الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

التمركز حول اليهود واليهودية

 

د. عبد الوهاب المسيري

صحيفة الاتحاد الإماراتية 2/7/2005

 

في المقال السابق حذرت من أمرين: تصور أن "إسرائيل" دولة يهودية (وليست دولة استعمارية استيطانية إحلالية) ومما سميته مرض النصوصية، أي تصور أن ما يحدد سلوك الدولة الصهيونية هو الكتب المقدسة مثل التوراة والتلمود والقبالاة. وهنا يطرح السؤال نفسه. إذا كان الأمر كذلك لم تناولت إذن قضية العدوانية الكامنة في الرؤية اليهودية الحلولية؟.

 

للإجابة على ذلك السؤال يجب الإشارة إلى أن كثيراً من الحركات القومية العلمانية الغربية في القرن التاسع عشر حولت الدين إلى ما يشبه التراث الشعبي، وعلمنت المفاهيم الدينية واستوعبتها في نسقها الأيديولوجي القومي العلماني حتى يمكن تجنيد الجماهير، إذ لا يمكن تحريك الجماهير مهما كانت جاهلة ومغرورة وأنانية بالقول: هيا بنا نستعمر البلاد الأخرى، ولنستغلها بعد أن نبيد أهلها. لذا لابد من اللجوء إلى صيغة مراوغة مثل: نحن نستعمر بلاد الآخرين ونبيدهم أو نطردهم أو نسخرهم في خدمتنا، بسبب رسالتنا الحضارية وعبء الرجل الأبيض. ومثل "يأمرنا الإله في كتبنا السماوية أن نستقر في الأرض التي وعدنا بها، وإن وجدنا فيها سكاناً فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نبيدهم عن بكرة أبيهم". والصهيونية تنتمي إلى هذا النمط، فقد علمنت المفاهيم الدينية اليهودية وحولتها إلى أساطير "قومية" ووظفتها في خدمتها.

 

فتفسير نزول التوراة يتحول إلى منطلق الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. فأبناء إسماعيل، أي العرب، سرقوا الأرض، ولذا من حق أصحابها الأصليين (أي اليهود) أن يسرقوها أو يستردوها مرة أخرى لأن هذا في واقع الأمر حقهم المطلق. بهذه الطريقة تم توظيف بعض النصوص الدينية في خدمة الأيديولوجية الصهيونية بعد علمنتها وانتقائها ونزعها من سياقها. وقد أدى هذا إلى ظهور ما يمكن تسميته "التمركز حول اليهود واليهودية"، وهو مصطلح وضع على منوال مصطلحات مماثلة مثل "اثنو سنرسيتي" ethno-centricity أي " التمركز حول الاثنية" أو "يورو سنترستي" euro-centricity أي "التمركز حول الأوروبية".

 

وترجع ظاهرة التمركز إلى عدة عناصر ثقافية واقتصادية، من بينها الحلولية اليهودية التي تسم النسق الديني اليهودي الذي يجعل اليهود مركز الكون ومحوره والهدف من وجوده. كما أن وجود الجماعات اليهودية على هيئة جماعات وظيفية في كثير من المجتمعات (والجماعة الوظيفية تكون أساساً جماعة غريبة متماسكة) ولد لدى أعضائها استعداداً للتمركز حول الذات من الناحية الإدراكية. ويظهر التمركز حول اليهود واليهودية في التفكير "الديني" الحديث. وقد وضعنا كلمة "الديني" بين شولتين لأنه أبعد ما يكون عن التفكير الديني كما نعرفه، وكما اصطُلح عليه في معظم الدراسات التي تدور حول هذا الموضوع. ويعود هذا إلى أنه تمت صهينة وعلمنة الفكر الديني اليهودي، بل والعقيدة اليهودية بأسرها. ولنضرب مثلاً ببعض الفرق اليهودية الحديثة مثل اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية التي تبني تصوراتها "الدينية" على أساس فكرة الشعب المقدَّس، مع إسقاط فكرة الإله أو وضعها في مرتبة ثانوية. ويصل التمركز اليهودي وعلمنة المفاهيم اليهودية إلى درجة متطرفة في كلمات الحاخام الإصلاحي "إيوجين بوروفيتز" حين قال إن حرب عام 1967 لم تكن تهدد دولة "إسرائيل" فحسب، وإنما تهدد الإله نفسه باعتبار أن الإله والشعب والأرض يُكوِّنان جوهراً واحداً.

 

والتمركز حول اليهود واليهودية مفهوم كامن وراء كثير من الدراسات والتصريحات الصهيونية والغربية، عن أعضاء الجماعات اليهودية، رغم علمانية هذه التصريحات. والذين تهيمن عليهم هذه الرؤية لا يرون الأحداث في تَعيُّنها، أو في علاقتها بالقوى التاريخية أو الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهورها أو التي تدخل في تركيبها وإنما ينشغلون تماما بقضايا، مثل مدى تأثير هذه الأحداث في اليهود ومدى تأثرها بهم وبمغزاها بالنسبة إليهم. وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرحه الشخص المتمركز تمركزاً يهودياً هو: هل هذا الأمر نافع لليهود أم ضار؟ وما معناه بالنسبة إليهم؟ ذلك بدلاً من: هل هو نافع للجنس البشري أم ضار؟ أو ما معناه بالنسبة للجنس البشري؟.

 

والتمركز حول اليهود واليهودية يؤدي إلى عزل اليهود عن مجرى الأحداث التاريخية العامة التي تتحكم بشكل أو بآخر في كل الجماعات البشرية الأخرى، وكأن لهم قوانينهم الخاصة التي تجعلهم سراً من الأسرار تحيطهم هالة من الغمـوض الميتافيزيقي. والصهيونية، في رؤيتها لتواريخ الجماعات اليهودية وفي برنامجها السياسي، متمركزة تمركزاً يهودياً تاماًً. فهي في قراءتها هذه التواريخ تراه تاريخاً يهودياً واحداً ذا مركز يهودي واحد وحسب، - يعبِّر عن نفسه من خلال حركيات يهودية. هذا التمركز يعزل الأحداث التي تقع لليهود عن سياقها التاريخي وينظر لها من الداخل (اليهودي) وليس من الخارج (الإنساني التاريخي)، أي ينظر لها من منظور يهودي خالص، لا من منظور تاريخي إنساني. خذ على سبيل المثال ظاهرة "الجيتو" وهي ظاهرة عامة في المجتمعات الإقطاعية، حيث تتعامل الدولة لا مع الأفراد وإنما مع الجماعات، ولذا يتم تركيزها في منطقة سكنية واحدة. ينظر الصهاينة إلى هذه الظاهرة من الداخل باعتبارها مؤسسة تعبر عن رغبة اليهود في الاستقلال القومي، وليس من الخارج كطريقة من طرق الإدارة في الدولة الإقطاعية التي كانت تُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وغير اليهودية دون تمييز أو استثناء.

 

ويَخلُص الصهاينة من قراءة التاريخ بهذه الطريقة المتمركزة تمركزاً يهودياً إلى الحديث عن اليهود باعتبارهم جماعة فريدة متميزة، ثم يتحدثون عن معجزة البقاء اليهودي، كما لو كان البقاء أمراً مقصوراً على اليهود وحدهم دون عشرات الطوائف والأقليات والشعوب الأخرى، مثل الأكراد أو الأرمن أو النوبيين، وكأن اليهود كتلة بشرية متجانسة حققت البقاء عبر آلاف السنين دون تغير أو تحول!

 

ويظهر التمركز حول اليهود واليهودية بشكل حاد في تناول كثير من المؤلفين الغربيين اليهود وغير اليهود لظاهرة الإبادة النازية، وهي أحد إفرازات الحضارة الغربية الحديثة التي أودت بحياة الملايين من اليهود وغير اليهـود داخـل وخـارج معســكرات الاعتـقال. ومـع هذا، لا حـديث إلا عن ضحايا النازية من اليهود، ويتم إهمال الإشارة إلى ملايين الضحايا الآخرين الذين يفوق عددهم عدد الضحايا اليهود. ومن المفارقات أن التفكير التآمري المعادي للسامية والذي ينسب لليهود كل الشرور ويراهم وراء كل المؤامرات والفساد والانحلال يدور في إطار التمركز حول اليهود واليهودية.

 

ونزع الظواهر اليهودية والصهيونية من سياقها التاريخي والإنساني العام، ووضعها في سياق يهودي، أو رؤيتها كمركز لكل ما يحدث في الكون، يجعل من اليسير على الصهاينة توظيفها في خدمة مشروعهم العنصري الاستعماري. ولكنه في الوقت ذاته ينزع عن اليهود إنسانيتهم، إذ يحولهم إلى ظاهرة لا تاريخ لها، توجد خارج الزمان والمكان. لكل ما سبق أذهب إلى أنه حين يقوم الصحفي أو الباحث برصد ظاهرة يهودية أو إسرائيلية يجب ألا يتلقى بشكل سلبي التفسير الصهيوني الذي ينظر للظواهر من الداخل، بل عليه أن يضع هذه الظواهر في سياقها التاريخي والاجتماعي والإنساني العام حتى يفهمها حق الفهم، أي أنه يجب أن ينظر للظاهرة أو الحدث لا من الداخل (اليهودي أو الصهيوني) وإنما من الخارج (الإنساني العام).

 

والله أعلم.