرن الماضي وصف إسحاق بن تزفي، الذي تولى رئاسة الدولة الصهيونية فيما بعد، المقاومة العربية بأنها مذبحة حرَّض عليها قنصل روسيا في فلسطين. وعندما اختفى القنصل الروسي بعد الثورة البلشفية، كانت القيادة الصهيونية ترى عملاء إنجلترا ثم عملاء فرنسا في العشرينيات، وعملاء ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في الثلاثينيات، كمحرضين على الثورة، ثم زعموا أن المسيحيين العرب هم الذين يحضّون على الثورة. وفي الأربعينيات، أصبحت سلطات الانتداب والإدارة العسكرية البريطانية في فلسطين هي المحرك الرئيسي لثورة الفلاحين الفلسطينيين، حسب الرؤية الصهيونية. وفي هذا الإطار الإدراكي يمكن الزعم بأن المسؤول عن الانتفاضة هو عرفات أو زعماء الحركات الإسلامية أو هذا الشخص أو ذاك، وأن التخلص منهم يعني القضاء على المقاومة.

 

سادساً: يتصور الصهاينة أن اغتيال الشيخ ياسين سيضعف السلطة الفلسطينية وسيعمق التناقض بينها وبين حركات المقاومة الإسلامية، مما يؤكد مقولة شارون بأنه لا وجود لشريك فلسطيني للتفاوض معه.

 

سابعاً: يُعتبر اغتيال الشيخ ياسين اغتيالاً في الوقت نفسه لخريطة الطريق ولأية محاولة للتوصل إلى تسوية من خلال المفاوضات، كما أنه يدمر محاولات تدويل القضية الفلسطينية، ولابد من النظر إلى هذا كله في سياق محاولة شارون لفك الارتباط من جانب واحد.

 

ثامناً: تهدف عملية الاغتيال إلى تحذير كل القادة الفلسطينيين بأنهم سيلقون مصيراً مماثلاً إن لم يكفوا عن المقاومة، كما تهدف إلى إذلال الشعب الفلسطيني وكسر شوكة المقاومة بإظهار مدى قوة العسكرية الصهيونية.

 

تاسعاً: وأخيراً فإن تنفيذ عملية الاغتيال عشية القمة العربية هو رسالة واضحة للشعب العربي ولقياداته، مفادها أنه لا مجال أمامهم سوى الإذعان لمفهوم "السلام" الإسرائيلي، الذي يعني في واقع الأمر قبول دولة فلسطينية مقطعة الأوصال، وقبول المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير الذي تشكل "إسرائيل" مركزه.

 

والملاحظ أن شارون لم يكتف بإعلان مسؤوليته عن عملية الاغتيال بل تباهي بها وأكد أنه أشرف عليها شخصياً، وهو ما دعا رئيسة كتلة "ميرتس" في الكنيست إلى القول إن شارون لم يتصرف كرئيس وزراء وإنما باعتباره قائد "الوحدة 101" (وهي الوحدة التي كانت تقوم بمهام خاصة قبل عام 1967 مثل الاغتيالات والمذابح ضد المدنيين الفلسطينيين، كما حدث في مذبحة قلقيلية وغيرها). وحذر بعض النواب المعارضين في الكنيست من أن عملية الاغتيال دليل على أن الحكومة الحالية في "إسرائيل" فقدت صوابها تماماً، وأنها ستؤدى إلى فوضى كاملة.

 

وقد استنكر الرأي العام في جميع أنحاء العالم هذه الجريمة، ووجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها مضطرة للتعبير عن استنكارها في عبارات صريحة وواضحة، على غير عادتها، حيث اعتبرت عملية الاغتيال انتهاكاً للقوانين الدولية وأقرّت بأنها ستنسف محاولات السلام.

 

أما الولايات المتحدة، فكان الأمر مختلفاً معها تماماً. فقد أكد المتحدثون الرسميون الأميركيون مقولتهم الأساسية وهي أن من حق "إسرائيل" الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإرهابية، أي أن الاحتلال الصهيوني على الضفة الغربية وغزة ليس احتلالاً (ومن هنا مغزى استخدام مصطلح "أرض متنازع عليها" disputed territory في التصريحات الأميركية)، وأن المقاومة الفلسطينية ليست مقاومة للاحتلال وإنما إرهاب ضد المدنيين الأبرياء! وأنكرت الولايات المتحدة علمها مسبقاً بالعملية، وهو أمر يصعب تصديقه، فلا يمكن تصور أن الدولة الصهيونية تقدم على عملية من هذا النوع دون الحصول على الضوء الأخضر من إدارة بوش. ثم طلبت الولايات المتحدة من الطرفين ضبط النفس، وكأن القاتل والضحية متساويين.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن سلاح الطيران الإسرائيلي تسلم منذ أسبوعين تقريباً أول طائرتين من صفقة طائرات يبلغ عددها 100 طائرة، من طراز 16 F، ولكنها معدَّلة ولهذا تُسمى F16 1 ويُطلق عليها بالعبرية اسم "صوفا" (أي العاصفة)، وستكون بمثابة العمود الفقري لسلاح الجو الإسرائيلي. ويبلغ مدى هذه الطائرات 1500 كيلومتر دون توقف للتزود بالوقود، مما يجعلها قادرة على الوصول إلى أي مكان في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأهداف النووية في إيران، كما أنها مزودة بمعدات مركبة ومتقدمة ترفض "إسرائيل" الكشف عن طبيعتها (هل هذا إعداد لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير؟)، وتبلغ تكاليف الصفقة 4.5 مليار دولار، ستدفعها "إسرائيل" من المعونة التي تقدمها لها الولايات المتحدة. وبإتمام الصفقة، سيصبح لدى سلاح الطيران الإسرائيلي 100 طائرة من طراز F16 المعدل، و230 طائرة مقاتلة من طراز "فولكون"، مما يجعله أكبر سلاح جوي في العالم بعد الولايات المتحدة. وقد يكون من المفيد تذكير من يتحدثون عن الولايات المتحدة باعتبارها "وسيطاً محايداً" أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين نُفذ بطائرات إسرائيلية من طراز أباتشي الأميركية.

والله أعلم.

************************

 

 

الشيخ ياسين واغتيال المستقبل العربي

 

عمر مسقاوي* 

 

صحيفة السفير اللبنانية 27/3/2004

 

إن اغتيال الشيخ أحمد ياسين محطة تأمل في مسيرة نضال مرير. لذا فغضبنا لا بد أن يوازي فخرنا بهذا القائد الذي رسم طرق النضال فرفض الهزيمة وآثر مع أمثاله الموت على طريق النصر النهائي الذي لا بد منه مهما طال الزمن ومهما تخلف أولو الطول السياسي من أهل القضية.

 

من هنا نقف في محطة تأملنا هذه لنقلب الأمور من مسار معقد تختلط فيه استراتيجية الكبار مع ضرورات المقاومة. لذا لا بد أن نحدد الضرورات هذه في مستوى تلك الاستراتيجية بحيث نستطيع تغيير قواعدها.

 

ذلك أن استراتيجية أوروبا منذ الحرب العالمية الأولى والتي ورثتها أميركا وطورتها لحساب إنشاء دولة "إسرائيل" انطلقت من معطيات واقعنا النفسي والاجتماعي في عمقه الفكري، ذلك الواقع الذي امتلأ بالتاريخ بحيث لم يبق فيه مكان لصنع الحاضر.

 

فبعد نصف قرن من انشاء دولة "إسرائيل" وطرد الشعب الفلسطيني ونصف قرن قبلها في بداية القرن العشرين من التحضير البنيوي للكيان الإسرائيلي فإن شرح القضية الفلسطينية للعالم ملتبس بهذا الواقع المتخلف في حضورنا العالمي.

ولكن كان اعتزازنا بتراثنا رغم ذلك هو حصانة المقاومة التي تمسك بزمام الوجود الفلسطيني ووجودنا العربي في آن فإن الاعتماد وحده على القوة التي تربك استقرار "إسرائيل" وخططها الكاسحة لا يكفي لأن إرباك الخطة لا يعني الغاءها.

 

من هنا كان لا بد لاعطاء المقاومة مفهوما يخاطب عمق الاستراتيجية اليهودية الأوروبية الأميركية المعقدة والمتشابكة والتي بفضل تقدمها في ميادين الايحاء الفكري (لضعفنا المفاهيمي) تملك سلطة استدراج دائم في الاطار السياسي والفكري كما في إطار القوة إذ تمثل في سائر هذه الميادين القوة التي تجذب إلى حلبتها الجميع كيما يخلفوا وراءهم مواقعهم وهكذا ينساقون إلى الخروج من ساحة الصراع الفكري والمعركة المصيرية حين يفتقدون سلاح الموقف فيفوتهم القطار ويصبحون على محطة انتظار خارطة الطريق نحو المجهول.

من هنا فاغتيال الشيخ أحمد ياسين بقنابل شارون ومن قبله رموز بارزة في الكفاح ليس رد فعل لما تقوم به المقاومة من بطولات بل هو جزء من خطة باردة تحاول نقل المعركة من قوة المقاومة إلى مقاومة القوة في المعيار التكنولوجي المتقدم الذي تملكه "إسرائيل" وحدها.

 

فقوة المقاومة تتطلب تحديد الوسائل في الاطار الثقافي والاجتماعي لأنها تنطلق من انتماء تاريخي حضاري يستهدفه كلياً الحضور الصهيوني في فلسطين ويلغيه ويهدم مرتكزاته ويهدم المنازل ويشرد الأطفال ويفسد الزرع والضرع.

 

من هنا وإزاء هذه الخطة فالاجتهادات لا تنطلق من معايير متعددة واحياناً متناقضة وإنما هي معيار واحد يتمحور حول المفهوم المبدئي الأصيل الذي تعبر عنه عضوية انتمائنا لهذه البقعة من هذا العالم دون وهن ولا خور ولا واقعية. تغيب عنها قوة الوقع في حصاد النتائج.

 

من هنا تصبح الاجتهادات في مواجهة العدو وفي جبهة المعركة أو في جبهة السياسة تستقي مشاعر ضعف ملتبس يهز من فاعلية الإيمان بالقضية رغم صدق صاحبها.

 

والمقاومة ليست خياراً نجتهد فيه وإنما هي تعامل مع عدوان ضاغط يمنحها هذا العدوان مشروعيتها ومعناها في إرادة المقاومة طالما نحن حافظنا على معناه هو كعدوان.

هذا العدوان الضاغط لا يتيح المجال لفردية المبادرات لأنها تفسد منطقه لذا فالاجماع هنا يحكمه ضابط الانتماء لمعنى وجودنا الحضاري على أرض التاريخ والتراث والثقافة الجامعة. فأمر وحدة المقاومة في قوة إيقاعها كعمل ينساب في معنى المقاومة نفسه وهو بالتالي يختلف عن قانون إعلان الحرب والهدنة مما تفرزه أحلام اليقظة السياسية في معايير الدولة. إنه في مفهومه الإنساني خطاب يخترق حجب المواقف العالمية على اختلافها وتنوع مشاعرها وانتمائها لقضيتنا.

 

إنها بقدر ما تقدم من تضحيات تقدم في الوقت نفسه مسوغات فيها بلاغة تتجاوز النفاق الأميركي والاحتجاج المتبادل إلى الحجة التي تدخل في حسابات الخطط المعادية وتعديلها بما يبطل فاعليتها.

 

لذا فوحدة المقاومة تتطلب وحدة الموقف الذي يعرف العدو حدوده وهو موقف يقوم أساساً على رفض الواقع القائم. وهو بقدر صلابته يتبنى المبادرات التي تُفرض علينا لا التي نفرضها على أعدائنا. فمبادرة السلام العربية أضاعت مرتكزات أي سلام مستقبلي لأنها سلمت العدو مفتاح قلعة الممانعة والصمود. وهكذا كان اليوم التالي هو الجواب الشاروني، فما يجري في ساحتنا اليوم أن "إسرائيل" تصعد بطشها غير المسبوق ليصبح تصعيدها هو القضية وهو المشكلة التي ينبغي حلها وليس منطق المقاومة.

 

وإذا كان لا بد من أفق توضع فيه نهاية المشكلة الصهيونية فإن ذلك لا يكون كما هو الواقع القائم اليوم أفقاً ينتهي فيه حضور العالم العربي كحقيقة تاريخية لها منطقها الثقافي والاجتماعي وتصبح "إسرائيل" وحدها الدلالة على المنطقة. والتاريخ قد يحتمل التراجع أحياناً إنما في حدود الإمساك بقواعد مسيرته وإلا فسوف ينتهي تاريخنا حتماً ويبقى في ذاكرتنا سِيَر الأبطال أمثال الشيخ أحمد ياسين وعز الدين القسام وسواهما، ونعوض به عن قصور وغياب ابتدآ منذ وعد بلفور.

فبن لادن وقاعدته والإرهاب في فضائنا السياسي ذلك كله من صنع عالم الكبار والقصد منه تضليل شعوب أوروبا وأفريقيا وآسيا اذ لم تعد تفهمنا حين اختلط عليها موقفنا من قضيتنا المركزية.

 

فكامب ديفيد، ثم مدريد ثم أوسلو والدولة الفلسطينية ثم مبادرة جنيف، هذه كلها مظاهر لضعفنا المفاهيمي الذي ألقى بظله على هيبتنا في العالم.

 

إن مؤتمر القمة العربي سيجتمع غدا في تونس على طاولة عليها وضع كل رئيس اعلام حدوده وسيادته، لا يمكن له أن يواجه سيادة القوة الاسرائيلية التي لم تضع بعد حدوداً لها لا في السيادة ولا في إطار الحضور السياسي والاقتصادي لذا وضعت العالم العربي كله في حقيبتها.

 

من هنا فالقضية لا تنصب على مشكلة الديموقراطية والحريات كما توحي شياطين الإمبراطورية. القضية كما قال وزير الخارجية السورية في تحديد برنامج الأولويات إذ الحديث اليوم عن إعادة صياغة سياسة عاجلة للمجتمعات العربية طبق هياكل جاهزة تبشر بها أقلام تبحث عن موقع لها في زحام الهزيمة الشاملة، وهي دعوة إلى الفوضى وقيد في النهاية يحول دون وحدة المسار في زمن المخاطر.

 

فالأولوية اليوم موقف يمهد لوحدة عالم عربي حقيقي على الأقل في الاطار القاتم، له بعده السياسي والاقتصادي والتاريخي يفرز في طريقه ديموقراطيين أولاً كما يقول الوزير غسان سلامة لتكون هنالك ديموقراطية تخدم مرجعية الثقافة والحضارة العربية في بعدها السياسي والانمائي.

 

والعالم العربي اليوم يواجه باسم الحرية وعبر دعوات التغيير والديموقراطية تعرية فكرية ونفسية واجتماعية من تربه الحضارة العربية الإسلامية وخصبها التاريخي، وهكذا تظهر مخلفات العرق والجنس توحي بها شياطين الدراسات الاثنولوجية التي تسد آفاق الوحدة في عالم يشهد غلبة وامتياز العرق الصهيوني.

 

وهكذا يخلع الاكراد عباءة مجد صلاح الدين العربية الإسلامية كما يخلع البربر عباءة الحضانة العربية الإسلامية عن الغرب والاندلس، لنسير جميعاً في حتمية العولمة الإسرائيلية. وذلك نذير من النذر الأولى في انهيار الحضارات، ومقاومة هذا الانهيار أول الطريق للتغيير ولمواجهة المخاطر.

(*) وزير ونائب سابق

 

************************

 

 

دعوة إلى الاسترخاء!

 

بقلم: أحمد عمرابي

 

صحيفة البيان الإماراتية 27/3/2004

 

يتساءل المرء أحياناً ما إذا كان لشخصيات فلسطينية مثل سري نسيبة وحنان عشراوي من هاجس سوى دعوة الفلسطينيين إلى الخمود وتبرير المسلك الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني؟ طرأ هذا التساؤل على ذهني للمرة الألف عندما نقلت الأخبار دعوة صادرة من عدد من الشخصيات الفلسطينية بينها نسيبة والسيدة حنان إلى الشعب الفلسطيني في مناسبة اغتيال الشيخ أحمد ياسين ـ الرمز الأكبر للمقاومة الفلسطينية ـ ليكون رد الشعب على طريقة «من يصفعك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر». وصيغة الدعوة، التي تناشد الشعب الفلسطيني الاكتفاء بانتفاضة «سلمية» تحفل بعبارات اعتذارية تبريرية من قبيل «لعدم إعطاء إسرائيل ذريعة» و«استرشاداً بما تمليه المصلحة الوطنية» وضرورة «كظم الغيظ» إلخ...

 

وأول ما يؤكد على تهافت هذه الدعوة أنها تأتي في أعقاب بيانات إسرائيلية رسمية تعلن للشعب الفلسطيني والعالم أجمع أن عملية اغتيال الشيخ ياسين ليست سوى حلقة من مسلسل عمليات مماثلة من تأليف شارون وإخراج وزير حربه موفاز، وكما تفعل المافيا العالمية فإن لدى "إسرائيل" قائمة طويلة من 80 اسماً لقيادات وكوادر «حماس» وفصائل المقاومة الأخرى تقرر تصفيتهم جميعاً كما صرح الجنرال موفاز.

 

فهل بوسع نسيبة والسيدة حنان واضرابهما ممن أصدروا الدعوة إلى السلم التي نشرت في صحيفة فلسطينية إقناع موفاز وشارون بوقف المسلسل إذا تجاوبت فصائل المقاومة مع الدعوة؟

 

إن الشخصيات التي وقعت على نداء الدعوة كلها قريبة من السلطة الفلسطينية.. وبعضها عضو في السلطة وقد بات من المعروف أن مثل هذه الشخصيات لا تحظى باحترام أرييل شارون وأحزاب ومنظمات اليمين الإسرائيلي المتطرف.

 

وقد كان يتعين على هذه الشخصيات أن تسائل نفسها أولاً عما إذا كانت في موقف يمكنها من أن تضمن حماية قيادات وكوادر المقاومة من البطش الدموي الإسرائيلي إذا قبلت الفصائل دعوتها الى السلم ولو ساءلت نفسها وتفكرت لعرفت قدر نفسها ولتراجعت بالتالي عن دعوتها.

 

ومادامت هذه الشخصيات قد أصدرت نداءها بالفعل بينما يعد موفاز العدة لمواصلة مسلسل الاغتيالات على خلفية استمرار العمليات الإسرائيلية على الأرض من تدمير منازل وتجريف مزارع وقتل عشوائي واعتقالات بالجملة فإن من حق الشعب الفلسطيني عامة وفصائل المقاومة بوجه خاص أن يرتابوا في الدعوة المطروحة لأنها ببساطة دعوة إلى الاستسلام.

 

وفي الحقيقة فإن العوائق التي تعترض سبيل المقاومة الوطنية المسلحة هي عوائق فلسطينية أكثر منها خارجية.

بالطبع هناك أكثر من عدو معلن أو خفي للمقاومة خارج الأراضي الفلسطينية لكن الأمر لا يقتصر على الخارج. العداء الخارجي للمقاومة الفلسطينية المسلحة يتمثل في الولايات المتحدة وبعض أطراف عربية.

 

أما في الداخل فإن أكبر عائق على طريق المقاومة يتمثل في السلطة الفلسطينية فقد بات ثابتاً أن قيادات السلطة تعارض الكفاح المسلح من حيث المبدأ ولأن السلطة تدرك عجزها عن نزع سلاح الفصائل، في سبيل سياستها الثابتة.

 

وهناك عائق آخر لا يقل خطورة إن لم يكن أشد خطورة ويتمثل في ظاهرة «العملاء» ولإدراك مدى خطورة هذه الظاهرة على فصائل المقاومة وعناصرها البشرية علينا أن ندرك أولاً أن نجاح عمليات الاغتيال التي تنفذها القوات الإسرائيلية يعتمد بالدرجة الأولى على توفر معلومات استخباراتية دقيقة عن الشخصية المراد تصفيتها وتحركاتها، ومثل هذه المعلومات هي التي يوفرها العملاء.

 

وسواء أحسنا أو أسأنا الظن بالدعوة إلى «الانتفاضة السلمية» التي أطلقتها شخصيات قريبة من السلطة الفلسطينية على نحو ما أشرنا آنفاً فإن هذه الدعوة في تصنيف التعويق المعنوي لنشاط فصائل المقاومة لأنها دعوة إلى التخذيل والاستسلام.

 

************************

 

 

أحمد فلسطين والمسلمون

 

بقلم: مديحة النحراوي

 

صحيفة الأهرام 28/3/2004

 

بالرغم من أن الدموع تشوي الوجوه‏,‏ والحزن يكوي القلوب على الطريقة اللا إنسانية التي اغتالت بها "إسرائيل" الشيخ أحمد ياسين فإن مسبحته التي ختم بها صلاة فجره‏..‏ ورداءه الذي غطاه من صقيع البرد كانا مرفوعين فوق ذرات جسده المنثور غارقاً بدمه أمام بيته‏.‏ كانا متوهجان بالنور لكل الدنيا‏,‏ نور الحق والعدل والشهادة‏..‏ وكأن تلك الروح القوية العملاقة التي لم يقو عليها الجسد الواهن الضعيف المتحرك فوق كرسي‏..‏

 

قد تعهدت للدنيا ألا تخرج إلا حقاً وصدقاً بالاصرار على الشهادة في سبيل الله‏,‏ وسبيل الأرض والعرض والوطن‏.‏ تلك الروح التي أذهقتها الطائرات والصواريخ الأمريكية بإشراف شارون وبأيد آثمة مجرمة خرجت تعلو فوق الأراضي الفلسطينية لتحوله لأحمد فلسطين‏,‏ وتجعل من خصوصية مكانه وزمانه وجسده الواهن زعقة وصرخة غضب موحدة تطوف شوارع فلسطين في حزن دافق وغضب عارم وثأر قادم‏..‏

بل أكثر من ذلك انطلقت قوة روحه العملاقة لكل مسلم ومسلمة في ربوع الدنيا‏..‏ لا تعلن فقط الحزن بل تعلن أيضاً عهداً بالثأر‏..

 

إن الاحتفالية التي أعلنها وزير الدفاع الإسرائيلي بأن الشيخ أحمد يستحق الموت لها رجع صدي في نفس كل مسلم ومسلمة لا‏..‏ إنه يستحق الشهادة‏..‏ وهم لا يعلمون معنى الشهادة‏..(‏ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون‏)‏.

لا حزن على الشيخ الذي سجل بشهادته في سبيل الله المعنى الحقيقي للجهاد‏.‏ الجهاد الذي نسيناه‏,‏ ثم أنكرناه ثم خجلنا منه واعتبرناه من عيوبنا‏...‏ لتطغى يد الإثم ويد العدوان والغدر تنزع منا كل شيء‏..‏ تنزع منا قوة وقدرة الدفاع عن ضعافنا من الأطفال والنساء والشيوخ ليحملها عنا أحمد ياسين وفلسطين والمسلمون‏.‏

 

************************

 

 

الشيخ أحمد ياسين.. جهاد واستشهاد

 

عبدالرحمن علي البنفلاح

 

صحيفة أخبار الخليج البحرينية 28/3/2004

 

قال الله تعالى: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوارة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم». (التوبة/111).

 

وقال تعالى: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» (الأحزاب/23). لم أجد أعظم ولا أغلى من هذه المقدمة المباركة، وهي كلام الله تعالى ووعده الذي لا يخلفه لعباده المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. نعم إنها صفقة رابحة، وتجارة لن تبور أبداً.

 

إنها ليست تجارة عادية بين بائع ومشتر، بل هي علاقة حميمة بين خالق عظيم كريم لا تهضم عنده الحقوق، ولا تخلف عنده العهود والمواثيق.. خالق قادر غني خزائنه لا تنفد حتى ولو أعطى جميع الخلق كل واحد منهم مسألته ما نقص من ملكه إلا كما ينقص المخيط حين نغرسه في البحار المتلاطمة، والمحيطات العميقة المظلمة.

 

نعم، إنها التجارة الوحيدة التي مضمون ربحها، وضخم عائدها، وصادقة وعودها ومواثيقها، ولقد سجلها الحق تبارك وتعالى في كتبه المنزلة التوراة والإنجيل والقرآن ليشعر عباده بالأمان والجدية في هذه الصفقة المباركة. البائع هو شيخ المجاهدين الشيخ أحمد ياسين زعيم وقائد حركة حماس الذي نال الشهادة بعد صلاة الفجر، والمشتري هو الله تعالى، والبضاعة هي نفس الشيخ الطاهرة، والثمن الجنة. لقد كان الشيخ ومنذ صباه الباكر يعيش حالة الجهاد، فقد أصيب بالشلل فكان ملازماً لكرسيه المتحرك ورغم ذلك كانت همته عالية فلم يسجن نفسه في محنته، ولم يفت المرض في عضده، ولم يؤثر السلامة رغم أنه من أصحاب الأعذار الذين قال الله تعالى فيهم: «ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً» (الفتح/17).

 

والشيخ لا يرى من إحدى عينيه والأخرى الرؤية فيها ضعيفة، وهو ليس أعرج ولكنه مشلول، وهو مريض بمختلف الأمراض، ورغم كل هذه الأعذار، فإنه لم يتخلف عن صلاة الفجر والدليل على ذلك أنه عندما استشهد كان خارجاً من صلاة الفجر، ولم يكن نائماً في فراشه كما يفعل غيره من الزعماء والقادة الذين أخذوا هذه الألقاب أو منحت لهم زورا ونفاقاً. كانت كل الأعذار تبيح له أن يكون في فراشه نائماً مطمئناً وأن يؤدي صلاته في بيته، ولكن هذا ليس من شيمة المجاهدين، فما بالكم بشيخهم الشيخ أحمد ياسين. نعم، لقد بدأ الجهاد الأكبر منذ صباه مع الشلل والمرض والكرسي المتحرك، ولكن كانت همته تطاول السموات السبع، وكانت روحه تعلو فوق أرواح غيره من القادة والزعماء، والمهرجين من الحكام الذين أخلدوا إلى الأرض ونسوا أمر الآخرة، وظنوا أنهم مخلدون، ولو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم، وسوف تغادرهم إلى غيرهم وهذه هي الحياة الدنيا ومن يغتر بها وينخدع بمعسول متعها، فهو المخدوع الذي سوف يفاجأ بيوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وسوف يرى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

 

لقد حمل الشيخ بين جوانحه قلباً صادقاً، ونفساً عالية، وكانت أمنيته أن يستعيد أرضه وأن يطهرها من أرجاس الصهاينة وأن يلقى ربه عز وجل صادق الوعد، وفياً بالعهد.

 

أمانيه كانت كثيرة فهو يعمل وإخوانه المجاهدون في تحقيق النصر وتوفير الأرض الطاهرة لأبنائهم وأحفادهم، ولم يشعروا ولو للحظة واحدة باليأس بسبب خذلان بعض حكام العرب لهم، وعمالتهم للغرب وفي مقدمة دول الغرب الولايات المتحدة الأمريكية التي عقدت معهم حلفاً شيطانياً على أن تحافظ على كراسيهم التي تفتقد الشرعية، ولقد وفى الزعماء والقادة بما طلبته أمريكا منهم وكان عليها أن تفي بما وعدتهم به، وهكذا تم التوقيع على هذا الحلف الشيطاني. ولكن هذا لم يدخل اليأس إلى قلوب أطفال فلسطين، وقالوا مادام القادرون ومن يملكون المال والسلاح قد خذلونا، فإن الله تعالى لن يخذلنا أبداً وسوف يقف معنا وينصرنا على أعدائنا وعلى الخونة من بني جلدتنا، وما عجز عنه القادة والسياسيون حققه أطفال فلسطين، فأطفال الانتفاضة هم الرجال حقاً، وهم القادة حقاً، وهم الزعماء حقاً.

 

ورغم وقوف جميع الأنظمة مع العدو وحمايته من تسلل المجاهدين إليه، ورغم خضوع الأنظمة لما تمليه عليهم أمريكا، فإن أطفال الانتفاضة وشبابها وشيوخها من أمثال الشيخ أحمد ياسين لم ييأسوا، ولن ييأسوا أبداً مادام الله معهم والشعوب معهم، وكيف نبحث عن النصر عند القادة والزعماء الذين أعطوا ولاءهم للغرب ونحن نعلم أن النصر من عند الله تعالى مصداقاً لقوله سبحانه: «وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» (آل عمران/126)، نعم، «وما النصر إلا من عند الله»، وليس من عند أمريكا ولا الأنظمة العربية الحاكمة والمتحكمة في شعوبها بالباطل، ولم يكلفنا الحق تبارك وتعالى ما لا نطيق لتحقيق النصر، بل أمرنا بأن نعد ما نستطيع من قوة لإرهاب العدو ولقد صدق الله وعده، وهاهم فتية آمنوا بربهم وزادهم إيماناً يرهبون ويرعبون أعداء الله تعالى بالحجارة والزجاجات المشتعلة وهذا أقصى ما يستطيعون، ولقد حققوا بهذه الأسلحة البسيطة ما عجزت الأسلحة الكثيرة والمتنوعة التي لم تغادر مخازن وكلاء الغرب في بلادنا، لم تحقق هذه الأسلحة ما حققته أسلحة أطفال فلسطين.

 

إن استشهاد شيخ المجاهدين الشيخ أحمد ياسين لعلامة فارقة في الجهاد الإسلامي الفلسطيني وإنه سوف يبقى شعلة تنير الطريق لأبنائه وأحفاده وتشعل الأرض تحت أقدام الطغاة والمتخادلين الذين باعوا دينهم وأمتهم بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا في الجهاد والشرف من الزاهدين.

 

************************

 

 

المقاتل الإسلامي الرمز

 

بقلم: ناجي وليم

 

رئيس تحرير عالم المشاهير

صحيفة الأهرام 28/3/2004

 

فقد العالم العربي أحد رموز الحركة الإسلامية الذي طالما التزم بالمصداقية في دعوته لنصرة الحق الفلسطيني دون مواربة أو جبن‏,‏ وعلى الرغم من تعدد المظاهرات الصاخبة التي اندلعت في أنحاء العالم للتنديد باغتيال الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس‏,‏ فإن هذه المظاهرات وعلى الرغم من اتساع نطاقها من الشرق إلى الغرب مروراً بالبيت الأبيض‏,‏ إلا أنها لن توقف شارون عن مخططه الاستيطاني لتصفية حركة حماس الإسلامية أعظم حركات المقاومة في تاريخ الأمة‏.‏

 

لقد أضفى الشيخ أحمد ياسين على حركة حماس الكثير من احترام وتقدير العالم المسيحي والإسلامي حتى أصبحت هذه المنظمة هي طوق النجاة للأمة العربية‏.‏ ويخطئ شارون وحكومته إذا كانا يعتقدان أن اغتيال الشيخ ياسين سوف يسهم في تراجع من يعدون أنفسهم للاستشهاد خاصة أن ياسين جعل من الاستشهاد هدفاً يسعى إليه كل شهيد‏,‏ وإذا كان الرجل ظل يدعم العمليات الاستشهادية باعتبارها أحد منافذ الدفاع عن الحق فإن الرجل أعطى بنفسه المثل والقدوة‏، أن الحياة - مهما تكن - رخيصة أمام عظمة الشهادة‏!

 

لم يكن الشيخ أحمد ياسين محارباً بالسلاح ولكنه كان رمزاً إسلامياً في ظل منظومة تملك أن تكون وحدها الجديرة بالجلوس على طاولة المفاوضات بعد سلخ لحم شارون‏!‏

 

لقد استشهد المناضل الإسلامي أحمد ياسين في السنوات الأخيرة من عمره كأفضل ما يختتم به مناضل حياته‏,‏ وكأحسن ما يكون الاستشهاد وبدءاً من تعذيب السجون والرمي بالحجارة وانتهاء بتحويل كل طفل فلسطيني إلى أحمد ياسين آخر‏.‏

وإذا كانت "إسرائيل" تخاف شيخاً مقعداً ومشلول الأطراف‏,‏ وهو يخرج من المسجد عقب صلاة الفجر بعربة تقاد بواسطة الآخرين‏,‏ فكيف ستواجه توالد الأسود والنمور الساخطة‏,‏ وهي تتقافز من أرحام الفلسطينيات لتكمل مسيرة المقاومة‏.‏

 

لقد آن الأوان للعالم العربي أن يكف عن تقبل أفكار خادعة مثل الشرق الأوسط الكبير أو الشرق الأوسط الضعيف‏,‏ لقد كان الرئيس مبارك سباقاً كعادته في رفض فكرة الإصلاح من الخارج أو تطبيق سياسة الإصلاح بالقوة علي شعوب تغتال أحلامها وتسقط رموزها في ساحة القتال شهيدة في سبيل الله والوطن‏.‏

 

رحم الله الشيخ أحمد ياسين الذي انضم إلى قائمة الشهداء العظام وليسمح الشيح بأن ننحني على الأرض لنقبل قطرات الدم المقدس التي سالت على أرض فلسطين لتروي تراب الأرض المقدسة التي لاتزال تصرخ طالبة بالقصاص مهما يكن الثمن‏.‏

 

************************

 

 

بين شرعية المقاومة وشرعية النظام العربي

فلسطين تعود إلى القمة العربية .. فماذا بعد ؟!

 

بقلم: جلال عارف

 

صحيفة البيان الإماراتية 28/3/2004

 

حسناً فعلت حركة «حماس» وسط صدمة عملية الاغتيال الحقيرة للشيخ أحمد ياسين، ومع تصاعد التهديد الإسرائيلي باغتيال كل قيادات الحركة..

 

حسناً فعلت حين لم تستسلم للاستفزاز فأعلنت أنها ستثأر بالطبع من الجريمة الإسرائيلية، ولكنها أعلنت في نفس الوقت أنها ملتزمة بالخط الأساسي الذي سارت عليه.. ومن هنا فإنها لم تنقل عملياتها إلى الحلبة الدولية بل ستواصل التركيز على الحلبة الإسرائيلية حتى جلاء الاحتلال.

 

وحسناً فعلت الحركة أيضاً حين رفضت الانجرار إلى موقف المواجهة المسلحة مع أميركا رغم الانحياز الشامل الكامل للإدارة الاميركية الحالية لصف حكومة السفاح شارون.. والعداء الكامل لمنظمات المقاومة الوطنية الفلسطينية التي تعطيها كل المواثيق الدولية الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل.

 

بينما تصر الإدارة اليمينية الأميركية على اعتبارها «إرهاباً» موجهاً ضد الدولة المسالمة «إسرائيل» وحاكمها السفاح شارون الذي يصر الرئيس الأميركي على أنه «رجل سلام».. وربما يضغط من أجل منحه جائزة نوبل!

 

رغم ذلك كله، ورغم الموقف الذي يستفز الحجر بإعلان الرئيس الأميركي أن اغتيال الشيخ ياسين هو عمل من أعمال الدفاع عن النفس الذي يحق لإسرائيل اتخاذه.. رغم ذلك كله رفضت حماس الوقوع في الفخ وأعلنت أنها لا تستهدف المصالح الاميركية أو المواطنين الأميركيين.

 

هذا الموقف الثابت في حصر الصراع مع العدو الإسرائيلي وعلى أرض فلسطين، هو نفسه الموقف الذي التزم به «حزب الله» في لبنان واستطاع أن يكسب به معركته، وفي لقاء سابق مع حسن نصر الله زعيم الحزب روى كيف استطاع الحزب أن يحمي نفسه من استفزازات أطراف داخلية وإقليمية وخارجية تحاول جره الى معارك فرعية تبعده عن هدفه الأساسي وهو تحرير الأرض وكسر إرادة الاحتلال الإسرائيلي، وكيف استطاع الحزب أن يتغلب حتى على نزوع بعض أعضائه إلى توسيع رقعة العمليات أو استهداف أطراف أخرى تؤيد العدو الإسرائيلي وتدعمه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وكان هذا النهج هو السياج الذي حمى حزب الله من دخول غابة الصراعات الداخلية اللبنانية أو الانجرار إلى فخ العمليات الخارجية التي قد يكون لها دوي وبريق ولكنها في النهاية تؤدي إلى خسائر فادحة لمن يسلك طريقها.

 

رد الفعل المحسوب من «حماس» على الجريمة الإسرائيلية البشعة مهم وضروري، حتى نستطيع أن تستغل المناخ المواتي من أجل تصحيح أوضاع لابد من تصحيحها إذا كنا جادين في أن نصل بكفاح الشعب الفلسطيني إلى مانريده ونرضاه.

 

إن الجريمة البشعة التي صدمت الرأى العام العالمي استحضرت معها الجريمة المستمرة في حق الشعب الفلسطيني، واستحضرت معها آلاف الشهداء الذين سقطوا في الانتفاضة، واستحضرت معها موكب القيادات التي تم اغتيالها من مختلف الفصائل من «أبوجهاد» الى أبوعلي مصطفى إلى أحمد ياسين.. ليصبح السؤال الطبيعي هو إذا كانت الرصاصات الإسرائيلية لا تفرق في الدم الفلسطيني بين يمين ويسار.. فلماذا تأخر بناء الجبهة الوطنية القادرة وحدها على القيام بأعباء المرحلة والتصدي لحرب الإبادة التي يواجهها الشعب الفلسطيني كله؟

 

إنها خطوة لا ينبغي أن تتأخر لحظة واحدة خاصة بعد أن أدركت كل الأطراف أن الرهان على سلام ممكن في هذه المرحلة ومع هذه الحكومة الاسرائيلية النازية وفي ظل الموقف الأميركي المنحاز.. هو رهان مستحيل، وأن نهج أوسلو قد وصل إلى نهايته، ولا مفر الآن من بداية جديدة تكون فيها «المقاومة» هي الرد على كل ما يدبر للشعب الفلسطيني وللأمة العربية.

 

الآن.. الكل على قائمة الاغتيالات عند العصابة الاجرامية التي يرأسها شارون، قادة حماس وقادة فتح وعرفات نفسه، والخيار الوحيد هو بين انتظار تنفيذ تهديدات النازيين الصهاينة أو التصدي من خلال وحدة وطنية تلتفت حول راية واحدة هي راية المقاومة بكل أشكالها.

 

لسنا في الطريق إلى السلام ولن نكون في ظل تحالف النازيين الإسرائيليين بقيادة شارون مع اليمين الصهيوني المسيطر على القرار الأميركي، كل الاتفاقيات لا قيمة لها، وكل المواثيق الدولية ستداس بالأقدام، والمطلوب هو استسلام كامل لـ «سلام شارون» الذي يقيم للفلسطينيين كياناً هزلياً على 42% من أراضي الضفة وغزة مقطع الأوصال منعدم السيادة. هو في حقيقته «كانتونات» منعزلة يوضع فيها الفلسطينيون حتى تأتي فرصة أخرى للخلاص منهم، هذا هو «الحل» الإسرائيلي ولا حل غيره إلا إذا تغيرت الأوضاع، وأول طريق تغيير الأوضاع هو الوحدة الفلسطينية الكاملة حول راية المقاومة.

 

ثم يأتي الدور العربي لوقف مسلسل التنازلات، التي كادت تصل إلى الخضوع للابتزاز الخارجي والقبول بأن المقاومة الفلسطينية هي عمل من أعمال «الإرهاب»، هذا أمر ينبغي أن يتوقف مهما كانت الضغوط، ولعل جريمة اغتيال أحمد ياسين في هذا التوقيت بالذات هي الرسالة المطلوبة للقمة العربية المنعقدة في تونس.

 

وقبل الجريمة، كانت القضية الفلسطينية في آخر أولويات جدول أعمال القمة، وكانت الأنظار تتركز على مبادرات إصلاح الجامعة والمنتظر تأجيلها، ثم مبادرات إصلاح الأوضاع في الدول العربية في ظل الهجمة الأميركية عبر مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي يريد إدخال العرب ضمن منطقة تمتد من موريتانيا حتى باكستان وأفغانستان من أجل تنفيذ «روشتة» أميركية لإصلاحات داخلية.. قد تكون مطلوبة ولكن ضمن رؤية وطنية وقومية تستهدف المصالح العربية وليس مصلحة التحالف الأميركي الإسرائيلي.

 

وفي ظل «الروشتة» الأميركية الجديدة كان المطلوب أن نترك القضية الفلسطينية للزمن أو للصهاينة حتى يستكملوا مهمة تهويد القدس والاستيلاء على ما تبقى من فلسطين، تحت زعم أن علينا أن نهتم بإصلاح شئوننا الداخلية وبناء مجتمع المعرفة والعلم والديموقراطية.

 

وينسى أصحاب «الروشتة» الأمريكية، أنه عندما ذهب أحد الساسة البريطانيين قبل نصف قرن إلى رئيس وزراء "إسرائيل" يومها بن غوريون يخبره بأن لديه ما يسعده، وهو أنه التقى بالرئيس عبدالناصر الذي أكد له أن مصر ليست لها أي نوايا في شن الحرب ضد "إسرائيل"، وأنه مهتم في هذه المرحلة ببناء مصر وتعويض ابنائها عن سنوات حرمان طالت في ظل الاحتلال وغياب العدل وفقر التعليم والعلاج، فوجئ السياسي البريطاني برئيس وزراء "إسرائيل" يقول:

إن هذا هو أسوأ خبر سمعه في حياته، وأنه يعني أن على "إسرائيل" أن تستعد للحرب لضرب أي إمكانية لبناء النهضة الحديثة في مصر!

 

وينسى أصحاب «الروشتة» الأميركية أن نفس منطق بن غوريون هو الذي حكم عملية سحب تمويل السد العالي وحصار مصر اقتصادياً وشن الحرب الدعائية عليها ثم دعم العدوان الإسرائيلي عليها في 67 حتى يتحقق لإسرائيل ما تريد من الانفراد بالقوة وفرض هيمنتها على المنطقة.

 

كانت القمة ستنعقد في ظل المشروع الأميركي الذي يطالب إبعاد القضية الفلسطينية وتركها للزمن أو لجهود الراعي الأميركي في تقديم الخطط التي لا تنفذ وجهود شارون وحكومته في فرض الأمر الواقع الإسرائيلي، وكانت القمة ستنعقد في ظل التسليم بأن كل المراد من رب العباد هو عودة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مائدة المفاوضات التي يدرك الجميع أنها لن تحقق شيئاً إلا إذا وجد الإسرائيليون من يسلم لهم بكل مطالبهم!

 

وجاءت عملية اغتيال أحمد ياسين لتعيد القضية الفلسطينية إلى مكانها المركزي في القمة العربية، ومرة أخرى فإن احداً لا ينتظر المعجزات من قمة تونس، ولكن ما ينبغي أن يكون واضحاً للجميع أن البيانات الانشائية والحماسية لن تكون الحل العربي في مواجهة التحديات، وإنما القرارات التي تعيد بناء الموقف العربي وتوقف الانهيار والتآكل في مصداقية النظام العربي، وتعيد العرب إلى مكان الفعل بعد فترة من الشلل الذي دفع الجميع ثمنه، ولم يعد ممكناً أن يستمر.

 

إن نقطة البدء في بناء موقف يعيد الثقة بين الشعوب العربية والنظام العربي هو في قرار واضح يؤكد على شرعية المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي باعتباره حقاً كفلته كل المواثيق الدولية، ويلزم الدول العربية بمساندة هذه المقاومة المشروعة حتى ينتهي الاحتلال، ويرفض أي محاولة لالصاق تهمة «الإرهاب» بالمقاومة الوطنية الفلسطينية، ويعلن أن الإرهاب الحقيقي على أرض فلسطين هو إرهاب الاحتلال الإسرائيلي ويطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين وعلى رأسهم السفاح شارون على جرائمهم في حق الشعب الفلسطيني.

 

ويرتبط بهذا القرار.. قرار آخر يفرض وقف كافة الاتصالات مع العدو الإسرائيلي، فليس من المقبول أن تكون هناك درجات من العلاقات السياسية والاقتصادية مع 11 دولة عربية، في الوقت الذي تشن فيه "إسرائيل" حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني.

 

ولم يكن من المقبول أن يسافر وفد برلماني مصري للمشاركة في احتفالات «الكنيست» الإسرائيلي بمرور ربع قرن على الاتفاقية المصرية الإسرائيلية حتى ولو كان على مستوى أقل من مستوى رئيس المجلس الذي رفض الذهاب إلى هناك، وإذا كان الرئيس مبارك قد صحح الوضع بإلغاء قرار المشاركة فور ارتكاب جريمة اغتيال أحمد ياسين، فإن المطالبة الشعبية تتصاعد بطرد السفير الإسرائيلي في القاهرة.

 

وليس من المقبول دعوة وزير إسرائيلي يطالب بطرد الفلسطينيين جميعاً من وطنهم وبضرب السد العالي ليكون ضيفاً على عاصمة عربية مهما كانت الضغوط أو الطموحات في لعب أدوار أكبر من القدرات.

 

وليس من المقبول ترسيخ تلك العقيدة التي بدأ الكثيرون يؤمنون بها، وهي أن الطريق الى جنة الرضا الأميركي لا بد أن تمر بتل أبيب، وإنما المطلوب أن نقول للجميع أن الطريق إلى العالم العربي لابد أن يمر بالقضية الفلسطينية وضمان حلها حلاً عادلاً يعيد الحقوق ويحترم الشرعية الدولية.

 

إنها فرصة للمراجعة الشاملة واستعادة المبادرة العربية على الفعل، وإذا كان المشروع الأميركي لـ «شرق أوسط كبير» تدخل أقطاره كلها بما فيها الدول العربية في بيت الطاعة الأميركي وتذوب فيه الهوية العربية..

 

وإذا كان هذا المشروع قد أطلق ردود فعل غاضبة جمعت فيها المعارضة بين الشارع العربي والنظام العربي فإنه فتح باباً يمكن العبور منه إلى استعادة بعض الثقة المفقودة بين الطرفين إذا خلصت النوايا وإذا كان الرفض الرسمي هو للتدخل الأجنبي وليس للإصلاح في حد ذاته.

 

والآن يمكن أن باباً أهم تعود فيه كل الأطراف العربية (شعوباً وحكومات) إلى ثوابت الأمة التي كادت تضيع بين الضغوط الأجنبية من جانب وضعف النظام العربي من جانب آخر، وغضب الشعوب من جانب ثالث.

 

الآن يبدو الباب مفتوحاً إذا استعاد النظام العربي قدراً معقولاً من الإرادة لتجسير جزء كبير من الهوة بين الحكومات والشعوب بتبني طريق يرفض التدخل الأجنبي ويتمسك بالحق المشروع في المقاومة حتى ينتهي الاحتلال، ويدرك أن الثمن الذي يمكن أن ندفعه في هذا الطريق سوف يكون في كل الظروف أهون من الاستسلام لمخططات تركيع الشعب الفلسطيني واستسلام العرب وتحويلهم في النهاية الى أمة من اللاجئين، ولو عاشوا داخل أوطانهم!

 

ـ نقيب الصحفيين المصريين

 

************************

 

 

صوت الحكمة والوحدة الوطنية

 

عبدالإله بلقزيز

 

صحيفة الخليج الإماراتية 28/3/2004

 

لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين يطلب من الدنيا، ومن المشروع السياسي الوطني الذي انخرط فيه منذ مطالع الخمسينات، وتحديداً منذ أقدم على تأسيس “حركة المقاومة الاسلامية” (حماس)  قبل ستة عشر عاماً إلا أحَدَ أمرين: تحقيق حلم التحرير والاستقلال الوطني أو الشهادة.

 

كان شديد التواضع في ما يَطلُبه لنفسه: ما يُسُدّ رمقاً بغير رَغَد أو ترف، وما يغالب عجزاً بدنياً أقعده عن الحراك (مثل كرسي متحرك أو من يتعهد الكرسي وصاحبه بالتحريك). لكنه كان يطلب لشعبه ما استنكف غيره عن طلبه بعد تعب وقِصر نَفَس: حقّه في وطنه كاملاً غير منقوص. كان متواضعاً في الحياة ومتطلباً عنيداً في السياسة. ولم يدرك كثير ممن خالفوه الرأي في السياسة حقيقة ابتدائية لا يذْهل عن إدراكها العقلاء هي أن شيئاً واحداً فقط كان حيّاً في بدنِ الشيخ الشهيد: عقله ووجدانه؛ ولم يكن ليْقبل أن يساوم عليهما من أجل غرائز أو متع لا يعرفها ولا هي عرفت طريقاً إلى نفسه.. أو إلى المادي فيه.

 

قطعاً، لم يكن الشيخ الشهيد روحانياً تماماً على متانة وجدانه الديني وصلابته  وإلا اختار التصوف والدّرَوشة ملاذاً شخصياً تنأى به النفس عن متاع الدنيا. كان سياسياً أيضاً.. وأساساً. ولذلك، وَلَجَ معترك السياسة منذ يفاعته في حركة "الإخوان المسلمين" بين مصر وفلسطين، ودفع ثمن ولوجه السياسة سجناً متكرراً داخل وطنه المحتل أو حصاراً سياسياً وأمنياً خانقاً من السلطة الفلسطينية في عصر “أوسلو”: أي قبل أن تذْرو رياح المشروع الصهيوني أوهام التسوية في “كامب ديفيد الثانية” (يوليو/تموز 2000)، فتعيد الاعتبار إلى رأي الشيخ ياسين  ومعه جورج حبش والشهيد فتحي الشقاقي وآخرون من مذهبهم  الذاهب إلى القول إن المقاومة الوطنية المسلّحة وحدها تملك أن تفرض التنازل على العدو. وكان من حسن حظّه  وحظ من شاطروه هذا الاعتقاد: قبلاً أو أثناء أو بعداً  أنه لم يَعُدْ مضطراً، لكي يثبت وجاهة اعتقاده بسلامة الخيار الكفاحي، إلى التوسّل بسابقتين من التاريخ السياسي الحديث هما: الثورة الجزائرية والثورة الفيتنامية - اعتاد من سبقوه إلى نظرية الكفاح المسلح على التوسّل بهما- بل بات في وسعِه ان يجد لرأيه أسانيد في تجربة المقاومة المسلحة في لبنان، وهي تجربة حديثة طرية لا يمكن جحود حقائقها الفاقعة.

 

وليس سراً أن الشيخ الشهيد لم يكن من دعاة الكفاح المسلح قبل انتفاضة ديسمبر/كانون الأول 1987، وأن حركته “الإخوان المسلمين” في غزة لم تكن تؤمن بجدوى الكفاح المسلح، ولم يشترك أفرادها في قتال “إسرائيل” إلى جانب فصائل منظمة التحرير، على الرغم من أن بعض القادة التاريخيين لحركة “فتح” والثورة الفلسطينية كانوا ينتمون إما إلى “الإخوان المسلمين” في الخمسينات (مثل ياسر عرفات والشهيد “أبو جهاد”) أو إلى “حزب التحرير” الذي أنشأه تقي الدين النبهاني (مثل الراحل خالد الحسن الذي كان من قياداته). ذلك أن برنامج “الإخوان المسلمين” في غزة والضفة بعد احتلالهما في حرب العام 1967، أعني بعد أن قامت الثورة الفلسطينية المسلحة بحوالي ثلاث سنوات، كان يركز على مسائل الإصلاح الاجتماعي والتربية الدينية والدعوة إلى العودة إلى قيم المجتمع المسلم، وكانت معركته مع القوى العلمانية (المنتمية إلى منظمة التحرير) في الجامعات الفلسطينية -خاصة في الجامعة الإسلامية في غزة- أشرس من معركته مع الاحتلال.

 

ولقد أتت انتفاضة العام 1987 تُدْخل تيار “الإخوان المسلمين” الفلسطيني في معترك الثورة (علماً أن تياراً آخر انشق سابقاً عن “الإخوان المسلمين” وانشأ منظمة “الجهاد الاسلامي” -بزعامة مؤسسها الشهيد فتحي الشقاقي- شارك في المقاومة المسلحة وقامت علاقات ما بينه وبين “فتح”). إذ بادر الشيخ ياسين إلى تأسيس “حركة المقاومة الاسلامية” (حماس)، والدعوة إلى المقاومة المسلحة كواجب ديني لتحرير الوطن وإقامة الدولة الاسلامية، مستفيداً من ثلاثة متغيرات سياسية جديدة في المشهد الفلسطيني: أن المقاومة المسلحة التي قادتها منظمة التحرير منذ احتلال الضفة والقطاع في حرب 1967 تلقت ضربة استراتيجية في حرب لبنان والاجتياح “الإسرائيلي” له في 1982 وخروج مقاتلي المنظمة من لبنان وتَوزّعهم على المنافي (تونس، اليمن، الجزائر، سوريا)، وأن مركز الثورة انتقل  بعد العام 1982- من الخارج (الشتات) إلى الداخل (حيث معقل الحركة الاسلامية)؛ وأن انتفاضة 1987 انتفاضة مدنية بلا مخالب ولا أسنان، وأن في قيادة منظمة التحرير من يراهن على طابعها المدني الصّرف حتى يتحكم فيها أو يقطع الطريق على توظيف الحركة الإسلامية لها.

 

ولم يلتفت الشيخ الشهيد للذين ذكّروه بمواقفه السلبية السابقة من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، أو حاولوا النيل منه بقولهم إنه طارئ على تراث الكفاح المسلح، بل مضى في رسالته الوطنية الجديدة ومضت حركته تحشد لها الاتباع والأنصار في الداخل الفلسطيني: زاحفة على الجامعات والمؤسسات والنقابات ومشيّدة مؤسسة قتالية فاعلة -استلهمت فيها دروس الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية- أثبتت نجاعتها في عقد التسعينيات الماضي، وخاصة منذ توقيع “اتفاق أوسلو” في العام 1993 وحتى نهاية العام 1996 قبل أن تنْهكها ضربات أجهزة محمد دحلان وجبريل الرجوب.

 

واليوم، ينبغي أن يقال إنه لولا وقفة الشرف الوطني التي وقفتها “حماس”  ومعها “الجهاد الاسلامي” في عصر “أوسلو” لكان وضع المقاومة اليوم أصعب، ولما كان في وسع خيار المقاومة نفسه أن يتجدد بعد نهاية العام 2000 وتوسّع نطاق القوى الفلسطينية المشاركة فيه بما فيها القوى الوطنية نفسها التي استندت إليها السلطة.

 

وسيسجل التاريخ أن هذا الشيخ الشهيد الجليل -ابن عسقلان والخارج إلى الدنيا إبّان الهبّة الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1936- سيصبح، في مرحلة حرجة من تاريخ فلسطين الحديث، صمّام أمان للوحدة الوطنية. فلقد مرّ على هذه الوحدة حينٌ من الدهر تعرّضت فيه لامتحان سياسي وتاريخي عسير. وكان ذلك بمناسبة توقيع “اتفاق أوسلو” (1993) وقيام سلطة فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي (1994)، ونهوض أجهزتها الأمنية بمهمة قمع سلاح المقاومة: الذي كان –حينها- في أيدي مقاتلي “حماس” و”الجهاد الاسلامي” حصراً.

 

كان السيناريو “الإسرائيلي” المُعدّ بعناية هو دَفْع الساحة الفلسطينية إلى صدام مسلح بين السلطة والمقاومة يكون مدخلاً إلى حرب أهلية تُغرق بقايا فلسطين في حمامات دم تتفرّج عليها “إسرائيل”. وكان أن بعض الأجهزة الأمنية للسلطة استدرج إلى تنفيذ هذا السيناريو بغباء منه أو بتواطؤ! لكن صوت الحكمة والتعقل والوحدة الوطنية -أعني الشيخ أحمد ياسين- انطلق يحذر من مغبة الانجرار إلى الفتنة. صَبَر الرجل وصابر وهو عليم بأن ثمن استضعاف السلطة للمقاومة أَهْونَ وأقلّ كلفة من ثمن الاقتتال الداخلي، ومؤمن بأن يوماً –سيأتي- ستكتشف فيه هذه السلطة كم كانت على خطأ وقلّة تقدير حين ناهضت خيار المقاومة. وهو عيْن ما حصل بعد انهيار مفاوضات “كامب ديفيد الثانية” (يوليو/تموز 2000) واندلاع انتفاضة الأقصى (28 سبتمبر/أيلول 2000).

 

يعرف الكيان الصهيوني دائماً كيف ينتقي أهداف جرائمه بدقة وعناية. اليوم، ضَربَنا في فقرة من العمود الفقري: في صوت الحكمة والتعقل والمقاومة والوحدة الوطنية. ولكن، هل يعلم كم من أحمد ياسين سيخرج من فلسطين؟

 

************************

 

 

ما أوضحه دم الشيخ

 

د. أمينة أبوشهاب

 

صحيفة الخليج الإماراتية 28/3/2004

 

هل دم الشهادة هو دم للوضوح؟

ألم يكن دم الشيخ ياسين المنسكب فجراً لمعة برق أضاءت أموراً وأشياءً، تُعجز الآن الكتابة والقلم هذا العجز المبكي؟ هناك مهمة إيضاح قام بها دم الشيخ الشهيد، والكتابة لن ترقى إليها أو تصل لمجاراتها ما دامت صبغة حبر الكتابة هي صبغة اجبارية، طالما أنها كتابة بالكاد تفي، حتى أحسنها وأخلصها، بالإشارة المجتزأة لما هو حادث حقيقة.

 

أطلق شارون صواريخه الثلاثة على إطلالة هي الأكثر إعجازية وعجباً على الإطلاق في المشهد العربي السياسي الحديث، إطلالة العجز شبه الكامل والتي هي في عقولنا وحسباننا وبالأدلة القاطعة إطلالة القوة. القوة من العجز، العجز المحول قوة. وهي قوة اختبرت في صراع رهيب مع إمكانات الآلة العسكرية “الاسرائيلية”، كما أنها القوة الوحيدة الباقية، الشيخ هو صاحب نظرية القوة الفلسطينية، حيث الضعفاء أقوياء باستشهاديتهم، وهو كذلك ممثل هذه النظرية في هيئته ومقدرته التي نعرف.

 

إطلالة الشيخ ياسين بكرسيه ودثاره وطفولية ضحكته وحدّة ذكاء عينيه، ولا مساومة خطابه فجّرها شارون بالصواريخ لنراها - أي الإطلالة - تطير في الهواء بالكرسي والدثار واللحية وكل شيء. يُفجر الشيخ ياسين فلا يبقى ممكناً بعد سماع تصريح جديد له بعبارات قليلة قصيرة ومنطق سياسي لا يغلب.

 

ذهبت الاطلالة إلا ما بقي منها في الذاكرة وما بقي منها في وثائق التلفزة وفي صور لا شك في أن هناك من سيضعها على الجدران أو يدسها بين صفحات الدفاتر، وبقي الدم وما أوضحه. ولقد أوضح هذا الدم القتلة أكثر مما كان واضحاً لنا، وأوضح الحكومات والأنظمة أكثر مما كانت واضحة حتى بعد سقوط بغداد. أوضح دم الشيخ الشهيد خريطة للمنطقة من قطرات دم مثل دمه على الرصيف على بعد أمتار من المسجد.

 

أوضح الدم أيضاً قوة الشيخ في أمته. الكرسي الذي رفعته المظاهرات ووضعته في مقدماتها، له علاقة أكيدة بإطلالة الشيخ التي تعز على الجماهير، فهو لملمة واستعادة لها ضد همجية تفجير شارون. ولكن علاقته هي أقوى بكل الأمور التي أوضحها دم الشيخ الشهيد، وهنا يجب ألا ينسى أحد ولا تنسى الكتابة أن هذا زمن هجمة استعمارية تشمل العرب بلا استثناء، هجمة تطارد أحرارهم بكاميرات الطائرات والصواريخ.

 

الكرسي يقول به نوع “القائد” الذي يرفع وينصب. والكرسي يتوج نموذجه للاستنباط الخصب، نموذج الضعف المتحول قوة، نموذج الشهادة.

************************

 

 

رجل تعدت حكمته حدود جسده

 

أميمة أحمد الجلاهمة*

 

صحيفة الوطن السعودية 28/3/2004

 

لو أدرك أولئك أنهم بما فعلوا حققوا أمل ذلك الشيخ المهيب في مماته وحياته لعضوا أناملهم غيظاً، لو أدركوا أنهم بذلك ثبتوا دعائم فكره ومناهجه عند شبيبة كانت تتطلع لإرشاداته وتوجيهاته لماتوا كمداً، لو أدركوا يقيناً عمق نظرتنا كمسلمين للحياة والممات لما جروا في دائرة مغلقة لا سبيل لفتحها إلا بقبولهم مبدأ الأرض مقابل السلام، فاغتيالهم للشيخ الشهيد - بإذن الله - أحمد ياسين لن يثني صاحب الحق عن المطالبة بحقه، ولن يزيده إلا تصميماً، اغتيال أرعب الشعب الصهيوني الذي انتخب من قدّم نفسه ومستقبله السياسي على حساب روح ذلك الشعب وأمنه، وتباهى بذلك!.

 

لم يكن مستغرباً أن يقوم هؤلاء بفعل مجنون كهذا، فعل يفتقد كل جوانب الحكمة وبعد النظر، فحقدهم على الحق أين كانت وجهته واضح بين، لكن حقدهم الممزوج بالخوف من الإسلام وأهله أوضح وأبين، ألم يقل دايفد بن جوريون (نحن لا نخشى الاشتراكيات، ولا الثوريات، ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام ذلك المارد الذي نام طويلاً وبدأ يتململ) مارد حاولوا إخماد أنفاسه بكل الوسائل، وما زالوا لهذا الهدف ساعين، وما اغتيال شيخنا أحمد ياسين إلا خطوة مرتدة في هذا الاتجاه اليائس.. لسياسة فاشلة، وكان الأجدر بشارون وزبانيته وهم يخططون لهذا الاغتيال وأمثاله التوقف أمام المخاطر التي سيجنيها الكيان الصهيوني من جراء تهورهم هذا.. كان الأجدر به أن يتذكر قناعته الخاصة بالقوة التي يبثها الإسلام في نفوس أهله، كان الأجدر به أن يتذكر تصريحات أعلنها تنبئ بذلك، ألم يقل إنه: (ما من قوة في العالم تضاهي الإسلام، من حيث قدرته على اجتذاب الجماهير)؟! وهاهو قد رفع وبذراعيه الملوثتين نصباً تذكارياً لقائد مسلم تحدى الإعاقة الجسدية بقوة إيمانه، تحدى الاحتلال المدجج بترسانة حربية، ترسانة يقال إنها متفوقة، ها هو شارون وبقرارات غير مدروسة العواقب، قد مهد الطريق لذكرى عطرة ستدوم طويلاً لرجل مسلم تحدى الاعتقال والجوع والفقر وخرج من ذلك كله منتصراً، وكيف لا تكون هذه نهايته وقد تحصن بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

وفي هذا المقام يحلو لي الإشارة إلى نص نشرته إحدى صحف الكيان الصهيوني (يديعوت أحرونوت) عام 1978م، والذي حذر كاتبه الصهيوني من مغبة تجاهل قوة وصمود المد الإسلامي: (علينا ألا ننسى حقيقة هامة، هي جزء من استراتيجية "إسرائيل" في حربها مع العرب، هذه الحقيقة أننا قد نجحنا بجهودنا، وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، ولو اقتضى الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية.. وإذا فشلنا في إقناع أصدقائنا بتوجيه ضربة قاضية إليها في الوقت المناسب، فإن على "إسرائيل" حينذاك أن تواجه عدواً حقيقياً لا وهمياً، عدواً حرصنا أن يبقى بعيداً عن المعركة)! يبدو أن هؤلاء يدركون تماماً أنه من المحال أن يتمكنوا من تحرك دون مساندة أصدقائهم، أصدقاء جبنوا مؤخراً عن التصريح بنوايا وقرارات أعلنت بلا أدنى شك خلف الجدران!

 

أما توقيت هذا الاغتيال في شهر مارس، فيدعو للتساؤل، فهو الشهر الذي اعتادوا سفك دماء أعدائهم فيه، فعلى سبيل المثال لا الحصر أذكركم أن احتلال العراق الذي يخدم في المقام الأول مطامع الصهاينة كان في 21 من شهر مارس العام المنصرم، كما أن اغتيال القائد الشيخ أحمد ياسين حدث مع فجر الاثنين الموافق 22 من الشهر نفسه، توافق لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة بأي حال من الأحوال!

 

الواقع يؤكد أن عداء أولئك لم يكن موجهاً للشيخ أحمد ياسين بذاته بل لما يؤمن به هذا الشيخ ويدعو إليه، ومن الإجحاف التوقف عند اغتياله دون النظر للأهداف الكامنة وراء هذا الجنون وللتوقيت الذي اختير لهذا الاغتيال، فالشيخ أحمد ياسين رمز للمقاومة الإسلامية الحكيمة التي أبت خلط الأوراق وتعاملت مع القضية الفلسطينية بحكمة غاظت أعداءها.

ألم يكن صمام الأمان الذي رفض تماماً أن يتحول نزاع الفلسطينيين مع المحتل الصهيوني لنزاع داخلي، خشية منه على الوحدة الوطنية وعلى الدم الفلسطيني؟

ألم يتسم بالحكمة التي ألزمته بالتريث في إصدار آرائه وتوجيهاته؟

 

ألم يلتزم بالإقامة الجبرية طواعية لأنها صدرت من السلطة الفلسطينية؟ السلطة السياسية الفعلية للفلسطينيين.

ألم يلتزم بها مع علمه يقيناً أن شريحة عريضة من الفلسطينيين تقف وراءه وتسانده؟ التزامه بهذا القرار وبغيره يعني لي الكثير، فوحدة الصفوف كانت بالنسبة لهذا الشيخ أجلّ وأعظم من معارك داخلية لن تترك خلفها إلا الدمار لأهلها، كان مدركاً أن معارك كهذه سيصفق لها الصهاينة لو قدر لها الحدوث.

 

ثم ألم يكن هو الرافض لتحويل ساحة النزاع خارج الحدود الفلسطينية؟، كان بحكمته يعلم أن عدوه ذاك المحتل، وأن مصلحة القضية الفلسطينية تكمن في عدم فتح منافذ لصراعات دولية متعددة، رجل استوعب قوانين اللعبة التي حدد بنودها ذلك الكيان المحتل، فتعامل معها بكبرياء وحكمة أفقدتاهم ما بقي لهم من عقل، رجل تعدت حكمته حدود جسده المتهالك لتصل به إلى مصاف عظماء هذا العصر.

 

* أكاديمية سعودية بجامعة الملك فيصل

 

************************

 

 

في القضية الفلسطينية.. الإسلام هو الحل

 

 محمد عبد القدوس*

 

صحيفة الراية القطرية 28/3/2004

 

 في الأسبوع الماضي بدأت في الكتابة عن مبادرة الإخوان المسلمين للإصلاح التي قدمها مرشد الإخوان محمد مهدي عاكف، واعتبرتها نقلة في فكر الجماعة! وفجأة وقع ما لم يخطر بالحسبان: استشهد الشيخ أحمد ياسين بعد تأديته لصلاة الفجر بصواريخ إسرائيلية غادرة!.. إذا نظرت إلى تلك الجريمة فستجد أن نتائجها ضد المجرمين على طول الخط، وتصب لمصلحة أهل فلسطين خاصة تياره الإسلامي!

 

الإمام المجاهد العظيم نال الشهادة التي يحلم بها! أراه سيتحول إلى ما يشبه الأسطورة بين أبناء وطنه. رجل قعيد أقوى من الرجال الأشداء، دوّخ عدواً يملك أقوى جيش بمنطقة الشرق الأوسط!..

 

حماس ستزداد شعبيتها! وهذا العدوان الغادر أدى إلى توحيد الفصائل الفلسطينية! من المؤكد أن السلطة برئاسة عرفات ستتردد كثيراً قبل تلبية مطالب القوى الدولية بالبطش بالمجاهدين! ولا شك أن الرأي العام في بلاد المسلمين قد تعاطف معهم أكثر! وفقد من يطالبون بالسلام على الطريقة الأمريكاني الكثير من نفوذهم! هذه بعض الإيجابيات التي عادت على شعب فلسطين من ضرب العدو الصهيوني لواحد من أبرز رموزهم! ولذلك لا يمكنك القول إن "إسرائيل" حققت نصراً بالقضاء على شيخ المجاهدين!.. غرضها النهائي كما تزعم تحقيق الأمن لشعبها! وهو اليوم أبعد ما يكون عن أي وقت آخر.. كل صهيوني بالتأكيد خائف على نفسه! وتلك الجريمة فتحت باب الجحيم على "بني إسرائيل"! وهذا ما أكده أحد المعارضين "لشارون" عندما قال إن ما فعله جنون مطبق!

 

وإذا كنت "حضرتك" من المتابعين لكتاباتي فستعلم أنني من أنصار "الإسلام هو الحل"! وذلك بشرط تقديم كلام محدد في حل مشاكل الناس في الدنيا قبل الآخرة! لذلك كنت من المتحمسين لمبادرة مرشد الإخوان محمد مهدي عاكف! وسعيت لكي ينطلق مؤتمره الصحفي من نقابة الصحفيين حيث رأيته يقدم وجبة دسمة ورؤية مستنيرة في حل مشاكل مصر!

 

والمجاهدون في فلسطين أثبتوا أن الإسلام هو الحل بطريقتهم الخاصة! وقبل شرح ما أعنيه أقول إن "حماس" تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين! وقد تشرفت بالشيخ "أحمد ياسين" الذي وضع شعارات الجماعة موضع التنفيذ العملي خاصة "الجهاد سبيلنا" و"الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

 

وأهل الجهاد بأرضنا العربية السليبة قاموا بقيادة شيخهم الجليل بتحقيق ما يشبه المعجزة! أنزلوا بالعدو الصهيوني ضربات قاصمة عجزت الجيوش العربية عن تحقيقها منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي منذ 56 سنة! وكلامي هذا ليس من قبيل الشعارات أو الدعاية للإخوان و"حماس" بل هو حقيقة يؤكدها الواقع.. وأعداؤنا زعموا دوماً أن جيشهم صاحب أذرع طويلة تمكّنه من اصطياد من يقفون ضد "إسرائيل" ولو كانوا "في آخر الدنيا" مثلما حدث في غارة تونس وغيرها! وكانت المدن الإسرائيلية خلال الحروب الطويلة آمنة دوماً بسبب عجز الجيوش العربية عن تهديدها! وخلال السنوات الأخيرة انقلبت تلك المعادلة رأساً على عقب! والسبب بضعة شبان استشهاديين ينتمون في غالبيتهم العظمى إلى التيار الإسلامي.. ينطلقون إلى الموت بنفس درجة حب اليهود للحياة! نجحوا في توجيه ضربات موجعة إلى الصهاينة في قلب مدنهم، وأوقعوا بهم خسائر فادحة!

 

ما هذه العظمة يا أبطال الانتفاضة؟ والأهم أن الشعور بالخوف داهم كل بيت إسرائيلي! يفتقدون الأمن في شوارعهم! وهكذا ردوا الصاع صاعين للعدو الذي ارتكب جرائم رهيبة في حق شعب فلسطين! واجهوا "بني إسرائيل" بلغة القوة التي يفهمونها.. "العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم"! وهكذا نجح شعار "الإسلام هو الحل" في هذا الامتحان العسير!

وإذا سألتني وماذا عن المستقبل؟ فإن التيار الإسلامي عنده تصور واضح يقوم على شقين.. الشق الأول داخلي قوامه الحريات والتديّن الصحيح! والشعب الحر الذي يعرف ربه معرفة صحيحة قادر على تحقيق المعجزات.. وهذا يأتي بالتربية وبشتى وسائلها، والضغط الشعبي من أجل تغيير أنماط الحكم المطلق الذي نراه في الغالبية العظمى من بلدان العالم العربي من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر بتعبيرات صوت العرب أيام زمان!!

 

والشق الخارجي يقوم على الاقتراب أكثر من العالم الإسلامي والسعي من أجل وحدة "أمة أمجاد يا عرب أمجاد"!! وهو تعبير ذاع صيته أيام حكم الشعارات الذي سقط بهزيمة سنة 1967!

 

وقد تقول لي: إن ما تحلم به مستحيل أو في "المشمش" وأرد عليك بتعبير إسلامي وآخر أوروبي!! يقول الإمام الشهيد حسن البنا: "أحلام اليوم هي حقائق الغد"! وإذا نظرنا إلى الخواجات نجد أنهم حققوا ما يشبه المعجزة في إقامة كيان أوروبي عملاق برغم العديد من الاختلافات، حيث تجد أكثر من لغة وثقافات متعددة! وإذا كان ردك أنهم قوم أصحاب حضارة بينما نحن أهل تخلف فإنني أعترض بشدة على كلامك، واسمح لي بوضع "فيتو" عليه! عندنا حضارة إسلامية عريقة، وكل عوامل النجاح متوفرة! البلاد الأوروبية تقاتلت فيما بينها قروناً عدة! ومع ذلك نجحت في توحيد صفوفها، وأصبح لها كيان دولي موحد تتزايد قوته يوماً بعد يوم! فما الذي يمنع العرب من تحقيق حلم الوحدة العربية؟؟.. الداء واضح ومعروف.. إنه يتمثّل في الاستبداد السياسي!.. وفي أوروبا الموحدة لا مكان عندهم لأنظمة تقوم على حكم الفرد وقوامها "بالروح والدم نفديك يا ريس"! حلم الوحدة العربية أراه مرتبطاً بشرط أساسي يتمثل في أن تكون بلادنا حرة.. أليس كذلك؟؟

 

كاتب وصحفي مصري*

 

************************

 

 

صوت الحكمة والوحدة الوطنية.................. عبد الإله بلقزيز

 

لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين يطلب من الدنيا، ومن المشروع السياسي الوطني الذي انخرط فيه منذ مطالع الخمسينات، وتحديداً منذ أقدم على تأسيس “حركة المقاومة الإسلامية” (حماس)  قبل ستة عشر عاماً  إلا أحَدَ أمرين: تحقيق حلم التحرير والاستقلال الوطني أو الشهادة. كان شديد التواضع في ما يَطلُبه لنفسه: ما يُسُدّ رمقاً بغير رَغَد أو ترف، وما يغالب عجزاً بدنيا أقعده عن الحراك (مثل كرسي متحرك أو من يتعهد الكرسي وصاحبه بالتحريك). لكنه كان يطلب لشعبه ما استنكف غيره عن طلبه بعد تعب وقِصر نَفَس: حقّه في وطنه كاملاً غير منقوص. كان متواضعاً في الحياة ومتطلباً عنيداً في السياسة. ولم يدرك كثير ممن خالفوه الرأي في السياسة حقيقة ابتدائية لا يذْهل عن إدراكها العقلاء هي ان شيئاً واحداً فقط كان حيّاً في بدنِ الشيخ الشهيد: عقله ووجدانه؛ ولم يكن ليْقبل أن يساوم عليهما من أجل غرائز أو متع لا يعرفها ولا هي عرفت طريقاً إلى نفسه.. أو إلى المادي فيه.

 

قطعاً، لم يكن الشيخ الشهيد روحانياً تماماً  على متانة وجدانه الديني وصلابته  وإلا اختار التصوف والدّرَوشة ملاذاً شخصياً تنأى به النفس عن متاع الدنيا. كان سياسياً أيضاً.. وأساساً. ولذلك، وَلَجَ معترك السياسة منذ يفاعته في حركة “الإخوان المسلمين” بين مصر وفلسطين، ودفع ثمن ولوجه السياسة سجناً متكرراً داخل وطنه المحتل أو حصاراً سياسياً وأمنياً خانقاً من السلطة الفلسطينية في عصر “أوسلو”: أي قبل أن تذْرو رياح المشروع الصهيوني أوهام التسوية في “كامب ديفيد الثانية” (يوليو/تموز 2000)، فتعيد الاعتبار إلى رأي الشيخ ياسين  ومعه جورج حبش والشهيد فتحي الشقاقي وآخرون من مذهبهم  الذاهب إلى القول إن المقاومة الوطنية المسلّحة وحدها تملك ان تفرض التنازل على العدو. وكان من حسن حظّه  وحظ من شاطروه هذا الاعتقاد: قبلاً أو أثناء أو بعداً  انه لم يَعُدْ مضطراً، لكي يثبت وجاهة اعتقاده بسلامة الخيار الكفاحي، إلى التوسّل بسابقتين من التاريخ السياسي الحديث هما: الثورة الجزائرية والثورة الفيتنامية  اعتاد من سبقوه إلى نظرية الكفاح المسلح على التوسّل بهما  بل بات في وسعِه ان يجد لرأيه أسانيد في تجربة المقاومة المسلحة في لبنان، وهي تجربة حديثة طرية لا يمكن جحود حقائقها الفاقعة.

 

وليس سراً ان الشيخ الشهيد لم يكن من دعاة الكفاح المسلح قبل انتفاضة ديسمبر/كانون الأول ،1987 وأن حركته “الاخوان المسلمين” في غزة لم تكن تؤمن بجدوى الكفاح المسلح، ولم يشترك أفرادها في قتال “إسرائيل” إلى جانب فصائل منظمة التحرير، على الرغم من أن بعض القادة التاريخيين لحركة “فتح” والثورة الفلسطينية كانوا ينتمون إما إلى “الاخوان المسلمين” في الخمسينات (مثل ياسر عرفات والشهيد “أبو جهاد”) أو إلى “حزب التحرير” الذي انشأه تقي الدين النبهاني (مثل الراحل خالد الحسن الذي كان من قياداته). ذلك ان برنامج “الإخوان المسلمين” في غزة والضفة بعد احتلالهما في حرب العام ،1967 أعني بعد ان قامت الثورة الفلسطينية المسلحة بحوالي ثلاث سنوات، كان يركز على مسائل الاصلاح الاجتماعي والتربية الدينية والدعوة إلى العودة إلى قيم المجتمع المسلم، وكانت معركته مع القوى العلمانية (المنتمية إلى منظمة التحرير) في الجامعات الفلسطينية  خاصة في الجامعة الإسلامية في غزة  أشرس من معركته مع الاحتلال.

 

ولقد أتت انتفاضة العام 1987 تُدْخل تيار “الإخوان المسلمين” الفلسطيني في معترك الثورة (علماً أن تياراً آخر انشق سابقاً عن “الإخوان المسلمين” وانشأ منظمة “الجهاد الإسلامي”  بزعامة مؤسسها الشهيد فتحي الشقاقي  شارك في المقاومة المسلحة وقامت علاقات ما بينه وبين “فتح”). إذ بادر الشيخ ياسين إلى تأسيس “حركة المقاومة الإسلامية” (حماس)، والدعوة إلى المقاومة المسلحة كواجب ديني لتحرير الوطن وإقامة الدولة الإسلامية، مستفيداً من ثلاثة متغيرات سياسية جديدة في المشهد الفلسطيني: إن المقاومة المسلحة التي قادتها منظمة التحرير منذ احتلال الضفة والقطاع في حرب 1967 تلقت ضربة استراتيجية في حرب لبنان والاجتياح “الإسرائيلي” له في 1982 وخروج مقاتلي المنظمة من لبنان وتَوزّعهم على المنافي (تونس، اليمن، الجزائر، سوريا)، وأن مركز الثورة انتقل  بعد العام 1982  من الخارج (الشتات) إلى الداخل (حيث معقل الحركة الإسلامية)؛ وأن انتفاضة 1987 انتفاضة مدنية بلا مخالب ولا أسنان، وأن في قيادة منظمة التحرير من يراهن على طابعها المدني الصّرف حتى يتحكم فيها أو يقطع الطريق على توظيف الحركة الإسلامية لها.

 

ولم يلتفت الشيخ الشهيد للذين ذكّروه بمواقفه السلبية السابقة من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، أو حاولوا النيل منه بقولهم إنه طارئ على تراث الكفاح المسلح، بل مضى في رسالته الوطنية الجديدة ومضت حركته تحشد لها الأتباع والأنصار في الداخل الفلسطيني: زاحفة على الجامعات والمؤسسات والنقابات ومشيّدة مؤسسة قتالية فاعلة  استلهمت فيها دروس الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية  أثبتت نجاعتها في عقد التسعينات الماضي، وخاصة منذ توقيع “اتفاق أوسلو” في العام 1993 وحتى نهاية العام 1996 قبل ان تنْهكها ضربات أجهزة محمد دحلان وجبريل الرجوب. واليوم، ينبغي أن يقال إنه لولا وقفة الشرف الوطني التي وقفتها “حماس”  ومعها “الجهاد الإسلامي”  في عصر “أوسلو” لكان وضع المقاومة اليوم أصعب، ولما كان في وسع خيار المقاومة نفسه ان يتجدد بعد نهاية العام 2000 وتوسّع نطاق القوى الفلسطينية المشاركة فيه بما فيها القوى الوطنية نفسها التي استندت إليها السلطة.

 

وسيسجل التاريخ أن هذا الشيخ الشهيد الجليل  ابن عسقلان والخارج إلى الدنيا إبّان الهبّة الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1936  سيصبح، في مرحلة حرجة من تاريخ فلسطين الحديث، صمّام أمان للوحدة الوطنية. فلقد مرّ على هذه الوحدة حينٌ من الدهر تعرّضت فيه لامتحان سياسي وتاريخي عسير. وكان ذلك بمناسبة توقيع “اتفاق أوسلو” (1993) وقيام سلطة فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي (1994)، ونهوض أجهزتها الأمنية بمهمة قمع سلاح المقاومة: الذي كان  حينها  في أيدي مقاتلي “حماس” و”الجهاد الاسلامي” حصراً.

 

كان السيناريو “الإسرائيلي” المُعدّ بعناية هو دَفْع الساحة الفلسطينية إلى صدام مسلح بين السلطة والمقاومة يكون مدخلاً إلى حرب أهلية تُغرق بقايا فلسطين في حمامات دم تتفرّج عليها “إسرائيل”. وكان ان بعض الأجهزة الأمنية للسلطة استدرج إلى تنفيذ هذا السيناريو بغباء منه أو بتواطؤ! لكن صوت الحكمة والتعقل والوحدة الوطنية  أعني الشيخ أحمد ياسين  انطلق يحذر من مغبة الانجرار إلى الفتنة. صَبَر الرجل وصابر وهو عليم بأن ثمن استضعاف السلطة للمقاومة أَهْونَ وأقلّ كلفة من ثمن الاقتتال الداخلي، ومؤمن بأن يوماً  سيأتي  ستكتشف فيه هذه السلطة كم كانت على خطأ وقلّة تقدير حين ناهضت خيار المقاومة. وهو عيْن ما حصل بعد انهيار مفاوضات “كامب ديفيد الثانية” (يوليو/تموز 2000) واندلاع انتفاضة الأقصى (28 سبتمبر/أيلول 2000).

 

يعرف الكيان الصهيوني دائماً كيف ينتقي أهداف جرائمه بدقة وعناية. اليوم، ضَربَنا في فقرة من العمود الفقري: في صوت الحكمة والتعقل والمقاومة والوحدة الوطنية. ولكن، هل يعلم كم من أحمد ياسين سيخرج من فلسطين؟

 

 

************************

 

 

شيخ الجهاد والشهادة يعبر المحيط إلى أرض الكرامة والسيادة

بقلم: المهندس نور الدين عواد - هافانا – كوبا، 27 آذار 2004.

 

اعتدت الاطلاع على آخر أخبار الوطن الصغير والكبير، مباشرة قبل نوم الساعات التي لا بدّ منها، لكي أصحو على نفس الاهتمام، وكأن كياني اصبح مدمنا على هذا الغرام، كما لو كنت أتغذى وأشمّ أوكسجين حقول الزيتون والبرتقال، عبر هذه الشاشة، وحاش لله أن اعبد الأصنام.

 

الحادية عشرة ليلا ، لا جديد على شلال الدم الفلسطيني النازف، ولا جديد على أخطبوط الجدار الفاشي الجارف،لا جديد على رجولة الشعب المارد، ولا جديد على مسرحية طريد ومطارد.

 

السابعة صباحا، تفتح الشاشة الحمراء بدم فلسطيني لا يخطر ببال، فلخصوصيته هالة من المحال، يسبح بحمد الله على رؤوس الأطفال والأشبال، وبإيماءة من رأسه يحرك الرجال، لكي يشمخوا كالجبال، وينالوا من الدين والدنيا حسن المآل.

 

الخبر: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تنعي القائد الوطني الكبير المجاهد الشيخ احمد ياسين.

 

"إنّا لله وإنّا إليه راجعون" ورحمة الله على شيخنا الجليل. كنت اعلم أن سيدنا الشيخ مريض، وعندما يشتد المرض تزداد احتمالات الموت الجسدي، والأعمار بيد الله. وكنت اعلم أيضا، أن مجرم الحرب شارون، كان يهدد باغتيال هذا الرمز، الذي استعصى على السجان والسجون، و نائبات الدهر وفقدان العيون، لم يقنط ولم  يهن، ولم يبع و لم يهادن، لم يساوم ولم يسلّم، بل رضي بالقضاء والقدر، ولم يركن إلى وكر أو جحر، ولم يكفر بالبشر، وسار على هدى إيمانه بربه، وثقته بشعبه وأمله في أمته، لم ينهزم ولم ينكسر، لم يتضعضع ولم ينحسر، تمنى الشهادة فنالها، وصبر على ما عليها وما لها، وانطلق من جديد في مسيرة الحرية والتحرير، ناذرا روحه للإنسان ولفلسطين، من يومه هذا إلى يوم الدين.

 

إنه لا يمر يوم في هذا البلد، دون أن نرى ونسمع مشاهد من فلسطين والعراق، وتعليقات صحفية من شتى الأصقاع، وتحليلات وتوقعات، من السطوح والأعماق، وتقارير مصورة من مختلف البقاع. كل العالم يرى وكل العالم يسمع وكل العالم يتأوه، والدم الفلسطيني والعراقي ينهمر ويتدفق شلالا، والعروبة نائمة بين قيل وقالا، لا تلقى منها إلا سموما وبالا، ترفل في ثياب الذل استسلاما، مالها من حول ولا قوة، ولا بأس ولا نخوة، أطاعت رومها وباعت عرضها وحرّفت قرآنها، نسيت ماضيها المجيد، وفقدت حاضرها العتيد، وتنازلت عن مستقبلها البعيد.

 

لم أكن أتصور بأن مخلوقا ما، ومهما كان سيئا وشريرا، قد تصل به نزعة العدوان، والقتل العمد ومع سبق الإصرار، إلى هذا الحدّ من الانحطاط وفقدان الآدمية. الجريمة نكراء وتشهد على ماهية القاتل، لم يبق مجال للشك إطلاقا: الصهيونية نقيض للبشرية، نقيض للسلام واللاهوتية. لا مفر أمامنا وقلناها مرارا وتكرارا: فلسطين لنا ، وصراعنا صراع وجود وليس صراع حدود. فعلام الخوف والترهل؟ وعلام الانتظار والتمهل؟ هل المطلوب من الضحية أن تبارك سكين الجزار قبل ذبحها؟ وأن تتلو عليه آية الكرسي لكي يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

 

إننا لا نريد الموت ولكننا نستعذبه في سبيل الحياة الكريمة. ألم يتجاوز الظالمون المدى؟ ألا يحق الجهاد والفدا؟  هل بقي خط احمر واحد لم يتجاوزه شارون وصحبه؟ هل ننتظر أن يطلقوا صواريخ طائراتهم، وحمم دباباتهم، على رأس الرئيس عرفات، وعلى رحم يتكون فيها في الليل فدائي؟ لنحسم امرنا ونعد عدتنا ونصحو من غفوتنا وندك حصون خيبر؟ انهم يقتلون الرئيس عرفات يوميا، وفي كل ساعة ودقيقة وثانية، وليسوا بحاجة إلى تمزيق جسده بقذيفة. متى سندرك اللعبة؟ ونمتطي أرواحنا ونذود بها عن كينونتنا؟ أم أننا سنغرس رؤوسنا في الرمال ونؤمن بأننا في أمان؟

 

هذه تساؤلات وربما شطحات، أيقذها شيخنا المجاهد الجليل، الذي ارتقى إلى السماء في آخر الليل، تاركا لشعبه وأمته درسا ليس له مثيل، في الصبر والصمود والتحدي وهو عليل، عليل الجسد سليم الروح، رابض كالأسد كاظم للجروح، خالد إلى الأبد شاهق كالصروح.

 

إلى هذه الجزيرة الخضراء، ارض الكرامة الغراء، ومنبر الحرية والسيادة الشماء، وصلت يا سيدي الشيخ المجاهد، على جناح الشهادة وصورة المساجد دخلت القلوب إلى صميمها، ورددت الإذاعات والصحف اسمك وذكراك، وتناقلت النساء والرجال والأطفال نبأ استشهادك، دخلت البيوت والقلوب ومعك فلسطين وأرض الرافدين، شعب وحكومة وحزب وثورة هبوا لنصرتك، وتأييد قضيتك ومؤازرة جهادك وشعبك. تقبلنا التعازي – التهاني بك في الشارع والمعهد والمؤسسة والاتحاد العربي وفي سفارة فلسطين وأقيمت عليك صلاة الغائب. 

 

فنم قرير العين يا سيدي الشيخ قليلا، فأنت شهيد ولست قتيلا، وانتظر منا الوفاء والجهاد الثقيلا، وإننا على خطاك جيلا جيلا.