الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

احتمالات الحرب في الفكر العسكري الإسرائيلي

 

أ. د . مصطفى رجب

صحيفة الشرق القطرية 15/5/2005

 

منذ بدأ الصراع العربي الإسرائيلي وسياسة "إسرائيل" العسكرية والأمنية تتسم بطابع هجومي واضح والحروب التي شنتها "إسرائيل" منذ 1948م وحتى الآن بلغت أربع حروب كبرى بالإضافة إلى عدد ضخم من العمليات العسكرية واسعة النطاق مقابل حرب كبرى واحدة قامت بها دول عربية (مصر وسوريا عام 1973) ضد "إسرائيل" وعدد أقل من العمليات العسكرية واسعة النطاق والمحدودة، ويبدو أن القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية تفصل بين ما هو سياسي وما هو أمني-عسكري وتعطي أولوية قصوى للاعتبارات الأمنية - العسكرية فأحد أهم أسس التفكير المسيطرة في الأوساط الإسرائيلية هو أنه لا يوجد تعارض منطقي بين استخدام القوة المسلحة أو التفكير في استخدامها فاعتبارات الأمن - تبعاً للمفاهيم الإسرائيلية - تتقدم على الاعتبارات السياسية واستمرار "إسرائيل" كدولة آمنة أمناً كاملاً استناداً على عناصر قوتها الخاصة أهم بكثير من التسوية السلمية لصراعها مع الدول العربية.

 

إن موازين القوة العسكرية في المنطقة بين أطراف الصراع العربي / الإسرائيلي مختلة تماماً لصالح "إسرائيل" وهو اختلال معترف به من جانب أطراف الدائرة ويتسم هذا الاختلال بالتعقيد الشديد لدرجة يصعب معها حصر كافة أبعاده الاستراتيجية ببساطة فإسرائيل تتفوق كلياً ونوعياً على كل دولة عربية مجاورة على حدة وتتفوق نوعياً على أي دولتين مجاورتين أضف إلى ذلك أن "إسرائيل" تمتلك سلاحاً مطلقاً هو السلاح النووي والذي تظهر أهمية وجوده في حالات مختلفة كسقف يضع حداً قريباً أو بعيداً لما يمكن أن تصل إليه التفاعلات العسكرية مع "إسرائيل"، في هذا السياق تظل مسألة شن الحرب نظرياً ترتبط بالطرف الإسرائيلي فلا تزال التوجهات الهجومية تسيطر على عقيدتها العسكرية، لاسيما والفجوة النوعية بين الطرفين في الميزان العسكري القائم تتجه نحو الاتساع وأن محاولات التضييق منها تتعذر مع الوقت نظراً لما توليه "إسرائيل" من اهتمام بعمليات تحديث وتطوير برامج تسليحها بما يتواءم مع حاجاتها الأمنية وبما يتوازى مع البرامج التسليحية الغربية وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا الصدد يعرض د. محمد قدري سعيد (السياسة الدولية ع92 أبريل 1988) لبعض الخطوط العامة التي تحكم النشاط الإسرائيلي في مجال التسليح:

 

1- من المعروف أن "إسرائيل" ترتبط والولايات المتحدة الأمريكية باتفاقية للتعاون الاستراتيجي في مجال الدفاع منذ سنة 1979 ولقد قام إسحاق رابين وزير الدفاع الإسرائيلي في 14 ديسمبر 1987 بتجديد هذه الاتفاقية لمدة عشر سنوات أخرى. وهذه الاتفاقية تعطي "إسرائيل" ومؤسساتها البحثية والصناعية نفس الوضع الذي تتمتع به دول حلف شمال الأطلنطي في نقل التكنولوجيا الحديثة والمشاركة في برامج الأبحاث والدراسات ذات الطابع العسكري. ولقد استفادت "إسرائيل" كثيراً من هذه الاتفاقية في مجالات الحرب الإلكترونية والذخيرة المطورة والصواريخ المضادة للدبابات بعيدة المدى. والرؤوس الباحثة عن الأهداف بالأشعة تحت الحمراء للصواريخ والقنابل جو/أرض المطورة (نظام أوفر للقنابل الموجهة بالأشعة تحت الحمراء).

 

2- التفوق الإسرائيلي على المستوى العالمي في تطوير وإنتاج أنواع كثيرة من: طائرة بدون طيار، والترسانة الإسرائيلية الحالية تشتمل على مركبات من هذا النوع بعضها ذو مدى قصير والبعد الآخر ذو مدى طويل حتى 100 كم. والطائرة بدون طيار تستخدم في أغراض الاستطلاع والتصوير وتحديد الأهداف، كما يمكن استخدامها في تدمير الأهداف في العمق.

ومن المعروف أن "إسرائيل" قامت باستخدام أجيالها من هذه المركبات مثل (ماستيف، مازلات، بايونير) في تحديد مواقع الصواريخ السورية في سهل البقاع في لبنان، وقامت طائرات (اسكوت) من نفس النوع بتصوير نتائج الهجوم على مواقع الصواريخ ونقلها تليفزيونياً إلى تل أبيب وتقوم "إسرائيل" حالياً بتطوير أنواع جديدة من الطائرة بدون طيار تتميز بصغر الحجم ورخص الثمن لاستخدامها بأعداد كبيرة .

 

3- قامت "إسرائيل" بتطوير الطائرة المقاتلة القاذفة (لافي) حتى مراحل متقدمة من اختبارات الطيران. وبفضل هذا المشروع الذي ساهم فيه العديد من الشركات الأمريكية الكبرى، قامت "إسرائيل" بنقل الكثير من التطبيقات التكنولوجية المتقدمة في مجالات الإلكترونيات والألياف الصناعية والحواسب الإلكترونية، وهندسة الطيران بصورة عامة مما حقق إضافة نوعية وكمية إلى مشاريع "إسرائيل" في مجالات التسليح والفضاء. ويعتبر مشروع الطائرة (لافي) من أكبر مشاريع التطوير الإسرائيلية المعلن عنها في مجال التسليح.

 

وعندما بدأ المشروع في فبراير 1980 كان الهدف الأساسي منه هو بناء طائرة تفي بالمتطلبات التكتيكية الإسرائيلية في التسعينات وما بعدها وتستفيد من الخبرة القتالية على الجبهة العربية في أكتوبر 1973. كما كان الهدف من المشروع - بالإضافة إلى ذلك- بناء قاعدة صناعية متقدمة تحافظ على التقدم الإسرائيلي في مجالات التكنولوجيا الحديثة. وبرغم أن "إسرائيل" كانت صاحبة التصميم الهندسي للطائرة إلا أن العمل في المشروع اقتضى اشتراك حوالي 80 شركة أمريكية في توريد المعدات والنظم الفرعية للطائرة. وتبلغ التكلفة الكلية للمشروع 2.2 بليون دولار دفعت منها الولايات المتحدة 1.8 بليون دولار لكن المشروع لم يدخل في مرحلة الإنتاج لأسباب اقتصادية بعد جدل طويل داخل الحكومة الإسرائيلية.

 

4- الاهتمام الإسرائيلي المكثف بالأشكال المطورة والمتقدمة للرؤوس الحربية التقليدية بدءا من الرؤوس الحاملة للقنابل والشظايا والألغام إلى رؤوس المفرقعات الارتجاجية عالية التدمير والتي استخدمت في المعارك اللبنانية وكان لها تأثير فعال على الأهداف المحصنة.

 

5- نجاح "إسرائيل" في تطوير صاروخها البالستي بعيد المدى أريحا 2 الذي قد يصل مداه إلى 1450 كم. ومن المؤكد أن "إسرائيل" تعطي أولوية عالية لتطوير هذا النوع من الصواريخ لأداء مهام للردع في العمق العربي. إن تزويد هذا النوع من الصواريخ الرؤوس التقليدية المطورة يتيح استخدامه ضد الأهداف البعيدة بمرونة غير متوافرة في حالة الرؤوس النووية التي يحكم استخدامها اعتبارات معقدة. ومن المعروف أن عمليات "إسرائيل" المحددة ضد قواعد الفلسطينيين في تونس وضد المفاعل النووي في العراق قد تمت باستخدام سيناريوهات معقدة للطائرات المهاجمة، ومثل هذه المهام سوف يمكن تحقيقها بدقة وبدون مخاطرة كبيرة باستخدام هذا الجيل من الصواريخ بعيدة المدى. أما أثناء اشتعال العمليات فإن هذه الصواريخ يمكنها في ضربة خاطفة تدمير المطارات الحربية في العمق وإصابة الطائرات داخل دشمها الحصينة والإجهاز على حشود المدرعات والأفراد في المراحل الأولى من المعركة.

 

6- وقعت "إسرائيل" بروتوكولاً للتعاون الفني مع الولايات المتحدة في مجالات الأبحاث الخاصة بمبادرة الدفاع الاستراتيجي والتي تمتد إلى الواجهة الأمامية للتقدم العلمي والتكنولوجي في عصرنا الحالي. هذا الوضع سوف يتيح لإسرائيل أن تضع يدها على التكنولوجيا الجديدة في مجالات أشعة الليزر والجزيئات والتطبيقات المتقدمة في الحاسبات الإلكترونية وبرامجها المعقدة، كذلك في هندسة الصواريخ والمقذوفات فائقة السرعة.

 

7- تحصل "إسرائيل" على الأجيال الحديثة من الذخيرة المطورة لطائراتها المقاتلة، ويشمل ذلك الصواريخ الموجهة جو/جو، وجو/أرض والقنابل الموجهة بالليزر والرادار والأشعة تحت الحمراء، وفي المقابل فإن الكونجرس الأمريكي يقف بالمرصاد أمام حصول الدول العربية على هذه النوعية من الذخيرة بعد أن يوافق على إمدادها بالطائرات عارية منها.

وإذا تعرضنا لما يسمى بمنظومة الأسلحة الإسرائيلية فوق التقليدية والمقصود بها الأسلحة الكيميائية و البيولوجية نجد أن "إسرائيل" بدأت الاهتمام بهذه المنظومة منذ قيام الدولة، ولأن عمليات الإنتاج والتطوير بالنسبة للأسلحة الكيميائية والبيولوجية أيسر - مقارنة بالسلاح النووي - فقد سعت "إسرائيل" إلى توفير قاعدة إنتاجية ضخمة ساعدها في ذلك توافر القاعدة العلمية في هذا المجال والاستعانة بشبكة العلماء اليهود المنتشرين في العالم حيث أوجدت "إسرائيل" صلات علمية معهم في إطار تنمية صناعتها الكيميائية، وتشمل المنشآت الكيميائية الإسرائيلية عدة مصانع من أهمها:

 

- مصنع إنتاج الغازات الحربية في شرق الناصرة.

- مصنع آسيا للكيميائيات في بتاح تكفا.

- مصنع مختئيم للكيميائيات والمبيدات الحشرية في تل أبيب.

- مصنع دوريت للكيميائيات في القدس.

- مصنع هايل للكيميائيات في حيفا.

 

وتنتج "إسرائيل" الغازات الحربية وخاصة غازات الأعصاب والغازات الكاوية والخانقة والغازات النفسية ومواد شل القدرة وأهمها غاز BZ داي فوسجين، وتستخدم "إسرائيل" وسائل التوصيل التي تستخدم في الأسلحة النووية من طائرات وصواريخ علاوة على الهاونات والألغام الكيميائية، أما بالنسبة للقدرات البيولوجية في الترسانة العسكرية الإسرائيلية فهي لا تقل عن القدرات الكيميائية فلإسرائيل برنامج طموح لإنتاج الأسلحة البيولوجية وهناك معمل حكومي متخصص يعمل به عدد كبير من العلماء الذين يتابعون أحدث النظريات العلمية ويقع بالقرب من تل أبيب في منطقة نتسيونا وهناك تعاون مرصود بين "إسرائيل" والولايات المتحدة في مجالات التجارب على استنباط التوكسينات والفطريات، كما تقوم "إسرائيل" بإنتاج عناصر الأمراض الفطرية وعناصر الأمراض البكتيرية مثل: الجمرة الخبيثة والكوليرا والطاعون والجدري والحمى الصفراء. وعلى الرغم من أن "إسرائيل" لم يثبت قيامها باستخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية في حرب 1973 إلا أنه قد ثبت استخدام القوات الإسرائيلية للأسلحة الكيميائية وخاصة غاز سيانور الهيدروجين بواسطة مستودعات القنابل وذخائر المدفعية أثناء غزو هذه القوات بيروت عام 1982.

 

وبالنسبة لاحتمالية قيام "إسرائيل" بشن حرب نظامية على دول عربية مجاورة، فإن هذا الفرض يتوقف على عدة عوامل يعرض لها محمد عبد السلام (السياسة الدولية ع 12 أكتوبر 1996) من أهمها:

 

1- قيام نظام حكم إسلامي متطرف في إحدى الدول المجاورة لإسرائيل ففي هذه الحالة يمكن أن يصبح أمن "إسرائيل" - طبقاً لتلك التصورات - محل تهديد بفعل السلوكيات المحتملة لهذا النظام على نحو يمكن من أن يؤدي إلى شن حرب شاملة.

 

2- قيام إحدى الدول العربية بانتهاك هيكلي لاتفاقيات السلام التي عقدت، أو ستبرم، مع "إسرائيل"، مترافقاً مع تحركات عسكرية تهدف إلى تهديد أمن "إسرائيل"، على نحو يمكن أن يؤدى إلى حرب شاملة.

 

3- حدوث اختلال واضح في التوازن استراتيجي القائم في المنطقة، وذلك بامتلاك دولة أو أكثر أسلحة تدمير شامل أو واسع، يترافق مع تحركات سياسية لإقامة تكتل ضد "إسرائيل"، وتحركات عسكرية تهدد أمن "إسرائيل"، على نحو قد يؤدي إلى سلسلة تصعيد نحو حرب شاملة.

 

إن تلك الحالات - تبعاً للفكر الإسرائيلي هي أقرب الحالات التي يمكن أن تؤدى إلى أن تفكر "إسرائيل" في شن حرب شاملة أو بدء السير في هذا الاتجاه وفقاً لتطور التفاعلات المتصلة بها.