(
7 )
مقالات
حول عملية اغتيال
الشيخ
أحمد ياسين
مؤسس حركة
المقاومة الإسلامية "حماس"
الشيخ ياسين
والاستشهاد المبارك
بقلم: د. أحمد القديدي*
صحيفة البيان الإماراتية 6/4/2..4
نعم، من الشهادة ما يكون مباركاً وما يعلن
تحولاً عظيما وحاسماً في تاريخ الشعوب لما تحمله الشهادة من قوة
الرمز وجلال الفداء وكبرياء التضحية، كذلك كان مع حمزة ومع خالد بن
الوليد ومع علي كرم الله وجهه ومع الحسين رضي الله عنهم جميعاً
وكذلك كان مع الشهداء البررة منذ فجر الاسلام إلى يوم 22 مارس يوم
لاقى الشيخ أحمد ياسين ربه كما تمنى ويوم تحول دمه الطاهر إلى وقود
الثورة المشروعة ضد الطغيان والاستعمار.
نعم! من الشهادة ما يكون مباركاً، كذلك كان
فداء الشيخ ياسين وحدت شهادته شعب فلسطين على نداء الصمود
والمقاومة.. هبّ الشعب كرجل واحد أمام هجمة الثور الأهوج: شارون
الذي نظم ونفذ القتل بنفسه بعد إشارة أسياده، صواريخ وطائرات ضد
رجل هزيل وشيخ معاق على كرسي نقال!
السلاح الأميركي المتطور الموجه بالليزر ضد
شيخ أعزل خارج من مسجد متواضع بعد صلاة الفجر، على أثر وقوفه
الخاشع أمام ربه تعالى.. إنها الشهادة المباركة أيضاً على صعيد
العرب أجمعين الذين بدأوا يدركون من المحيط إلى الخليج أنهم أمة لا
رعايا وأن قيادتهم مطالبة بمواكبة الحلم الكبير العادل: حلم العزة
والمجد بعد التخلص من آخر استعمار على وجه الأرض.. أمة ينطق حالها
بالصمود وشبابها بالتحدي وناسها بالغضب المشروع.
وإنها لشهادة مباركة كذلك على الصعيد
العالمي، حيث تكلم الاتحاد الأوروبي بلسان الحق والاستقلال عن
الإملاء الأميركي فقال لا لهذا العدوان الفاجر وتم لديه إسقاط قرار
اعتبار حركة حماس حركة إرهابية، فالاتحاد الاوروبي يعلن شجبه لهذه
الجريمة مما يعيد الاعتبار للكفاح المسلح المشروع ضد الاحتلال كما
تنص المواثيق الدولية والقرارات الأممية.
إنه الاستشهاد المبارك برغم فداحة المأساة
لأنه يعلن بزوغ فجر عربي جديد مؤسس على الحق وعلى الايمان وستأتي
قمة تونس لنرى ما عساه سيتغير في المعادلة قبل فوات الأوان! سنرى
إن شاء الله موقفاً مشرفاً يتعدى الكلام الفارغ والمجاملات الهجينة
والتنازلات المهينة.
* أستاذ بقسم الاعلام - جامعة قطر
************************
بين يدي شيخ
الشهداء
بقلم:فهد الريماوي
صحيفة المجد الأردنية 5/4/2..4
من المؤمنين رجال منحوا المفردات معانيها،
والمواقف مبانيها، والقصائد موسيقاها، والحقائق مقتضاها، والمعارك
بطولاتها، والتحديات استحقاقاتها، والجماهير انتصاراتها، والمقادير
اعتباراتها، والتواريخ علاماتها الفارقة.
من المؤمنين رجال تخيرتهم الشهادة، وتعشقتهم
العظمة، واعتنقتهم الفضيلة، وانتسبت اليهم الريادة، وتشرفت بهم
القيادة، وسعت اليهم الشجاعة، وسارت في ركابهم جلائل الأعمال
والتضحيات والانجازات.
من المؤمنين رجال زاوجوا بين المصحف
والسيف.. بين الدين والوطن.. بين قوة الإرادة وقوة العبادة.. بين
عبقرية الإيمان ومتطلبات الميدان.. بين عشق المحراب وعشق حبات
التراب.. بين قيام الليل وقيادة النضال.
ذات فجر غزاوي ندي، امتطى الشيخ أحمد ياسين
صهوة حصانه الحديدي، واتجه صوب المسجد، ملبياً نداء (الله أكبر)..
فيما كانت الدولة الصهيونية كلها تقف بالمرصاد، بدءاً من شارون
رئيس وزرائها، ومروراً بقيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وانتهاء
بربان طائرة الأباتشي التي كانت تحوم حول المئذنة في انتظار (لحظة
الجريمة).
لم يطل مكوث الشيخ في المسجد، لا لأن صلاة
الفجر قصيرة، ولكن لأن الشيخ دائماً مع الله.. فما أن بارح الباب
حتى كانت صواريخ الأباتشي تكتب على أشلائه فصلاً جديداً من فصول
ملحمة الصراع بين الرجولة والنذالة.. بين الرمزية والهمجية.. بين
قوة المثال ومنطق الاغتيال.
لم يكن الشيخ الشهيد قائداً عسكرياً، أو حتى
سياسياً لحركة حماس، بل كان خيمة روحية تظلل جميع أبناء الحركة..
كان قيادة معنوية أو أبوية تمارس ذاتها سياسياً، أو حتى عسكرياً،
من خلال احترام الجميع لها ولمكانتها.. فهو مرشد وموجه إيماني أكثر
مما هو قائد ميداني.. الأمر الذي يعني أن العدو الشاروني قد خرق
بهذا الاغتيال أقصى الخطوط الحمراء، ونقل الصراع إلى محطة جديدة
سوف يكون لها ما بعدها على أكثر من صعيد.
فمنذ رحيل عبد الناصر لم يشهد الشارع العربي
والإسلامي حراكاً ممزوجاً بالغضب والحزن والدموع، مثلما شهد عقب
اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين، حيث اندلعت المظاهرات والمسيرات
والصرخات مدوية ما بين طنجة وجاكرتا، وحيث عجز الحكام العرب
والمسلمون ليس عن كبح جماح شعوبهم الغاضبة فحسب، بل عن ستر عوراتهم
القبيحة أيضاً.
ولا شك عندي أن الشارع العربي والإسلامي سوف
يكون له موقفه ومنطقه المختلف بعد اليوم.. فقد بلغ السيل الزبى،
وبات الثأر لدماء أحمد ياسين ورفاقه من شهداء فلسطين (فرض عين) على
كل عربي ومسلم، وليس (فرض كفاية) يمكن لحركة حماس أن تنوب فيه عن
الآخرين.. ولعل مبادرة حزب الله الشجاعة بوضع كل طاقات وإمكانات
الحزب تحت تصرف حماس، هي أول الغيث.. والبقية ستأتي، حتماً سوف
تأتي، فلا عذر بعد اليوم لأي حركة شعبية عربية أو إسلامية تحجم عن
نصرة (الجهاد المقدس) التي تخوضه حركات التحرر الوطني والإسلامي
الفلسطينية.
المجاهدون قادمون، وجلهم أكثر فدائية
وتطرفاً من الشيخ الشهيد، وخالد مشعل، وعبد العزيز الرنتيسي،
ورمضان عبدالله، وعبدالله الشامي.. فقد اقترف شارون خطيئة عمره،
وسقط بين أنياب اللعنة التي ستظل تطارده حتى (يشفيه) منها رصاص
حماس.. عاجلاً أو آجلاً، ولكن لا مفر.
تكمن معضلة شارون وعصابته في أنهم يجهلون أو
يتجاهلون عبقرية الاستشهاد، ومفاعيل دماء الشهداء، ونواميس الحركات
الجهادية الإسلامية التي تختلف كلياً وجذرياً عن قوانين الحركات
الثورية العلمانية.. ففيما تنظر الحركات الوطنية العلمانية إلى
الموت بوصفه نهاية الشوط، وخاتمة الحياة.. تنظر الحركات الجهادية
الإسلامية إلى الاستشهاد بوصفه بداية شوط جديد، ومدخل حياة سعيدة
في رحاب جنات النعيم.
ذلك جزء مهم من العقيدة الإسلامية، فالشهداء
أحياء عند ربهم يرزقون.. ولعل هذا ما يفسر سر الإقبال العظيم على
الشهادة والاستشهاد لدى أبناء الحركات الإسلامية الجهادية، فكلما
صحت عقيدة المجاهد تضاعف عشقه للشهادة، وكلما سالت دماء الشهداء
تضاعفت أعداد طلاب الشهادة، وكلما قدمت الحركات الجهادية شهداء
أكثر تعاظم نفوذها، وقويت شوكتها، واقتربت من يوم انتصارها، وليس
العكس.. وانظروا تجربة حزب الله عقب استشهاد عباس الموسوي، وحركة
الجهاد عقب استشهاد فتحي الشقاقي، وحركة حماس عقب استشهاد يحيى
عياش.. بل انظروا وتفكروا كيف انطلق الشيخ عز الدين القسام حياً في
(كتائب القسام) عقب استشهاده بثلاثة أرباع القرن !!!
لقد أفلست "إسرائيل"، وبارت سمعتها وهيبتها،
فلم تعد (قوة قتال) بل أصبحت (قوة قتل واغتيال).. لم تعد تملك
(طهارة السلاح) بل أصبحت تملك (نجاسة الغدر والاستئصال).. لم تعد
(قلعة عسكرية) تجيد فن الانتصار، بل أصبحت (دائرة أمنية) تلهث خلف
ردود الأفعال.. لم تعد (دولة الحضارة الغربية) المزروعة في قلب
الشرق، بل أصبحت (دولة الغرائز الدونية) الخارجة على القوانين
الغربية والنواميس الإنسانية.. لم تعد صاحبة (مشروع تاريخي) يحقق
ذاته تصاعدياً مع طالع كل شمس، بل أصبحت صاحبة (مشروع نيروني) أو
شاروني يائس ومفلس ومحكوم بمقولة.. (عليّ وعلى أعدائي).
نسرد هذه الحقائق، لنقول لعربان المراهنة
على شارون و"إسرائيل"، أنهم يجترون الوهم، ويمارسون أحلام اليقظة،
ويضعون العربة أمام الحصان، ويخرقون أبسط قواعد الحساب السياسي..
فقد اتضح حتى للأعمى أن المستقبل لن يكون حليف "إسرائيل"، وأن
صفحاته لن تكتبها صواريخ شارون ودباباته، بل دماء الشهداء، وعزائم
المناضلين والمجاهدين الفلسطينيين.
نقول لعربان المراهنة على شارون و"إسرائيل"،
أنكم تراهنون على الحصان الخاسر، وأنكم تسيرون بعكس اتجاه التاريخ،
وأنكم تقامرون بالصالح الوطني العام، وأنكم تناقضون التوجه الشعبي
السائد، وأنكم تتنكرون لأبسط الحقائق والقواعد السياسية، قبل أن
تتنكروا لأبسط المشاعر والوشائج القومية والإسلامية التي تربطكم
بالشعب الفلسطيني البطل.
ذات يوم قريب من عام 1997 تداخلت خطوط
السياسة الأردنية بشكل صارخ مع سياسات حركة حماس، حين جرت محاولة
اغتيال القائد المجاهد خالد مشعل، وحين أصر المرحوم الملك حسين على
إعادة الحياة إلى مشعل، وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، كشرط لإخلاء
سبيل اثنين من عملاء الموساد.
يومذاك كان الحسين يرى في الدفاع عن حياة
مشعل، وحرية ياسين، دفاعاً عن أمن الأردن وسيادته واستقلاله التي
حاول عملاء الموساد انتهاكها، كما كان يرى في التحالف مع حركة
حماس، ورقة رابحة تعزز أوراقه السياسية والأمنية والمستقبلية،
وتوفر له قاعدة شعبية إسلامية عريضة في الضفتين.
فيما بعد، تم بأسلوب غير محسوب، وربما
باملاءات خارجية، فك الارتباط بين الأردن وحماس، وجرى اغلاق
مكاتبها وإبعاد قادتها.. فيما دارت عجلة التقارب والتطبيع مع العدو
الإسرائيلي، سراً وعلانية.. سياسياً واقتصادياً، سواء في عهد حكومة
الروابدة، أو أبو الراغب، أو الفايز.. سواء في عهد حكومة العمل أو
الليكود على الجانب الإسرائيلي.
وعليه.. فلابد من طرح السؤال التالي : هل
باتت حركة حماس عدونا الذي يتعين مقاطعته والتجافي معه، فيما أصبحت
"إسرائيل" صديقنا الذي يتوجب الاقبال عليه والتطبيع معه ؟؟
واذا كان ذلك كذلك، فهل يعكس هذا التوجه
الرسمي، ضمير الشعب الأردني، ويعبر عن قناعاته وتوجهاته، خصوصاً
عقب اغتيال الشهيد الشيخ أحمد ياسين ؟؟
يتملكنا الغضب والعجب، ونحن نرى كيف يمنع
قادة حماس من زيارة - مجرد زيارة - الأردن، وكيف تفتش نساؤهم على
الحدود، فيما يهرول وزراؤنا للمشاركة في تأسيس معهد أكاديمي تطبيعي
مع "إسرائيل" بوادي عربة، وفي رعاية حفل توقيع (وثيقة جنيف) على
شواطئ البحر الميت.
يتملكنا الغضب والعجب، ونحن نسمع أن وزير
خارجيتنا قد تقدم إلى وزراء الخارجية العرب المجتمعين في تونس،
باقتراح إدانة العمليات الاستشهادية، رغم أن دماء الشيخ ياسين
المسفوحة بفعل صواريخ شارون، لم تكن قد جفت بعد.. وإذا كان ذلك
صحيحاً - ونأمل ألا يكون - فلا ندري أين هي مصلحة الأردن في تبني
مثل هذا الاقتراح المريض، في مثل هذا الوقت بالذات.. كما لا ندري
لماذا تصر السياسات الأردنية على وضع ذاتها في مستوى حكومة قريع
المحكومة بسقف الحكم الذاتي، والفاقدة للإرادة والسيادة وحرية صنع
القرار.
ما علينا.. فقد سرقتنا السياسة من أحزاننا،
وآن لنا أن نعود من حيث بدأنا، فنستمطر الرحمة على روح شيخنا
الشهيد والقائد والمرشد المرحوم أحمد ياسين الذي وهب قلبه لله،
ومنح عمره للجهاد، وقدم روحه للوطن، ورتل حياته ترتيلا، واختار
مماته مع سبق الإصرار والتعمد، وانتصر بقوة الروح على وهن الجسد،
وتفوق بعبقرية الإيمان والقرآن على علوج الصهاينة والأمريكان، كما
خدم حركة حماس، حياً وراحلاً.. فقد أسهم في حياته في تأسيسها كحركة
جهادية محلية، ثم اسهم باستشهاده في تكريسها كحركة ثورية عالمية لا
يشق لها غبار، ولا خيار لها إلا الانتصار.
************************
من عز الدين
القسام إلى أحمد ياسين
عوني فرسخ
صحيفة المجد الأردنية 5/4/2..4
لا أحسب أن إطلاق اسم "كتائب عز الدين
القسام" على الجناح المسلح لحركة حماس مجرد استلهام لما تختزنه
الذاكرة الجمعية الفلسطينية من ذكرى عطرة للشيخ الشهيد عز الدين
القسام صاحب المبادرة الاستشهادية المبدعة في أحراش يعبد (قرب
جنين) في خريف 1935، وإنما هو في تقديري يعود أيضاً لاتخاذ الشيخ
أحمد ياسين سلفه المجاهد قدوته في حياته وعلاقاته العامة والخاصة.
إذ حين تقارن سيرة الشيخين الشهيدين تتضح أبعاد التماثل الكبير في
سيرتيهما، فضلاً عن توافقهما في الرؤى والمنطلقات، بل والتماثل
الكبير في ظروف استشهادهما وردات الفعل التي أحدثتها أمثولتا
الاستشهاد.
فكل من الشيخين عاش وسط أكثر الفئات
انسحاقاً في المجتمع الفلسطيني، وقدم مثال التمرد على الواقع
المأزوم والتطلع لتجاوزه باعتماد الدعوة الجهادية، واضحة الإدراك
لطبيعة الصراع مع التحالف الاستعماري-الصهيوني. وكل منهما شغله
الشأن العام عن شؤونه الخاصة، ونجح بما أشاعه حوله من صدق الالتزام
ووضوح الرؤية في استقطاب تلامذة ومريدين، الاستشهاد في يقينهم سبيل
نيل إحدى الحسنيين: تطهير الأرض المقدسة من رجس الغزاة واستعادتها
ما عهدته من تفاعل خلاق فيما بين البشر على اختلاف أصولهم وأديانهم
ومذاهبهم، أو الارتقاء إلى سجل الخالدين بنضالهم واستشهادهم. وعلى
الرغم من محدودية تلامذة القسام ومريديه إلا أن حركته تميزت كيفياً
عما كان قائماً في فلسطين أواسط ثلاثينات القرن العشرين من تجذر في
أوساط فقراء المدن، وبما لا يكاد يتميز عن تجذر حماس في الزمن
الراهن.
ولقد كان لاستشهاد القسام ردة فعل جماهيرية
تمثلت في موكب جنائزي مهيب في حيفا، حيث حملت نعوش القسام ورفيقي
استشهاده: يوسف عبد الله الزيباري وسعيد عطية المصري، على الأكف
مسافة خمسة كيلو مترات، اشتبك خلالها المشيعون بالشرطة والجنود
البريطانيين دون مبالاة بالرصاص الذي انهال عليهم وتساقط عدد من
القتلى والجرحى. وإن كانت عدسات التلفزيون لم تخلد صور مشهد الأمس
المهيب بمثل نجاحها بتسجيل مظاهرات الغضب على استشهاد الشيخ أحمد
ياسين، التي تفجرت في معظم العواصم والمدن العربية والإسلامية. ولم
تخل من القتلى والجرحى في أكثر من موقع. ولم تسلم حتى نيويورك معقل
اليهودية العالمية وعرين الصهيونية، من أن يكون لها نصيبها من
مظاهرات إدانة جريمة اغتيال الشيخ الشهيد، الأمر الذي لم يتيسر
للقسام خارج الدائرة العربية.
ويذكر للزعيم الصهيوني التاريخي بن غوريون
إدراكه الواعي لاغتيال القسام وتداعياته. وعن ذلك كتب شبتاي تيبيت،
المؤرخ الإسرائيلي، في كتابه "بن غوريون والعرب" يقول: تأثر بن
غوريون كثيراً من موت الشيخ القسام. إذ كان حتى ذلك الحين على يقين
بأن أي زعيم عربي على استعداد لبيع الشعب العربي كله لمصلحته
الشخصية. أما الآن فهذه أول مرة يرى فيها أن زعيماً عربياً يضحي
بنفسه من أجل المبدأ. لذلك سيمنح هذا الحادث العرب قوة أخلاقية غير
متوفرة لديهم الآن. بعد ذلك أصبح واضحاً لبن غوريون أن هذا الحادث
سيجر وراءه حوادث عديدة مماثلة. وأن المئات أو الآلاف الذين على
استعداد للتضحية بأنفسهم مثل القسام". كما لم يفت بن غوريون
التنبيه إلى أن استشهاد القسام يضع كلاً من بريطانيا والحركة
الصهيونية أمام نقلة نوعية في الصراع مع عرب فلسطين ومحيطهم
القومي، الذي بدأ يعطي تلميحات بأن لا مناص من الدخول في مجابهة مع
التحالف البريطاني - الصهيوني.
وفيما يستدل عليه من ردات الفعل الخارجية
على استشهاد الشيخ أحمد ياسين، يتضح أنها في الوقت الذي انتزعت فيه
من القادة الأوروبيين الإقرار، بما لم يكن يقر به غالبيتهم من حيث
مشروعية العمل الفلسطيني المقاوم للاحتلال. إذ لا معنى لقول الرئيس
شيراك وغيره من أن اغتيال الشيخ ياسين مخالف للقانون الدولي إذا
كان الشيخ الشهيد في نظرهم يمارس دوراً إرهابياً. غير أن استشهاد
زعيم حماس لم يجد على الجانب الصهيوني نظير بن غوريون في قراءة
الواقع العربي، والقدرة على التحرر من النظرة العنصرية للمجتمع
العربي وثقافته في استشراف تداعيات عملية الاستشهاد. فشارون تبجح
بدوره في عملية الاغتيال، واستقبل إقراره بمسؤوليته التاريخية
والأخلاقية عن جريمة الاغتيال بعاصفة من التصفيق في مجلس وزرائه،
كما في الكنيست، والذين أيدوا الجريمة قاربوا 61 % في الاستفتاء
على ذلك بينما تحفظ عليها 21 %. وفي ذلك كله مؤشر العجز عن إدارك
تداعيات استشهاد القائد فلسطينياً وعربياً. وعلى نحو لا يختلف عن
عجز الرئيس بوش وأركان إدارته حينما يعتبرون جريمة اغتيال مدني شيخ
في مثل حال الشيخ الشهيد دفاعاً مشروعاً عن النفس!!!
ولم تقتصر ردات الفعل لاستشهاد القسام على
الزعامة الصهيونية، وإنما كان لها وقعها شديد التأثير في أوساط
الزعامة الفلسطينية في أعلى المواقع. كما يتضح من موقف جمال
الحسيني، زعيم الحزب العربي والرجل الثاني في قيادة الحركة الوطنية
يومذاك بعد المفتي. إذ بعد زيارته لبيت الزيباري، وما لمسه من فقر
عصبة القسام وبؤس عائلاتهم، كتب في "الجامعة العربية" – صحيفة
الحزب– يقول: "ثورة القسام ثورة علينا جميعاً شباباً وشيوخاً
وكهولاً. إذ يقول كل واحد منا في قلبي إيمان وفي نفسي إخلاص
وعزيمة، ولكني مثقل وورائي عائلة كبيرة أخاف عليها إن خرجت أن
يتخطفهم الذل والعار والموت، وليس عندي ما يدفع عوادي الزمن. يسمع
القسام وصحبه هذا فيثورون عليه ويخرجون... يخرجون عمن؟ عن أعشاش
فيها قطع من اللحم كأفراخ العصافير ينتظر كل منها معيله ليلقي في
منقاره ما يسد جوعه ويروي عطشه. فيندفع القسام وصحبه من تلك
الأعشاش لتثبيت المبدأ، وإحقاق الحق، واعلاء شأن الإيمان. ونحن نرى
منهم ذلك لا يسعنا إلا أن نشعر بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه،
فندعو الله أن ينير قلوبنا بهذا الإيمان".
ويقيناً لو أن جمال الحسيني مد الله في
عمره، وأتاح له زيارة بيت الشيخ أحمد ياسين بعد استشهاده، لما
اختلف قوله عما كتبه عقب زيارته بيت الزيباري، رفيق القسام في
استشهاده. وإن كنت أشك بأن غالبية سكان القصور من خلفاء الحسيني في
الصفوف القيادية الفلسطينية الأولى لم تدر في خلدهم، وهم يشاهدون
حال بيت الشيخ الشهيد، بعض الذي عبر عنه زعيم الحزب العربي ولا
شعروا بتبكيت الضمير، ولا أحمرت منهم الوجوه، ولا دعوا في سرهم أن
ينير الله قلوبهم بمثل الإيمان الذي كان يستبطنه خليفة القسام.
وحين طوق القسام وصحبه في أحراش يعبد، قرب
جنين، صباح الاثنين العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1935 بنحو
4.. شرطي إنجليزي وعربي تصحبهم عناصر من الهاجناه الصهيونية، وطلب
إليهم الاستسلام حقناً لدمائهم، قرر الشيخ المجاهد وصحبه صنع
أمثولة استشهادية، تشكل رافعة للحراك الوطني وتنتشله من الركود
الذي فرضته عليه نزاعات رموزه القائدة، وعليه خاضوا معركة غير
متكافئة من حيث عدد الرجال وكفاءة السلاح، فاستشهد القسام وصاحباه،
وألقي القبض على جريحين منهم وخمسة آخرين، فيما نجح الشيخ فرحان
السعدي وبقية المجاهدين النفاذ من الطوق المحكم بأعجوبة ليشكلوا
نواة عصبة القساميين الذين قادوا فصائل الثورة بعد بضع شهور.
ولم يختلف المشهد كثيراً حين توجه الشيخ
أحمد ياسين فجر الاثنين الثاني والعشرين من مارس/آذار الجاري لأداء
صلاته في المسجد المجاور لبيته، وهو يعرف أن العدو يترصده بطائراته
في السماء وعملائه على الأرض، كما قال في أكثر من لقاء تلفزيوني.
ولكنه لم يتردد في الخروج، ولا آثر السلامة بالبقاء رهين بيته
تحسباً من عواقب الظهور لما لم يكن يجهل أنه يترصده. ولكنه كان على
يقين تام بأنه مشروع شهيد منذ وضع اللبنة الأولى لمنظمة حماس، وأنه
ليس بأفضل من الشباب والصبايا المتسابقين على درب الاستشهاد.
ويقينا أن الواقع بكل أبعاده الفلسطينية
والعربية والإقليمية والدولية هو اليوم مختلف كيفياً عما كان عليه
يوم استشهد القسام وشكل استشهاده نقلة نوعية في الحراك الوطني
الفلسطيني، تمثلت بتفجر ثورة 1936 – 1939 والدور القيادي الذي شغله
القساميون فيها. والسؤال المحوري والحال كذلك هل سيشكل استشهاد
الشيخ أحمد ياسين مثل تلك النقلة التاريخية، أم أن ذلك صعب تحقيقه
في زمن القطبية الأمريكية والعربدة الصهيونية المنفلتة من كل عقال؟
وليس ينكر أن الأمة العربية تبدو لكثير من
المحللين الموضوعيين فاقدة المنعة، وأن قدرتها على رفد المقاومة
الفلسطينية لا تجاوز التعاطف المعنوي، الذي تجلى في مظاهرات السخط
على اغتيال الشيخ الشهيد. كما أن المجتمع الفلسطيني في الأرض
المحتلة لا يعاني فقط من محدودية إمكانياته وقدراته والحصار
المفروض عليه حتى من عمقه العربي والإسلامي، وإنما أيضاً من
افتقاده استراتيجية إدارة الصراع، ووحدة القيادة، وتعدد الرؤى
ووجهات النظر، وعمق وسعة الاختراقات الأمريكية والصهيونية، فضلاً
عن الضغوط متعددة الهويات والجنسيات. غير أن في هذا الواقع المأزوم
أكثر من معطى جدير بالاعتبار.
وأول هذه المعطيات التمايز الكيفي بين ظرف
استشهاد الشيخ ياسين عن ظرف استشهاد الشيخ القسام، والذي له دلالته
على واقع المقاومة غداة استشهاد الشيخين. وفي القراءة المقارنة
ألاحظ أنه حين توجه القسام وصحبه إلى أحراش يعبد لم يكن يجهل حقائق
الواقع المأزوم، وما كان يستهدف تفجير الثورة كما ذهب إلى ذلك
العديد من مؤرخي سيرته. وإنما كانت غايته محاولة بعث الحياة في
الحراك الوطني، الذي ران عليه الركود في أعقاب مظاهرات سنة 1933
نتيجة احتدام نزاعات رموزه القائدة ومدعيه القيادة. وذلك برغم
انعدام التناقضات العدائية فيما بينها لكونها جميعاً تنتسب لذات
الشريحة الاجتماعية وتتقدم لدى غالبيتها الساحقة مصالحها لدى سلطة
الانتداب. فكان اليأس من الركود المخيم والمأزق القائم حافز الشيخ
القسام لصنع أمثولته الاستشهادية.
وبالمقابل لا يختلف محللان موضوعيان على أن
دوافع شارون لارتكاب جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين تتمثل أولاً
بإدراكه وأركان الجيش الصهيوني عجز آلة حربهم بكل جبروتها عن كسر
إرادة المقاومة لدى شعب الصمود والعطاء. وتتمثل ثانياً في تصورهم
إمكانية صنع حادثة تنتشل التجمع الاستيطاني العنصري من المأزق
متعدد الأبعاد الذي دفعته إليه انتفاضة تمتلك معيناً لا ينضب من
الاستشهاديين والاستشهاديات. وتتمثل ثالثاً في محاولة إجهاض التطور
النوعي في الأداء المقاوم الذي جسدته عملية اسدود البطولية وما
مثلته من تقدم متنام في تكامل عمل كتائب عز الدين القسام مع كتائب
شهداء الأقصى.
فاليأس في حال الشيخ القسام كان عربياً،
وموضوعه الركود المخيم على المجتمع الفلسطيني. فيما اليأس في حال
الشيخ ياسين إنما هو صهيوني يتصل بالواقع المجتمعي المأزوم على
مختلف الصعد. فضلاً عن أن القسام لم تخلفه مؤسسة ولم تكن المقاومة
في زمانه بأكثر من أحلام تداعب خيال نفر محدود من العمال الفقراء،
والذين لم يكن لهم أدنى اعتبار في نظر صناع قرار الحركة الوطنية
الفلسطينية يومذاك. والتحديات في زمن عصبة القسام لم تكن بأقل مما
تواجهه حماس هذه الأيام. الأمر الذي يعني أن احتمالات تحقق النقلة
النوعية المأمولة واعدة، وإن كان على المتطلع لاستشراف احتمالات
المستقبل أن يأخذ في حسبانه كامل أبعاد المشهد الفلسطيني، والتي
يمكن استعراضها بإيجاز:
فعلى صعيد حماس يحسب في ميزان قدراتها
نجاحها في ملء الفراغ القيادي بسهولة ويسر، وما تجلى من وئام
القادة الذين تمرسوا بالعمل في حياة الشيخ المؤسس والمرشد الروحي.
كما يحسب في ميزان قدراتها نجاحها في ضبط انفعالات عناصرها بحيث لم
تقدم على ما كان يتوقعه غير باحث من اندفاع في عمليات ثأرية تكشف
العديد من عناصرها في وقت هي غير مستعدة فيه بينما العدو في كامل
استعداده، بحيث يتمكن من تحقيق أكثر من ضربة ناجحة. وبعملية ضبط
النفس برهنت القيادة الميدانية لحماس على أنها تمتلك كفاءة تحديد
نوعية وزمن عملياتها المؤكدة الوقوع.
وعلى صعيد فصائل المقاومة الأخرى يستدل من
البيانات الصادرة عنها، وبخاصة بيان كتائب شهداء الأقصى، أن هناك
تحالفاً عضوياً قائماً فيما بين مختلف فصائل المقاومة، وإجماعاً
على الالتزام بخيار المقاومة، واستعداداً لمواصلة السير على درب
الكفاح والاستشهاد، وأن تعدد الفصائل والانتماءات لم يعد مقلقاً
طالما أن التنافس بات مجاله الوحيد الأداء الأكثر كفاءة في مواجهة
العدو.
وعلى الصعيد المجتمعي أوضحت مظاهرات مختلف
المدن، والصدامات المتوالية مع قوات العدوان الصهيوني. دون مبالاة
بتساقط الشهداء والجرحى، ولا إقامة أدنى اعتبار لتهديدات شارون
والإجماع الذي حققه من حوله، أن خيار المقاومة إنما هو الخيار
الأكثر شعبية والأوسع قبولا في الشارع الفلسطيني على أرض المواجهة،
فضلاً عن الأثر المعنوي الذي تركته مظاهرات السخط التي تفجرت في
أكثر من عاصمة عربية وإسلامية.
وعلى صعيد السلطة الوطنية الواضح أن النخبة
القائدة لم تفارق بعد نهج أوسلو، بدليل إنها لما تزل تراهن على ما
يسمى تجاوزاً "عملية السلام" وتنشد الحل عند واشنطن. وذلك في الوقت
الذي يجمع عليه المحللون السياسيون الأجانب والعرب على أن شارون
وحكومته أسقطوا كل المبادرات بإقدامهم على اغتيال مؤسس حماس
ومرشدها الروحي، وأن بوش وإدارته باعتبارهم جريمة الاغتيال دفاعاً
مشروعاً عن النفس، يؤيدون كل ما سوف يقدم عليه شارون - وفي الأمرين
دلالة قاطعة على أن لا شارون وحكومته ولا بوش وإدارته لديهم أدنى
الاستعداد لقبول ما هو دون الاستسلام الفلسطيني الكامل. وهذا ما لا
تجهله النخبة القائدة التي بات شاغلها الأول والأخير تأمين
مستقبلها الذاتي في زمن تشعر فيه بتسارع تآكل رصيدها التاريخي
وتأثيرها المادي والمعنوي على كوادرها الشابة المفارقة خيار
المساومة.
وعلى صعيد دعاة "الواقعية" والفهم القاصر
لمقولة "السياسة فن الممكن"، فإن في صدور بيان يدعو إلى ما يسمونه
"الانتفاضة السلمية" في زمن تصاعد إرهاب الدولة الصهيونية ما يدل
على أننا أمام زمرة وقوعية وإن ادعت الواقعية. ذلك لأنه بين الذين
وقعوا "بيان السبعين" من لا يشك مطلقاً بكفاءته السياسية وقدرته
على قراءة معطيات الواقع واستشراف تداعيات إرهاب الدولة الصهيونية.
وبالتالي يغدو مبرراً القول بأن أصحاب البيان إياه لم يخاطبوا
ببيانهم "السلمي" جماهير شعبهم التي جربت الانتفاضة السلمية سبع
سنوات انتهت باتفاق أوسلو سيء السمعة، ولا قيادات المقاومة الفاعلة
على الأرض، ولا حتى النخبة القائدة التي باتت فاقدة القدرة على
التأثير شعبياً، وإنما أرادوا به إعلان براءة مسبق من الفعل
المقاوم المؤكد تصاعده، لعل ذلك ما يحفظ لهم اعتبارهم عند صناع
القرار في واشنطن والقدس المحتلة.
وفي ما يمكن اعتباره البرنامج السياسي لحماس
في مرحلة ما بعد الشيخ الشهيد قدم مدير مكتبها السياسي رؤية تضمنت
إعلان الالتزام بالعمل على إنجاز الوحدة الوطنية الملتزمة بالثوابت
الوطنية، والعمل على إقامة القيادة الجماعية المعتمدة خيار
المقاومة، وتصعيد المقاومة مع حصر العمليات داخل أرض فلسطين،
وتحريم الدم الفلسطيني، والاهتمام بقضايا الأسرى والمعتقلين وأسرهم
بما يتكافأ وتضحياتهم. وتأكيد الارتباط وتوثيقه بالعمق العربي
والإسلامي والفضاء العالمي الإنساني الالتزام. ومن على منبر حزب
الله في بيروت طمأن خالد مشعل شعبه وأمته بأن النصر مؤكد وإن كان
درب المعاناة لما يزل طويلا ومكلفاً.
وحين يتكلم خالد مشغل من على منبر حزب الله
وعبر قناة المنار، فلا بد أن العديد من مستمعيه تساءلوا إن كانت
حماس، وهي على عتبات امتلاك المبادرة الاستراتيجية في حركة
المقاومة الفلسطينية، سوف تقتدي بحزب الله بالانفتاح والتفاعل
الايجابي مع مختلف ألوان الطيف السياسي والفكري الملتزمة بالثوابت
الوطنية. بما في ذلك تلك الفئة من النخبة القائدة التي لا زالت
قادرة على مقاومة الضغوط وأقل استعداداً لتقديم التنازلات، لتعزيز
قدراتها في مواجهة ضغوط واقعها المأزوم. وهل حماس سوف تحصن ذاتها
ضد نوازع التسلط ودواعي إقصاء الآخرين، هذه الدواعي وتلك النوازع
التي عانت منها ولا تزال مختلف القوى والعناصر الوطنية الفلسطينية؟
وهل كان خالد مشعل يتكلم بكل الحزم الذي بدا
منه لأنه واثق بأن من تربوا في مدرسة الشيخ أحمد ياسين يمتلكون
القدرة والكفاءة والإمكانيات التي تتطلبها نقلة نوعية في المسيرة
التاريخية لشعب عظيم في صموده وعطائه، لا تقل في صفحات سجله
الكفاحي الممتد عن النقلة التي كان للقساميين دور في إحداثها؟!.
وهل في ضوء معطيات الواقع على الصعيدين
المقاوم والصهيوني ما يبرر القول بأن في آفاق المستقبل احتمالات
واعدة؟
وهل إن حماس سوف تعمق وتوسع تفاعلاتها
الإيجابية مع سائر القوى على قاعدة الوفاء للمقاومة؟
تساؤلات ثلاثة الإجابة عنها ستحددها ممارسات
حماس خلال الأسابيع القريبة المقبلة.
************************
لماذا اغتيل الإمام الشهيد أحمد ياسين
بقلم/
تيسير حسن محيسن
باحث و محاضر جامعي
لم يكن
اغتيال الأمام أحمد إسماعيل ياسين حدثاً عابراً في التاريخ ولكنه
مثّل نقلة نوعية في سياسة الاحتلال الصهيوني ضد المقاومة
الفلسطينية، ليس لأجل أن الإمام يمثل حالة إنسانية نظراً لظروفه
الصحية التي يحياها، أو حتى لكونه زعيماً مؤسساً لحركة مقاومة
فلسطينية، أو حتى لكونه زعيماً فلسطينياً وطنياً.
إن اغتيال
الإمام أحمد ياسين لم يكن فكرة عابرة أو قراراً متسرعاً من قبل
الاحتلال ولكنه قراراً استراتيجياً نابعاً من رؤية لمنهج دأبت على
تنفيذه والسير عليه كل الحكومات في الكيان الصهيوني منذ أن كانت
دولة الاغتصاب " إسرائيل " على أرض فلسطين التاريخية.
أحمد
ياسين، ذلك الرجل الذي تحدث عنه الكثير وكُتب في حقه العديد من
المقالات وأشاد به وبمواقفه العدو قبل الصديق ، ولا يسع أي إنسان
يسمع عنه إلا أن ُيجله ويقدره أجل تقدير ، هذا الإنسان الذي ابتلاه
الله في جسمه وبارك له في عقله.
لم يكن
القائد أحمد ياسين زعيماً كباقي الزعماء أو مؤسساً كباقي المؤسسين
أو وطنياً كباقي الوطنيين، ولكنه فاق كل الوصف لهذه الألفاظ بل
تعداها بمسافات كبيرة، لقد كان زعيماً من زعماء أمة الإسلام، وكان
مؤسساً لحركة من أشرف وأطهر الحركات، وكان وطنياً ليس لفلسطين
وحدها ولكن لأرض المسلمين جميعاً بلا جدال.
عرفته منذ
أوائل الثمانينات عندما كان يتردد على مسجد الإصلاح في حي الشجاعية
حيث كان لا يزال يستطيع المشي متعثراً بعد أن يمسك بذراعه أحد
الشباب، لم يكن يبخل علينا بأحاديثه ومداعباته اللطيفة ونحن
الأشبال الصغار، بل كان يغمرنا بقصصه وبعباراته المؤثرة التي زرعت
فينا حب الإسلام والوطن فنشأنا على ما زرع فينا وسرنا إلى الأمام
وسار معنا من خلال جلسات التفسير التي كان يؤمها ويتحدث فيها عن
معاني القرآن ومفاهيم الآيات و شروحات الواقع التي نحياه.
إن بلاغتنا
البسيطة لتعجز أن تصف هذا الرجل أو حتى لتعطيه شيئاً من قدره
الكبير، فلك الله يا شيخ فلسطين، ويا إمام الشهداء في عصره.
رحلت بعد
أن أديت الواجب وأنهضت الهمم وبذلت الوقت والدم من أجل الإسلام
وفلسطين وتركت خلفك أناساً كثيرين همهم في الحياة كما كنت أن يرضى
الله عنهم أجمعين وأن يحشرهم مع زمرة النبيين والصديقين و الشهداء.
لقد أدرك
بني صهيون منذ زمن أن هذا الرجل ذو شأن عظيم وأن وراءه خطر كبير
فأقدموا على اعتقاله مرات ومرات كان أولها عام 1982م عندما ضبط أول
تنظيم عسكري للإخوان المسلمين في قطاع غزة، وخرج من السجن مرفوع
الجبين في عام 1985م، وجاءت الانتفاضة الأولى عام 1987م وتقدمت
حماس التي أسسها الشيخ المجاهد كل الصفوف في مواجهة المحتل فاعتقل
الشيخ عام 1989م ومكث في السجن حتى عام 1997م عندما أفرج عنه نتيجة
تدخل الملك حسين، بعد أن حاول الموساد اغتيال خالد مشعل رئيس
المكتب السياسي لحركة حماس في الأردن، فخرج الشيخ كريماً عزيزاً
وعاد إلى غزة ليعيد البناء ويقويه من جديد وجاءت انتفاضة الأقصى
وتقدمت حماس بعد أن أثر في قوتها ظلم الظالمين، وخرج أبناؤها من
السجون إلى الحدود ليواجهوا المحتل ويزودوا عن حمى الوطن السليب
وسطع نجم حماس من جديد، وسددت للعدو المجرم ضربات موجعة لم يشاهدها
من قبل فأرعدت وأزبدت قيادات الكيان المغتصب وهددت بالاغتيال
فاغتالت العديد من أبناء الشعب الفلسطيني حتى جاء دور شيخ فلسطين
هذا العنوان الثابت فتقدموا لاغتياله ظانين أنهم سيقضوا على حماس
أو على المقاومة وما حسبوا أن حماس والمقاومة لم تعد أمراً عابراً
بل إنها جزء أصيل من حياة الفلسطينيين لن يتخلوا عنها مهما بلغت
التضحيات حتى يزول الاحتلال ويرحل.
قتلوا
المؤسس والقائد فإذا بحماس باستشهاد قائدها ومؤسسها تنهض من جديد
وتزداد قوة والتحاماً وتماسكاً وشعبية.
قتلوا
فلسطينياً اسمه أحمد ياسين فإذا بعشرة يولدون باسم أحمد ياسين،
قتلوا عنوان مرحلة فإذا بمئات الآلاف يهتفون كلنا أحمد ياسين ونحن
على خطاك سائرون.
اليوم يا
شارون وبعد أن أشرفت بنفسك على اغتيال شيخ المجاهدين وهنأت القادة
من حولك بهذا النجاح، وكأن الشيخ أحمد ياسين كان عصياً على
الاغتيال، أو مختبئاً منك، فقد كان الشيخ يمارس حياته الطبيعية
ويذهب ويأتي ويخرج ويستقبل الضيوف ويصلي في المسجد، دون خوف من احد
فلماذا هذا الحقد على رجل قعيد مثل أحمد ياسين، لقد كان بامكانك يا
شارون بدل أن تخرج الطائرات وتطلق ثلاث صورايخ على شيخ قعيد فتحول
جسده إلى أشلاء أن ترسل له طفلاً ليدفعه عن كرسيه فيموت أو تسقط
عليه كيساً من الماء من طائرة فيموت.
ولكن مشيئة
الله وعنايته وتقديره شاءت يا شارون أن تترجم حقدك على هذا الشيخ
بهذه الطريقة التي جاءت بمثابة فتح وانتصار لحماس.
فقد أردت
الموت لحماس بموت زعيمها ولكن الله أراد لحماس الحياة بحياة زعيمها
في الخالدين.
لقد
اغتالوك يا شيخ فلسطين لأنك كنت رمز الوحدة الوطنية التي لعبت "
إسرائيل " سنوات على فرط عقدها، فأفشلت بحكمتك كل خططهم
ومؤامراتهم، واغتالوك يا شيخ المقاومة لأنك كنت عنوانها للجميع حيث
لم تبخل على أحد يريد أن يقاوم من جميع الفصائل والتيارات.
واغتالوك
يا شيخ فلسطين لأنك كنت محبوباً من الجميع حتى من خصومك فقد كنت
ودوداً رحيماً معطاءاً وقوراً لا يملك من يشاهدك أو يجلس معك إلا
أن يحبك...
فإلى جنة
الخلد يا شيخ الشهداء.
************************
حماس والمقاومة
كتب :د. عصام العريان
مازالت
تداعيات جريمة مجرم الحرب «شارون» التي أشرف عليها شخصيًا وأدت إلي
اغتيال شيخ مجاهدي فلسطين في هذا العصر الشيخ أحمد ياسين تتوالي.
وفي البداية, لقد حملت هذه الشهادة العظيمة دروسًا بليغة هي من
أولي تداعياتها علي الصحوة الإسلامية والحركة الإسلامية في العالم
كله:
أولاً: لقد
تفاعلت جماهير المسلمين في كل العالم الإسلامي مع هذه الخاتمة
المباركة لشيخ المجاهدين, وكأن الله تعالي أراد أن يكرم هذا الشيخ
المقعد في هذه السن المتقدمة, الذي عذره الله في كتابه العزيز,
أكرمه بنيل «الشهادة» وهي أعظم الدرجات بأن استشهد وهو علي كرسيّه
المتحرك خارجًا من صلاة الفجر في المسجد, وملايين المسلمين
الأصحّاء الأقوياء الآمنين يغطون في نوم عميق.. فهل أفاقتهم شهادة
الشيخ الجليل?!!
ثانيًا:
الشهادة اختيار الله تعالي, وليست باجتهاد أو اندفاع المتحمسين..
إن الله يقول: {وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} [آل
عمران:140], فالله تعالي هو الذي يختار بنفسه من يكرمه بالشهادة,
والرسول صلي الله عليه وسلم يقول لنا معلمًا وهاديًا ومرشدًا «من
سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات علي
فراشه».
فالصدق الصدق مع الله, وخلوص النية قبل خوض غمار المعارك إن أحمد
ياسين رحمه الله تعالي كان التطبيق العملي في هذا العصر للآية
الكريمة {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى
نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاٍ} [الأحزاب:23]
ثالثًا: إن
الواجبات مهما تزاحمت فإن الصادق يستطيع أن يوفّق بينها, ولعل في
حرص الشهيد العظيم علي صلاة الفجرة في المسجد بعد قيامه الليل في
هذه الظروف العصيبة من المرض والعجز وانعدام الأمن درسًا بليغًا
لنا نحن معشر المسلمين, خاصة العاملين للإسلام, في تقديم الأهم
فالمهم فالهام, وعدم التعلل بتزاحم الواجبات للقعود عن الطاعات,
والتقاعس عن القربات فرب ركعات في جوف الليل تتسبب في نجاة صاحبها
بين يدي الله يوم القيامة وتكون أكثر بركة من الركض هنا أو هناك.
رابعًا: أن تقديم «أحمد ياسين» نموذجًا للتأسي في هذا العصر هو من
أفضل الأعمال لشحذ همم القاعدين, وتصحيح نيات العاملين, وترتيب
أولويات المجاهدين, وعلينا أن نركز علي الدروس المستفادة من هذه
الشهادة العظيمة للتذكير بقضية فلسطين, وبالمنهج السليم لتحرير
الأراضي المغتصبة, وتصحيح نهج المقاومة والجهاد التي ساهمت أعمال
عشوائية في تشويهها.
خامسًا: إن علينا أيضًا أن نسعي عالميًا -وهذا واجب الأقليات
المسلمة في العالم الغربي وخارج العالم الإسلامي- لتقديم أحمد
ياسين مناضلاً ومجاهدًا في سبيل الله من أجل تحرير وطنه المحتل.
لقد قدّمت
أمريكا اللاتينية نماذج للمقاومة ضد الاحتلال وللنضال مثل: سيمون
بوليفار (له ميدان بالقاهرة تسمي باسمه) وتشي جيفارا: المناضل
الأممي الشيوعي (الذي غني له اليسار المصري طويلا عبر الثنائي
الشهير نجم -إمام) وقدمت أفريقيا: نلسون مانديلا: الذي عاش في
أقبية السجون العنصرية 27 عاما لم يتخل فيها عن الكفاح المسلم. كما
قدمت آسيا الهندوسية والبوذية: غاندي: قديس الهنود رمزًا للكفاح
السلمي وحركة «اللاعنف» الذي اغتاله الهندوس المتعصبون, وقدمت
الصين ماو تسي تونج مقاتلاً صلبا عنيدًا قاد تحرر بلاده.
فها نحن
اليوم نقدّم للعالم رمزًا جديدًا للجهاد والتحرير ضد الاستعمار
الصهيوني - الأمريكي هو الشيخ أحمد ياسين.. نقدّم باسم العالم
الإسلامي كله, ليس مؤسسًا لحركة حماس, ولا زعيمًا روحيًا للمقاومة
الفلسطينية فحسب, ولكنه رمز يحتاج إليه العالم كله, والمسلمون خاصة
ضد الهيمنة الأمريكية في عصر الاستكبار الأمريكي, نضيفه إلي
«الشقاقي, والبنا, والخميني» رموزًا للجهاد الحق الصحيح في الوقت
الصحيح في الميدان الصحيح.
سادسًا:
إننا في أمسّ الحاجة إلي تحويل التعاطف الشعبي الهائل والنشاط
الحركي العظيم الذي صاحب استشهاد شيخ المجاهدين إلي طاقة فعل وعمل
مستمر.. هذا العمل يجب أن يركّز علي عدة قضايا وأن يهدف إلي تحقيق
أهداف واضحة فأهدافنا في هذه المرحلة هي:
-إيقاظ وعي
الشعوب بخطورة المشروع الصهيوني- الأمريكي علي عقيدة الأمة وعلي
مقدراتها ومواردها وثرواتها.
- إبقاء جذوة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني والأمريكي متوقدة لا
تنطفئ.. جهاد سليم ضد عدو واضح محدد في ميدان معروف تقوده حركات
جهاد معروفة لها برامج يلتف حولها الناس من أجل التحرير والإنقاذ,
ومن أجل التنمية والبناء, ومن أجل الوحدة الوطنية لكل فصائل الأمة.
- حشد كل
الطاقات في الأمة خلف حركات المقاومة في فلسطين وفي العراق وعدم
بعثرة الجهود هنا أو هناك: توعية بالقضية وشحذًا للهمم وتعبئة
للموارد لدعم المجاهدين.
ووسائلنا في هذه الظروف العصيبة هي:
-التوعية
بقضايا الأمة في فلسطين والعراق عبر كل الوسائل المتاحة, بالكتابة
في الصحف والمجلات, والنشر في النشريات والكتيبات, وتوزيع البيانات
والملصقات, والحديث في كل المنتديات, والمداخلات في الإذاعة
والفضائيات, والحوار مع كل طوائف الأمة, فإن أغلقوا في وجهنا منابر
المساجد والمنتديات الرسمية, فأمامنا أبواب مفتوحة لا يستطيع أن
يغلقها إنسان.
- دعم
المجاهدين خاصة في فلسطين بكل ما نقدر عليه من دعم مادي, ولن تعدم
الأمة الإسلامية كل الطرق التي توصل بها هذا الدعم.
-إن
استشهاد أحمد ياسين بعث مزيدًا من العزم والتصميم في الشعب
الفلسطيني علي مواصلة طريق نهج المقاومة والاستشهاد, رأينا ذلك في
عيون الأطفال وإصرار الشباب ونظرات الشيوخ حتى النساء والفتيات,
ويتبقى علي بقية الأمة أن تمدّهم بأسباب الحياة «ومن خلَف غازيًا
في أهله بخير فقد غزا, ومن جهّز غزيًا فقد غزا». هذه هي الغزوات
الصحيحة في المكان السليم.
-علينا أن
نرفع شعارًا محددًا: «مليار دولار من أمة الإسلام لنصرة المجاهدين
في فلسطين».
-إن ذلك
يعني أن علي كل مسلم أن يساهم بدولار واحد ولو سنويًا, فما بالكم
لو كان شهريًا?! دولار واحد أي ثمن وجبة طعام من ساندويتش تنتهي
لذته بمجرد تناوله.
-هذا يحتاج
منا إلي شبكة نشيطة من كل المسلمين, وليس من أبناء الحركة
الإسلامية فقط, شبكة تلقائية لا تستطيع كل أجهزة مخابرات العالم أن
تكتشفها, لإنها ببساطة تعمل علانية وبتلقائية شديدة عبر التواصل
الطبيعي مع شعبنا المرابط في فلسطين. ويوم تتحول قضية فلسطين إلي
قضية كل مسلم, بل كل عربي, بل كل إنسان حر مسلم أو مسيحي أو غير
ذلك.. فإننا نكون بذلك قد وضعنا أقدامنا علي أول طريق دحر المشروع
الصهيوني الاستيطاني, وما ذلك ببعيد..
************************
إغتيال
الشيخ وحسابات «الشرق الأوسط الكبير»
بقلم: محمد خالد الأزعر*
صحيفة البيان
الإماراتية 10/4/2004
التصريح
الذي أعلن فيه وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز اعتبار حركة
حماس عدواً استراتيجياً لإسرائيل لابد من القضاء عليه، يستحق وقفة
تأمل خاصة. وتلح الحاجة إلى هذه الوقفة في ضوء الإعلان الرديف
الصادر عن رئيس الأركان موشيه يعالون، الذي فاخر فيه باغتيال الشيخ
أحمد ياسين، وتوعد الشيخ حسن نصر الله وياسر عرفات بالمصير ذاته،
ومعهما قائمة تصل إلى زهاء مئة من قيادات المقاومة الإسلامية في
فلسطين ولبنان.
ظاهرياً،
تبدو هذه التهديدات تقليدية مكرورة ولا جديد فيها.. فشيوخ حماس
وحزب الله وبقية القيادات والعناصر المقاومة كانوا دوماً هدفاً
للإجرام الإسرائيلي المفتوح. الجديد هو توقيت التأكيد على هذا
الهدف وإبرازه في غمرة المشاعر الملتهبة عربياً وإسلامياً جراء
اغتيال شيخ حماس، وعلى الرغم من هذه المشاعر. التوقيت هنا يواكب
حديث الإصلاح الشامل عربياً وإطلاق مبادرة الشرق الأوسط الكبير
أميركياً.
ترى هل
قصدت حكومة شارون بعملية الاغتيال والتهديدات اللاحقة لها إشعار
الجميع بأنه لا مكان في التحولات الإقليمية المنتظرة لقوى
المقاومة؟..
هل أراد
شارون وبطانته إنذار كل من يعنيهم أمر هذه التحولات، سواء جرت
بمبادرة ذاتية عربية أو بالانصياع للمبادرات الخارجية المتزاحمة،
بضرورة عزل هذه القوى وإسقاطها من الحسابات؟
علينا أن
نلاحظ كيف انفردت واشنطن بعدم إدانة اغتيال ياسين وغض النظر عن
التهديدات الإسرائيلية بحق قيادات المقاومة الأخرى.
ما يراودنا
أن الإرادتين الإسرائيلية والأميركية تلتقيان تماماً على مطلب
إزاحة التيارات المعاكسة لمشروعها الإقليمي العتيد، سواء أخذت هذه
التيارات المظهر الفكري الإيديولوجي أو تبلورت في حركات منظمة ترفع
لواء المقاومة بكل السبل الممكنة.
ما يراودنا
أن التحالف الأميركي الإسرائيلي ما عاد بوارد الإصطبار على هذه
التيارات الممانعة التي سبق لها مراراً أن أفسدت سلام الإملاءات
والمشروعات البديلة من النظام العربي. ويعتبر هذا التحالف أن
المرحلة الراهنة بمعطياتها الضاغطة على العرب بمرجعيتهم القومية
والعقيدية، ينبغي أن لا تمر بدون استثمار.
وأنه من
غير المعقول أن لا يجري استغلال كل هذا الاستضعاف الرسمي وحالة
التيه القيادي التي يعيشها النظام العربي، والاختلالات العضوية
لبعض أقطار هذا النظام، والتغلغل المروع في أبعاد الحياة العربية،
والبيئة الدولية المواتية، لمجرد وجود بؤر مقاومة هنا وهناك.
مؤدى ذلك،
أن المطلوب ليس فقط «تنظيف غزة» من حماس ونظائرها وإنما «تنظيف
المنطقة العربية» وجوارها من كل هذه البؤر.. التحالف الأميركي
الإسرائيلي يدرك جيداً أنه لا رجاء في مرور المشروعات البديلة
للنظام العربي، مهما راوغت عناوينها طالما احتفظت هذه البؤر العصية
بوجودها التنظيمي وبخطابها المعاكس، لاسيما في فلسطين ولبنان
والعراق.
ومما يعيه
هذا التحالف أيضاً أن قوى الممانعة العربية المغلفة والمحشوة
بالأبعاد العقيدية أو الحضارية الإسلامية الجامعة، تستطيع استقطاب
سواد الشعوب في هذه المنطقة المدعوة بالشرق الأوسط الكبير بسهولة..
وبذلك فإنه حتى لو طأطأت النظم الحاكمة أو تواطأت مع مخططات
التغيير المنشود، فسوف تبقى هذه القوى قادرة على افشال الحفل في
مرحلة أو أخرى.
وعليه،
يقول لسان حال التحالف وسلوكياته، لابد من التعرض الدموي لهذه
القوى في بداية الحفل وليس في نهايته أو أثناء سيرورته. إن اغتيال
ياسين والحال كذلك يبدو كحركة افتتاحية في سيناريو دموي كبير ينتظر
المنطقة. سيناريو تحوي مشاهده عمليات مطاردة إرهابية مستمرة ضد
مقاومي الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي والتسوية الإملائية
الممهدة للشرق الأوسط الكبير، المستكين، الخالي من دسم قوى التمنع
والاستعصاء.
ونحسب أن
التحالف إياه انبرى للأخذ بهذا السيناريو الهجومي المباشر، بعدما
يئس من جدوى التحريض واشعال الفتن الداخلية وإغراق المقاومين في
حمأة الصراعات الأهلية. فلا السلطة الفلسطينية اصطدمت بحماس، ولا
الدولة اللبنانية تعرضت لحزب الله وغضبت عليه، ولا الشيعة والسنة
والأكراد وبقية الطوائف وقعوا في مهاوي الاقتتال بأرض الرافدين..
والأنكى هو
تطور المعطيات في الاتجاه المعاكس. اتجاه التلاقي على ثقافة
الممانعة واجتذاب الشعوب على خيار المقاومة، ووقوع القوى المتواطئة
في دائرة حصار خانق يوماً بعد يوم.. بل ووجود حوارات معلنة وخفية
بين تيارات المقاومة وتيارات التسوية والقبول، ما يجافي توقعات
وطموح الوقيعة بين هؤلاء وهؤلاء.
تقديرنا أن
مشروع الشرق الأوسط الكبير، حاضر بقوة في خلفية صورة الهجوم على
شيخ حماس وتهديد أشياعه وأنداده وأبناء مدرسته بالكامل.. داخل
فلسطين وفي محيطها الإقليمي.. هذا يستدعي من خلفاء الشيخ وبقية
المطلوبين الاستعصام بالتنسيق، وبالظهير الشعبي الذي تجلت قوته
وصحوته في يوم اغتيال الشيخ الشهيد.
وأغلب
الظن أن تحالف البغي أخطأ في حساباته من هذه الزاوية. كيف لا وهو
باستهداف الرموز الإسلامية المقاومة الشهيرة بطهريتها ونقاء سجلها
النضالي وسيرتها بين الناس، إنما يستدعي لمواجهته قطاعات واسعة من
الشعوب «الشرق أوسطية» تحت نداء الحضارة الإسلامية، بخلاف استدعائه
القديم لمقاومة الشعوب العربية تحت نداء الشعائر القومية؟!
* كاتب فلسطيني
************************
"موسم الصيد" الصهيوني ومسيرة المقاومة
المستمرة
د. عبد الوهاب المسيري
صحيفة الاتحاد
الإماراتية 10/4/2004
في معرض
التعليق على جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، قال أحد قادة الكيان
الصهيوني إنها إشارة إلى أن "موسم الصيد قد بدأ". وتنطوي هذه
العبارة على صورة مجازية لها دلالتها التي تستحق التحليل. فهي
تعبير متبلور عن الإدراك الصهيوني للذات وللآخر. أما الآخر، أي
الفلسطينيين العرب، فهم في التصور الصهيوني، مجرد كائنات طبيعية،
حيوانات تجري في أرض بلا شعب. وفي المقابل، يوجد المستوطنون
الصهاينة، الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم الرواد الصيادين (الذين لا
يحملون أية أعباء أخلاقية، أي أنهم مخلوقات داروينية كاملة)، حيث
أتوا إلى هذه الأرض وزعموا أن لهم فيها حقوقاً مطلقة، بما في ذلك
اصطياد "الحيوانات الوحشية" التي تجري فيها والتي وُجدت فيها
بالصدفة لآلاف السنين(!) إلا أن هذه الرؤية اصطدمت بمعضلة لا مناص
من التصدي لها، وهي أن عدد "الحيوانات الوحشية" آخذ في التزايد،
وأداءها يزداد دقة وإبداعاً، كما أنها متمسكة بالبقاء على هذه
الأرض، فما السبيل إلى إيقاف هذا؟ يتمثل "الحل" الصهيوني في اصطياد
القيادات حتى تجري الحيوانات بلا اتجاه وربما تتقاتل فيما بينها.
هذه هي
الصورة الإدراكية التي تسيطر على العقل الصهيوني منذ بداية
الاستيطان. وكان الصهاينة يحرصون على إخفائها أحياناً، أو يعرضونها
بصورة مهذبة ومصقولة في أحيان أخرى، ولكنها نادراً ما كانت تفصح عن
نفسها صراحةً، فقد كان كل من يقدم على التعبير عنها بلا مواربة
يُصنف باعتباره متطرفاً أو معتوهاً أو يمينياً، ولا يمثل "التيار
الصهيوني الأساسي المعتدل". أما الآن، فقد أفصحت الخريطة الإدراكية
الصهيونية عن نفسها تماماً، ولم يعد من يتفوه بها يُحسب ضمن
المعتوهين المتطرفين اليمينيين، فهم متحدثون باسم المؤسسة الحاكمة
ويعبرون عن "العقيدة" التي توافق عليها أغلبية ما يُسمى "الشعب
الإسرائيلي"، أي المستوطنين الصهاينة.
ويبدو أن
الصهاينة قد وقعوا صرعى خريطتهم الإدراكية وصورتها المجازية
المتوحشة التي بسَّطت الواقع لهم وحولته إلى عنصرين اثنين: صياد
ماهر، وفريسة سهلة؛ صياد يتحرك بشراسة ليصطاد فريسة ضائعة تجري دون
هدف واضح إلى أن يرديها الصياد صريعة برصاصه.
والآن
لننظر إلى ما حدث في الواقع. لقد فرضت عملية اغتيال الشيخ أحمد
ياسين نفسها على مباحثات وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في
بروكسل، فوصفها وزير خارجية فرنسا بأنها عملية خطيرة ستؤدي إلى
تصعيد العنف والإرهاب في المنطقة. وقد حاول جاك سترو وزير خارجية
بريطانيا في البداية الضغط على نظرائه لتهميش القضية ولكنه لم
يفلح، فأدلى بتصريح جاء فيه أن الحادث الذي قامت به "إسرائيل" إنما
يخرج عن نطاق القانون الدولي، مؤكداً عدم وجود مبررات وراء الحادث.
وتوالت تصريحات الوزراء بعد ذلك في الاتجاه نفسه.
وكانت
استجابة الإعلام الغربي لاغتيال الشيخ أحمد ياسين أكثر وضوحاً. فقد
أدانت الصحف البريطانية العملية ووصفتها صحيفة "الإندبندنت" بأنها
تصعيد متعمد للعنف من جانب "إسرائيل". وأكدت الصحيفة أن الطريق إلى
السلام أُغلق نهائياً بعد أن أثبتت "إسرائيل" أنها لا تعترف
بالمفاوضات وتتصرف بطريقة أحادية، بحيث أصبحت "خريطة الطريق" بلا
معنى. كما أضافت أن قرار اغتيال الشيخ ياسين فتح الباب على مصراعيه
لإسالة مزيد من الدماء. وأشارت الصحيفة إلى ما لم يدركه شارون
ومستشاروه، وهو أن عملية الاغتيال لم تُضعف حركة "حماس" وغيرها من
فصائل المقاومة الفلسطينية، بل ستضاعف من قوتها. وقد وافقت صحيفة
"نيويورك تايمز" على تحليل "الإندبندنت" إذ قالت إن عملية الاغتيال
ستدفع حركة حماس لمضاعفة جهودها بإرسال مقاتليها إلى "إسرائيل"
لتنفيذ عمليات مقاومة، ولن تجد السلطة الفلسطينية مجالاً لكبح جماح
حركات المقاومة والوصول إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين
الجانبين فيما يُعرف بالهدنة المؤقتة.
والصحف
الغربية محقة تماماً في تقييمها للموقف. فالفريسة الفلسطينية ليست
لقمةً سائغةً، كما يتصور الصهاينة، بل هي كيان نبيل يؤمن بقيم
مثالية لم يسمع بها الصياد الصهيوني من قبل، مثل الشرف والوطن
والأرض والكرامة. كما أن طبيعة المقاومة الفلسطينية تضمن لها
الاستمرار رغم كل ما يلحق بها من خسائر وضربات: فالمقاومة
الفلسطينية نجحت في تحريك الكتلة البشرية الفلسطينية بأسرها ضد
الكتلة البشرية الصهيونية الوافدة. وقد نتج عن هذا أن أصبحت
الانتفاضة تختلف عن حركات المقاومة الأخرى التي تتسم بالتنظيم
الصارم. ففي تلك الحركات يكون المركز قوياً والأطراف ضعيفة. ويقوم
التنظيم على الطابع الهرمي، فإذا أصاب المركز أي خلل تبعثرت
الأطراف وتحول الهرم المدبب إلى شيء مسطح لا قوام له.
أما في
حالة المقاومة الفلسطينية، فإن المركز ليس بالضرورة أقوى من
الأطراف، ولا يأخذ التنظيم الشكل الهرمي، ولا وجود لقيادة تمسك
بيدها كل الأمور بمعزل عن الجماهير. فالقيادة تسير مع الجماهير
جنباً إلى جنب، كما هو الحال في المجتمعات التقليدية التي لا تعطي
أهمية مطلقة للنخبة أو الدولة، إذ تتم الإدارة من خلال عدد هائل من
المؤسسات الأهلية والوسيطة (مثل الأسرة، وعلاقات القرابة،
والأوقاف)، ومن خلال النصح والإرشاد وقدر من الإجماع. وفي هذه
الحالة، لا تتأثر الأطراف إذا أُصيب المركز أو غاب، فالأطراف لها
شخصيتها المستقلة ووتيرة حركتها التي تتسم بتموجاتها ومنحنياتها
الخاصة، وإن كان المركز ينظمها. وهذا التماسك بين أفراد الجماعة
يمكنها من الاستمرار في الأداء بدون توجيه يومي أو رقابة صارمة من
القيادة. ومن هنا، يصبح اعتقال القائد أو حتى اغتياله عنصراً يزيد
التلاحم والتماسك والتراحم، بدلاً من أن يكون عنصر تراجع وانهيار.
ومن
المفارقات أن تماسك الجماعة وفاعلية كل أفرادها يجعلها أكثر قدرة
على اختيار العناصر القيادية الأكثر كفاءة. فما دام الجميع يعرفون
بعضهم بعضاً، وما دام الطفل والشاب والكهل يتكاتفون، فإن الممارسة
اليومية تسهِّل معرفة العناصر الأكثر حركية وانتفاضاً بحيث تُصعد
لمرتبة القيادة.
وتنضوي
جنازة الشيخ الشهيد تحت النمط نفسه. فرغم فداحة الخسارة ورغم بشاعة
الجريمة، كانت الجنازة فرصةً لكي تعبّر الكتلة البشرية عن عميق
إيمانها، وعن تماسكها وإصرارها، وعن قدرتها على تقديم مزيد من
القادة والمقاومين والشهداء، وعن استمرار المقاومة.
حين تُوفي
خالد الحسن (أبو سعيد)، رثيته بهذه الكلمات: "هل تموت الفروسية
بموت الفارس؟ هل تموت البطولة باستشهاد البطل وهل يختفي الصمود
برحيل بعض الصامدين؟" وها أنذا أرثي بطلاً وفارساً وشهيداً آخر
بنفس الكلمات، بنفس الأسئلة البلاغية، فالمقاومة مستمرة والحمد لله
رغم غياب بطل وفارس في منزلة الشيخ أحمد ياسين وحجمه.
والله
أعلم!
************************
" عشـرُ عبـر ياسينيـّة "
حامد بن عبدالله العلي
1ـ تعد حياة شيخ المجاهدين أحمد ياسين ، بحق
سيرة مجاهد رباني ، وقد كان آخر ما تلاه لوسائل الإعلام هذه الآيات
" وكأيّن من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا
لما أصابوهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب
الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا
وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ،
فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنيــــن
، يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم
فتنقلبوا خاسـرين ، بل الله مولاكم وهو خيــر الناصــرين " .
أي: كم من نبي قاتل معه ، وفي قراءة " قتل معه
" أي جاهدوا حتى بلغوا أن استشهدوا ، ولم يكن يصيبهم في طريق
الجهاد مع تعاليم الأنبياء الوهن ، وهو الذي يفت بالعزيمة ، ولا
الضعف الذي يصيب البدن فيطلب الراحة من عناء الجهاد، ولا الاستكانة
وهي الرضوخ لقوة الأعداء رهبة لها .
بل بقوا إلى آخر الطريق ، صابرين ، مصابرين ،
مرابطين ، وكانوا مع ذلك يطلبون من الله أن يغفر ذنوبهم ، وإسرافهم
على أنفسهم بالذنوب ، فهم لا يرون أنفسهم شيئا ، بل يرونها مقصرة
فيما يجب أن تقوم به من الجهاد لله ، وكانوا يسألون النصر على
الكفار من الله ، لا من عند أنفسهم ، ولا يغترون بقوتهم ولا
بعددهـــم ولا بعدتهم ، فأثمر جهادهم ، وصبرهم ، وتواضعهم، ثواب
الدنيا وهو راحة نفوسهم وإصلاح بالهم وهم في أشد المواجهات مع
أعداءهم ، والنصر على أعداءهم ، وحسن ثواب الآخرة ، أي نعيم الآخرة
، وتأمل كيف حذر الله تعالى بعد ذلك من طاعة الكفار ، وأنه سبيل
الخسران ، ذكر هذا بعد الأمر بالقتال ، ليبين أن طاعتهم في ترك
القتال هو الخسران العظيم .
2ـ والعجب أن الصهاينة يعترفون أن هذا الرجل
المقعد لم يحاربهم مثله ، ولم يمر على كيانهم أشق من الأعوام التي
قاد فيها حماس في جهاد كالبرهان الثائر على الصهاينة ، ونعم ، قد
صدقوا فقد كانت الرجولة كأنها قد حلت كلها في الشيخ أحمد ياسين ،
وما في غيره منها إلا انعكاس لما فيه ، ومع أنه مسلوب القوة
البدنية ، غير أن الرجولة كأنها تريد أن تضرب به مثلا قائلة ،
لاتطلبوني في الأبدان القوية ، ولكن في العزائم القوية ، ولهذا لما
وصف الله تعالى الرجال في القرآن ، وصفهم في موضعين ختم أحمد ياسين
حياته بهما :
"
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح
له فيها بالغدو والآصال رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة "
وقول تعالى
" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
فمنهم من قضى نحبه ومن ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الصادقين
بصدقهم .. الآيات "
وقد استشهد رحمه الله تعالى وهو خارج من الصلاة
و التسبيح في بيوت الله إلى حيث قضى نحبه صادقا لم يبدل تبديلا ،
فقد بقي رحمه الله صامدا في اتباع نهج الجهاد الإسلامي ،
لم يبدل شريعة الله فيه ، ولم يتنازل عن شيء
منها كما فعل غيره تحت ضغط الواقع ، تحت الشعار الذي تحول إلى مطية
الانهزام واستمراء الذل والهوان : " مصلحة الدعوة " .
3ـ إذا كان لكل كبير من أمتنا مدرسة تميزه ،
فالذي ميز الشيخ أحمد ياسين أنه مؤسس مدرسة القنابل البشرية التي
حصرت الصهاينة وراء جدار وحولت كيانهم إلى كابوس من الرعب ، وإذا
كان لكل جبل من رجال الأمة فكرة جوهرية أعاد إحياءها في الأمة ،
ففكرة ياسين هي فكرة صناعة المجد من رحم الهزيمة.
4ـ لقد ترك ياسين أسودا وضعهم الصهاينة على
قائمة الاغتيالات ، ومن أهم القيادات : الرنتيسي .. الزهار ..
عبدالله الشامي .. أبو قصي .. اسماعيل هنية .. محمد الهندي .. نفاذ
عزام ..
هؤلاء الأبطال وغيرهم من قادة الجهاد حراس
المسجد الأٌقصى وأسود شيخ الجهاد أحمد ياسين ، قد أسلمهم الحكام
العرب الخونة إلى أعداءهم ، ولاشي يقف في وجه الصهاينة ويردعهم عن
استكمال مخططهم الخبيث الذي يهدف في النهاية إلى الاستيلاء على
المسجد الأقصى مهاجر الأنبياء ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم
وثالث الحرمين ، سوى هؤلاء الأبطال .
وقد أحيط بهم ، فالحكام الخونة من الدول
المحيطة بالكيان الصهيوني ، من وراءهم بالمرصاد ، يقتلون كل من
يحاول نجدتهم من إخوان العقيدة ، والصهاينة أمامهم يطلقون عليهم
الصواريخ .
وقد يتساءل المرء كيف لهم أن يصمدوا ، وهم في
هذا الحصار ، الذي ضاق عليهم ، وضاقت به عليهم الأرض بما رحبت،
وزلزلوا ، والجواب : أن إيمانهم بأن الله تعالى من وراء اعداءهم
محيط ، وحبهم للقاء الله تعالى بدرجة الشهادة التي هي أعظم ما يلقى
العبد بها ربه ، جعل هذا الحصار بالنسبة إليهم فرصة عظيمة يحلمون
بهـــا ، وليس بفزع يخشونـه، فتأمل كيف يحول الإيمان الرجال إلى
طاقات من العطاء الخارج عن قدرة الوصف .
5ـ أحمد ياسين عاش يتيما ثم مقعدا ثم معتقلا
سنين طويلة عانى فيها ما عانى من التعذيب الصهيوني ، ثم قاد
المجاهدين الذي يجاهدون جيشا تخشاه كل الدول العربية مجتمعة ،
وأحدثوا في هذا الجيش وكيانه الصهيوني أعظم النكايات ، وأذاقوه أشد
البأس ، قادهم على كرسي متحرك ، بهمة العالية ، وإيمانه ـ نحسبه ـ
الكبير بالله تعالى ، وثقة بنصره ، ثم كتب الله تعالى له الشهادة
على كرسي متحرك ، وكان ذلك غاية ما يتمناه ، فقد كان ابنه يحذره من
اقتراب المروحيات فيقول أليس هذا ما نتمناه .
والحقيقة أنه لم يمت بل تحول ، كما تحول القسام
، وكل أبطال الجهاد الفلسطيني إلى روح نابضة تقود الجهاد بما ضربته
من مثل وتضحية ، ولهذا فشيخ الجهاد أحمد ياسين انتصر على جلاديه ،
وحقق أمنيته ، بأن يحيي قائدا للجهاد الفلسطيني إلى النصر بنيله
الشهادة على يد أعداءه .
6ـ هذا الأنموذج البطولي لصناعة تاريخ المجد ،
الذي حول الضعف والشلل والفقر واليتم إلى قيادة شعب لأعظم جهاد ،
هذا الأنموذج البطولي العظيم هو الذي لا يريد الأعداء أن يُقدم
لشباب أمتنا ، بل يريدون بدل ذلك تقديم "الستار أكاديمي" و"السوبر
ستار" وما لفّ لفّهما من النماذج المهترئة البائسة ليقتلوا في شباب
الأمة ، كل همة وحب للجهاد والتضحية ، فمتى نعي حقيقة ما يكاد لنا
.
7ـ مخزون الأمة من الأبطال ، والمجاهدين ،
مخزون عظيم لاينتهي ولا ينضب ، والأمة التي أنجبت شيخ الجهاد أحمد
ياسين ، ستنجب ألوفا مثله ، ألم تنجب قبله محمد الفاتح العثماني ،
وصلاح الدين ، وعمر المختار ، وقبلهما الصديق والفاروق ، وخالد بن
الوليد وسعد بن أبي وقاص ، إنها مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم
مصنع الرجال والأبطال والمجاهدين الذي لن يتوقف إلى قيام الساعة.
8ـ حماس مصنفة إرهابيا في أمريكا وأروبا على حد
سواء ، وقائدها أحمد ياسين وفق هذا التصنيف ، قائد منظمة إرهابية ،
ولاريب أن الكيان الصهيوني قد أخذ الضوء الأخضر الأمريكي والأوربي
على تصفيته .
وهذا يدل بلا ريب على أن المقصود بالإرهاب هو
الجهاد الإسلامي ، الذي يقف اليوم وحده صامــدا ، أمام المخططات
الصهيونية لأمتنا ، فمن العار والغباء أن ندعو اليوم إلى ترك
الجهاد ، أو نرمي المجاهدين بأنهم متهورون يحملون مشروعا خاسرا ،
لأن هذه المقولة الخبيثة تحقق هدف الأعداء نفسه فليكف عنها
المنهزمون قاتلهم الله أنى يؤفكون .
9ـ يجب أن نكون على يقين تام أن المخطط
الصهيوني على أمتنا أكبر بكثير من اغتيال ياسين ، أو احتلال فلسطين
، أو هدم المسجد الأقصى ، إنه مخطط في غاية الخبث لم يمر على أمتنا
مثله في تاريخها ويهدف إلى اغتيال عقيدتها ،
وسلب حضارتها ، وسرقة عقول أبناءها ، وتحويل
مكتسباتها إلى رصيد لأعدائها ، بواسطة إرهاب عسكري ، وفكري ،
وإعلامي هائل .
كما يجب أن نعلم أن نكون على يقين أن الجهاد
الإسلامي اليوم جهاد واحد ضد عدو واحد ، فالمجاهدون في أفغانستان ،
والعراق ، والشيشان ، وكشمير ، وفلسطين .. إلخ ، كلهم يقاتلون في
قضية واحدة ، ضد عدو واحد ، عدوهم المشترك هو الصهيوصليبية
العالمية وأولياءها ، ومخططها واحد ، يهدف إلى القضاء على الإسلام
، والواجب على المسلمين أن يقفوا مع المجاهدين في كل مكان .
10ـ بشارات النصر لاحت ، ورياح التغيير قد هبت
نسائمها ، وانقلاب الأوضاع لصالح الإسلام قاب قوسين أو أدنى ، وكم
هم جهلة أولئك الذين اغتروا بتقلب الذين كفروا في البلاد وقد نهاهم
الله تعالى عن ذلك ، وكما هم جهلة الذين نسوا أن الله أخبر أن سنته
في الذين يمكرون السوء بهذا الدين لا تتبدل ولا تتغير .
كما قال تعالى
" اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ وَمَكْرَ
السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ
فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ
تَحْوِيلا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي
السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا *
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ
عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ
مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِعِبَادِهِ بَصِيرًا "
وقد دنا ـ والله أعلم ـ هذا الأجل ، فأبشروا
والله يا أهل الإسلام .. أبشروا والله إني أقولهـا بقين تـام وسوف
تعلمون..
_________________________
قال عبدالله
بن مسعود رضي الله عنه : (( إياكم وحزائز القلوب وما حز في قلبك من
شيء فدعه ))
فواتح الافكار.
|