(
6 )
مقالات
حول عملية اغتيال
الشيخ
أحمد ياسين
مؤسس حركة
المقاومة الإسلامية "حماس"
ارتفع «الرمز»
محمد فهد القحطاني
صحيفة الوطن
القطرية 29/3/2004
نعم ارتفع
«رمز» فلسطين الشيخ المجاهد أحمد ياسين ومعاذ الله أن نقول سقط،
فالشهداء لا يسقطون لا عند الله ولا عند الناس، وإنما الذي يسقط،
من يموت على فراشه، كما يموت البعير، ولقد أكرم الله الشيخ المقعد
بأشرف موتة، حيث استشهد بين مسجده وبيته بعد أداء صلاة الفجر في
جماعة، وصدق فيه قول الرسول الأعظم عندما قال عن أفضل ما يؤتيه
الله عباده الصالحين «يعقر جوادك ويهراق دمك» ولقد سال دم الشيخ
(الرمز) على أرض الرباط أرض مسرى رسول الله أرض الأنبياء وعقر جواد
«شيخ الانتفاضة وأبا المقاومة» كما سماه شيخنا الجليل العلامة
القرضاوي، ولم يكن جواد «الرمز» إلا كرسيه المتحرك الذي دوخ بني
صهيون بالكر والفر، فلله دره من شيخ ومن مجاهد ومن مقعد تحدى
الإعاقة الجسدية والإعاقة العربية السياسية والجبروت الصهيوني
الأميركي وانتصر على الجميع.
نعم ارتفع
«الرمز» وسقط النظام السياسي العربي في الوحل، هذا النظام الذي
اعتنق مبدأ السلام خياراً استراتيجياً بديل عن الحرب، حتى ضاعت
الأرض وضاع العرض وأصبحنا نرى الموت في عيون أطفال ونساء فلسطين
ولا نحرك ساكناً، حتى صرنا في عين سفاح الدولة العبرية شارون غثاء
سيل لا يعير له بالاً.
نعم ارتفع
«الرمز» وسقط كذب وخداع الإدارة الأميركية، الوسيط غير النزيه،
وغير المحايد الذي يدعي أن المحتل يدافع عن حقه الشرعي في الاحتلال
والاستيطان!! وان صاحب الأرض والعرض يجب أن يموت بدم بارد حتى لا
يكتب عند «بوش» إرهابياً.
نعم ارتفع
«الرمز» وسقط النظام العالمي الجديد الذي يعتبر كل جماعات المقاومة
الوطنية شرعية وقانونية إلا «جماعات المقاومة الفلسطينية»، فهي في
عرفه وشرعه إرهابية مجرمة لأنها تعوق وتؤخر إقامة الدولة العبرية
على أراضي الغير!! مع أن جماعات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها
«حماس» لا تقاتل في منهاتن ولا تضرب في واشنطن ولا ترفع السلاح في
نيويورك، وإنما هي تقاوم مقاومة الشرفاء على أرضها وفي عقر دارها،
ويكفي حماس فخراً أنها تقول في ميثاقها «لا تؤمن حماس بنقل ساحة
المواجهة مع الاحتلال الصهيوني من فلسطين إلى أي ساحة دولية، وليس
وارداً في خطة «حماس» العمل على ضرب المصالح والممتلكات الأجنبية
للدول»، انظر ميثاق حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، فمن الإرهابي
ومن الذي يدافع عن نفسه؟
وفي
الأخير..
ارتفع
«الرمز» شيخ المجاهدين أحمد ياسين وسقط المتخاذلون المهرولون لكل
«طاولة سلام» مزعوم يطلبون العزة عند أحفاد القردة والخنازير، ولله
العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المهرولين لا يعلمون، والسلام.
************************
جريمة شارون.. اغتيال أم انتحار؟
خيري منصور
صحيفة الوطن
القطرية 29/3/2004
عبارة
واحدة لخصت بها صحيفة «ايديعوت أحرونوت» اغتيال الشيخ أحمد ياسين،
هي أنه تسبب في حياته بقتل عدد من اليهود - لا أحد يحزر الآن كم
سيقتل بموته منهم - ! وفي اليوم التالي لصدور الصحيفة، لقي يهودي
مغربي مصرعه، وألقيت قنبلة على مركز يهودي فرنسي، وصدرت بيانات في
العالم تضم أسماء آلاف العلماء والشخصيات تدين الاغتيال، هذا
بالطبع إضافة إلى جنازات رمزية، وتظاهرات عارمة في العالم كله.
لكن هل
انتهى الأمر عند هذا الحد؟ أم أن الرد الحاسم على اغتيال الشيخ لم
يأزف موعده بعد؟ الإسرائيليون وفي مقدمتهم شمعون بيريز أحسوا بأن
اغتيال الشيخ خطأ سيدفعون ثمنه غالياً فإذا كان المقصود بهذا
الاغتيال حسب المزاعم الشارونية والليكودية هو وضع حد للمقاومة
الفلسطينية، وتحديداً لحركة حماس ذات الباع الطويل في العمليات
الاستشهادية، فإن العكس هو ما سيحدث، لأن العنف يستولد عنفاً أشد
منه في الجهة المقابلة، وباستثناء الموقف الأميركي المشين الذي
تجسد في استخدام الفيتو للدفاع عن الاغتيال الشاروني للشيخ في مجلس
الأمن، فإن التقزز من هذا الفعل، أوشك أن يتحول إلى إجماع بشري،
فالشيخ مريض ومقعد، وكرسيه المهجور الذي تناثرت أشلاؤه المعدنية
وامتزجت بأشلاء الشيخ الشهيد، وهذه عوامل إضافية للإدانة،
والاشمئزاز من ممارسة إرهابية قامت بها دولة، فما جرى هو إرهاب
دولة بامتياز!
ومن خلال
متابعة أولية لما كتب ونشر حتى الآن في "إسرائيل"، فإن الانتشار
الذي حلم به الجنرال وتوقع أن يعم المناخات السياسية وغير السياسية
في إسرائيلي تحول إلى قلق، وهلع من ردود فعل غير محسوبة، فما من
"إسرائيل" الآن لا يتحسس رأسه، سواء كان جالساً في مقهى أو في
حافلة أو محطة أو على رصيف! والبادئ أظلم في كل الحالات، بل هو
الأظلم منذ الاحتلال الأول والمستوطنة الأولى والشهيد الفلسطيني
الأول، وهذا برهان جديد يضاف إلى عشرات بل مئات البراهين السابقة
على أن أجندة شارون الدموية لا مكان للسياسة أو الحوار أو حتى الحد
الأدنى من الدبلوماسية فيها لأنه لو فكر في الجريمة التي اقترفها،
وافتخر بأنه أشرف على تنفيذها شخصيا لتردد ولو قليلاً.
ولا ندري
ما الذي خطر بباله لحظة اتخاذ القرار! هل غسل يديه تماماً من العرب
والمسلمين وأركن إلى ردود أفعال أشبه بالمبيدات الكلامية التي أصبح
يسمن بها؟ وعلى الأرجح أن ما قام به العراقيون في البصرة من
الإجهاز على أحد عشر شرطياً بريطانيا في الجنوب لم يخطر ببال
الجنرال، وأن المتظاهرين في الموصل سيضعون احتلال بلادهم في
المرتبة الثانية بعد فلسطين وشيخها الشهيد كذلك لم يكن في حسبانه،
وأن ستة وثلاثين صاروخاً سيطلقها حزب الله فور انتشار نبأ الاغتيال
كان خارج توقعاته، وما هذه كلها سوى ردود أفعال فورية وأولية، لا
بد أن ما سيعقبها لن يكون ساراً لمن شكر جنوده وأجهزة أمنه على
تنفيذ تلك الجريمة!
أكثر من
مراقب ومحلل حتى من أوروبا والولايات المتحدة قالوا أن هذه الجريمة
هي دليل عملي على إفلاس الجنرال، وإحساسه بالهزيمة، فهو إذ يتخذ
قرار الانسحاب من قطاع غزة يريد أن يستبقي لنفسه ما حرم منه
الجنرال باراك عشية انسحابه القسري من جنوب لبنان، فهو يريد أن
يحول غزة إلى خرائب وأطلال قبل الانسحاب منها، كي يصطنع لنفسه
قناعاً آخر غير الوجه الحقيقي الشاحب والمخذول، فشارون يدرك الآن
أن وعوده للإسرائيليين انتهت إلى سخرية مشوبة بالغضب منه، فالأمن
الشخصي الذي قال إنه سيحققه لكل إسرائيلي لم يتحقق حتى بالنسبة
إليه، فقبل فترة قصيرة تمت واحدة من أهم عمليات المقاومة بالقرب من
منزله في القدس، ولم يعد يشعر بأنه هدف مستحيل خصوصاً بعد أن جازف
باغتيال زعيم حركة حماس.
ما من
حماقة تتغذى بالمزيد منها كهذه الحماقة العسكرية التي اقترنت
بشارون منذ توليه أول مهمة في الجيش الإسرائيلي، فهو رغم نجاحه
الميداني في المرحلة الثانية من حرب اكتوبر أو ما يسمى ثغرة
الدفرسوار، عومل عسكرياً كأحمق ومقامر ولم يكن نجاحه النسبي قد حقق
له التبرئة من هذه التهمة من قبل الدولة العبرية ذاتها!
إن
الإسرائيليين يشعرون الآن، وبعد اغتيال الشيخ احمد ياسين بأنهم في
خطر، وأن الجنرال الأرعن فتح كيس الثعابين في غرف نومهم، لهذا لم
يصفقوا له كما اشتهى، بل ذعروا، ولاذوا بصمت يبحث عمن يترجمه، وها
هم الكتاب اليهود يقولون ترجمة هذا الصمت بما لا يروق للجنرال،
أحدهم وهو (ب ـ ميخائيل) يكتب في ايديعوت أحرونوت أن دم شارون
وموفاز ليس أكثر حمرة من دم أي مواطن آخر، ويكتب يوئيل ماركوس في
هآرتس بالقلم العريض وبعبرية فصحى أن اغتيال الشيخ ياسين كان خطأ
جسيما، وأن الأضرار التي ستعود بسببه على "إسرائيل" أكثر بأضعاف من
النفع الذي توهمه شارون، ولو شئنا سرد ما ورد في كتابات المحللين
الإسرائيليين من مختلف المنابر، لانتهينا بعد قائمة طويلة إلى أن
هؤلاء يجمعون على أن اغتيال الشيخ سيقود حتماً إلى المزيد من العنف
والقتل والدمار، ولعل ما قاله أحدهم عن محاولة شارون لإخفاء شعوره
بالإحباط والهزيمة يصلح عنواناً لأكثر ما يكتب وينشر هذه الأيام في
الميديا العبرية!
ما الإرهاب
الرسمي، أو ما يسمى إرهاب الدولة إن لم يكن هذا الاغتيال تجسيداً
له؟
وكم من
البلاغة والتجميل، وتهريب الحقائق يحتاج من يسعى إلى تبرير هذه
الجريمة؟ خصوصاً بعد أن أعلن العالم تقززه من مشهد لا يطاق ولا
يمكن لأي مجرم سادي أن يبلغه.
وأحياناً
يكون الاغتيال مقترناً بمواقف تضاعف من شجبه واستنكاره، واغتيال
الشيخ أحمد ياسين نموذج لهذا النوع من الاغتيالات، فالرجل كان
خارجاً للتو من المسجد، بعد صلاة الفجر، وهو العليل الذي اقترب من
السبعين، والذي قضى عمره في السجون والمستشفيات والنفي في عقر
وطنه، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأن هذا الاغتيال هو الوجه الآخر
للانتحار.
وكان نبوءة
رسام كاريكاتير بريطاني في الغارديان قبل أعوام تتحقق الآن، فقد
رسم بندقية ذات فوهتين متعاكستين، واحدة لاغتيال الضحية والثانية
لانتحار القاتل!
وإن لم
يسقط شارون بالمعنى المادي والعضوي للسقوط، فإن سقوطه السياسي أصبح
محتماً لأنه حسب ما يقول المخدوعون من ناخبيه المزمنين قد فتح باب
الجحيم، وورطهم في مخاوف تحول الحياة إلى كابوس طويل، وإذا كانت
القوة تصيب جنرالاً غير متوازن مثل شارون بالعمى السياسي والأمني،
فإنها أيضاً تحرمه من توقع موقف شعبي رمزي كالذي قدمه أهالي غزة في
اليوم التالي لاستشهاد الشيخ، فقد أطلقوا اسم أحمد ياسين على كل
المواليد في ذلك النهار الحزين، وبهذا المعنى فإن الشجرة تتحول إلى
غابة لحظة اقتطاعها، أو تفجير جذعها، لأن الجذور ضاربة في عمق
الذاكرة والتراب والثقافة والعقيدة.
ولعل
السؤال الذي بدأنا به نقلاً عن ايديعوت أحرونوت، وهو كم سيقتل
الشيخ ياسين بموته؟ يجب أن يتوجه أولاً إلى الإسرائيليين الذين
خدعوا مراراً، ولدغوا من الجحر الليكودي ذاته، ولم يتلقحوا،
فالجنرال الذي يحلم بريادة ثانية للصهيونية، ويعيد مفهوم وأدبيات
الدولة إلى «الحركة» أو المنظمة السرية، يلحق من الأضرار ما لا
يمكن إحصاؤه بـ"إسرائيل" التي يزعم بأنه يحاول تأمينها ضد العنف،
فلا جداره الواقي، أو العرقي ولا اجتياحاته المتكررة بدءاً من قبية
مروراً ببيروت وليس انتهاء برام الله وجنين أدت إلى حصيلة يمكن
الاركان عليها، فهو محكوم على ما يبدو بما يسمى كوميديا الأخطاء،
إذ ما من خطوة إلى الوراء أو إلى الأمام إلا وتتحول على الفور إلى
خطأ آخر، وما من خطأ أيضاً إلا ويتسع ويتعمق حتى يصبح خطيئة.
وهذا هو
قدر القرصان عندما يتصور أنه امتلك البحار كلها، وأن الجزر والشطآن
والثغور كلها مجرد محطات لاستراحته، وأنه لأمر مثير بالفعل، أن
يتغذى جنرال من كل هذه المبيدات السياسية، وهذا الهجاء الكوني، فهو
إضافة إلى ما يسمى «التمسحة» وتكثيف القشور، وإغلاق الأذنين، يفتعل
مواقف ذات صفة استعراضية، كالإفراط في استخدام القوة بلا أسباب
مقنعة حتى لجنوده، أو اقتراف جرائم يتردد أسوأ المرضى والشواذ
والساديين قبل اقترافها، لأنهم يفكرون على الأقل بما قد يعقبها من
ردود أفعال، ولديهم حاسوب لقياس الربح والخسارة من مغامرة ما!
لقد اغتال
شارون يهوداً كثيرين باغتيال الشيخ ياسين، وهو قبل سواه مسؤول عن
كل قطرة دم إسرائيلية، وليس الطرف الآخر المعتدى عليه والمطارد،
والمدرج على قائمة الموتى والشهداء، أما القرائن التي تجزم ولا تشي
فقط بأن اغتيال الشيخ ياسين لن يكون مجرد حدث جسيم، فهي عديدة، وها
هو المناخ الدولي باستثناء بعض المواقف الرسمية كالموقف الأميركي،
وما أعلنته كوندوليزا رايس، أصبح مشحوناً بالإدانة لإسرائيل، وقد
يكون أقرب إلى تفهم المقاومة الفلسطينية من أي وقت مضى لأن ما أدت
إليه أحداث 11 سبتمبر 2001 من مزج حابل المقاومة المشروعة بنابل
الإرهاب المجاني، أصبح قابلاً اليوم للفرز وإعادة النظر.
ومن
المعروف أن شارون امتطى تلك الأحداث بل امتطى ضحاياها في نيويورك،
ليحول الضارة إلى نافعة، أو مصائب أميركا إلى فوائد له، لهذا سارع
إلى التطوع في حرب الإرهاب، وله بالطبع مآرب أخرى في مقدمتها
العثور على ذريعة، تتيح له التنكيل بالفلسطينيين وتصفية قياداتهم
وكوادرهم!
وإذا كان
البعض يرون الآن، أن انتفاضة ثالثة قد بدأت تطرق أبواب "إسرائيل"
بقوة، فإن منتج الانتفاضات المتعاقبة على اختلاف أسمائها هو شارون
ذاته فالشعب المغدور، والمطارد، والمحروم من أدنى حقوق الإنسان في
الحرية والوطن، سيرد على تحيات الجنرالات بأحسن منها، خصوصاً إذا
كانت هذه التحيات بالأباتشي والصواريخ واغتيال الشيوخ والأطفال؟
************************
"ذلكَ ما كنَّا نَبْغِ"!
د. محمد سليم العوا
صحيفة الاتحاد
الإماراتية 29/3/2004
الشهادة في
سبيل الله هي الأمنية الكبرى التي كان الشيخ أحمد ياسين يتمناها
لنفسه. وحياته الزاهدة المتقشفة أكبر دليل على ذلك، وقول ابنته
مريم في حوارها مع موقع "إسلام أون لاين" يوم الخميس 25/3/2004
شهادة حية على هذا الزهد، قالت:"إن الشيخ كان يعيش في بيت متواضع
جداً، يتكون من 3 غرف، وفي البيت شبابيك كتير (تعبانة!). أبي كان
لا يحب الدنيا، كان يحب بيوت الآخرة، عرض عليه كثيراً أن يكون له
بيت مثل بيوت الرؤساء. عرض عليه من السلطة بيت ضخم في أرقى أحياء
غزة، ولكنه رفض العرض لأنه يريد الآخرة ولا يهتم بهذه الشكليات
الدنيوية". ووصفت البيت بأن "مساحته ضيقة. لا يوجد فيه بلاط.
المطبخ متهتك جداً. في الشتاء بارد جداً. والصيف حار جداً. لكنه لم
يفكر مطلقاً في تجديد البيت لأنه كان مشغولاً في تجهيز بيته في
الآخرة".
كان هم
أحمد ياسين الوحيد هو مقاومة العدو الصهيوني. واستطاع من موقعه
المتميز بعدم القدرة على الحركة وحيداً - منذ كانت سنه 14 سنة- أن
يحرّك شعبه كله، والشعوب العربية والإسلامية معه، وأن يحرك العدو
الصهيوني بكل آلات حربه الجبارة وكل الدعم الأميركي الظالم له.
حرَّك شعبه وشعوب العروبة والإسلام لتعلم أن العجز ليس قدراً
محتوماً على أحد. وإذا كان الفرد الواحد قادراً على هزيمة عجزه،
فإن الأمة أقدر على ذلك من كل فرد وحيد أعزل!
وحرّك
العدو الصهيوني حتى جعل همَّ حكومته وجيشه وأجهزة أمنه أن تنال
منه، في غدوة أو روحة إذ رأته أهم أعدائها وأخطرهم عليها وهو، لا
سلاح له إلا سلاح الكلمة الصادقة المخلصة يحرك بها آلاف المجاهدين
وملايين المحبين من أقصى الأرض إلى أقصاها. وحرَّك الأميركيين
الذين يقفون، بكل ما ملَّكهم الله من زينة الأرض وزخرفها، وراء
الصهاينة الإسرائيليين، فكشف كذبهم وهوانهم على أنفسهم وتفاهة ما
يدعونه من مبادئ عندما لم يجرؤوا على إدانة اغتياله وهو أعزل خارج
من صلاة لا يصحبه إلا ولداه (اللذان أصيبا معه) وثلة من محبيه
المؤمنين، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
وهكذا كشف
أحمد ياسين حياً العجز العربي الرسمي، والقوة العربية الشعبية(!)
وكشف شهيداً حقيقة الانهزام الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية
الصامدة، وحقيقة التواطؤ الأميركي الذي حول الولايات المتحدة إلى
شيطان أخرس!
استشهد
أحمد ياسين بعد صلاة الفجر، على إثر اعتكافه الليلة السابقة في
المسجد، وأصبح صائماً، فلقي الله على أحسن حال يتمنى المؤمن أن
يلقى الله عليها، بريء الذمة من الفرائض، راجياً ثواب الاعتكاف،
صائماً لله تعالى ليفطر عنده على موائد الملائكة المقربين الذين
يستقبلون الشهيد مع النبيين والصديقين والصالحين، ومن أحسن من
هؤلاء رفيقاً؟
استشهد
أحمد ياسين في الوقت الذي استشهد فيه أميرا المؤمنين عمر بن الخطاب
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقد طعن عُمَر وهو في صلاة الفجر
الطعنة التي أودت بحياته، وضرب عليٌّ وهو في طريقه من بيته إلى
المسجد ليصلي الفجر، وهو ينادي الناس -كما كان يفعل دائماً- "أيها
الناس: الصلاة، الصلاة"!
ولما بكت
ابنته أم كلثوم قال لها اسكتي(!) فلو ترين ما أرى لما بكيت. قالت
يا أمير المؤمنين، ماذا ترى؟ قال: "هذه الملائكة وفود، والنبيون،
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول لي: يا علي، أبْشِر، فما تصير
إليه خيرٌ مما أنت فيه"! وهو مصداق الحديث النبوي: أنه ما من أحد
يموت فيتمنى أن يرجع إلى الأرض ثم يموت ثانيةً، إلا الشهيد،
لعِظَمِ ما يرى من الكرامة. استشهد أحمد ياسين فوحَّد دمه الطاهر
المقاومة الفلسطينية كلها على العدو والمرابطة في مواجهة العدو
الصهيوني الغاصب حتى يندحر ويهزم بإذن الله.
استشهد
أحمد ياسين فلم ينل غيابه من قدرة حماس ولا قوتها، بل زادها وحدة
وتماسكاً، ولم تمض ساعات حتى كانت القيادة الجديدة قد تولت زمام
الأمور وكأن شيئاً لم يكن، فهؤلاء الذين رباهم أحمد ياسين ليسوا
طلاب زعامة ولا متكالبين على مناصب، لكنهم طلاب شهادة وحملة رسالة
أسمى أمانيهم أن يموتوا في سبيلها وأسعد أحوالهم أن يكونوا جنوداً
في صفوف العاملين لأجل نصرتها. والذين يعرفون حقيقة حماس -وقليل ما
هم- يعرفون أنها لا يديرها عقل فرد ولا رأي قائد واحد، وإنما هي
جماعة مؤسسات لكل منها نظامها المحكم في مرونة تجعله قابلاً
لمواجهة أقسى الظروف وأشق المواقف. وهي ليست مؤسسة لأعضائها فقط،
وإنما هي مؤسسة يقف وراءها من الشعب الفلسطيني قوة هائلة من مختلف
توجهاته وفئاته، تقف وراءها وتقف وراء قوى المقاومة كافة، جميع
القلوب والعقول التي تعرف أن هذا العدو الصهيوني لا يفهم إلا اللغة
التي يحسنها: لغة القوة المزلزلة والألم المستمر، يريد أن يلحقه
بالشعب الفلسطيني فإذا ألحقته المقاومة به هو عرف أثره وأدرك
خطورته وتلفت حوله بحثاً عن مخرج. وليس أدل على الشعور بالضعف في
مواجهة المقاومة الفلسطينية من اغتيال الصهاينة للشيخ أحمد ياسين،
ومن الصمت الأميركي المخزي إزاء هذه الجريمة ومن التآمر في مجلس
الأمن، والتهديد "بالفيتو" لئلا يصدر قرار يدين ارتكابها!
واستشهد
أحمد ياسين وقد ترك رسالة مكتوبة إلى القمة العربية التي ألغت
اجتماعها في العاصمة التونسية. كان ينوي أن يسجل هذه الرسالة بصوته
وصورته ويرسل شريطها إلى الملوك والرؤساء العرب، لكن الانتقال إلى
ما هو خير وأبقى جاءه في وقته فأعجله عن أن يفعل. ومع ذلك فإن النص
الذي نشر لهذه الرسالة - الوصية، سيبقى حجة عليهم حتى لو لم
يجتمعوا، وهو حجة على الذين ذهبوا إلى تونس وعلى الذين لم يذهبوا.
سيقال لهم، ولكل واحد منهم، يوم القيامة: ماذا فعلتم في وصية الشيخ
الشهيد؟
- هل
أوقفتم التطبيع مع العدو الصهيوني بجميع أشكاله؟
- هل
أغلقتم سفاراته وقنصلياته ومكاتبه التجارية وكل صور الاتصال معه؟
- هل
أعلنتم موقفكم -الواجب أن تتخذوه وتعلنوه- من الجهاد لتحرير فلسطين
وأنه حق مشروع لشعبها وفرض عين على كل مسلم حتى تتحرر أرضها؟
- هل
أبديتم تأييداً للشعب الفلسطيني الذي يخوض ببطولة فائـقة مـعركة
غير متكافئة –مادياً- ومفروضة عليه فرضاً، ولو كان ذلك التأييد
معنوياً؟
- هل قدمتم
يد العون الاقتصادي للشعب الذي حال العدو الباطش بينه وبين كل
وسائل الكسب والعيش؟
- هل وظفتم
الطاقات الهائلة التي تسيطرون عليها لخدمة قضية وطن سليب وشعب يباد
وحرمات تنتهك ومقدسات هي قيد الهدم أو قاب قوسين منه؟
وكل هؤلاء
الملوك والرؤساء والزعماء... إلخ مطالبون، واحداً واحداً، بأن
يعدوا الجواب لهذه الأسئلة - ونظائرها - بين يدي الله تعالى،
فإنهم، كلهم، آتيه يوم القيامة فرداً(!)
************************
كابوس الرعب الصهيوني من ثأر الشيخ القادم
ناصـر الفضـالة
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 29/3/2004
إن دولة
الصهاينة قد طغت واستكبرت في الأرض بغير الحق، وأمست تقترف الجرائم
البشعة في كل صباح ومساء، تعيث في الأرض فساداً، وتهلك الحرث
والنسل، تسفك الدماء، وتقتل الأبرياء، وتغتال الرموز الأوفياء،
وتذبح الأطفال والنساء، وتدمر المنازل، وتجرّف المزارع، وتقتلع
الأشجار، وتنتزع الأرض من أصحابها بالحديد والنار، وتقيم الجدار
العازل على الأرض الفلسطينية عنوة، جهاراً نهاراً، وقد توجت
جرائمها المستمرة بهذه الجريمة النكراء، اغتيال الشيخ الرمز،
القعيد المتطهر المصلي بتخطيط وإشراف من المجرم شارون فهي تجسد
إرهاب الدولة بأقبح صوره..
وهذا نذير
ببداية النهاية للطغاة، فإنّ ساعتهم قد اقتربت، فإنّ الطغيان إذا
تفاقم، والظلم إذا تعاظم: يسوق أصحابه إلى الهلاك وهم لا يشعرون..
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين
ظلموا والحمد لله رب العالمين).
إن استشهاد
الشيخ أحمد ياسين لن يضعف المقاومة، ولن يطفئ شعلتها، كما يتوهم
شارون وعصابته في دولة الكيان الصهيوني، بل سيرون بأعينهم: أنّ
النار ستزداد اشتعالاً، وأنّ أحمد ياسين ترك وراءه رجالاً، وأنّ كل
الفصائل ستثأر، وكلها توعدت "إسرائيل": كتائب القسام، وسرايا
القدس، وكتائب شهداء الأقصى، وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى، ومناضلو
الجبهة الشعبية، وكل أبناء فلسطين: وحدتهم المحنة، ووقفوا صفاً
واحداً ضد المجرمين السفاحين.
إنّ دم
الشيخ ياسين لن يذهب هدراً، بل سيكون ناراً ولعنة على الصهاينة،
وحلفاءهم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). وهاهم الصهاينة
يثبتون من جديد أنهم أجبن الخلق في تحمل تبعات إجرامهم، فبعد ما
اقترفوه بحق شيخ المجاهدين الأعزل من بشاعة القتل والتنكيل تملكهم
الرعب جميعاً وصار حالهم من الخوف والهلع جليا للعيان.. وأصبحوا ما
بين وزراء محاطون بترسانة من الحراسات، وإغلاق لبعض مدارج الطيران
في المطارات؛ خوفاً من إسقاط طائرة، وأسواق ومقاه مُقفرة، وحوانيت
تنتظر المشترين، وحافلات فارغة.. كل زاوية من كيانهم تحولت بعد
اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين إلى ما يشبه القلاع يتحصنون فيها
خوفاً من «كابوس» الرد الفلسطيني القادم لا محالة. كما أعلنت حالة
التأهب القصوى لدى قوات أمنهم بهدف حماية المسؤلين الصهاينة
فالوزراء ونواب الكنيست تمت أحاطتهم بحراسة مشددة، تتكون من «13»
حارساً.. كما بعث «إسحاق شدار» أحد ضباط أمن الكنيست رسالة إلى
النواب، طالبهم فيها بالتبليغ عن كل سفرة إلى الخارج، سواء كانت في
مهمة عامة أو خاصة؛ «منعاً لإمكانية تعرضهم للاختطاف أو الاعتداء
في دول معادية»، على حد قوله.. ولم تكتف هذه الشخصيات بالحراسة
التي توفرها لهم الحكومة، بل جند كل منهم طاقم حراسة إضافي..
وتوالت
الإنذارات للمخابرات الصهيونية حتى بلغت (50) تنذر جميعها بوقوع
عمليات داخل الأراضي المحتلة منذ عملية الاغتيال الآثمة. كما شاركت
عصابة «بوش الصغير» الصهاينة حالة الرعب التي يعيشونها من الانتقام
«القسامي» المنتظر فقد وجهت السفارة الأمريكية في الكيان الصهيوني
دعوة إلى كل مواطنيها بعدم زيارة الأراضي المحتلة في هذه الفترة..
أما الأمريكيون المتواجدون داخل الكيان الغاصب فقد دعتهم السفارة
إلى عدم الاقتراب من الأماكن التي تعج بالناس، وتجنب التوجه إلى
غزة أو الضفة الغربية. لا يختلف الحال في الأسواق أو في حافلات
النقل العامة، فقد أصبحت الحوانيت تنتظر وصول المشترين بعدما كانت
تعج بالكثير منهم.. وكذلك الملاهي والمراقص والمقاهي..تشير صحيفة
«يديعوت احرونوت» إلى أن سوق «محنية يهودا» في القدس المحتلة بدا
فارغاً وبائساً ينتظر هذه المرة العملية التي قد تقع، مشيرة إلى أن
«العشرات وربما المئات من الجنود والشرطة المسلحين يتجولون بين
المتاجر متأهبين لأشد الأمور». بائع يقول: «يوجد إحساس فظيع بالخوف
والفزع، الزبائن يحضرون بشكل سريع، ويشترون حاجاتهم ويهربون من هنا
بسرعة».. بائع آخر قام بتعليق رزمة من الثوم وكتب عليها عبارة «ضد
حماس»، مبرراً ذلك بأنها قد تبعد البلاء عنه!.. سائق حافلة من
القدس قال: «ألقي نظرة فاحصة نحو كل مسافر يصعد إلى الحافلة خشية
أن يكون المنفذ «لعملية استشهادية»، مشيراً إلى أن «كل الركاب
يصعدون وهم واثقون أنهم ربما يكونون هم الضحية القادمة».
هذا هو
شانهم دوماً يقتلون ويبطشون ثم.. يفرون خلف جدرانهم المشيدة آملين
في الأمان ولكن هيهات.. هيهات.. فالثأر لا محالة واقع بهم فالشيخ
من ورائه أسود تعلموا بعزة المقاومة وقوة العزيمة أن يحفظوا دماء
قائد المسيرة، ويفتدوها بالمهج.. ولن تكون دماؤه الطاهرة رخيصة عند
من يرخصون من أجلها أرواحهم فقد علمهم قبل الرحيل أن الشهادة غاية
المنى.. فليمت بني صهيون في اليوم ألف مرة.. قبل أن يأتي القصاص.
************************
لقد انتصر دم أحمد ياسين على جلاديه
بقلم: علي عقلة عرسان*
صحيفة البيان
الإماراتية 29/3/2004
استخدمت
الولايات المتحدة الأميركية يوم الخميس 25 مارس 2004 حق النقض
الفيتو ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يدين العملية الإجرامية التي
قام بها الكيان الصهيوني فجر يوم الاثنين 22 مارس 2004 في غزة
باغتيال الشيخ أحمد إسماعيل ياسين مؤسس حركة حماس وقائدها الروحي
وتسعة آخرين معه وهم خارجون من المسجد بعد أدائه صلاة الصبح.
وكانت
الدولة الأبرز التي رفضت إدانة العملية وذهبت إلى تأييدها حيث قال
الناطق باسمها: «"إسرئيل" دولة ذات سيادة ونحن نعترف بأن عليها أن
تتخذ خطوات للدفاع عن نفسها.» بينما وصف حليفها التقليدي البريطاني
العمل بأنه: «عمل غير قانوني وغير مبرر وغير عادل».
كان نص
مشروع القرار الذي قدمته الجزائر باسم المجموعة العربية، متوازناً
إلى حد كبير مراعاة لما تطلبه الولايات المتحدة عادة، ومنسجماً إلى
حد كبير أيضاً مع موقف الاتحاد الأوربي الذي أدان تلك الجريمة
البشعة، وقد أيدت المشروع إحدى عشرة دولة عضو في مجلس الأمن الدولي
الذي وصفه (دان جيلرمان) سفير الكيان الصهيوني لديه «بالنفاق»؟!
وامتنعت ثلاث دول عن التصويت هي: بريطانيا وألمانيا ورومانيا.
وليس
المستغرب أو المستهجن هنا أن تستخدم الولايات المتحدة الأميركية حق
النقض لحماية الكيان الإرهابي الصهيوني من الإدانة، فذاك هو نهجها
المستمر وموقفها الثابت عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والعرب من
جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، وقد استخدمت الفيتو حوالي 39
مرة في هذا المجال.
لقد اغتال
الكيان الصهيوني الشيخ أحمد ياسين، وصنف عمله الإجرامي ذاك تحت
لائحة محاربة الإرهاب، فالشيخ ياسين بنظر الناطق الرسمي الأميركي:
«كان زعيماً لتنظيم إرهابي» وبنظر الصهاينة والمتصهينين ومن تؤثر
الحركة الصهيونية عليهم هو « بن لادن فلسطين»، ويقود حركة مصنفة
أوروبياً تحت الضغط الأميركي الصهيوني: «حركة إرهابية»؟! ولا عجب
فكل من يقاوم الاحتلال الأميركي الصهيوني هو إرهابي ومارق وخارج
على القانون ومستباح دمه ويستحق الموت وفق تلك الشريعة المقيتة؟!
اغتال
الكيان الصهيوني الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة «حماس» التي انطلقت مع
بداية الانتفاضة الأولى في التاسع من ديسمبر سنة 1987، وخميني
فلسطين كما سماه الصهاينة في محاكمتهم الأولى له عام 1983 بعد أن
أسس «حركة المجاهدين» التي دعت إلى «مقاومة الاحتلال حتى زواله عن
كامل التراب الفلسطيني».. اغتالته بجبن وخسة لا نظير لهما، وسبّح
بوش وإدارته بحمد شارون الذي أنجز بحملته الإرهابية تلك ما لم
ينجزه بوش بحملته الأوسع منذ سنتين ونيّف..
وبوش من
قبل هذه العملية البشعة وغيرها من جرائم شارون يرى فيه «رجل سلام»،
وأنموذجاً يحتذى به، ونبياً من أنبياء (بني إسرائيل).. وهو يؤمن
بالأساطير الكثيرة حول (بني إسرائيل) ويتبع أنبياءهم ويعمل من
أجلهم وفق اعتقاده الذي يأخذه إلى دوائر شتى من الهوس والفعل الذي
استحق عليه قول بعض الزعماء الاستراليين الذين غرر بهم إنه أفشل
رئيس عرفته الولايات المتحدة الأميركية!؟
لم يقم
شارون وحده باتخاذ قرار بهذا الحجم من الغباء والدموية
والاستفزاز.. فليس هو الذي انفرد بالقرار وأشرف على تنفيذه وهنأ
الذين شاركوه في التنفيذ على نجاحهم في اغتيال شيخ مسن مقعد على
كرسي أمام مسجد في غزة.. بل أيده 61% ممن استطلعت آراؤهم حول هذا
الاغتيال البشع من الصهاينة في فلسطين المحتلة هم شركاء له.
ومعنى هذا
أن هذا الخليط العجيب من المحتلين هو من الإرهابيين العتاة الذين
يقرون جرائم من هذا النوع ويعملون على تنفيذها في إطار مسلسل إبادة
مستمر ضد شعب بكامله.. وهذه نقطة التقاء إضافية ليس بين شارون وبوش
الذي يؤيده ويُعجَب به فقط بل بين الصهاينة العنصريين ومن يسميهم
الأميركيون الآباء المؤسسين للدولة الذين أبادوا الهنود الحمر
وحضارتهم قبل ثلاثمئة سنة تقريباً؟!
العنصرية،
والاعتقاد النابع من تلمودية مقيتة وتوراتية مشبعة بفوقية «شعب
الله المختار»؟!، والغطرسة اللامتناهية، والاستخدام البشع للقوة،
والنظر إلى الآخر على أنه الشرير..إلخ كل ذلك أسس لهذا النوع من
السياسة التي تقوم على العدوان وتشويه صورة الآخر وأخذ القانون
باليد والتدخل الفج.. بل الوقح في شؤون الآخرين وإطلاق الأحكام
السلبية عليهم واتهامهم بأشنع التهم مثلما فعل الرئيس السابق
للكنائس الإنجيلية في العالم كيري يوم الخميس 25 مارس الجاري حين
اتهم الثقافة السياسية للإسلام والمسلمين بأنها شريرة؟! من دون أن
يفكر مجرد تفكير في فهم الآخر واحترام عقيدة سماوية يدين بها أكثر
من سدس العالم، ومن دون أن يتبصر في حقائق ثابتة هي أن دولته مركز
الخطر الداهم الذي يقلق الشعوب والحضارات والثقافات والديانات؟!
إن شارون
وبوش وتشيني ورامسفيلد وولفويتز وريتشارد بيرل وإليوت إبراهام
وأليوت اغيل من جهة ونظراءهم من حاييم وايزمن وبيغن حتى شامير
وغولدشتاين وكاهانا وشارون من طينة عنصرية واحدة وأتباع عقيدة
استعلائية واحدة تعلمهم الإجرام واتهام الآخرين به. وعلينا أن ندرك
ذلك جيداً ونتعامل معه بواقعية واقتدار على أساس ثوابته ونظرته
الاستعلائية الاستعمارية التلمودية وليس على أساس تسامحنا وأوهامنا
وما يلقنه لبعضنا من أكاذيب.
لقد أقام
الكيان الصهيوني ورموزه العسكرية والمدنية حساباتهم عند القيام
بتلك الجريمة البشعة على أساس أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين سيلحق
بحماس ضربة قاصمة ويكسر ظهرها تماماً ويبددها في غزة وخارجها،
فيخرج هو من غزة منتصراً وقد دمرها تنظيمياً وروحياً، ويؤسس لحرب
أهلية فلسطينية ـ فلسطينية يؤجج نارها «التسابق» على من يحكم غزة
ومن يقود حماس، ويقضي على نظرية أن تصبح غزة بعد هزيمته فيها
واضطراره للانسحاب منها: «أرض حماس: حماس لاند» تنطلق منها عمليات
تحرير ضده.. وأنه يمكن أن يجتث باغتيال قائد حماس الروحي روح
الحركة ذاته..إلخ ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً.. فحماس
تجاوزت المحنة رغم ثقلها الكبير، وانتخبت خليفة للشهيد أحمد ياسين
هو المجاهد عبد العزيز الرنتيسي من دون ارتباك أو خلاف أو تطاحن..
على الرغم
من أن رجال حماس يتطاحنون على الشهادة في سبيل الله والقضية،
والزعيم فيها يحتل موقعاً متقدماً على طريق تلك الشهادة، والجناح
العسكري لحماس لم يتزلزل بل يعد برد يزلزل المعتدين.
لقد تجاوزت
حماس المحنة الامتحان، ونادت كما نادت الفصائل الفلسطينية المقاومة
والسلطة بوحدة الصف الفلسطيني، والتمسك بالمقاومة بوصفها خيار
الشعب الفلسطيني ووسيلته للدفاع عن نفسه والتصدي للاحتلال والوصول
إلى التحرير والحرية والدولة المستقلة..
وأصبح دم
الشهيد أحمد ياسين رايات في معظم العواصم والمدن العربية
والإسلامية يسير الناس تحتها يؤيدون المقاومة وينادون بالثأر،
وتمكن الشيخ أحمد ياسين باستشهاده من تحقيق إجماع عربي وإسلامي حول
حماس والمقاومة وتحرير كامل التراب الفلسطيني أكبر من ذلك الذي
حققه في حياته. وسيبقى الشهيد يعطي المقاومة دفعاً إلى الأمام في
طريق الجهاد والاستشهاد والتحرير.
لقد هز ذلك
الحدث دولاً عربية وأعاد طرح سؤال القضية عليها من منطلق المسؤولية
القومية من جهة وأبعاد الاستهداف الصهيوني المستمر ضد الشعب
والمقدسات والحقوق من جهة أخرى.
واستطاع
شارون بأفعاله الإجرامية أن يكشف الغطاء عن أعين بعض الرؤساء العرب
ليروا أخيراً «أن الدولة العبرية «منظمة إرهابية»، وهذا يفيد إذا
ما أصبح يقيناً أن الكيان الصهيوني ليس دولة تستحق توقيع اتفاقيات
دولية محترمة معها، وأن الشعب العربي لن يغفر لحكامه السكوت على
سفك الدم الفلسطيني وإبقائه مباحاً مستباحاً، وأن ذلك الشعب في
الأقطار كلها يتعلق بقضية فلسطين بوصفها قضية عربية وإسلامية
وعادلة وإنسانية قبل كل شيء.
ويحق لنا
أن نسأل بعد جريمة الاغتيال، والتوعد الصهيوني باغتيال ثمانين من
قيادات حماس والفصائل الفلسطينية المقاومة الأخرى وحزب الله، وبعد
حركة الشارع العربي، والإدانة شبه التامة ومنها إدانة لجنة الأمم
المتحدة لحقوق الإنسان للعملية «الإسرائيلية»، وبعد الفيتو
الأميركي في مجلس الأمن، وتأييد 61% من اليهود المستطلعة آراؤهم
للجريمة: من الذي حقق نقاطاً أكثر لمصلحته في هذه العملية شارون
الجلاد أم أحمد ياسين الشهيد الضحية؟
ما أذهب
إليه في التماس جواب على هذا السؤال هو أن كلاً منهما حقق أهدافاً
كثيرة ولكن في منحيين متضادين:
ـ شارون
استعلى وعلا في سلم الإجرام، وحصل على موقع متميز في الإرهاب هو
ودولته، وكشف أمام العالم الذي أدانه وأدان كيانه الإرهابي المحتل
صفحة طالما عُتِّم عليها في الطبيعة العنصرية للصهيونية هي الإرهاب
والجريمة المنظمة.. وشارون يتقدم بسرعة أكبر، من خلال الإصرار على
الاستمرار في الإرهاب والاغتيال والتدمير، على طريق كشف الجوهر
الشرير للكيان الصهيوني أمام العالم كله.. بعد أن كشف ذلك الجوهر
لكثير من العرب والمسلمين منذ بدأت قضية فلسطين بكم المذابح
والجرائم التي ارتكبها هو وأمثاله.
ـ أما
الشهيد أحمد ياسين فقد سما في تعاليه عن الإجرام والإرهاب لأنه كان
يجاهد ويقاوم دفاعاً عن النفس والوطن والمقدسات ضد الاحتلال
والعدوان والإجرام والإرهاب المتمثل كله في الحركة الصهيونية
وممارساتها العنصرية اليومية في فلسطين. كان يقف بوجه الاحتلال
الذي ينظم برنامج إبادة لشعبه ولإرادة ذلك الشعب، والاحتلال أفظع
أنواع الإرهاب، وكشف عن عدالة قضية شعبه وعن حقيقة عدوه، وعن تخاذل
بعض قيادات أمته، فحشد الناس حول حركته وقضية شعبه ونضال أمته.
وكشف
عالماً من الزيف والغطرسة، والعدوان والانحياز المقيت ضد العرب
والمسلمين عامة وضد الشعب الفلسطيني ومقاومته خاصة مثلته الولايات
المتحدة الأميركية بشكل خاص.. فالفيتو الأميركي يدين من استخدمه
أخلاقياً أكثر مما يحمي من استُخدِم لحمايته من عدالة المجتمع
الدولي.
لقد انتصر
ياسين وانحسر شارون.. كبر الأول وصغُر الثاني، تعملق شارون في عالم
الجريمة، واستحق لقب الإرهابي الأول في العالم بجدارة لا تضاهى،
واستحق كيانه الصفة التي قام على أساسها أصلاً: « عصابة إرهابية..
» رغم عضوية « الدولة» في الأسرة الدولية وشمخ ياسين في ثوب دمه
البريء..
دم الشهيد
المجاهد.. دم المقاتل من أجل الحرية والاستقلال وإجلاء الاحتلال
البغيض عن وطنه التاريخي، والوقوف بوجه العنصرية.. التخلف التي
تقتل شعبه وحقه في الحياة. واستحق الشعب الفلسطيني وقضيته التي قضى
الشهيد أحمد ياسين وألوف الشهداء من الفلسطينيين والعرب على
طريقها..
استحق وقوف
شعوب العالم وشرفائه إلى جانبه، عدا المرتبطين بالجريمة أو
الخائفين من المجرم والمشوِّهين للحقائق وخدم العنصرية
والإمبريالية الذين لا يحتاج إليهم، وستذكرهم الإنسانية مقترنين
بالخزي والعار.
لم يستخدم
أحد الفيتو لحماية أحمد ياسين «الضحية» من جلاديه، ولكن أكبر دولة
في العالم استخدمت ذلك «الحق» لتحمي الجلاد من حكم العالم عليه
وعلى جريمته بسبب ما ارتكبه بحق الضحية والعدالة والإنسانية.
لقد نصر دم
أحمد ياسين الحقَّ والعدل والحرية والاستقلال، وكشف العنصرية
والطغيان والدول الإرهابية وتلك التي ترعى الإرهاب وتسانده بكل
الوسائل.. وهذا يكفي من بعض الوجوه.. ولكن دم الشهيد أحمد ياسين
أضاف على ذلك أنه ما زال يدفع المقاومة الفلسطينية والدول العربية
والإسلامية وشعوبها وشرفاء العالم كله إلى التفكير بكيفية امتلاك
القوة لتحمي نفسها من إرهاب الدولتين: الصهيونية والأميركية.
لقد انتصر
دم أحمد ياسين على جلاديه، وسوف ينتصر الحق وتتحرر فلسطين من قبضة
الإرهابيين والمجرمين وقطاع الطرق.. مهما امتد الزمن، وارتفع
الثمن، وكثرت التضحيات، واشتدت الأزمات والمحن.. فلا بديل للحرية
ولا غنى لأحد عنها، ولا يوجد ما يعوض كرامة الشعوب والشهداء سوى
الاستقلال ورفع راية الحرية والعدالة فوق كل أرض وتحت كل سماء.
رحم الله
الشهيد أحمد إسماعيل ياسين وأحسن إليه.
* رئيس اتحاد الكتاب
والأدباء العرب
************************
اغتيال الشيخ.. والموقف الأمريكي الغريب!
عبدالله علي العليان
صحيفة الخليج
الإماراتية 29/3/2004
جاء اغتيال
الشيخ أحمد ياسين من قبل الاحتلال "الإسرائيلي" وبإشراف الإرهابي
أرييل شارون ليؤكد من جديد أن الإرهاب "الإسرائيلي" يفوق كل
التوقعات في طغيانه واستهتاره بكل القوانين والشرائع الدولية
المتعارف عليها.
لكن الأغرب
أن الولايات المتحدة التي تدعّي أنها ضد الإرهاب أياً كان نوعه
وجنسه، وقفت مع الإرهاب الشاروني عندما استخدمت حق النقض "الفيتو"
ضد القرار الأممي الذي تقدمت به المجموعة العربية لإدانة اغتيال
الشيخ ياسين. والحقيقة أن هذا الموقف يجعل من محاربة الإرهاب والحد
من طغيانه مسألة غير جادة، إذ كيف تطالب الولايات المتحدة العالم
بأن يقف معها ضد الإرهاب، وهي تساند وتشجع إرهاب شارون وقادة
الكيان؟
فهذا
الإرهاب "الإسرائيلي" الذي تسانده الولايات المتحدة ضد الشعب
العربي الفلسطيني الذي يتعرض يومياً للظلم والإبادة والتنكيل
المستمر يزيد من الاحتقان السياسي، وينهي كل المحاولات الجادة
لإرساء السلام العادل إن صحت مقولات عملية السلام لكن الفيتو
الأمريكي ضد إدانة اغتيال الشيخ المقعد يخلط الأوراق، ويجعلها أكثر
خطراً واضطراباً على كل المستويات. والإشكالية أن مصطلح الإرهاب
يستخدم أحياناً بطريقة انتقائية ويلصق أحياناً بأعمال لا تندرج ضمن
مفهوم التعريف المشار إليه آنفاً، وهذه مسألة تثير الارتياب في
تعريفات بعض الدول للإرهاب ومنها الولايات المتحدة على وجه
التحديد.
ولا شك في
أن العمل الإرهابي في بعض أهدافه يستهدف عادة تحقيق غايات سياسية
أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو في ذلك يوجه إما إلى أشخاص أو إلى
ممتلكات خاصة أو عامة. والإرهاب كما انه عمل فردي يقوم به شخص أو
مجموعة من الأشخاص، فإنه قد يكون سلوكاً حكومياً وهو ما يسمى إرهاب
دولة، بل وقد يجد أسسه ومبرراته القانونية في قوانين الدولة
الداخلية. في هذا الإطار وبعد قيام الثورة الفرنسية في 1789، وجد
الثوار أنه ليس هناك من بد من تبني الإرهاب كوسيلة ونظام مشروع
للحكم لإخماد المتآمرين على الثورة، ومن ثم الوصول إلى الأهداف
السياسية المرسومة سلفاً.
فعلى سبيل
المثال الإرهاب "الإسرائيلي" في احتلاله وجرائمه التي ارتكبت ضد
العرب في فلسطين يعد أفظع أساليب الإرهاب في عصرنا الراهن، وهذا
الإرهاب "الإسرائيلي" ربما يفوق الإرهاب القديم بما يملكه من وسائل
حديثة ووحشية منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن، وإذا ما أردنا أن
نحصي الجرائم الإرهابية "الإسرائيلية"، فإن عشرات المقالات لا
تستطيع سرد كل الجرائم الإرهابية "الإسرائيلية". فـ"إسرائيل" منذ
احتلالها لأراضي فلسطين في 1948، مارست ضد أهل الأرض الأصليين، شتى
أصناف الرعب والإرهاب، فقامت بطرد الفلسطينيين من منازلهم ودمرتها
على رؤوسهم وطاردتهم ونفذت فيهم عمليات القتل والاغتيال داخل وخارج
وطنهم، وصادرت الأراضي وسممت المياه ومارست قواتها كل أعمال القمع
والعنف ضد المواطنين العزل، من تكسير للأذرع وتهشيم للأضلع على
مرأى ومسمع من عيون العالم وآذانه، ولم يتوقف الإرهاب "الإسرائيلي"
عند هذا الحد، بل تعداه إلى الإضرار بالمقدسات والشروع بحرقها
وتدميرها وطمس معالمها، كما حصل للأقصى الشريف أكثر من مرة، ناهيك
عن أعمال القتل والتدمير التي طالت أراضي عربية أخرى في لبنان
ومرتفعات الجولان السورية المحتلة. تلك الأعمال الإرهابية مورست
بأمر وتوجيه من أعلى سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بحجة الأمن.
لكن مع ذلك
فإن الولايات المتحدة أدارت ظهرها للقرارات الدولية الداعمة للحق
العربي الفلسطيني منذ عقود عدة، وصمّت آذانها عن سماع ومشاهدة
الإرهاب الصهيوني اليومي، بل ودافعت عن عنصريته الصارخة والفيتو
الأخير يبرز هذه المساندة الظالمة لإرهاب شارون المنظم إلى جانب
الدعم غير المحدود عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهذا للأسف أوجد
مبررات ومسوغات الإرهاب عند أطراف كثيرة ومنها الطرف "الإسرائيلي".
وليس أقوى
داعم للإرهاب مثل تجاهل أسبابه الكامنة وانتشاره في المجتمعات
الحديثة، وخاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة، ونتيجة
للفوارق الاقتصادية والاجتماعية، فإن التطرف والإرهاب سوف يعشش
ويقتات من هذه السلبيات التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية
الجائرة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية "الدارونية"
البقاء للأقوى بدل البقاء للأصلح!
أيضاً من
السلبيات التي تسهم في انتعاش الإرهاب قضية الازدواجية والمعايير
في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي
أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي
باتت تستعصي على الهضم والتقبل، مثل معاناة الشعب العراقي والكوارث
الإنسانية التي يلاقيها هذا الشعب من هذا الحصار الظالم.
فالتعاطي
بالازدواجية في الكثير من القضايا، أثمر الكثير من الكراهية غير
المبررة في بعض الأحيان، ومنها الإرهاب المرفوض الذي تعاني منه
الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله، هي
البحث الجاد عن أسبابه وإيجاد المخارج المنطقية والعقلانية لتجفيف
منابعه بالحكمة أولاً، ثم بالتعاطي العادل مع مسببات هذا الإرهاب.
والذي يدعو
إلى الأسف أن مصطلح الإرهاب لا يزال ورقة يتلاعب بها الكثيرون
ويتقاذفون بها كالكرة فيما بينهم، وكل يوصم الآخر بالإرهاب وكل
مشكلة داخلية يعانيها بلد ما، ترفع التهمة الجاهزة على البعض الآخر
بالإرهاب، وبدلاً من اتخاذ الوسائل السلمية والقوانين المرعية،
وحقوق الإنسان لحل هذه المشكلات -والتي تختلف من بلد إلى آخر- فإن
شعار الإرهاب بات الآن سيفاً مسلطاً بلا معايير دقيقة تقيده، وهذه
إشكالية ربما تساعد على ازدهار الإرهاب لا على استئصاله.
ورغم إن
الإرهاب قضية عالمية فإنه بقي خارج دائرة الاتفاق لجهة تعريفه، رغم
ما تضمنته قواميس اللغة وكتابات الفقهاء من اجتهادات للتعبير عن
الظاهرة، لكنها لم تفلح جميعها في وضع ضوابط ومعايير محددة للفصل
بين الفعل الإرهابي وما سواه، الأمر الذي أدى حتى بأولئك المهتمين
بدراسة هذه الظاهرة، إلى مواصلة بحوثهم ودراساتهم من دون الاكتراث
بتعريفها.
وعدم
الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب نابع بالدرجة الأولى من تسييسه،
ووضع الاعتبارات القانونية خارج الحسبان، رغم هويته القانونية في
الأساس، وقد أدى ذلك بدوره إلى اختلاط الأوراق وتباعد المواقف، فلم
يعد مستغرباً أن نشاهد حكومات أو جماعات ترتكب حماقات وتقوم بأعمال
الإبادة البشعة بحق الإنسان، باسم مكافحة الإرهاب، ولم يعد خافياً
أن يستخدم الإرهاب جسراً لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية أو حزبية أو
قومية أو دينية.
فالقضاء
على أسباب الإرهاب خطوة إيجابية لدحره وتقزيمه، ولو بصورة متدرجة،
وهو في اعتقادنا أفضل الأساليب لاستئصاله من جذوره، وهذا الإرهاب
لا نختلف جميعاً على رفضه ونبذه بكل أنواعه وصنوفه ومبرراته، لكن
الأسباب الكامنة لعلاجه مسألة مهمة للقضاء على الإرهاب وليس دعمه
وإسناده، كما حدث في الفيتو الأمريكي الأخير.
هذه
الأسباب اجتمعت مع أسباب أخرى وهي غياب العدالة، وازدواجية
المعايير في القضايا السياسية، وغيرها من الأسباب المساهمة في بروز
ظاهرة العنف والإرهاب كظاهرة عالمية والتي تحتاج إلى التقييم
والفهم والتعامل العادل.
وهذا الرد
الأمريكي على القرار العربي في مجلس الأمن يعتبر إهانة واضحة
واستهتاراً بالإجماع العالمي ضد الإرهاب الذي قالت الولايات
المتحدة إنه يهدد العالم ويجب الوقوف ضده ومحاربته، فإذا بها
تسانده وتضع له المبررات والمسوغات لاستمراره، وهذا سوف يزيد من
العنف والإرهاب، والإرهاب المضاد.
والغريب أن
الولايات المتحدة لم تناقش بجدية قضية الكراهية التي تواجهها من
الكثير من دول العالم في هذا العصر، فالكثير من أسباب الكراهية
المرفوضة، ربما تزيد في معدلات الإرهاب وتناميه بصورة مطردة، وهذا
السلوك غير المنطقي عبر عنه (بروستر.ك.ديني) في كتابه "نظرة على
السياسة الخارجية الأمريكية": إن “من الأهمية بمكان أن يتوصل شعبنا
إلى نوع من الفهم العام بدلاً من الاستجابة للعواطف والانحيازات.
نحن نبعد كثيراً عن كل هذه الدول حتى نفهم المدلول الحقيقي. ولكن
مستقبل العالم كله يعتمد على الحكم الصحيح، يعتمد على إدراك الشعب
الأمريكي لأفضل ما يمكن القيام به، وما يجب القيام به”.
والسؤال
الذي يحتاج إلى أجوبة صريحة من العالم كله: لماذا تساند الولايات
المتحدة إرهاب شارون في كل خطواته وتطالب العالم بأن يقف معها ضد
إرهاب غيره؟ هذا التناقض الغريب سوف يجر العالم إلى فوضى العنف
والإرهاب نفسه.. وكأنها بهذه الأساليب تدافع عن الحق ونقيضه، كما
فعل السفسطائيون في القرون الغابرة.
اغتيال
الشيخ احمد ياسين من قبل شارون جريمة وإرهاب لا يحتاجان الى
المسوغات أو المبررات، ويكفي أن تاريخ شارون الذي قال عنه الرئيس
بوش بأنه "رجل سلام" ملطخ بدماء آلاف الأبرياء. وما جريمة اغتيال
الشيخ ياسين إلا إحدى هذه الجرائم الإرهابية التي تضاف إلى سجله
الإرهابي..
فهل تعيد
الولايات المتحدة موقفها من إرهابه؟
************************
شكراً أرييل شارون
فهمي هويدي
صحيفة الخليج
الإماراتية 30/3/2004
هذا شكر
معجون بالكراهية. الشكر له أسباب متعددة سأوردها حالاً. أما
الكراهية فسوف يغنيني عن أي شرح لأسبابها أن أشير إلى أن الأمر
متعلق بأرييل شارون وممارساته، التي كان أحدثها إشرافه الشخصي على
قتل الشيخ أحمد ياسين، لثقتي في أن مجرد ذكر الاسم يستدعي تلقائياً
سيلاً من معاني الكراهية ومترادفاتها.
(1)
قبل سنتين
كان زميلنا عادل حسين الأمين العام لحزب العمل المصري، رحمه الله،
يقول ضاحكاً إن أرييل شارون هو "مبعوث العناية الإلهية لإيقاظ
الأمة العربية". وفي بداية هذا العام كنت في العاصمة الأردنية
عمان، وسمعت من منير شفيق المحلل الاستراتيجي الفلسطيني نفس
الفكرة، وقد زاد عليها أن نجاح الرئيس الأمريكي جورج بوش في
انتخابات الرئاسة القادمة لن يخلو من مصلحة استراتيجية، لأن ذلك
سيكون كفيلاً بالقضاء على هيبة الولايات المتحدة وتدمير سمعتها في
العالم، وهو ما "أنجزت" إدارته فيه الكثير خلال الولاية الأولى.
وإذا ما قدر له أن يستمر في ولاية ثانية، فإن ذلك سيكون انتصاراً
كبيراً لكل الذين يكرهون الولايات المتحدة وينقمون عليها.
كنت في
الكويت حين وقع اغتيال الشيخ أحمد ياسين (12/3)، ولاحظت الغضب
والاستنفار لدى قطاعات عريضة من الناس، كانت محسوبة إلى عهد قريب
ضمن الذين استشعروا خليطاً من الحساسية والاستياء إزاء الموقف
الفلسطيني، متأثرين في الأغلب بالتعبئة الإعلامية السلبية التي ما
برحت تتهم الفلسطينيين بتأييد صدام حسين ونظامه، خصوصاً في غزوه
للكويت عام 1990. يوم ذاع خبر اغتيال الشيخ وجدت الصورة قد اختلفت،
في الشارع على الأقل، حيث نسي كثيرون مشاعر الحساسية والاستياء،
وشهدت المدينة في ذات اليوم مؤتمرين كبيرين للتضامن مع الفلسطينيين
والدعوة إلى مواصلة المقاومة و"الجهاد" من أجل تحرير الأرض
المحتلة، أحدهما طلابي في الجامعة والآخر شعبي عام دعت إليه جمعية
الإصلاح. وقالت لي محامية كويتية إن القلوب التي ماتت فلسطينياً،
دبت فيها الحياة وانتفضت بعد قتل الشيخ ياسين.
أدركت مما
رأيت وسمعت أن المرارة التي رانت على قلوب كثيرين قد انكسرت في
أعقاب ذيوع خبر الجريمة البشعة، فاستعدت نبوءة عادل حسين وتحليل
منير شفيق، وبدأت في قراءة السلوك "الإسرائيلي" من زاوية أخرى، لا
تقف عند وقائع الجرائم التي ترتكب في الدم الغزير الذي يراق كل
يوم، إلى هدم البيوت وتجريف الأراضي، وإنما تتجاوزها إلى ما ينجم
عنها من أصداء وغايات، لم تكن في حسبان البغاة والقتلة الذين خططوا
للجرائم أو نفذوها.
(2)
سيدخل
شارون التاريخ باعتباره رجل الإبادة والاستئصال، الذي أوغل إلى
أبعد مدى في الدم الفلسطيني، بل العربي أيضاً. صحيح أن أمثاله
كثيرون في "إسرائيل"، إلا أن بعضهم فعلها ثم اقلع عن القتل بالسلاح
أو آثر أن يمارسه بأساليب أخرى، كالخنق بقفازات ناعمة أو بالتركيع
"السلمي"، كما يفعل أركان حزب العمل. ولكن من الثابت أن شارون نجح
في أن يقدم نفسه باعتباره القاتل "الأصولي" الذي أغمد السلاح في
القلب الفلسطيني حتى آخر لحظة في حياته، غير مكتف في ذلك بالإجهاز
على البشر وإنما متطلعاً إلى اغتيال الحلم الفلسطيني أيضاً.
يذكر
الجميع اشتراكه في المذبحة التي قام بها "الإسرائيليون" في قرية
"قبية" الفلسطينية عام 1953، التي قتل فيها 69 مدنياً، وقيامه
بالهجوم على غزة وقتله 37 مصرياً (عام 55)، وقيادته للهجوم على
شواطئ بحيرة "طبرية" السورية قبل حرب عام 67، مما أسفر عن قتل 50
جندياً سورياً. أما دوره في احتلال لبنان عام 82، وفي مذبحة صبرا
وشاتيلا التي قتل فيها ألفان من الفلسطينيين، فإنه يحسب عليه
باعتباره من أفظع جرائمه وأكثرها وحشية، الأمر الذي فضح أمره حتى
بين "الإسرائيليين"، فتوارى بعض الوقت - بعد إدانته رسمياً وحرمانه
من تولي وزارة الدفاع - ثم ظهر مرة أخرى رافعاً لواء التوسع في
الاستيطان، والتعجل في التخلص من الفلسطينيين، بالترويع والطرد
والإبادة. وهي الأساليب التي اتبعها بدقة منذ توليه رئاسة الحكومة
قبل أكثر من ثلاث سنوات، واعداً بأنه سوف يقضي على الانتفاضة خلال
مائة يوم. وشاء ربك أن يخيب أمله، فلا تنطفئ جذوة الانتفاضة، وإنما
تتواصل وتتأجج حيناً بعد حين. بل شاء ربك أن يوقعه في شر أعماله،
ليرتكب حماقته الكبرى، التي جعلته يقرر قتل الشيخ أحمد ياسين،
ويشرف بنفسه على ذلك، ويهنئ رجاله علناً على نجاحهم في ارتكاب
الفعل الفاضح.
هي مفارقة
لا ريب، إذ يأتي شارون مستعلياً ومستقوياً بترسانة الأسلحة
التقليدية وغير التقليدية، ومحتمياً بالغطاء الأمريكي، ويظل يلاحق
الانتفاضة الفلسطينية محاولاً سحقها طيلة سنوات ثلاث، مستخدماً في
ذلك أمضى أسلحته وراكباً أعلى خيله، ثم يفشل في بلوغ مراده، ولا
يجد مفراً في النهاية من الاختباء من بطولة الشباب الفلسطيني
المسلح بقوة الإيمان وعدالة القضية وراء السور الذي شرع في بنائه.
ويلجأ إلى إطلاق ثلاث طائرات بعد فجر ذلك اليوم لكي ترمي الشيخ
العاجز بثلاثة صواريخ فتاكة، بينما هو خارج من صلاة الفجر فوق
مقعده المتحرك، في عمل خسيس لا هو من شيم المحاربين الشرفاء، ولا
هو من ممارسات الأقوياء. وهو مشهد قلب الصورة رأساً على عقب، وجدنا
فيه شارون هو العاجز اليائس، في حين طالت قامة الشيخ حتى رأيناه
مارداً عملاقاً استحق لقب "الشهيد المنتصر"، ذلك الذي أطلق على
الحسين بن علي بعد المقتلة التي أوقعها به يزيد بن معاوية في
كربلاء.
(3)
شكرنا
المغموس في الكراهية جد وما هو بالهزل، وإذا سألتني لماذا الشكر
أصلاً، فعندي في الرد أسباب كثيرة في مقدمتها ما يلي:
إنه كشف
لنا عن الكثير من المستور والمخبوء في "إسرائيل". ذلك أنه منذ جاء
إلى السلطة نجح في إقناعنا بأن المزاج "الإسرائيلي" يتبنى التطرف
ويحتمي به، وأن الأصوات التي تتحدث عن السلام أو تراهن عليه لا
تمثل سوى شرائح استثنائية، لا وزن لها ولا قيمة. وحين تكشف
استطلاعات الرأي بعد وقوع جريمة القتل عن أن 61% من "الإسرائيليين"
يؤيدون سياسته، فإن الرسالة هنا تصبح شديدة الوضوح في التعبير عن
استحالة التعايش بين العرب و"الإسرائيليين"، الأمر الذي يترجم لنا
الشعار الذي رفعه البعض عندنا يوماً ما، ممن قالوا إن ما بيننا
وبين "إسرائيل" هو صراع وجود لا صراع حدود. مع فارق أساسي هو أننا
رفعنا الشعار وهتفنا له، في حين أنهم نفذوا الشعار على الأرض، دون
أن يرفعوه أو يهتفوا له.
وإذ
اعتدنا في أدبياتنا السياسية أن نفرق بين "الإسرائيليين" الصهاينة
وعموم اليهود، وحرصنا على أن نبين أن مشكلتنا الحقيقية مع الأولين
دون الأخيرين، فإن ممارسات شارون والتأييد الواسع لسياساته من أغلب
الجاليات اليهودية في الخارج غيرت من ذلك التقدير، إذ فتحت أعيننا
على حقيقة أن المسافة بين الطرفين ليست بالبعد الذي افترضناه،
الأمر الذي نبهنا إلى أننا بالغنا في إقامة ذلك التمييز الذي دأبنا
على الالتزام به، ومن ثم تعين علينا أن نعيد النظر فيه وفي النتائج
المترتبة عليه.
إنه اقنع
الجميع - والشعب الفلسطيني في المقدمة - بأن المقاومة المسلحة هي
الخيار الوحيد. وهو بذلك أسدى خدمة جليلة لمنظمات المقاومة، خصوصاً
تلك التي تتبنى العمليات الاستشهادية، من حيث أنه بممارساته
الاستئصالية صادر أية إمكانية للتفاوض والالتقاء حتى على نقطة وسط.
ذلك أن نهجه يبعث إلى الفلسطينيين برسالة تقول: إما الاستسلام
والركوع وإما الموت. وحين يغدو الموت هو الخيار الباقي أمام ذوي
النظرة السوية الذين يستشعرون الحد العادي من المروءة والكرامة،
فإن الاستباق إليه أولى من انتظاره. ولذلك لم استغرب الأنباء التي
ترددت عن مضاعفة أعداد المتطوعين للعمليات الاستشهادية في أعقاب
قتل الشهيد أحمد ياسين.
إنه ألغى
كل اتفاقات الحلول السلمية التي تم توقيعها مع الحكومات
"الإسرائيلية" السابقة، من أوسلو إلى خريطة الطريق. وهي الاتفاقات
التي بذل كثيرون جهداً كبيراً لفضح ثغراتها والتنديد بتحيزها لـ
"إسرائيل"، وضغطها المستمر على المقاومة لتقليص دورها وتجريدها من
سلاحها وتجفيف منابع قوتها. هذا الجدل من جانبنا حسمه شارون بضربة
واحدة، حينما لجأ إلى مشروع الحل من طرف واحد، الذي قررت "إسرائيل"
أن تفرض بالقوة الحدود التي تريدها، مما يؤدي إلى ابتلاع 48% من
أراضي الضفة الغربية دفعة واحدة.
بممارساته
تلك فإنه وحد الصف الفلسطيني إلى جانب خيار المقاومة، وأجبر
الدوائر التي انخرطت في المسيرة السياسية، وتلك التي راهنت على
الحوار مع "الإسرائيليين" على التراجع، والكف عن إطلاق دعاواهم.
وهي ذات الأجواء التي قربت المسافات بين فصائل المقاومة، الأمر
الذي تجلى في العملية النوعية الجريئة التي نفذت مؤخراً في سيناء
بالتعاون بين منظمتي حماس وفتح.
لا تنس في
هذا السياق أن شارون كان له "فضل" إطلاق الانتفاضة الثانية، التي
عرفت باسم "انتفاضة الأقصى"، إذ كانت زيارته التي اقتحم فيها
المسجد الأقصى، مع نفر من بطانته (سبتمبر 2000)، قد استفزت
المسلمين، وكانت بمثابة الشرارة التي فجرت الانتفاضة، بعدما كانت
الأمور قد هدأت نسبياً في أعقاب انتفاضة عام 87 وجاءت الانتفاضة
الثانية أعنف من الأولى التي عرفت في حينها باسم "انتفاضة
الحجارة".
لا تنس
أيضاً أن شارون وأفاعيله هي التي فضحت "إسرائيل" وكشفت عن وجهها
القبيح أمام العالم الخارجي. وحين اعتبرت شعوب أوروبا أن "إسرائيل"
هي الخطر الأكبر الذي يهدد السلام العالمي، فلم يكن ذلك نتيجة جهد
دعائي بذلناه، وإنما ذلك "إنجاز" صنعه شارون على يديه، يحسب له
ويشكر عليه.
لا
تَفُتْكَ أيضاً ملاحظة إسهامه المتميز في فضح الإدارة الأمريكية
وتسويد صفحتها. ذلك انه بابتزازه المستمر لإدارة الرئيس بوش
واستغلاله لحرج موقفها في سنة الانتخابات، وضعها في مربع التناقض
مع العالم العربي، إذ أنه بإقدامه على ارتكاب مختلف الجرائم بحق
الفلسطينيين، واضطرار الإدارة الأمريكية إلى تغطية ممارساته بذريعة
"الدفاع الشرعي" أو غير ذلك، يمعن في توريطها كاشفاً للجميع
تحيزها، عن غير قصد بطبيعة الحال. وهو ما يوفر علينا الجهد الذي
نبذله لإثبات عدم جدارة السياسة الأمريكية في المنطقة بالثقة، ورفض
التعويل عليها من أي باب.
(4)
حين ارتكب
شارون جريمته في أجواء الإعداد لعقد القمة العربية، وبعد ثلاثة
أيام من اجتماعه مع الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن، وفي
مناسبة مرور 25 عاماً على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، فإن رسالته
هنا تغدو مسكونة بإشارات عدة.
الإشارة الأولى: تعبر عن استهانته
بكل هذه الملابسات، وإبلاغ الكافة بأنها - بالذات القمة العربية -
لا تعني شيئاً عنده، فلا هي تشكل عنصر ضغط ولا مصدراً للحرج أو
إعادة الحسابات.
الإشارة الثانية: أنه بفعلته تلك كان
صريحاً في إغلاقه الباب في وجه الحديث عن مبادرات السلام عبر القمة
أو غيرها. حيث يتعذر من الناحيتين السياسية والأدبية أن يطرح العرب
أية أفكار تتعلق بالسلام، في حين أن "إسرائيل" تواصل اجتياح غزة
وتقتل شيخ المجاهدين. وتتباهى أمام الملأ بذلك، بل تذهب إلى حد
القول إن 70 قيادياً فلسطينياً مدرجون على قائمة الاغتيالات.
الإشارة الثالثة: إنه بما فعل أحرج
جميع الذين راهنوا على السلام مع "إسرائيل"، دولاً كانت أم منظمات
عربية. من ثم فلم يعد أحد مستعداً لاستمرار تلك المراهنة. وقد
لاحظنا في الآونة الأخيرة أن كثيراً ممن عملوا على تسويق مشروعات
السلام "الإسرائيلي" التزموا الصمت. بل إن منهم من اضطر إلى مهاجمة
السياسة "الإسرائيلية" ومقاطعة ما سمي بالأنشطة المشتركة مع
“الإسرائيليين”.
الإشارة الرابعة: أن شارون أراد بهذا
الإحراج المفترض أن يعمق الفجوة بين الحكومات العربية وشعوبها.
وكأنه بعث برسالة تقول: ها هي حكوماتكم عاجزة عن أن تفعل شيئاً في
الرد على "إسرائيل". كما أنها لن تكون قادرة على الدفاع عنكم ضد أي
عدوان آخر، من ثم فالمراهنة عليها مراهنة على جواد خاسر.
الإشارة الخامسة: أن شارون بما فعله
أراد أن يبلغ الفلسطينيين بأن العرب لن يفيدوهم في شيء، وسيظلون
عاجزين عن أن يمنعوا عنهم شراً أو يقدموا لهم خيراً. وبتصوير
المأزق الفلسطيني على ذلك النحو، فإنه أراد أن يشيع اليأس في
نفوسهم، أملاً في فرض الركوع والاستسلام عليهم في نهاية المطاف.
الإشارة السادسة: هي أن شارون بما
فعل أراد أن يبلغ الجميع بأنه لا مكان للمقاومة في الخرائط
الجديدة، سواء تعلقت بالشرق الأوسط بصيغته الراهنة، أو ذلك
"الكبير" الذي يصل إلى إندونيسيا.
(5)
سوف نضاعف
الشكر لشارون إذا تسلمت الأطراف العربية رسالته وردت عليها بما
تستحقه. وهو استحقاق ليس مكلفاً كما قد يبدو لأول وهلة، لأن قطع
العلاقات مع من أغلق الباب أمام أي حديث عن السلام هو في حقيقة
الأمر من قبيل تحصيل الحاصل. وبسبب من ذلك فقد استسخفت كثيراً ما
قرأته قبل أيام عن أن الإدارة الأمريكية تطلب من العرب "تجاوز"
جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، بمعنى اعتبار الحادث كأنه لم يكن.
(هل يجرؤ أحد على مطالبة واشنطن بالتجاوز عما جرى في 11 سبتمبر؟).
ولم يكن أقل من ذلك سخفاً ما نشرته الصحف في وقت لاحق عن ترتيبات
جارية الآن لعقد مؤتمر عالمي في المغرب "من اجل السلام"(!) بين
أئمة المسلمين وحاخامات اليهود، ربما من باب "العفو عما سلف"
واعتبار ما جرى كأنه لم يكن. السؤال الذي ألح عليّ بعد الذي قرأت
هو: إذا لم نتسلم رسالة الجريمة التي ارتكبها شارون ونستوعب
مضمونها الآن، فمتى يحدث ذلك إذن؟
************************
وانتقم الشيخ أحمد ياسين منهم
منير شفيق
اغتيال
الشهيد القائد الفذ الشيخ أحمد ياسين، كما تبين من ردود الفعل كان
اعتداء على شعب بأكمله وعلى العرب والمسلمين كافة، بل شعرت قطاعات
واسعة ومهمة في العالم الثالث وحتى في اوساط الشباب والطلبة والناس
العاديين في الغرب وأجزاء من مناهضي العولمة، أن الاعتداء مسها.
وذلك لما يمثله الشيخ من رمز نضالي وسمات لا يستطيع منصف او ذو
ضمير إلا ان يشعر من خلال هذا الاغتيال حتى لو كان بعيداً منه آلاف
الأميال، ومثلها من الناحية الايديولوجية، بأنه عمل ظالم موجه ضد
الشعب الفلسطيني كله بل ضد الإنسان وقيمه الحميدة.
هذا يعني
أن الشيخ ياسين رحمه الله وطيب ثراه وصدَّره بين الشهداء العظام
عبر التاريخ الاسلامي كان أكبر في نظر الأمة وفي نظر عالمنا من
تصور أشد محبيه ومقدريه ومعجبيه، فكيف بالنسبة إلى مبغضيه وقتلته
ومن دعمهم أو تواطأ معهم وحاول التخفيف من جريمتهم. فلا شك أن ردود
الفعل حتى الآن وعلى مستوى عالمي فاقت توقعاتهم ووضعتهم في مأزق
أشد من المأزق الذي دفعهم إلى اغتياله.
مثلاً لو
يجري الآن استطلاع للرأي العام في أوروبا لوصل المعدل ربما إلى
أكثر من 80% يعتبرون «إسرائيل» أخطر دولة على الأمن والسلام في
العالم مضافاً إلى ذلك الآن أكثر دولة وحشية مرتكبة جرائم في
العالم (وهي كذلك لو تابعناها منذ وعد بلفور وبدايات الهجرة لا
سيما حرب 1948/1949 وما تلا ذلك حتى اليوم).
المهم أن
الاستطلاع الأوروبي الذي أطار صواب الدولة العبرية والحركة
الصهيونية العالمية حين صوت بالمعدل 59% باعتبار «اسرائيل» أخطر
دولة على السلم والأمن في العالم، قد أشعر قادة الدولة العبرية
والحركة الصهيونية بخطر استراتيجي لأنهم يعلمون أن وجودهم وبقاءهم
ومستقبلهم مستمد من الغرب وتعاطف الرأي العام مع سياسييه. فهذه
المسألة أي تشكل رأي عام غربي ضدهم (ولا بد من أن تنتقل عدواه إلى
أمريكا لاحقاً) تشكل مقتلاً حقيقياً لمشروعهم. وهذا هو السبب الذي
جعلهم يضغطون على تحريك ساسة الدول الغربية لوضع مكافحة اللاسامية
في مقدمة مهماتهم. وبالمناسبة إن الاستفتاء المذكور شكل احراجاً
شديداً لأولئك الساسة الذين لا يجرؤ احد منهم أن يقول ما قاله
الاستطلاع. والأخطر، هذا يعني هوة بين سياساتهم والرأي العام في
بلدانهم. ومن هنا جاء التجاوب لشن تلك الحملة.
على أن
اغتيال الشيخ الشهيد الذي لم يعد قعيداً دفع الأمور إلى مستويات
أعلى ضد سمعة الدولة الاسرائيلية، وفي دعم قضية فلسطين وشعبها.
وإذا ما تأمل الإنسان بهذه النقطة فسيجد أن الشيخ ياسين انتقم
لنفسه من حيث لا يحتسبون وبأشد ما يمكن أن تفعل رصاصة أو متفجرة.
هذه واحدة.
أما
الثانية فإن الأثر الذي تركه هذا الاستشهاد الذي تحول الى بركة كان
في ما أحياه في العرب والمسلمين من روح جديدة سكنت دماء الشيخ لتشع
نوراً، وتصنع نهضة، وتضع أمة على أعتاب الوثوب إلى أمام. قد لا
تبدو هذه المسألة واضحة لأن مكانها قلوب عشرات ومئات الملايين
ووعيها، ولا تخرج إلا بعد حين من الدهر، تماماً كما يحدث في
الزراعة او تشكل الأجنة. وبهذا يكون الشيخ قد انتقم لنفسه انتقاماً
استراتيجياً أين سيكون منه أي انتقام آخر من قتلته.
والثالثة
هي فعل ذلك الاستشهاد في الشعب الفلسطيني وتحول مبادئ الشيخ ياسين
(حركة حماس) الى روح سارية في هذا الشعب ليس من زاوية الانتفاضة
والمقاومة والصمود فحسب وإنما أيضاً من زاوية الحفاظ على الوحدة
الوطنية من الفتنة أولاً وعلى تحريم حل الصراعات الداخلية من خلال
الاقتتال وإراقة الدماء ثانياً.
وبعد فمن
يتفكر في هذا لا بد من أن يشفي غليله ومن ثم فليتنافس المتنافسون
لتحقيق الأهداف والإستراتيجية التي استشهد من أجلهما وبسببهما وكان
من الفائزين.
************************
استشهاد الشيخ أحمد ياسين.. رؤية فلسطينية
بقلم: سمر البرغوثي
مدرس علوم سياسية ـ جامعة القدس
صحيفة الأهرام
1/4/2004
للحروب
تأثير مشرط الجراح, فهي تعالج, تستأصل أو تميت, ولكن أبداً
لا يعود الجسد كما كان, وللإنسان الفلسطيني الذي عاش الانتفاضة
وعايشها خصوصية معينة, يختلف في تفكيره وعلاقاته وانطباعاته عن
الآخرين خارج دائرة الاشتباك أو المواجهة. فليالي القصف العشوائي
التي عاشها, ممارسات الاحتلال عليه, والقمع والقهر أمام عيون
أطفاله والانتظار ساعات على الحواجز, العيش أياماً وشهوراً في
منع التجول القاتل, كل هذا غيره وبدله وجعله إنساناً مختلفاً,
يتفاعل مع الأمور بطريقته الخاصة, ويفهم تركيبة وعلاقات مجتمع
الانتفاضة بطريقة خاصة, لا شك أنها تختلف.
لقد صدم
الفلسطيني ابن الانتفاضة كما صدم الإنسان العربي لتلك العملية
الجبانة التي أودت بحياة الشيخ المجاهد أحمد ياسين, ولكن لم تخل
هذه الحادثة من انفعالات مختلفة أحس بها الفلسطيني بشكل خاص, لقد
اختلط لديه الشعور بالحزن والغضب والرغبة بالانتقام مع شعور الفخر
والقوة والأمل.
أما لماذا
الفخر؟ لأن الفلسطيني أحس بالندية بينه وبين "إسرائيل" إن لم يكن
قد شعر بالتفوق فبعد ثلاث سنوات من الانتفاضة, اغتيال العشرات من
القيادات العسكرية وعلى رأسهم مهندس الانتفاضة يحيى عياش,
استهداف العديد من القادة السياسيين, هدم وتجريف البنية التحتية
لمعظم غزة ومواقع أي مقاومة فلسطينية, وبعد كل هذا يتم اغتيال
الشيخ ياسين بثلاثة صواريخ جبارة, انطلقت من المقاتلة الخبيثة
الأباتشي, ويعرف كل فلسطيني في الداخل ما معنى الأباتشي, أشرف
على عملية الاغتيال الرجل الأكثر دموية في العالم, واعتبرت عملية
الاغتيال انتصاراً كبيراً لأقوى جيش في الشرق الأوسط. كل ذلك
لاغتيال شخص يكفي أن تطلق عليه رصاصة تصيبه في جزء حي من ذلك الجسد
الميت بمعظمه تقريباً. أليس هذا مدعاة للشعور بالندية بين
المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي, بعد كل هذا النزيف في
الجسد الفلسطيني يحتاج شارون لكل قوي جيشه العتيد لإثبات أنه
المنتصر في معركة انسحابه من غزة, هذا إذا تم. هذا الذي وعد
شعبه أن ينهي الانتفاضة خلال مائة يوم, بعد ثلاث سنوات ها هو
يقوم بالانسحاب من غزة ومازالت الانتفاضة متأججة.
وكيف أحس
المواطن الفلسطيني بالقوة؟ إن لفقدان الأب الروحي للانتفاضة وقع
الكارثة على الشعب الفلسطيني ولكن من لحظات كهذه تتحول الضفة
الغربية وغزة إلى كتلة واحدة متلاحمة, يلفها حزن واحد وغضب واحد
وأمل واحد, ولكن هذا يؤكد له وحدته الوطنية, وها هو يتأكد مرة
أخرى بأنه لن تكون هناك حرب أهلية بين أبناء الشعب الفلسطيني
أبداً, هو يحس ويعيش ذلك, دلالته يفهمها من خلال ممارسة حياته
اليومية في ظل الانتفاضة, ومن خلال تلاحم الشعب الفلسطيني
بالعديد من المواقف التي عايشها.
إن من يعيش
في فلسطين لا يفهم منظر الأطفال يلعبون بجوار الدبابة الإسرائيلية
على أنهم أطفال فقدوا الإحساس أو فقدوا الطفولة, أو أنهم أبطال
غير عاديين ولكنه يفهمه على أنه نوع من التعايش مع واقع الحرب,
نوع من التقبل لذلك الواقع وكأنه الطبيعي في ظل الاحتلال ليس هناك
مفر إلا التعايش برغم القتل والمعاناة والكوارث, وهذا مقتل
للوجود الإسرائيلي.
لا تعني
زغاريد أم الشهيد عند رؤية جثمان ابنها أن أمهات فلسطين لا يحببن
أبناءهن, أو يسهل عليهن موت الابن كما ادعت ملكة السويد في إحدى
المرات, لقد شاهدنا الأم تزغرد وشاهدناها تبكي وتنهار وتنزف
الدموع والحزن, ولكن بعيداً عن عيون الأعداء حتى لا يشمتوا بها
كما جرت العادة عند العرب, نعم الابن غال ولكن الوطن والأرض
أغلى. ولا يعرف هذا الشعور إلا من فقد الأرض وفقد الوطن.
إن فقدان
الفلسطيني للشعور بالخوف هو من أهم إنجازات هذه الانتفاضة, كلما
طال الاشتباك تقلص الخوف عند صاحب الحق.
لقد قالت
أم إسرائيلية فقدت ابنتها في إحدى العمليات الاستشهادية, لإحدى
الصحف لقد تركت أمريكا من أجل أن أشارك في تحقيق الحلم اليهودي,
جئت لأعيش وابني هذا الوطن وأربي أولادي, ولكن ها هو الحلم
تحقق, ها هي "إسرائيل" دولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة,
ولكن بالنتيجة أنا فقدت ابنتي, وما تهمني هذه الشوارع المنسقة,
أو هذا الوطن الجميل الذي بنيته, نعم سأترك كل هذا وأعود إلى حيث
أتيت, فهذا الحلم تحول إلى كابوس.
نعم يتأكد
للفلسطيني الذي يعيش الانتفاضة من خلال استشهاد الشيخ أحمد ياسين
كل هذا ويعيشه, ولدي استرجاع خبراته التي عاشها في ظل هذه
الانتفاضة الباسلة, لقد تأكد له أن الأمل كبير, وأنه سينال
حقوقه, حتى لو طال الصراع واستمر النزيف, وقتل القادة, فكلما
عز الثمن عز التفريط بأي شبر من أرضه الغالية, ورحم الله الشيخ
أحمد ياسين.
************************
أشلاء الجسد المشلول ترسم أسطورة المقاومة
صحيفة البيان
الإماراتية 1/4/2004
أهي أنياب
غاب متقنعة، أم أن للجريمة قوانين خاصة تحفر مسارات توحش في الآدمي
طبقاً لفكرة علم النفس البيولوجي. منذ أول حرب إبادة في تاريخ
البشر أفنت ثلثهم «مقتل هابيل» تناسلت حمى القتل وكأنها جين خاص
يورث رغم تطور مذهل حف الجهاز العصبي الإنساني نحو مزيد من
الشفافية.
سلسلة من
المجازر والجرائم الجماعية، غدت وكأنها جزء من الذاكرة، وصار مشهد
الدم والأشلاء المتناثرة اعتيادياً في الشاشات ما بين دعايتين
لمقطوعة موسيقية أو أغنية عن الحب والسلام. غير أنه في كل الأحوال
مازالت هناك حدود لطاقة تحمل الذاكرة وجوهرها المختبئ في عمق
الغموض المسمى بالضمير.
شعر الضمير
الإنساني على الدوام بالعجز والصدمة معاً أمام الجرائم المختلفة،
تلك التي تفتقد لمعايير الندية وتقاليد الفروسية، تلك التي تستبيح
ضعف الخصم الجسدي.
من من
البشر يقوى مثلاً على احتمال مشهد أشلاء طفل ممزقة؟!
هناك، على
أرض فلسطين، باتت هذه البقعة المقدسة موطناً لجرائم الصهاينة
المختلفة.
منذ ارتجت
القلوب وفاضت المآقي أمام شاشات التلفزة ترقب لحظات قتل الطفل محمد
الدرة ولفظه أنفاسه الأخيرة بين يدي والده المصاب، إلى تلك الطفلة
التي كانت محسودة لجمالها وذكائها الذي فاجأته رصاصة الصهاينة على
مقعد الدراسة في رفح، فصحت بعد معجزة على الظلام وانطفاء ذلك
البريق المومض في العينين.
منذ ذاك
وما سيأتي ورث الصهاينة بحق، جينات قابيل، ومن بعده لكل «القوابيل»
الذين أبادوا الغجر واليهود، هؤلاء الذين أصيبوا بعدوى الإجرام من
نصال ذبحت أجدادهم على يد النازي.
يوم
الاثنين، الثاني والعشرون من مارس 2004، كان علامة فارقة أخرى في
وجه الضمير الإنساني المستسلم لصفعات بني صهيون ويهوشع بن نون.
أحمد
ياسين، اسم بارز في موسوعة الإجرام الإسرائيلية، وعلم يرتفع شامخاً
في سماء فلسطين وبات بحق «شيخ الشهداء».
قبل أن
تحلق الروح بشموخ إلى العلا تحمل عذابات شعب تبلغها إلى الأبرار
والصديقين هناك في جنان الخلد، كان جسده الذاوي عنواناً للضعف
الآدمي الممتحن ببلاء الشلل التام، كان عنواناً لاحتراف البشاعة
الصهيونية استباحة الضعف البيولوجي.
اعتاد
الشيخ الشهيد، أداء صلاة الفجر في مسجد صبرة القريب من منزله في
مدينة غزة رغم يقينه بتربص وحوش الجو.
في ذلك
الفجر المر، كان كبرياء فلسطين يتجلى في تلك اللحظة، حين ردد (إنا
لله وإنا إليه راجعون) مع سماع مرافقيه هدير المروحيات القاتلة،
بفخر عانق الشهادة وكأن قامته أعلى من رعب الموت.
يؤكد
مرافقوه أن الشيخ كان حينها يعاني نوبة مرضية شديدة وفي ذراعه حقنة
طبية وأنبوب لتعويض نقص الأوكسجين في جسمه الضامر والذي انتثر
وصايا شرف وحرية.
لو كان
للحديد عصب لاستحى لذلك المشهد.
بعض من
دماغ الشيخ خارج الجمجمة، الجسد ممزق تماماً، لون الاحتراق، وغبار
الأرض الطاهرة.. كل ذلك لم يخف ابتسامة رضا أذهلت عدسات المصورين.
عاد الطيار
إلى قاعدته فمنزله، لم يحس بتأنيب ولا أي وخز، بعد إطلاق صاروخ على
عجوز مشلول الجسد تماماً وفاقد البصر في إحدى العينين ولا يكاد
يسمع حتى صوت اقتراب النهاية، لم يشعر بشيء مطلقاً، وحين حاولت
طفلته احتضانه حتماً لم تستطع معانقة صندوق من حديد فارغ سوى من
وصايا القتل.
ليست صورة
بلاغية، لأنه حكماً شاهد تفاصيل جريمته على الشاشات، ولم ينتحر.
طيلة
سنوات، عذب الصهاينة شيخ الشهداء في أقبيتهم النازية، لم يجدوا
وقتاً ولا مكاناً في دخيلتهم لما يدعى الإنسانية، رغم التقارير
الطبية التي تؤكد عن توقف الحركة تماماً في جسد الشيخ سوى تلك
الإرادة التي استوطنت الجمجمة وفاضت عزيمة إلى كل فلسطين.
كعادتهم
يواصل الفلسطينيون ملحمتهم البطولية، ويتناسلون يعنونون مواليدهم
بأسماء الشهداء، ويطرزون أرضهم منذ التاريخ بشقائق النعمان، بعد
ساعات فقط من وداع ياسين، استقبلوا عشرة «أحمد ياسين» يطلون عليهم
من أرحام المجد.
عشرات
الأطفال يؤمون يومياً قبر شيخ الشهداء، يزينونه بالورود، ويكتبون
على قلوبهم وصاياه، فأي جيل صنعته صواريخ الاغتيال الإسرائيلية.
رضيع خلف
قضبان سجن والدته ابتدأ المقاومة حين ارتضى خرقة مبلولة بالشاي
بديلاً للرضاعة.
أم رافقت
ولديها تدريباً وتعبئة إلى حدود الشهادة، أرسلتهم إلى ربهم باسمين
وعادت لتبحث في رحمها عن آخرين. شاب قبل طفلته وقال لزوجته مودعاً
«نلتقي في الجنة».. وانفجر..
كلهم بروح
أحمد ياسين الشائمة وبجسد هزم حدود طاقة البيولوجيا.
شعب، انسحب
التاريخ إلى الهوامش أمام صفحات عظمته، وصارت الجغرافيا كلها تحلم
ببقعة ضوء اسمها فلسطين.
************************
يـــوم العـــار
د. حسن حنفي
صحيفة الاتحاد
الإماراتية 3/4/2004
واستيقظت
فلسطين، ونهض العرب، وقام المسلمون فجر الاثنين 22 مارس 2004 على
نبأ اغتيال الشهيد الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، بعد عام من
العدوان الأميركي على العراق. وقد سقط أول صاروخ على بغداد قبل ذلك
بيومين. الصاروخ الأول أميركي، والصواريخ الثلاثة الثانية التي
انطلقت على الشهيد ورفاقه التسعة إسرائيلية التوجيه أميركية الصنع.
فأميركا تمثل بالأوطان، و"إسرائيل" تغتال الرجال. وأضيفت أحزان إلى
أحزان. ولم يكد العرب يفيقون من هواجس الذكريات الأولى للعدوان على
العراق حتى انتابتهم أهوال ما يشاهدون من اغتيال الشهيد. وأضيفت
إلى أشجان الماضي القريب أحزان الحاضر الأليم.
والرمز أهم
من السلطة. واغتيال الرمز هو اغتيال المعنى. واغتيال المعنى هو
نهاية كل شيء. فالشهيد شيخ قعيد. ضعف جسده في قوة روحه. أَسَرَتـْه
"إسرائيل" كرمز ثم أفرجت عنه تكفيراً عن ذنبها في محاولة اغتيال
خالد مشعل بدس السم في أذنه وإنقاذه بالمصل بعد تدخل ملك الأردن
السابق. ورئيس المكتب السياسي أصبح رئيساً لحماس. والشهيد، قائد
حماس في قطاع غزة أصبح هو قائد المقاومة الفلسطينية كلها، يطل
عليها من وراء السحب، ويدفعها إلى مزيد من المقاومة. فالروح لم
تضعف بضعف الجسد، ولم تنتهِ بنهايته. صوته الضعيف المبحوح يتضمن
أمراً، وجسده المشلول على الكرسي المتحرك يحمل هذا الأمر إلى كل
المناضلين في العالم، داخل فلسطين وخارجها. نال احترام الجميع،
خصومه قبل أنصاره، أعدائه قبل أصدقائه، داخل الحركة الإسلامية
وخارجها. طلب الشهادة ونالها. وكانت أقصى أمانيه أن يرضى الله عنه.
وقد رضي الله عنه ورضى الناس (رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن
خشي ربه).
هي رسالة
موجهة لكل القادة والزعماء والرؤساء. الكل سيلقى نفس المصير. لو
تجرأ أحدهم على النيل من الكيان الصهيوني حتى ولو بالقول الذي لا
يصحبه فعل، وبالبيان الذي هو أضعف الإيمان. وكما قذف الكيان
الصهيوني بالمبادرة العربية بعد قمة بيروت في وجه الرؤساء العرب،
ورفض الاعتراف الكامل والتطبيع الكامل وهو ما كان يتمناه ويطلبه في
مقابل الانسحاب الكامل وهو ما رفضه دائماً. فما أخذته "إسرائيل" من
يهوذا والسامرة لا يرجع إلى شعب فلسطين. والسرطان الصهيوني لا
يتراجع عن أرض استولى عليها ولا ينحسر عن مكان انتشر فيه.
لقد كان
الاغتيال انتهاكا لكل القيم الأخلاقية والمواثيق الدولية والأعراف
الإنسانية. لم يكن الشهيد مسلحاً بل كان أعزل. وقتل المدني غير
المسلح في أعراف الحرب بأعتى الأسلحة مثل الصواريخ المنطلقة من
الطائرات جريمة ضد الإنسانية. وتحول كرسي القعيد إلى رمز للمقاومة
كما تحول محمد الدرة قبل ذلك، استشهاد طفل في حضن أبيه رمزاً
للشهادة. الشيخ تبع الطفل، والطفل سبق الشيخ، وكلاهما شهيد، وكل
الناس من كل الأعمار شهداء. وقد تم ذلك وهو خارج من المسجد بعد
صلاة الفجر.
ومن قرر
عملية الاغتيال وأشرف عليها؟ هو رئيس وزراء دولة، مجرم حرب سابق في
مذابح صبرا وشاتيلا. دولة عصابة، ورئيس وزرائها رئيس عصابة. تعودت
يده منذ أن كان في العصابات الأولى في 1948 حتى اغتيال الشيخ على
سفك الدماء (قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) واستقبل بالتصفيق من
أعضاء حكومته استحساناًَ لما صنع. قاتل يمدحه القتلة. وليس ببعيد
على قتلة الأنبياء اغتيال الشهداء. وفرق بين حجة الدفاع عن
"إسرائيل" والدفاع عن احتلال "إسرائيل" لأراضي الغير. وقد أوصى
الشهيد بعدم القيام بالعمليات الاستشهادية وراء الخط الأخضر
"فلسطين 1948"، إنما فقط في الأراضي المحتلة منذ 1967. كما أوصى
بعدم التضحية بالمدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ مع أن
أطفال "إسرائيل" هم جنود المستقبل، يربون على أن الفلسطينيين هم
الأعداء الذين اغتصبوا أرض يهوذا والسامرة. والنساء في "إسرائيل"
جنود في الخدمة العسكرية مع الرجال. والشيوخ يعملون في الخطوط
الخلفية ويقومون بالأعمال المدنية العسكرية بعد تجنيد الشباب
الاحتياطي وقت الحرب. ففي الكيان الصهيوني لا فرق بين جيش وشعب.
الكل في خدمة جيش الدفاع.
وفي الوقت
نفسه الذي يُعلن فيه عن خطة الانسحاب من غزة من طرف واحد يخطط
لتدمير غزة قبل الانسحاب، قادة وفصائل، ومدناً وقرى، منازل ومخيمات
كما فعلت فرنسا حين دكت دمشق قبل الرحيل، بمنطق شمشون "عليّ وعلى
أعدائي يا رب". وفي الوقت نفسه، يتم توحيد اليمين الذي مازال بعض
أجنحته يعارض الانسحاب من أي شبر من فلسطين، أرض الآباء والأجداد،
أرض الميعاد. هو مجرد توزيع أدوار بين يمين معتدل ويمين متطرف، بين
رفض للانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها باستثناء الحدود مع مصر،
والحدود مع الضفة وبين إعلان للانسحاب النظري لخداع الرأي العام
والهدف هو تدمير القطاع وتصفية قادته.
والحقيقة
أنه بعملية الاغتيال انتهت عملية المفاوضات، وتبدد وهم السلام. قد
تكون شهادة الشيخ بداية عمل وطني فلسطيني عربي إسلامي جديد، يغير
مسار التاريخ، ويقضي على حالة البلبلة والتردد بين وهم السلام
وضرورة المقاومة. ولا يوجد من أعطى الاحتلال فرصة للسلام قدر ما
أعطته السلطة الوطنية الفلسطينية حتى ولو خسرت شعبيتها لصالح
المقاومة، والمبادرات العربية حتى ولو تم رفضها بالرغم من إعطائها
للكيان الصهيوني ما طالب به دائماً من اعتراف وصلح ومفاوضة ضد
لاءات العرب الثلاثة بعد يونيو 1967، والجهود المصرية بالرغم من
ضعف نتائجها، وعدم حماس الكيان الصهيوني لها، وتردد فصائل المقاومة
في السير فيها للمعرفة المسبقة بنتائجها. فالكيان الصهيوني لا يريد
إلا الاستسلام الكامل للمقاومة الفلسطينية، وابتلاع كل فلسطين في
فرصة تاريخية قد لا تتكرر كما تكررت في 1967 كما بدأ في 1948، ضعف
العرب، وتفتتهم، وتبعية قادتهم، وعجز شعوبهم. فقد دخل العرب بقيادة
مصر الحرب أربع مرات في 1948 ثم في 1956 ثم في 1967 ثم في 1973
ومازال جرح الهزائم غائراً لم يندمل. ولم تشفه حرب أكتوبر 1973
التي أعادت الثقة للعرب في إمكانية النصر وإن لم تعد لهم كل
الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان.
لقد وحّدت
شهادة الشيخ أولاً فصائل المقاومة الفلسطينية، ومنعت من أي
احتمالات للصدام بينها في غزة أو في باقي الأراضي الفلسطينية.
وأدركت أنه لا فرق بين حماس والجهاد وفتح في ضرورة النضال حتى
الاستقلال. وتبدد الخوف من حدوث صدام بين فصائل المقاومة تكون
فلسطين فيه هي الخاسر، والكيان الصهيوني هو الكاسب. ودم المسلم على
المسلم حرام.
كما وحّدت
الشهادة ثانياً بين فصائل المقاومة والسلطة الوطنية الفلسطينية.
فكلاهما هدف للعدو الصهيوني، من رفض الاستسلام ومن قبل السلام، من
يعرف منطق العدو ولا يستسلم له، ومن يأخذ بعين الحسبان الموقف
العربي والموقف الدولي. وإذا تم اغتيال الشهيد اليوم رمزاً
للمقاومة فإن الدور قادم على رمز السلام أو رئيس السلطة الوطنية
الفلسطينية حتى ينتهي الخياران، خيار المقاومة وخيار السلام، الرمح
والدرع، الهجوم والدفاع.
ووحّدت
الشهادة ثالثاً النضال الفلسطيني والنضال العربي على مستوى
الجماهير العربية بعد أن تساءل الجميع: أين الشارع العربي؟ واندلعت
المظاهرات في مصر والأردن تطالب بقطع العلاقات وإلغاء المعاهدات مع
الكيان الصهيوني، وفي المغرب واليمن والعراق والبحرين تأييداً
للمقاومة الفلسطينية. وسبقت إدانة الجماهير إدانة الأنظمة العربية
المعاصرة بين قوى الداخل والتبعية للخارج.
ووحدت
الشهادة رابعاً القوى الفلسطينية والعربية مع القوى الإسلامية. فقد
قامت المظاهرات في باكستان تعلن استنكارها لاغتيال الشهيد. وتبين
أن الشارع الإسلامي هو ظهير الشارع العربي، وأن المقاومة الإسلامية
في كل مكان سند للمقاومة الفلسطينية والعربية. ومازالت الجماهير في
الهند وماليزيا وأندونيسيا وأواسط آسيا وإيران وتركيا لم تتحرك.
موعدها في القدس لو ناله مكروه. والمخطط الصهيوني له قائم، هدم
الأقصى وبناء الهيكل. ويكفي المسلمين الكعبة قبلتهم دون أولى
القبلتين وثالث الحرمين.
لقد تحرك
الشارع العربي من أجل فلسطين بعد أن تحرك من أجل العراق، إجابة
عملية على سؤال: أين العرب؟ ومازالت الجماهير العربية في الشوارع
تطالب باستمرار المقاومة كخيار رئيسي في مواجهة العدوان والاحتلال
والاغتيال والتصفية الجسدية. وانغرست القضية في الأعماق، بعد طعن
الكرامة الوطنية. وثأر الكرامة يضاف إلى ثأر الوطن. فاغتيال الشهيد
طعنة في قلب كل عربي. لقد أولت الجماهير من قبل عبدالناصر القضية
لأنها كانت في يد أمينة. والآن استردت القضية بعد أن تخلت الأيادي
عن الأمانة. فالعدو الصهيوني شعب ونظام. والعرب شعوب بلا نظم.
وعادت
المقاومة كخيار وحيد بعد أن تبددت أوهام السلام. فلا يفل الحديد
إلا الحديد. (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله). و"قتلانا في
الجنة، وقتلاهم في النار. قرحنا استجابة لله والرسول" (الذين
استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح). وقرحهم جزاء
للعدوان والاغتيال.
وتخلص
الجميع من الحيرة المزدوجة بين السلام والمقاومة. فقد ظهرت استحالة
السلام مع عدو لا يبغي إلا الحرب. ويريد الاستيلاء على كل فلسطين،
فلسطين 1948 وفلسطين 1967. ابتلع النصف الأول في تسعة عشر عاماً،
والنصف الثاني بعد سبعة وثلاثين عاماً. فلم يعد هناك شيء للتفاوض
عليه. والترحيل إلى شرق الأردن وارد لمن أراد الرحيل. فالأردن هي
فلسطين، وفلسطين هي الأردن. ومن تشبث بالأرض فعليه أن يعيش كما
يعيش عرب فلسطين في 1948، ينعمون بالمواطنة الإسرائيلية، ولهم حق
التمثيل في الكنيست، وحق تكوين الأحزاب السياسية. يعملون ضد
البطالة، ويأمنون ضد الاغتيال أو الطرد.
وبعد
فلسطين، يأتي الدور على لبنان وسوريا والعراق والأردن ومصر. ويتحقق
شعار من النيل إلى الفرات، مشروع (إسرائيل الكبرى)، الراكض وراء
أميركا الكبرى. والثمن دم الشهيد. والعزاء نضال الأبطال.
************************
الشهيد الشيخ أحمد ياسين ومشروعه للنصر العربي
الإسلامي
د. عبدالعزيز المقالح: كاتب وشاعر يمني
صحيفة الراية
القطرية 3/4/2004
عندما يصل
الهلع لدى كيان من الكيانات الدولية - والمصطنعة منها بخاصة- إلى
ذروته، فلا يتوقع العقلاء من الناس أن تبقى لدى هذا الكيان المرعوب
ذرة من عقل، أو بقية من منطق يحسب بهما ما سيقوم به من أفعال
تتصادم مع القيم، والأخلاق والأعراف والقوانين الدولية. والنموذج
الصارخ على أن هذا الكيان الصهيوني بكل مكونات الهلع التي قام
عليها وتأسس في مناخها أصبح كل شيء بالنسبة له مباح، وكل من على
وجه الأرض من البشر عدو لدود، ينبغي الخلاص منه بأية وسيلة ممكنة
دون اهتمام بالعواقب، وردود الأفعال التي قد تنتج عن أعماله
الجنونية تلك التي أصبحت التعبير الحقيقي لمشاعر الهلع التاريخي
والشعور بالخوف من كل شيء، وأحياناً من اللا شيء.
والخطورة
والخطر الاعظم المترتب على وجود مثل هذه الكيانات المرعوبة،
الناتجة عن الهلع التاريخي هو أن تمتلك قوة طاغية تمكنها من ممارسة
التعبير عن مخاوفها ضد الآخرين الذين هم بالنسبة لها، ومن حيث
المبدأ، أعداء محتملين إن لم يكونوا- وفقاً لتصورها الموهوم- أعداء
حقيقيين، وهذا هو الوضع الذي وصل إليه الكيان الصهيوني، بما امتلكه
-بمساعدة الإدارة الأمريكية وآخرين- من قوة قادرة على تهديد العالم
بأكمله، وليس الوطن العربي ومحيطه الواسع المسمى بـ(الشرق الأوسط
الكبير). ولهذا، لم يكن غريباً ولا خارجاً عن سياق هذا الكيان
العدواني وخصائصه التركيبية، أن يستبيح دم شيخ جليل مقعد يسير بين
الناس على كرسي متحرك، ويذهب من منزله، خمس مرات في اليوم إلى أقرب
مسجد، ليؤدي صلواته الخمس من دون أن يتسرب الخوف إلى نفسه
المطمئنة، أو يشعر قلبه المعمور بالإيمان بأدنى معنى للقلق.
ويبدو أنه لن
يغير من شعور القتلة وهلعهم التاريخي من كل شيء، موقف العالم من
الجريمة الشنيعة التي ذهب ضحيتها الشيخ الجليل المقعد، واعتبارها
جريمة لا مبرر لها، وتعبيراً واضحاً عن إرهاب دولة من طراز حقير،
لا تقيم وزناً لكل ما تعارف عليه البشر -حتى في الغابات وقبل أن
يتحضروا، وتسوي الأديان السماوية سلوكهم- والمثير للدهشة بل للتقزز
والاشمئزاز أن تتحول هذه الجريمة الشنعاء، في قاموس الإرهاب
الصهيوني، إلى انتصار كبير استحق عليه المجرمون التهنئة، وربما
الأوسمة من الدرجة الأولى وياله من انتصار!! أن تضرب الصواريخ
المعدة للتصدى للدبابات جسد شيخ مقعد في مقدور طفل أن ينتزع حياته
بسهولة في أي وقت، وفي أي مكان أو زمان.
لقد أسعدني
الحظ فتعرفت على الشيخ أحمد ياسين عن قرب في أثناء زيارته لصنعاء،
وحضوره المهرجان الكبير الذي أقامته -احتفالاً به- جامعة صنعاء،
وطلاب فلسطين الدارسين في الجامعة. رأيته إنساناً خارق التوهج،
معجزة يتحرك على كرسي من الحديد، رأسه هو الجزء الوحيد الذي لم
يتسلل إليه الشلل. لسانه عيناه، عقله المتوقد الذكاء، هو كل ما
تبقى له، وهو كثير وكثير.. كان حديثه إلى الطلاب والطالبات يتركز
حول التوجه إلى العلم، والاندفاع إلى تحصيل المعرفة في أحدث
مستوياتها، فقد كان يرى أن التعليم وامتلاك التقنيات الحديثة في
صدارة اهتمام الشعوب الباحثة عن الحرية والتقدم.
وعندما
التقينا به بعيداً عن الحشود الطلابية تطرق إلى الحديث عن أوضاع
القضية الرئيسية، قضية فلسطين، وكان الخلاف- يومئذ- مشتعلاً بين
فصائل المقاومة الفلسطينية، قال لنا ما معناه: إن مشروعه الفكري
والسياسي والوطني يقوم على ثلاث ركائز هي:
أولاً: تحرير
فلسطين من الاحتلال الصهيوني.
ثانياً: أن لا
يقتل الفلسطيني أخاه الفلسطيني.
وأخيراً: أن
لا يقتل العربي العربي أو المسلم المسلم.
وأضاف: أن ذلك
الاقتتال لو حدث- لا سمح الله- فسيكون بمثابة حرب نقوم بها نحن
بالنيابة عن الصهيونية، وغيرها من الأعداء الذين يراهنون على مجازر
فلسطينية- فلسطينية وعربية عربية، وإسلامية إسلامية. وتكون بذلك
الكارثة والخسران المبين.
سلام الله
عليه حياً وشهيداً وفي جنات النعيم.
تأملات شعرية:
هكذا.. هم
يغيبون،
ينحدرون
اذا اشتاقت
الارض
للدم،
للثأر من زمن
الغاصبين!
أيها الاقربون
الأشقاء
ماذا فعلتم
بيوسفكم
مزقته
صواريخهم
تحت مرأى
الشعوب
وفي غفلة
الحاكمين؟!
************************
في ذكراك يا شيخ الشهداء
ندعو الله بما دعوت
الدكتور محمد عبد الله الجعيدي
أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة
مدريد
الإمام الفقيه
والقائد النزيه أبو محمد أحمد بن اسماعيل الياسين الجوراني
الفلسطيني الموحِّد، المرتقي إلى العُلى، بعد أدائه صلاة فجر يوم
الاثنين، الثامن والعشرين من محرم الحرام، سنة 1425 للهجرة/ 22- 3-
2004م. يا طليق النفس والروح والإرادة؛ ويا رهينُ المحابس؛ محبس علّة
الجسد، ومحبس الاحتلال علّة
الوطن، ومحبس تشريد شعبك وأوجاعه.
أنت الأحمد
التابع مُصلِحاً وداعيةً،
وإسماعيل الابن
تضحية وعطاءً، والياسين حاضن الذكر الحكيم.
أيها الشيخ
الجليل. كان مولدك بشرى،
حملَتها
إلينا
انتفاضةٌُ على الانتداب
الصهيوفرنجي، اشرأبت مقاومةً،
بعز الدين قسَّاماً.
واليوم، تقف انتفاضة الأقصى،
بلحم شعبها حياً،
تذود عن الأرض والعرض وعن العقيدة والأمة وعن البقاء،
بك أحمداً
وياسيناً.
يا حمزة
هذا الزمان الفلسطيني وحُسينه،
بيد يهودا الخائن،
قتلتك الأنظمة الرسمية القائمة على المحسوبية والزبائنية والتبعية
والرذيلة. قايض الطواغيتُ دمَك، مع
العدو
المتجبّر وراعيه المستكبر، بتفويض جديد
للبقاء في كراسٍ متهافتة
ذليلةٍ، فما أغنى عنهم غدرهم بك وبشعبك
وبقضيتك، وما كسبوا بضلالهم وخطاياهم
تزلفاً للمفسدين في الأرض،
أعداء الله والإنسان والأوطان.
يا ابن طه،
بكل ما أصابه
من غدر حاملي
أيديوليوجية القتل اليهودية.
أيها المؤمن بالمسيح
نبياً ورسولا،
وشاهداً على جرائم حاملي أيديولوجية التلمود
وغدرهم. هذي فلسطينُك،
هذي مريم الطهور،
في هذا الزمن تحتضنك، وتحتضن كرسيك،
والقاتل هو القاتل وإن
اختلف عرقُه
وموطنه،
فالقصد واحد والخطيئة واحدة والجريمة متناسخة.
كنتَ،
أبا ذر، على
ذلك الكرسي،
بالعيون ننظر إليك،
بينما راحت
القلوب والأذهان والذاكرة،
تحلّق في
أفق كل قرية وكل مدينة وكل مسجد وكل
كنيسة تحتضنها أرض الوطن، حيث كنت في كل واحد من هذه الأمكنة
حاضراً،
روحاً وسيرةً، ورمزاً وقدوةً،
بينما العين المجردة ترنو
إليك وتعانقك،
على كرسيك المتواضع،
عند باب تلك الردهة التي كانت تحتضن مؤتمرنا
العلمي العالمي الأول، في جامعة غزة
الإسلامية.
فيا ابن
جورة عسقلان وأقنوم
هذا الزمان،
ويا ابن غزة هاشم وخليل
الرحمن، ويا
ابن القدس وبيسان،
أنت العلامة البارزة في تاريخنا
الفلسطيني المقاوم،
وأنت الشاهد الأبرز على حقيقة أنْ ما ضاع حقٌ وراءَه
مطالب.
فقد أدركت
مبكراً، بحسَّك الإنساني وجرحك الفلسطيني، وقد أنضجتهما سنواتُ
النفي والاغتصاب، أنَّ الأيديولوجية الصهيوفرنجية قد حكمت على
العرب، مسلمين وغير مسلمين، وعلى المسلمين، عرباً وغير عرب حكماً
بالإبادة، لا سبيل لاستئنافه، في عالم متسافل، لا قيمَ فيه ولا
موازين ولا ضوابط، إلاَّ بالمقاومة، بكل أشكالها، على قاعدة أنَّ
هذا النوع من الدفاع عن النفس مستمر ما دام العدوان قائماً على أرض
الإسراء والمعراج، ليدرك الغاصبون المغيرون، على بلادنا، من أنتن
الأوكار، خلف البحار، أنَّ الصهيوفرنجية أو الردة المسيحية التي
لفظتهم، ثم مكّنتهم من اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، لن تستطيع،
وإنْ جهدت، توفير الأمنَ لهم، في ديارنا.
يا
أخا القسَامِ
إعزازاً للعقيدة
وافتداءً
لفلسطين. يا
أحمد الياسينً. في قمم الأعراب، ضعفت
النفوس، فثقلت عليها المكوس؛ وفي غزة ومزارع شبعا والفالوجة
اشرأبَّت، بنصر الله وبك، العزيمة، فولّى شبح الخنوع والهزيمة.
يا أبا
محمد، أنت
الحي بيننا وفينا،
وأنت
الحي بين أموات زماننا الأحياء،
فما قتلوك بصواريخهم،
وما مزّقوا جسدك الطاهر ببراثنهم
وأنيابهم
الخبيثة،
ولكنْ شُبِّهتَ
لهم وهم، من عمى البصيرة والحقد،
لا يعلمون.
يا ثالثَ
العُمَرَين
عدلاً وزهداً، وتواضعاً
وتسامحاً، كانت حياتك، كما استشهادك،
فضلاً من الله علينا ونعمة، فابتهلنا إليه أن نكون من المحشورين
معك، نجاةً بالنفس من مهالك ليالي غزة وكازينو أريحا وأوزار
مقيميها ومالكيها ومرتاديها، ممن تنصبوا فهادوا وحاق الحق في
صدورهم وفسُد الدم في عروقهم، وارتشوا ففسقوا وفرطوا وطغوا
وتجبروا، وأصبحوا عيناً وسُمّاً للعدو على مجاهدينا وعلينا، وعبئاً
يثقل كاهل شعبنا وينتهك حرماتنا، ويقتل قضيتنا، ويمكّن الغاصبين من
حقنا ومنا.
إن مَنْ
تنادوا من الأعراب إلى منتجع الشرم سنة 1996 وتدافعوا، للتباكي على
يهود الخزر، وإدانة دفاع المقاومة الفلسطينية عن شعبها، بما في
اليد من حيلة وحجر، قد تخاذلوا، قُبيل انعقاد قمة تونس الموءودة عن
مجرد نصرة شعبك، واستنكار جريمة الغدر الصهيوفرنجي بجسدك.
فمنهم،
قُبَيل المكيدة وبُعيدها، من جدد، بالوراثة، العهد لتشرشل، منادماً
شارون القاتل في مزرعته، بِنَقَبِنا المغصوب، ومُثمَلاً بأنخاب
الجريمة معه. ومنهم من نادم سفيره، وعقر له على ضفاف النيل بعيره.
ومنهم من يمم الوجهَ نحو البيت الأبيض، حمَّال مذلة هبَّاط عزيمة،
للأهل خوانُ. ومنهم من تواطأ في تحضير مشروع مكيدة، يحمل بصمات
أعراب أُسلو الغبية وأختامهم الكريهة، للرد على جريمة اغتيالك
بإدانة مقاومة شعبنا المشروعة ضد الاحتلال، وتجريدها من أقوى
أسلحتها إنسانية وفعاليةًً، في ردعه، ورده عن جرائمه وشروره
المتطايرة.
كانت
المهمة الموكلة إسرائيلياً وأمريكياً، إلى أولئك الأعراب،
والمرتدين منهم في أُسلو بخاصة، حمايةُ الكيان الغاصب من المقاومة
الشعبية الفلسطينية، وتوفير هروب آمن، لشارون ومستعمريه وعسكرييه
القتلة، من قطاعنا الصابر، لا يجرح غروره الصهيوني، المستهتر بدمنا
وحقوقنا، وقيمنا ومقامنا.
على تراب
جورة عسقلان، يا فارس المكان،
درجت خطواتك الأولى،
وفي ذلك السجد
العُمري،
على أطرافها، قد تكون،
أيها الشيخ المهيب، قد أديتَ
أولى صلواتك، خلف مشهد الحسين، على جده
وعليه أطيب
السلام،
حيث ثوى رأسه
الشريف
قبل نقله، في سنة 549هج/ 1153م،
إلى القاهرة، حاضرة الصلاحَين
الصالحَين، مُجترِحَيّ النصر لأمتنا وعقيدتنا، على الفرنجة
الغاصبين، في حطين وعكا، على أرض فلسطين.
كنتَ
في ذلك المزار الطهور تسبّح
بحمد الله، وترفع الرأس شاكراً حامداً متضرعاً،
بين يديه، إلى شهادة كشهادة صاحب
المزار. وها
أنت، يا أبا محمد،
قد نلتها في أسمى معانيها،
فهنيئاً لك بها،
وهنيئاً لشعبنا الفلسطيني،
ولأمتنا ولفلسطيننا، بك وبشهادتك.
سجَّل
التاريخُ أن القائد الاستشهادي المعروف
بالكامل،
صاحب ميافارين الذي قاوم الغزاة التتار،
على أبواب فلسطين، حتى الشهادة،
فجزّوا عنقه،
إلا أن المسلمين تمكنوا من استخلاص الرأس ودفنوه في المشهد المذكور.
فهل كان هذا الدرس أيضاً
من حصيلة ذكريات الطفولة في ذهنك،
يا شيخنا، وأنت الأقرب إلى المكان
وابنُه؟!
يا توأم
الأحمدين، أمام صمود عكا، وتحت أسوارها، هُزِم نابليون الفرنجي
ودفن أحلامه، عائداً من حيث أتى، لا يلوي على شيء؛ وها هو شارون
اليهودي، أمام مقاومة غزة، وفي سوافيها الرملية، يدفن أحلامه،
وسيعود، بعون الله وسواعد المقاومة، من حيث أتى، لا يلوي على شيء.
فهذه فلسطيننا الكنعانية العُمَرية رقم صعب، في حساب الحق والهوية،
لا تقبل القسمة على سوانا.
من
الجورة، مسقط رأسك،
في حزيران 1936،
إلى مثواك الأخير في غزة هاشم والإمام الشافعي، فالمسافة ليست
بعيدة، ولا الزمن بحساب الشعوب والتاريخ طويلٌ؛
فرأس الحسين قُطع،
عن جسده، في
كربلاء، وحُمِل
إلى مزار الجورة،
ورأس الكامل جُزَّ
في خطوط المواجهة مع التتار في أكناف فلسطين
ونُقل إلى المزار عينه، ورأسك أنت،
يا ابن الجورة، قطعَته،
غدراً وخِسّةً، ثلاثةُ
صواريخ فرنجية تلمودية
جبانة على أبواب مسجد غزي،
سيحمله قريباً أبناءُ
غزة وحيفا، والناصرة ويافا، تحت رايات
الانتفاضة، إلى ذلك المزار الشريف،
جنوب شرقي الجورة، ونعود
جميعاً، نحن المثقلين بعبءٍ، كنتَ
تحمله، أنت المحمول، من قبلُ ومن بعدُ، في قلوبنا وأرواحنا،
فنصلي هناك صلواتك الأولى،
في المكان نفسه،
وإن اختلف الزمان قليلا، نقف ونركع،
ونسجد ونرفع، وندعو الله بما دعوت، إنه السميع المجيب.
************************
ما هي إضافة الشيخ أحمد ياسين في سياق
حركة التحرر الفلسطيني والإسلامي؟
راشد الغنوشي
كثيرا ما
كانت مراحل محددة من التاريخ تلخصها أسماء رجال، أو نساء، كانوا في
الآن نفسه ثمرة تفاعل جملة من التحولات المحلية والدولية كما كانوا
صانعين وموجهين لها.
إن قيمتهم
إنما تتحد بالقياس إلى عمق واتساع التحولات والإنجازات التي
خلّفوها وراءهم بعد ترجّلهم عن المواقع القيادية التي كانوا من
خلالها يديرون من عجلة التاريخ، توظيفا عبقريا لما هو متاح لهم من
أدوات ومعطيات قد تكون بسيطة جدا ولكنهم توفقوا إلى أن يستخرجوا
منها إنتاجا ضخما ويحدثوا من خلالها انعطافات مهمة في التاريخ. ولم
يخطئ من لخص عبقرية شيخ الانتفاضة والمقاومة أنه توفق إلى أن يجعل
من الضعف قوة ومن العجز قدرة.
إن الروح
التي تضج في كيان الطفل الفلسطيني وهو يلاحق دبابة بحجارته الصغيرة
هي صورة أخرى للكرسي المتحرك الحامل لجسد مشلول هو مجرد إهاب
لشخصية رجل عظيم بروح فياضة وعقل كبير وعزم حديد وخلق رفيع وحكمة
ثرّة ذلك هو شيخ الانتفاضة الصورة المجسمة لحال شعب فلسطين في ضعفه
وقوته بل حال قوى المقاومة في الأمة في صمودها أمام غطرسة القوة
والسلاح والمال، ذلك هو الشيخ الذي كثيرا ما وصف بالقعيد والمشلول
مع أنه حول ضعفه وضعف شعبه قوة وجعله نهجا هدية للامة وللأمم
المستضعفة أن لا تركن لمنطق ميزان القوة المادي فالحرب عزائم قبل
كل شيء صراع إرادات وعزائم ثم يأتي السلاح. ألم يدوخ الشيخ المشلول
جنرالات الكيان الصهيوني؟ إنه قد توفق في أن يحول الضعف قوة والعجز
اقتدارا. فما هي الظروف التي جعلت من شيخ مشلول الجسم عملاق الروح
والإرادة من أبرز إن لم يكن الأبرز على الإطلاق في مسار الكفاح
الفلسطيني منذ ثلاثة أرباع قرن؟ وما هي إضافته في سياق هذا
التاريخ؟
الشيخ ياسين ابن لحركة إسلامية هي الأكبر في
المنطقة:
حركة
الإخوان المسلمين فهو قائدها في فلسطين. ومعلوم أن هذه الحركة كانت
الأشد وعيا بالمسألة الصهيونية بسبب خلفيتها الدينية، فكانت الحركة
الشعبية الوحيدة خلال الحرب ضد ولادة المشروع الصهيوني، التي تصدت
له وكبّدته خسائر فادحة ولولا خيانة الأنظمة لأجهزت عليه في المهد.
وعاد
مجاهدوها من فلسطين المحتلة لتستقبلهم المعتقلات وحفلات التعذيب
والتنكيل، ودفع قائدهم الشيخ حسن البنا حياته جزاء وفاقا لتصديه
للمشروع الصهيوني. وأسست شهادته رباطا آخر متينا بين الإخوان وقضية
فلسطين، فلم يكن عجبا أنه في محاضنها تربى أهم الشباب الذين أسسوا
منظمة "فتح" وفجروا وسط الستينيات الكفاح المسلح ضد الكيان
الصهيوني.. عرفات وأبو جهاد وأبو إياد .. بما رفع وصاية الأنظمة
العربية وتلاعبها بالقضية. غير أنه بسبب المحن الرهيبة التي سلطت
على الإخوان في ظل طغيان المد الاشتراكي العلماني في المنطقة أخذت
المنظمة تنآى بنفسها عن ثقافة النشأة وتتعلمن حرصا على الدعم
الاشتراكي السائد.
ومع أن
بلاء المنظمة كان عظيما في لملمة وحش
د الشعور
الوطني الفلسطيني وراء قضية تحرير وطنه واستلام زمامها من ردهات
السياسات العربية وتقديم تضحيات جسام في مواجهة العدو الصهيوني
المتغطرس وفي تعبئة الرأي العام العربي والدولي حول مشروع التحرير،
إلا أنه بأثر ما استجد من أحداث جسام وبالخصوص إقدام السادات قائد
دولة المواجهة الرئيسة على الصلح المنفرد مع الكيان الصهيوني ثم
سقوط المعسكر الاشتراكي وانهيار النظام العربي بعد حرب الخليج
الأولى والثانية، انكشف ظهر منظمة التحرير وتم إغواؤها بالانخراط
في الحلول الاستسلامية وبلغ الاستسلام أوجه في اتفاقات أوسلو التي
حولت المنظمة من حركة تحرير إلى سلطة مضمونها الرئيس لا يكاد يخرج
عن كونها جملة من الأجهزة الأمنية تستمد شرعيتها من قمع شعبها.
في خضم هذه
التطورات تفجر الشارع الفلسطيني منتفضا ضد الغطرسة الإسرائيلية
والاستسلام العربي.. هنا برز دور الحركة الإسلامية لرفع التحدي
ومواجهة مخططات الاستسلام فكانت الانتفاضة التي هزت بنية الكيان
الصهيوني في العمق وفشلت في لجمها كل المخططات الصهيونية رغم ما
تمتعت به وتتمتع من دعم أمريكي غير مجذوذ ولا محدود. ورغم غلبة
التخاذل والضعف على معظم الموقف العربي الرسمي، ومع تفاقم الغطرسة
الإسرائيلية وما تلقاه من دعم أمريكي مقابل الانهيارات المتتابعة
لمشاريع السلام، تزايد الالتفاف الشعبي الفلسطيني والعربي
والإسلامي بل وحتى الرأي العام التحرري حول مشروع المقاومة في
فلسطين باعتباره السبيل الوحيد للتحرير ولجم الغطرسة الصهيونية.
وبدل أن
يؤول أمر حركة المقاومة إلى العزلة أو الاختراق لصالح مشاريع
السلام، فإن الذي حدث هو السير في الاتجاه المعاكس، إذ تعززت مكانة
الحركة الإسلامية وتعزز نهج المقاومة سبيلا وحيدا للتحرير، تنامى
بسرعة اتجاه تبنيه فلسطينيا من قبل أهم الفصائل المنضوية تحت منظمة
التحرير....
كما تم
تبني هذا النهج في المقاومة واحتضانه من قبل أهم التيارات السياسية
والفكرية في المنطقة: التيار الإسلامي والقومي والوطني .. في هذا
السياق برزت قيادة الشيخ أحمد ياسين ليس فحسب زعيما لأهم منظمات
المقاومة بل زعيما فلسطينيا باعتباره رجل الوفاق والنقطة التي
تلتقي عندها كل التيارات فهو المربي بامتياز لا من خلال المسجد
وحسب - رغم ما لهذا من دور قيادي في مشروعه الإصلاحي حتى كان
المسجد آخر عهده بالدنيا وهو يغادرها، فللمسجد في فلسطين دور قيادي
يعيد للذاكرة أدواره مع أول مسجد في المدينة، وذلك قبل أن تجتاح
المساجد في أرجاء واسعة من أرض الإسلام جوائح الاستبداد والتهميش-
وإنما امتد عمله التربوي لينشئ المدارس والجامعات ومنها الجامعة
الإسلامية الشهيرة في غزة. كيف لا وهو المصلح الاجتماعي الذي امتدت
عبر أرجاء فلسطين المحتلة مؤسساته الإصلاحية التعليمية والإغاثية
التي لم تميز بين مسلم وغير مسلم.
كما امتد
عمله القضائي الصلحي في أرجاء فلسطين عبر لجان الصلح التي أسسها
للفصل بين المتخاصمين بعيدا عن ردهات المحاكم ونفقات المحامين،
فكان يتقاضى إلى تلك اللجان حتى المسيحيون لما شاع من عدلها وثقة
الناس فيها وكونها لا تبتغي غير وجه الله.
كما كان
لنهج الاعتدال الذي التزم به وأشاعه بين تلاميذه حتى تحول إلى
ثقافة سياسية لمختلف فصائل المقاومة والذي يتلخص في قاعدة شهيرة هي
حرمة الدم الفلسطيني أو الدم الفلسطيني خط أحمر، أبلغ الأثر في
الاعتصام بالوحدة الوطنية في كل الظروف ومهما كانت التحديات،
فتكسرت على صخرة هذه القاعدة العظيمة كل مخططات ورهانات الكيان
الصهيوني في الدفع الهائل صوب التحارب الفلسطيني الأهلي لكن قوة
الشيخ المشلول المعتصم بالله الواحد الأحد أحبطت كل كيدهم.
كما تجلت
واقعيته واعتداله في القبول بالمرحلية نهجا في التحرير فلم يرفض
مشروع الدولة الفلسطينية على قسم من أرض فلسطين لكنه رفض دائما
التفاوض على ذلك مع الكيان الصهيوني فذلك اختصاص السلطة. كما أنه
قبل الهدنة مع العدو بشروط لكنه ظل رافضا أي اعتراف للعدو بالسيادة
على قطعة من أرض فلسطين تاركا الباب مفتوحا أمام الأجيال القادمة
لتستكمل تحرير وطن هو قبلة المسلمين الأولى وهو ارض وقف على الأمة
ما يحل لأحد التفريط في جزء منه.
وكان من
القواعد التي التزم بها في نهج المقاومة حصر ميدان المعركة المسلحة
مع العدو في فلسطين وحدها وليس خارجها في أي مكان آخر، وهو ما مثل
معلما آخر من معالم رؤيته الاستراتيجية ونهجه الاعتدالي الذي فرض
احترامه على الجميع وضيق إلى أقصى حدود أرض المعركة معرضا عن
المراحل الطفولية التي مرت بها حركة التحرير الفلسطيني، إذ كلما
زجت بنفسها في الصراعات العربية العربية أو في الصراعات الدولية.
وتكفي نظرة
سريعة على رسالته الأخيرة لمؤتمر القمة العربي وما حملته من نصائح
وطلبات معقولة تضعهم أمام مسؤولياتهم، للوقوف على معلم آخر من
معالم الرؤية الاستراتيجية التي اختطها شيخ الشهداء وكان لها الأثر
الإيجابي على جملة مفردات العمل التحريري الفلسطيني وعلاقاته
العربية والدولية. وكل ذلك يمثل إضافات نوعية إلى كفاح شعب فلسطين
البطل من أجل تحرير قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيهم وقلب
الصراعات الدولية، أسهم بها هذا الرجل الفذ رغم ضآلة ما لديه من
إمكانات في عالم الوسائل، دالا على:
أ- أن
الشعوب كل الشعوب تملك وسائل تحررها مما يكبلها من احتلال خارجي أو
استبداد وتخلف داخليين إذا هي حررت إرادتها من العجز وصممت على
الفعل ومواجهة التحديات وبذل التضحيات. وبينما نجح شيخ مشلول لا
يكاد يتحرك من بدنه أكثر من 5 في المائة كانت في الرمق الأخير
عندما هاجمتها صواريخ شارون الأمريكية مقذوفة من طائرات أباتشي
أمريكية ومحروسة هي بدورها من طائرات "إف 16" الأمريكية، نجح في
صناعة نوع من التوازن مع ذلك الكيان الصهيوني الرهيب الذي أرعب كل
الدول العربية، فغدا العرب من خلال هذه المنظمات الشعبية يتوقعون
أمام كل عدوان صهيوني كما نجح في نقل الرعب إلى الطرف المتغطرس
وبلغ رعب الكيان المغتصب أقصاه بعد اغتيال الشيخ المشلول حتى خلت
شوارعهم من المارة وأسواقهم من المتبضعين وملاهيهم من روادها
وحافلاتهم من المسافرين حسب نقل صحفهم. أليس ذلك نوعا من توازن
الرعب؟
وهل
من تهديد لو صدر عن حاكم عربي يمكن أن يحمل على محمل الجد، بما
يؤكد أن الشلل الحقيقي ليس شلل الجسم وإنما شلل الروح والإرادة
والعزم. والمؤمن منهي عن العجز مأمور بالتمرد عليه مهما تكسرت منه
النصال وضاقت به السبل ما دام يعبد الحي القيوم، وهو الإيمان الذي
حول رجلا مشلولا كان مرشحا بنسبة 99.99 إلى حياة العالة على ذويه
وإذا به يتحول إلى قوة تحرير هائلة زرعت المقاومة في كل ارض فلسطين
وفجرتها نارا من تحت أقدام المحتل محررة من أسر الشلل والعجز
والخنوع والاستسلام للقدر الأمريكي الصهيوني طاقات شعب وأمة، بثت
فيهما وفي قطاعات واسعة من القوى التحررية في العالم آمالا عراضا
في مغالبة كل صنوف العجز والكسل والخنوع والانتصار، بينما ظل اثنان
وعشرون نظاما عربيا في حالة تشبه الشلل والعجز الكامل والارتعاب من
تهديدات الدويلة الصهيونية ومخططاتها التوسعية والعجز حتى عن حماية
حدودها من العدوان الصهيوني فضلا عن تحرير فلسطين كما تريد منها
شعوبها، وذلك رغم ضخامة جيوشها وكثرة أسلحتها معلنة بذلك عن فشل
ذريع لمشروع التحديث العربي والإسلامي الذي بدأ منذ حوالي قرنين
متلخصا في محاكاة شكلية لنمط التمدن الأوروبي بدء بتحديث أجهزة
الدولة ومركزة القوة فيها بما يؤهلها لتفكيك مؤسسات المجتمع
التقليدية حتى تظل القوة الوحيدة المنظمة في مواجهة الداخل لا
الخارج. الداخل وقد تحول إلى مزق وأشلاء يسهل على الدولة التحكم
فيها وإخضاعها لمخططات الخارج بالاستعانة به وذلك تحت غطاء كثيف من
الشعارات البراقة شعارات التحديث والتقدم بهدف تهميش الإسلام
وتفكيك المجتمع وإخضاعه وشل مقاومته.
إن فشل هذا
المشروع الفشل الذريع أفصح عن نفسه بأبلغ لغة في كل المجالات فلا
هو حقق وحدة للعرب كما فعلت الحداثة الأصلية –رغم عيوبها- ولا هي
تقدمت بالاقتصاد ولا هي حررت فلسطين ولا هي صانت الحد الأدنى من
كرامة المواطن وحرياته. وإن فشل مشروع تحرير فلسطين عبر الأنظمة
التي أنتجها هذا المنهج الأهوج للتحديث كفشله عبر منظمة التحرير
التي حلت محلها واعتمدت – في المحصلة – نفس النهج والقيم والأفكار-
وانتقال مهمة التحرير إلى حامل رئيس لها هو الحركة الإسلامية
بقيادة شيخ المجاهدين الشهداء الذي أماط الغبار عن تراث القسام
وعبد القادر الحسيني وحسن البنا ضمن منظور فكري إسلامي معتدل بعيدا
عن كل خزعبلات التكفير والتشدد منظور يقدم نفسه تواصلا مع جهود
السابقين والقائمين لا قطيعة فيه ولا احتكار مشروع يهدف إلى تحقيق
الإجماع الوطني والعربي والإسلامي والإنساني حول مهمة إنسانية كبرى
مهمة تحرير فلسطين من السرطان الصهيوني باعتبار ذلك التحرير مشروعا
حضاريا نضاليا وطنيا وعربيا وإسلاميا وإنسانيا بمنآى عن كل منزع
تحزبي أو شوفيني أو طائفي.
وباعتباره
مهمة شعبية على كل تلك المستويات قبل أن تكون حكومية ولكن المشروع
لا يسقط أي إسهام يمكن أن يسهم به نظام طوعا أو كرها في إنجاز هذه
المهمة الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية التي تبشر بعالم
جديد وعلاقات داخلية وخارجية ودولية جديدة، عالم السيادة فيه للحق
والعدل لا للقوة وللشعوب قبل الحكومات.
وإن مما
عزز أصالة هذا المشروع التحريري الشامل الذي بشر به الراحل وقام
على تنفيذه: أ- نفاد صبر العدو من تحمل اتساع تأثيره في كل
المستويات التي يفعل فيها وبالخصوص مستوى الأداء الجهادي وما مثله
من دعامة أساسية للوحدة الوطنية التي هي محط رهان العدو وبالخصوص
وقد أدى التحام هذين العنصرين إلى رفع تكاليف الاحتلال إلى مستوى
لم يعد يتحمله ما اضطره إلى الشروع في اللواذ بالفرار على غرار ما
فعل في لبنان. وإذن فما مناص من إفقاد شعب فلسطين رموز وحدته وعلى
رأسهم الشيخ أحمد ياسين بعد تصفية سلسلة من الرموز السابقين وقد
يأتي الدور على آخرين.
ب- ردود
الأفعال على اغتيال الشيخ: لقد استخدم جنرالات أحدث جيوش العالم في
اقتراف تلك الجريمة الجبانة بدل المسدسات في اغتياله أحدث قاذفات
القنابل و الصواريخ التي جعلت في الأصل لتدمير الدبابات الضخمة
يوجهونها إلى رجل مقعد مشلول محمول على كرسي متحرك فما يبقى منهما
غير المقعد المطاطي وتتطاير في الفضاء وعلى أسطح المنازل أشلاء
الرجل المقعد. إن هذا الأسلوب الذي أراح الشيخ المجاهد من معاناة
الأوجاع التي استشرفت به المنية قد حقق من ناحية أمنية غالية عليه
وكان مستشرفا للموت مرضا فكان ذلك تشريفا وتتويجا لحياة مليئة
بجلائل الأعمال ويتمناها كل مؤمن على ربه "ويتخذ منكم شهداء" أي
يختار لهذا المقام أصفى وأنقى النفوس يصطفيهم لجواره والنبيين،
"وحسن أولئك رفيقا" ولذلك كان رحمه الله يتحرى هذه الميتة فرفض كل
ضغوط أصحابه لحمله على الاختفاء بل أمضى ليلته الأخيرة في المسجد
متهجدا كلما استعاد وعيه حتى إذا أدركته صلاة الفجر وأداها وقام
بورده اليومي خرج يستقبل مبعوثي ربه وما وعد به عباده المتقين.
هنيئا
للشيخ المجاهد هذه الخاتمة. ومن ناحية أخرى قد حققت نهايته بهذه
الطريقة أهدافا مهمة جدا أعمى الحقد عنها حسابات مجرم الحرب شارون
فلم يتنبه إلى هذه الموجة العالمية من التعاطف مع الشهيد ومع
القضية، والى تفجر انتفاضة الشارع في معظم بلاد العرب حتى في
فلسطين المحتلة47 في حيفا، فضلا عن حواضر عالم الإسلام من
إندونيسيا إلى المغرب يستثنى من ذلك للأسف بعض الحواضر التي بلغ
التهديد بالقمع فيها كل متظاهر أقصاه مثل تونس. فكان الرجل مباركا
في حياته مباركا في مماته، أو قل في حياته البرزخية فلقد نهانا
الله أن نظن بالشهداء الموت فهم أحياء "عند ربهم يرزقون" وهم أحياء
من خلال دفق الحياة الذي قدمته دماؤهم لقضيتهم فهم أحياء ما دامت
القضية التي ماتوا من أجلها حية بل هي باستشهادهم ستزداد حياة.
يقول
الشهيد قطب "كل فكرة عاشت في التاريخ قد اقتاتت قلب إنسان فإذا
أردتم لأفكاركم وعقائدكم أن تعيش فموتوا في سبيلها".
ج- ومن
بركة شيخ الشهداء وحفظ الله سبحانه لجهوده وسلامة البناء الذي شيد
ونماء البذور التي زرع "وما كان ليضيع إيمانكم" السرعة والسلاسة في
انتقال القيادة التنظيمية إلى خلفائه، حتى أن كثيرا من المحبين
لهذه الحركة المباركة والمشفقين على مصيرها بعد الاختفاء المفاجئ
لمؤسسها الذي اجتمعت في إهاب بدنه الواهن شخصيات عدد هائل من
القادة ، لم يملكوا أنفسهم من البكاء وهم يستمعون لكلمات الأستاذ
خالد مشعل في اليوم الثاني للمصيبة وهو يعلن عن القيادة الجديدة
التي اختارتها للحركة المؤسسة القيادية ممثلة في شخص خالد رئيسا
وفي شخص الدكتور الرنتيسي قائدا لها في غزة وكان الدكتور رائعا وهو
يعلن تحمله لهذه المهمة الاستشهادية وعزمه عن السمع والطاعة لمشعل،
مما طمأن كل أحباء الحركة وأنصارها فازدادوا حمدا لله وثقة في
سلامة البناء الذي أرساه قائد الشهداء فلم ينفرط العقد بعده على
رفعة قامته التي قل أن يجود الزمان بمثلها.
وقل أن
اجتمعت الأمة شعوبا وحكاما على شخصية كما اجتمعت بكل تياراتها
الإسلامية والعلمانية الرسمية والشعبية على اختلافها مذهبا وأسلوبا
في العمل من أردوغان إلى ابن لادن، بل لم تكد شخصية دولية – عدا
منديلا - تحظى بإجماع عالمي واستنكار لاغتياله، ما قدم خدمة للقضية
لا تقدر بثمن، شاهدا على بركة الجهاد والاستشهاد وأنهما حياة للأمم
إذا هما وضعا في موضعهما كما تفعل جماعات المقاومة في فلسطين خلافا
للأعمال الهوجاء، فبقدر ما تسهم الأولى يوميا رفعة للإسلام بقدر ما
تعمل الأخرى خصما من رصيده وشهادة عليه.
نحن لا
نملك في الأخير إلا تأكيد: أ-رضانا بقضاء الله سبحانه وامتناننا
لفضله أن توج حياة قائد المجاهدين بنهاية رائعة فوسمه بأرفع
الأوسمة بعد النبوة وسام الشهادة بينما كان في الرمق الأخير من
حياته. هنيئا له ولأهله هذا التكريم الرائع. ب- وتأكيد اعتقادنا أن
دم هذا الولي الصالح –إن شاء الله-سيظل يلاحق ملك صهيون حتى يجهز
عليه.
في الحديث
القدسي"من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب" /روي في الصحيح/ج- إن
أحمد ياسين قد أفضى إلى ربه مكللا بالغار والفخار غير أن القضية
باقية بكل ثقلها ..الأقصى في الأسر مهدد بالنسف وشعب بكامله تحت
القصف على أيد أوحش احتلال، مدعوم من الدولة الأعظم وبالتخاذل
العربي والإسلامي.إن تحرير فلسطين وحماية الأقصى من العدوان الدائم
والمبيت وبذل الدعم بغير حساب لحراسه، أمانة في عنق كل مسلم وكل
عروبي حق وكل إنسان حر.د- التأكيد أن وعد الله حق بتحرير
فلسطين"وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة" /الإسراء/ - وأن إقدام
الكيان الصهيوني على هذه الجريمة الوحشية في حق رجل مسن مقعد مريض
وهو خارج من أداء شعيرة دينية هو علامة صارخة على إفلاس المشروع
الصهيوني وهو بداية النهاية له إن شاء الله.ن- وأن على كل من يتوفر
على ذرة من إيمان أو عزة قومية أو غيرة وكنية أو منزع إنساني أن
يبحث عن نوع إسهامه في هذا المشروع العظيم لتحرير فلسطين باعتباره
مشروعا لبداية تحرير الإنسانية من مخططات الهيمنة الإمبريالية
وتحرير الأمة من العجز والضعف ووضعها على طريق النهضة والوحدة
والعزة..ففي الطريق إلى تحرير فلسطين ومواجهة ما تمثله من تحد
وجودي للامة والإنسانية الحرة ستكتشف الأمة ذاتها وتختبر رجالها
وجماعاتها ونوعية الأفكار والمشاريع المطروحة عليها فما يبقى منها
غير أصلبها وأنقاها وأقدرها على تعبئة جماهير الأمة وأحرار
الإنسانية وصناعة استعادة الإجماع الضروري لمشروعي التحرير
والنهوض.فما أعظم بركات هذا التحدي وهذه القضية المهماز والمسبار
وبوتقة الصهر. فهل من عجب أن جاء ورود أنباء بني إسرائيل في الكتاب
الخالد رابيا عن ذكر أي شعب آخر تنبيها "هو أعلم بأعدائكم وكفى
بالله وليا وكفى بالله نصيرا".
************************
الشيخ أحمد ياسين نموذج قيادي في حياته ورمز في
استشهاده
منتصر حمدان
صحيفة
أخبار الخليج البحرينية 5/4/2004
في الوقت
الذي أرادت فيه "إسرائيل" كسر إرادة المقاومة في نفوس الفلسطينيين
من خلال انتهاج سياسة الاغتيالات التي كان آخرها اغتيال الشيخ أحمد
ياسين أحد أكبر القيادات السياسية الفلسطينية تأييداً، أصبحت تواجه
جيشاً من الشبان الفلسطينيين الراغبين في الالتحاق بصفوف المقاومة
والانتقام والثأر من الإسرائيليين على فعلتهم باغتيال أحد رموز
الحركة الوطنية الفلسطينية.
ويبدي
الفلسطينيون وخاصة الشبان منهم إعجاباً غير محدود بشخصية القائد
الفلسطيني أحمد ياسين الذي يطلقون عليه اسم «شيخ المجاهدين» نظراً
للمكانة التي يحتلها هذا الإنسان المسلم الذي عرف عنه التواضع
والهدوء وتولي قيادة المقاومة الإسلامية للاحتلال الاسرائيلي رغم
اعاقته التي لم تمنعه من الانخراط في المقاومة بل إنه شكل بذلك
نموذجاً فلسطينياً يحتذى به من قبل أغلبية الفلسطينيين. وكلما كان
الشيخ ياسين مثله مثل باقي القيادات الفلسطينية عرضة للملاحقة من
قبل قوات الاحتلال كانت شعبيته تزداد في أوساط الشبان الفلسطينيين
المتحمسين والباحثين عن نموذج نضالي متميز يقلدونه، ونظراً للدور
الريادي الذي أبداه الشيخ أحمد ياسين في الانخراط وقيادة العمل
العسكري ضد قوات الاحتلال إضافة إلى تواضعه وسعة مداركه الفكرية
والدينية تمكن من أن يحوز قلوب غالبية الفلسطينيين خاصة في أوساط
الشبان الذين يمثلون غالبية المجتمع الفلسطيني والذين تقدر نسبتهم
بقرابة 65% من تعداد المجتمع وفقاً لإحصائيات جهاز الإحصاء المركزي
الفلسطيني.
ومع إقدام
"إسرائيل" على اغتيال الشيخ أحمد ياسين في منتصف الأسبوع قبل
الماضي، في إطار ادعائها بأن الهدف من وراء اغتياله يكمن في فتح
المجال أمام بروز قيادات جديدة أقل تشدداً من القيادات الحالية
خاصة قيادة حماس التي ترفض بشكل قاطع الدخول في مفاوضات سياسية مع
الكيان الصهيوني، وصلت شعبية الشيخ المجاهد إلى اقصى درجاتها مما
انعكس بدوره على شعبية حركته حماس في الشارع الفلسطيني الذي لايزال
يعيش حالة من الغليان الملتهب في أعقاب جريمة الاغتيال النكراء.
يقول أحد الشبان الذي يبلغ من العمر 17 عاما الذي اكتفى بالتعريف
بنفسه باسم «يوسف»: إن اغتيال "إسرائيل" الشيخ أحمد ياسين يمثل
ضربة حقيقية لكل الفلسطينيين والعرب والمسلمين وأن الدولة
الصهيونية أرادت كسر إرادتنا. وتابع ذلك الشاب بنوع من التحمس
«اسرائيل وجيشها لن يتمكنوا من اخماد عزيمتنا بل إننا ننوي النيل
منهم بكافة الطرق والوسائل عقاباً لهم على قتل شيخ مقعد ويمثل
رمزاً لكل الفلسطينيين والمسلمين». ويتابع «إننا على استعداد
للتضحية بأرواحنا في سبيل ديننا ووطننا وأننا كلنا نتمنى أن ننال
الشهادة كما نالها الشيخ أحمد ياسين».
ويقول أحد
الشبان الفلسطينيين الذي جاء إلى رام الله للمشاركة في مهرجان
تأبين شيخ المجاهدين أحمد ياسين: «إن الشيخ ياسين هو رمز لنا
ونحترمه ونقدره ولو طلب إلينا أرواحنا ستكون رخيصة لقاء طلبه،
مؤكدين أن العدو الصهيوني سينال عقابه على اغتياله الشيخ ياسين».
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن اسم الشيخ ياسين أصبح يتداوله
الأطفال الفلسطينيون بكثرة في أعقاب اغتياله وتحولت صوره التي
يوزعها أنصار حركة حماس إلى مصدر اهتمام هؤلاء الأطفال الذين
يتنافسون فيما بينهم على اقتنائها. تقول المواطنة أم علي وهي أم
لثلاثة ابناء وجاءت برفقة زوجها من إحدى قرى غربي مدينة رام الله
للمشاركة في حفل التأبين: «إن أولادها يمضون وقتاً طويلاً في الليل
وهم يتبادلون الحديث عن الشيخ أحمد ياسين وأنهم يبدون استعداداً
عالياً لتقليده».
وتتابع أم
علي البالغة من العمر 38 عاماً «لقد حرصت على إحضار أطفالي
للمشاركة في المهرجان للتعبير عن سخطناً على ما قامت به دولة العدو
الصهيوني ضد الزعيم الروحي لحركة حماس« مؤكدة أنه مادامت الأمهات
ينجبن الأطفال فإن الثأر من هؤلاء الأوغاد سيكون حتمياً ردا على
اغتياله حتى لو بعد حين.
ولاتزال
المدن الفلسطينية تشهد مسيرات جماهيرية حاشدة للمشاركة في تأبين
الشهيد أحمد ياسين ولتؤكد لقوات الاحتلال وللكيان الصيهوني أن كسر
عزيمتهم لن يتحقق بل إن نيران المقاومة سيزداد وهجها باستشهاد
الشيخ ياسين، كما أن هناك ازدياداً ملحوظاً في نسبة الشبان الذين
لم تتجاوز أعمارهم الـ20 عاماً، في المشاركة في العمليات العسكرية
ضد قوات الاحتلال حيث استشهد مؤخراً اثنان من كتائب عزالدين القسام
التابع لحركة حماس خلال محاولتهما التسلل إلى إحدى المستوطنات
اليهودية في غزة وتنفيذ عملية عسكرية نوعية في إطار الرد على جريمة
الاغتيال.
وأعلنت
كتائب الشهيد عزالدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس،
مسئوليتها عن محاولة تنفيذ عملية فدائية في مستوطنة «تل قطيفا»، في
قطاع غزة، في ساعات الفجر، مضيفة أن هذا الهجوم هو «بداية الرد على
اغتيال الشيخ أحمد ياسين». وحسب البيان فقد تقدمت كتائب القسام
باثنين من مجاهديها في عملية بحرية نوعية استهدفت قافلة من سيارات
المغتصبين الصهاينة بداخل مستوطنة (تل قطيفة) الواقعة في شبكة
مستوطنات (غوش قطيف).
وأكد
البيان «أن الاستشهاديين زكريا أبوزور ( 18 عاماً) وإسحق نصار (18
عاماً) وكلاهما من حي الزيتون بمدينة غزة تمكنا من اقتحام
المستوطنة المذكورة عبر البحر مدججين بعدد من قذائف (ار بي جي)
وقنابل يدوية وأسلحة رشاشة وباغتا المغتصبين بإطلاق زخات من الرصاص
وإطلاق القذائف والقنابل لمدة تزيد على نصف الساعة قبل أن يرتقيا
إلى العلا مقبلين غير مدبرين».
ويؤكد جيش
العدو الصهيوني وجود جرأة عالية لدى المقاتلين الفلسطينيين الذين
يبدون استعداداً غير عادي لاختراق التحصينات التي تقيمها "إسرائيل"
سواء في محيط المستوطنات أو في محيط المواقع العسكرية.
وكان
الشهيدان قد تمكنا من الوصول إلى شواطئ مستوطنة «تل قطيفة» عن طريق
البحر، قادمين من دير البلح، وعندما وصلا إلى الطريق المؤدي إلى
مستوطنة تل قطيفة فتحا النيران على الموقع العسكري «الون» القريب
من المستوطنة، ودخلا في مواجهة نارية مع قوات جبعاتي المرابطة في
المعسكر. إلى ذلك ادعى الجيش الاسرائيلي أنه اعتقل بالقرب من
مستوطنة عمانوئيل في الضفة الغربية، فدائياً فلسطينياً كان في
طريقه لتنفيذ عملية فدائية، وحسب الجيش الاسرائيلي فقد شخص الجيش
فدائياً آخر في المنطقة، لكنه تمكن من الفرار.
إلى ذلك
كانت قوات الاحتلال الصهيوني قد أعلنت مؤخراً اعتقال فتىً فلسطيني
يبلغ من العمر 14 عاماً ويدعى حسام عبده بلال بينما كان يركض
باتجاه جنود حاجز حوارة، قرب مدينة نابلس، ويحمل على جسده حزاماً
ناسفاً، حيث قالت قوات الاحتلال التي أخضعت الفتى للتحقيق: إنه
اعترف بأنه أراد تفجير نفسه.
وبينما
تعتقد قوات العدو الصهيوني أن عمليات الاغتيال بحق القادة
الفلسطينيين ستحقق لهم الأمن، فإن الفلسطينيين يؤكدون أن القتل لن
يجر إلا القتل والدماء لن تجر إلا الدماء، وأن الأمن لن يتحقق
مادامت الأجيال اللاحقة وفية لدماء الأجيال السابقة.
************************
نحن المقعدون وأنت شيخ الشهداء
إبراهيم الشيخ
صحيفة
أخبار الخليج البحرينية 5/4/2004
لك الله يا
أمة الإسلام، مازالت جراحاتك تنكأ، ومازالت مصائبك تتجدد. رحل
الشيخ ياسين منتصراً، في الوقت الذي ظن فيه شارون (البغل الأحمق)
أنه سوف يكسر شوكة الانتفاضة فإذا بنداء يخرج هناك من أرض الرباط
أن الانتفاضة الثالثة انطلقت وأن الانتقام قادم بإذن الله لا
محالة.
لقد خرج
بعدها (البغل الأحمق) ليهنىء أبطاله الجبناء الذين قصفوا شيخاً
مقعداً بثلاثة صواريخ بعثرت جسده الطاهر في الأنحاء لتخرج روحه
الطاهرة وهو صائم بعد صلاة الفجر، لينال ما تمنى ولتبقى دماؤه
الزكية الطاهرة لعنة على المتخاذلين قعداء الهمة والضمير.
أخبروني من
هو المقعد ومن هو المشلول؟ هل هو الشيخ ياسين الذي قدم الغالي
والنفيس لنصرة أمته وقضيته، وهو الذي صارع جسده المشلول وهو في عمر
الستة عشر سنة، كان كل عام يمر عليه يزيده مرضاً على مرض ولكنه في
نفس الوقت يزيده بأساً وقوة وصلابة، هل هو المشلول أم تلك الزعامات
والأنظمة التي خذلت ومازلت تخذل شعوبها وتدوس على مبادئها وكرامتها
وعزتها؟
من هو
المشلول: هل هو الشيخ ياسين الذي استهدفته الصواريخ الأمريكية
المتطورة بأيدي الصهاينة المجرمين في جنح الظلام وهو الذي لم
يختبىء بل كان ينتظر الشهادة ويتمناها، هل هو المشلول أم تلك
الزعامات والأنظمة التي تصافح القتلة وتلتقي بهم إثر كل مجزرة، وهي
تبيع ومازالت كل القيم والمبادىء الإنسانية وتقدم شعوبها قرابين
للأمريكان والصهاينة مرة في فلسطين ومرة في العراق ولا ندري على من
الدور القادم؟
من هو
المشلول: هل هو الشيخ ياسين الذي زلزل الكيان الصهيوني وبخر في
الهواء أسطورة الجيش الذي لا يهزم؟ أم تلك الزعامات والأنظمة التي
لم تستطع خلال أكثر من أربع وعشرين قمة أن تحقق شيئاً يذكر لشعوبها
حتى شاهد الجميع عملية انهيارها في تونس؟ من الذي يمول أولئك
المجرمين في حملاتهم الانتخابية غير دولنا؟ ومن الذي يدعمهم بالمال
ويزودهم بالنفط ليصنعوا الصواريخ المتطورة التي توجه لاستئصال
شرفاء الأمة في كل بر وبحر؟
لقد كان
الشيخ الشهيد رمزاً عظيماً في حياته وها هو ذلك الرمز يزداد بطولة
وكبرياء بعد استشهاده ليسطر على صفحات التاريخ أروع نماذج البطولة
والفداء التي سار عليها شرفاء هذه الأمة وسوف تبقى نبراساً يضيء
طريق جميع الأحرار في العالم.
إن
المقاومة أصبحت هي الرهان الوحيد مع عدو لا يفهم سوى لغة القوة،
ماذا حققت لنا سنوات الكذب والتضليل تحت راية الاستسلام، تلك التي
جعلت أنظمتنا الأمريكية من سياسيين وكتاب قد أصبحوا يطبلون ويصفقون
على ذلك الانهيار وتلك اللقطات الرومانسية في عالم (الشرق الأوسط
الكبير) الذي يريد خلط الحابل بالنابل ليخرج من بيننا دولا مهووسة
بالغرب في كل شيء حتى في الانحلال الخلقي! إنهم يزينون اغتيالاتهم
الجبانة بأنها ضد الإرهاب، لعمري ما الإرهاب غير ما تفعلون، كيان
يغتصب ويقتل ويشرد ويسرق ويدمر، وكيان يموله ويمده بالأسلحة
والصواريخ ويدعمه بالفيتو الخائن حتى يمعن في ظلمه وعدوانه! والعجب
أن أنظمتنا مازالت ترحب وتدعم وتقدم المبادرة تلو المبادرة، حتى
وصل عددها إلى ست مبادرات اصطدمت في قمة هزلية جسدت حالة تلك
الأنظمة وهي تمعن في تغييب خيار الشعوب الشريفة، وها هي تلك
المبادرات تسقط تباعا أمام مبادرة الشرفاء الأحرار وخيارهم ورهانهم
الوحيد، إنها المقاومة الباسلة ودعم صمود الشعب الفلسطيني والشعب
العراقي وغيرهم من الشعوب المغلوبة على أمرها بالمال والسلاح.
أبداً لم
ينهزم من راهن على الكرامة والعزة والإباء، لم ينهزم من رفض كل
أنواع الاحتلال الفكري والثقافي واغتصاب الأرض.
أبداً لم
ينهزم من وقف أمام تلك القوى الظالمة المتجبرة ليعلنها وبكل قوة أن
شعوبنا ودولنا ذات سيادة، ليرفض الإملاءات الأمريكية في الإصلاح
الممسوخ والديمقراطية المشوهة، حتى وصل الابتزاز الصهيوني إلى مداه
وقد نجح بتآمر مع هيئات الأمم المتحدة على الإسلام أن يبني له قوة
رادعة لم يقترب منها أحد، وهي تهدد جميع الدول العربية وبمقدورها
أن تضرب جميع العواصم العربية بلا استثناء!
لقد ظنوا
أنهم بجدارهم العازل وقتلهم للشيخ الشهيد سوف يحققون نصراً مؤزراً،
وما علموا أن أمتنا مرتبطة بالله سبحانه وتعالى وليست مرتبطة لا
ببشر ولا بحجر، مهلا يا دعاة الهزيمة، إن قتل الشيخ ياسين قد ولد
الأمة من جديد، وإن كان الصهاينة قتلوا منا اليوم الشيخ الشهيد
أحمد ياسين فقد ولد مكانه ألف ياسين، فانتظرونا فإن دولة الباطل
ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم
الأعلون إن كنتم مؤمنين).
************************
أحمد ياسين شيخ الأمة وشهيدها
بقلم الشيخ جمال أبو الهيجا – عزل بئر السبع
تعجز
الكلمات والعبارات عن إعطاء الموضوع حقه …خاصة إذا كان الموضوع هو
شيخ الأمة العالم المجاهد الشهيد أحمد
ياسين رحمه الله.. هذا الشيخ الحبيب الذي ملأ حبه قلوب كل المخلصين
من أبناء الأمة وشرفاء العالم الأحرار..
عاش لله..
ملأ حب الدعوة إلى الله قلبه منذ نعومة
أظفاره.. فهم الإسلام عقيدة وعبادة..خلقا ومعاملة..دعوة وجهاد..
وحمل لواء الدعوة فتعلّم
وعلّم.. وطاف
المدن والقرى والمخيمات من البحر إلى
النهر يعلم أبناء شعبه كيف يدعون إلى
الإسلام..منهجا شاملا لكل مناحي الحياة، يذكرهم بالواجب الذي عليهم
وهو رفض الاحتلال ورفع راية الحق فوق الأقصى الحبيب.
لم يترك
قضية اجتماعية أو دينية أو وطنية إلا وخاض فيها يطوف الأفاق مبشرا
ومحذرا.. نظر إلى المستقبل لأبناء شعبه، ورغم الاحتلال وما وضعه من
عقبات كأداء
أقام الشيخ صرح الجماعة الإسلامية لتنشئ الأجيال ولتبني المستقبل
وما زالت تقدم وتقدم.
علم أن
الإسلام ليس شعارات تقال، بل معاني تترجم إلى أفعال، فجسدها على
أرض الواقع..
أقام المؤسسات الاجتماعية التي ما تركت محروما ولا ضعيفا ولا يتيما
ولا جريحا ولا معتقلا ولا أسرة شهيد إلا ومسحت عنهم دموع الحرمان
والأحزان ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
كان الأب
الرحيم لأبناء شعبه يؤوي إليه الضعيف ليأخذ له حقه، وما ترك فتنة
بين أبناء شعبه إلا وعمل عمل على وأدها مع كل مخلص من أبناء شعبه،
لم يكن يخشى المرض والعجز
الجسدي والشلل الكلي، فما كانت هناك قوة قادرة على إيقاف توجهه
الجهادي ضد الاحتلال..
فبدأ في
بداية الثمانينات من القرن الماضي يعد العدة بعد أن أقام قاعدة
صلبة من الشباب المؤمن المجاهد لمقارعة الاحتلال، فدخل السجون،
ليعيش معتقلا ويرى معاناة المعتقلين من أبناء شعبه.. إجرام
السجانين، ولكن كرامة الله لهذا الشيخ المجاهد تكتب له الفرج بعد
عام واحد على اعتقاله ضمن صفقة تبادل
للأسرى مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة..
ليعود من جديد إلى ساحة الجهاد والعطاء
وليؤسس حركة حماس
أمل الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية والتي اقترن اسمها
بانتفاضة عام 1987،
وأطلق على الشيخ أحمد
ياسين حينذاك
لقب شيخ الانتفاضة ليدخل السجن بعد عامين على تأسيسها،
ولكن ليحكم هذه المرة بالسجن المؤبد
مضافا إليها 16 عاما، وذلك لأنه خطط لاعتقال جنود الاحتلال من
أجل استبدالهم بأسرى فلسطينيين.. أسرى
الحرية الذين عاش معهم ولهم …وأصبح التفكير في الإفراج عنهم شغله
الشاغل..إضافة إلى تأٍسيسه الجهاز العسكري مع إخوانه وعلى رأسهم
الشيخ الشهيد صلاح شحادة..
وبعد
حوالي ثمان سنوات من السجن أكرمه الله مرة أخرى بالإفراج.. ورغم
أنف الاحتلال
وذلك بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس
المكتب السياسي لحركة حماس الأستاذ خالد
مشعل.
وطاف
بعد ذلك
البلاد العربية.. وكان حب الجماهير التي خرجت بعفوية لاستقباله
دليل حب وكرامة من الله سبحانه وتعالى.
ويعود
الشيخ للوطن ليتابع
المسيرة دون كلل أو ملل، وتأتي انتفاضة الأقصى المبارك لتكون منارة
جديدة من منارات هذا الشعب وتتحول غزة من جديد كما كل فلسطين إلى
شوكة في حلق العدوان وتتطور أساليب الجماهير من تلاميذ الشيخ لتصنع
خارطة الرعب وليتعالى العمل الإبداعي للمقاومة الذي قدر الله له أن
يتطور.
لقد أصبح
الشيخ عنوانا للمقاومة.. وعنوانا لكرامة الشعب الفلسطيني وعنوانا
للطريق إلى الجنة …عنوانا للأمل والمستقبل عند الأحياء في الدنيا
وعند الأحياء في الآخرة …ورغم كثرة انشغاله إلا
أنه لم ينس لحظة
واحدة أن يشارك أسر
الشهداء محنتهم وعاش مع أهل جنين ومخيمها ….وكان
لكلمات الشيخ لهم
عبر الهاتف أثراً
كبيرا في تعزيز صبرهم..
ولا أنسى
كلماته الطيبة لي يوم إصابتي حين
اتصل بي من أجل
المواساة في بتر يدي قائلا ".. هنيئا لك يا ولدي سبقتك إلى الجنة..
هذه طريق صعبة بحاجة إلى صبر وشجاعة " نعم كلمات عظيمة من قائد ومن
أب ومن شيخ.
لقد زلزل
الشيخ الاحتلال الصهيوني وجن جنونهم
وأصبح وحركة حماس العدو الاستراتيجي
للاحتلال الصهيوني..
حاولوا اغتياله
مرات ومرات وكما أكرمه الله معتقلا صابرا وقدوة
في الصمود لكل المعتقلين أكرمه الله جريحا بعد أن فشل العدو في
قتله في محاولة سابقة وكان موعد أخير مع الشهادة.. وليتخذ منكم
شهداء … بعد أن قام الليل وصلى الفجر جماعة وقرأ
القرآن في يوم
الاثنين الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله لتعلو الروح إلى بارئها..
وليسجل
التاريخ الإنساني أبشع جريمة قتل لليهود والأمريكان المتصهينين
…طائرات صهيونية أمريكية الصنع
قصفت شيخا قعيداً
هزيل الجسد..ولتلف صور الشيخ أرجاء
العالم قاطبة.. ولتبقى هذه الشهادة لعنة تطارد كل الصامتين..
أجل
سيدي الشيخ… سيكون استشهادك بإذن الله بداية مرحلة جديدة ستقود إلى
زوال الاحتلال.. ونقول في هذه المناسبة
إن من حق كل فصيل وكل مدينة وكل قرية
وكل مخيم أن يكون لها دور في الثأر لدماء الشيخ الشهيد..
وأنا على يقين أن الجميع يتسابقون إلى
ذلك..
على الجميع
أن يسعى إلى أن يجعل من هذا الحدث منعطفا جديدا لا حدثا كأي حدث..
فعلى كل مخلص أن يكون جزءا من مرحلة جديدة بدأت
يوم استشهاد الشيخ الجامع..
حتى يرتفع الظلم عن هذه الأمة..وكما جاء في
الحديث القدسي "إني
لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب "..
هنيئاً لك
الشهادة يا شيخنا.. يا قائدنا.. ونحن على نهجك إنشاء الله ماضون
|