الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة


الأرض في الفكر السياسي الصهيوني

بقلم : نواف الزرو - كاتب فلسطيني

 

على أرضية ذلك الكم الكبير من المعطيات والحقائق التي قدمناها في الحلقات السابقة حول الفكر السياسي للإرهاب الصهيوني ومقدماته ومنطلقاته وسيكولوجيته وبرامجه وتطبيقاته المروعة البشعة المتمثلة بذلك المسلسل الطويل المتصل والمستمر من الأعمال الإرهابية الدموية مترجمة بالمجازر الجماعية، فإن الأسئلة المهمة التي تطرح نفسها هي لماذا؟ وما هو الهدف؟ وهل من نهاية لذلك؟

عند قراءة الأدبيات الصهيونية الإسرائيلية، وعند قراءة الفكر السياسي الصهيوني، والإستراتيجية العملية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدى العقود الخمسة الماضية، نجد أن الأرض شكلت دائماً جوهر الصراع، وجوهر الحروب، ومحور الفكر والاستراتيجية الصهيونية ونجد أن كافة التنظيمات الإرهابية الصهيونية قد قامت وتطورت وتسلحت، وأن كافة النشاطات والأعمال الإرهابية الدموية التي نفذت إنما كانت من أجل الاستيلاء على الأرض وبناء الكيان الصهيوني فوقها.

فحينما قرر حكماء صهيون تجميع يهود العالم في إطار «دولة يهودية نقية» لم يكونوا يمتلكون من مقومات هذه الدولة سوى النظريات، ولم يكن بين أيديهم أي قطعة أرض لتقام عليها الدولة، ولم يكن ليتسنى لهم إقامة الدولة أبداً دون توفر الأرض، ودون الهجرة اليهودية، ودون الاستيطان اليهودي.

فكانت الحروب.. والهجرة الجماعية العربية.. وكانت الهجرة اليهودية، وكان الاستيطان الاستعماري.. وكان الصراع الديموغرافي الوجودي بين العرب واليهود على أرض فلسطين.

لقد استندت النشاطات الصهيونية التنفيذية في هذه العملية الثلاثية الأبعاد إلى مقولات وثقت في محاضر المؤتمرات الصهيونية والتي نورد منها:

جاء في برنامج الوكالة اليهودية في المادة الثالثة منه ما يلي:

«تستملك الأراضي كملك لليهود وتسجل باسم صندوق رأس المال القومي اليهودي، وتبقي مسجلة باسمه إلى الأبد، كما تظل هذه الأملاك ملكاً للأمة اليهودية غير قابل للانتقال (2)».

وفي خطابه أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية عام 1937 قال الأب الروحي أوشيسكين:

«ليست الزراعة هي ما نصبو إليه، بل أننا نطمح بالدرجة الأولى بأن نضمن للأمة أوسع الحدود الممكنة لبلادنا.. ولما وضعنا البرامج الحصول على الأراضي كان هذا الهدف دائماً نصب أعيننا: الاستيلاء على مناطق بعيدة.. ففضلاً عن جودة الأرض كانت تحركنا الرغبة لتوسيع الحدود مهما بلغت المصاعب» (3).

وجاء على لسان «رعنان فايتس» رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية سابقا: «إن مخططي الاستيطان الصهيوني خلال الستين عاماً المنصرمة عملوا على أساس أن حدود المستقبل للدولة اليهودية يجب أن تعين من خلال أنظمة من المستوطنات السكانية، تبدأ كنقاط استيطانية، وتأخذ بالتوسع لأكبر مساحة ممكنة من الأرض (4).

وقبل ذلك كان قد ورد في مذكرات نبي الصهيونية الأبرز (هرتسل): «أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها كحركة سياسية وضعت أمامها هدف الاستيلا ءعلى الحد الأقصى من الأرض كحتمية إقامة دولة يهودية كبيرة» (5).

تلك هي الاستراتيجية التي أجمع عليها قادة الحركة الصهيونية في كيفية الاستيلاء على الأرض العربية الفلسطينية، وعلى أساسها نشطت مختلف المنظمات والمؤسسات الصهيونية، وبشكل خاص «الصندوق القومي اليهودي» الذي تأسس عام 1903، و«الصندوق التأسيسي» الذي تأسس عام 1920، وقد تمكنت هذه المؤسسات، عبر المراحل المختلفة، من الاستيلاء فعلاً على جزء من مساحات الأرض العربية في فلسطين، غير أن سياسة الحركة الصهيونية هذه في استملاك وسلب الأراضي العربية أدخلتها في صراع طويل محتدم مع العرب الفلسطينيين خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

وفي اعقاب قيام دولة الكيان الإسرائيلي، لم تتغير الإستراتيجية الصهيونية وإنما تغيرت وتطورت وتجددت أساليب الاستيلاء على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وقد بقيت هذه الإستراتيجية كما وصفها «أوشسكين» عام 1904 حقيقة ثابتة تعمل الصهيونية دائماً على تكريسها. وفي رسمه لأبرز معالم تلك الإستراتيجية حدد اوشسكين الخطوط العريضة الآتية:

«من أجل تأسيس حياة مستقلة للطائفة اليهودية، أو على الأصح، تأسيس دولة يهودية في فلسطين، من المحتم بالدرجة الأولى أن تكون جميع أراضي فلسطين أو معظمها ملكاً لشعب إسرائيل، وبدون حق ملكية الأرض لا تكون فلسطين يهودية أبداً، مهما يكن عدد اليهود في المدن والقرى (6).

ولكن كيف يمكن الحصول على ملكية الأرض حسب الأساليب المتبعة في العالم؟ إن ذلك ممكن بإحدى الطرق الآتية فقط:

1 - بالقوة.. بواسطة الاحتلال العسكري، أو بمعنى آخر، اغتصاب الأرض من أيدي أصحابها بالسيطرة العسكرية ولأغراض عسكرية.

2 - بالقسر.. عن طريق مصادرة الأراضي، وبأساليب ملتوية على يد الحكومة البريطانية.

 

معطيات

ومنذ أن تبنت الحركة الصهيونية العالمية مشروع إقامة «الوطن القومي لليهود» وحددت مكانه/قاعدته أرض فلسطين العربية، واجهت تلك الحركة ثلاث مشاكل استراتيجية، لم يكن باستطاعتها إقامة وتنفيذ مشروعها المذكور دون أن تستوعب تلك المشاكل وتتغلب عليها بشتى الطرق والأساليب، المشروعة وغير المشروعة، وتلك المشاكل هي: الأرض وحركة الهجرة اليهودية والأمن.

 

مؤسسات الاستيلاء على الأرض:

ركزت كافة المؤتمرات اليهودية التي عقدت في مرحلة ما قبل إنشاء دولة الكيان الإسرائىلي على عنصر الأرض، باعتباره القاعدة الأساسية لعملية الاستعمار الاستيطاني واستيعاب تدفق المهاجرين والمهجرين اليهود من شتى أنحاء العالم إلى أرض فلسطن العربية، ذلك أنه لم يكن بالإمكان إطلاقاً تنفيذ المخططات الصهيونية الرامية إلى إحداث الانقلاب الديموغرافي - السكاني لصالح اليهود، إلا من خلال السيطرة والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي العربية.

وبغية تحقيق هذا الهدف، بادرت الحركة الصهيونية إلى تشكيل وتأسيس مجموعة من الأجهزة والمؤسسات التنفيذية والتي كان أبرزها بالتتابع الزمني:

1 - صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار - أقيم عام 1902.

2 - الصندوق القومي الإسرائيلي - الكيرن كيميث - الذي تأسس بموجب قرارات المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1901، وقد حددت مهمة هذا الصندوق آنذاك بـ «استملاك الأراضي العربية في فلسطين وسوريا».

3 - البنك البريطاني - الفلسطيني، وقد تأسس عام 1902.

4 - شركة أنماء أراضي فلسطين - تأسست عام 1907.

5 - مكتب فلسطين - وقد تأسس عام 1908.

6 - الصندوق التأسيسي - كيرن هيسود، وتأسس عام 1921.

7 - منظمة «بيكا» التي أسسها البارون روتشيلد 1925 (7).

ومن الجدير بالذكر أن الوكالة الصهيونية أشرفت على مخططات ونشاطات العديد من هذه المؤسسات، وأن الحركة الصهيونية لجأت إلى تلك الأجهزة والمؤسسات تحت ذرائع وصور مختلفة كما هو واضح من أسماء بعضها، غير أن المهمة التي جمعت بينها واحدة، وهي استملاك الأراضي العربية وانشاء المستعمرات اليهودية.

 

ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي

تشير المراجع التاريخية إلى «أنه باستثناء مدن القدس والخليل وصفد وطبريا، فإنه لم تكن لليهود أي أملاك تذكر خارج هذه المدن حتى عام 1855، حيث بدأت أول عمليات استملاك للأراضي في ذلك العام من قبل السير «موشي متفيوري» الذي قام بشراء قطعة أرض عبارة عن بستان حمضيات مساحته (100) دونم قريب من يافا، ثم اشترى بعد ذلك في سنة 1859 قطعة أرض في «موزا» قرب القدس، وقطعة أرض أخرى في ملبس (التي أصبح اسمها بيتح تكفا) عام 1878، وفي عيون قارة (ريشون لتصيون) وزمارين (زخرون يعقوب)، والجاعونة (روش بينا) عام 1882.

ومع نهاية عام 1882 أصبح هناك نحو (22) ألف دونم مملوكة لليهود، وفيما بعد استمرت عمليات استملاك الأراضي، وبلغ مجموع مساحتها مع انتهاء الحرب العالمية الأولى (418) ألف دونم (8).

وفي اعقاب حلول الانتداب البريطاني على أرض فلسطين، «لعبت السلطات الانتدابية دوراً بالغ الأهمية في نقل ملكية مساحة واسعة من الأراضي إلى اليهود» (9)، فقد بلغ مجموع ما استملكه اليهود من حكومة الانتداب البريطاني (والتي تعاونت بشكل أساسي مع مؤسسات الصندوق القومي اليهودي، والصندوق التأسيسي، ومنظمة بيكا)» حوالي (500) ألف دونم منها (200) ألف دونم دون مقابل، كما تمكن اليهود من شراء مساحة (625) ألف دونم من العرب غير الفلسطينيين، الذين كانت لهم أملاك في فلسطين وهذه الأراضي موزعة كالتالي:

أراضي مرج بن عامر ومساحتها (400) ألف دونم، وكانت تضم (22) قرية عربية، اضطر سكانها البالغ عددهم (900) عائلة فلسطينية إلى الرحيل عنها.

- أراضي امتياز الحولة ومساحتها (165) ألف دونم.

- أراضي في مناطق الناصرة وصفد وعكا وبيسان وجنين وطولكرم، بلغ مجموع مساحتها (28) ألف دونم (10).

كما تمكنت الحركة الصهيونية من الاستيلاء بطرق أخرى على «حوالي (300) ألف دونم، وبذلك يصبح ما استملكه اليهود حتى صدور قرار التقسيم (000،425،1) دونم بينما أشار يوسف فايتس إلى «أن اليهود كانوا يملكون حتى صدور قرار التقسيم (000،820،1) دونم منها (800) ألف دونم استملكها الصندوق القومي و (450) ألف دونم استملكتها جميعة بيكا، أما البقية وهي (570) ألف دونم، فقد استملكتها شركات عامة وشعبية أخرى، وكذلك أفراد آخرون) (12)، وقد جاء في مصدر ثالث «أن اليهود حصلوا خلال فترة الانتداب البريطاني (30) سنة، على أراضي أوصلت مجموع ما كانوا يملكونه عند انتهاء الانتداب في آيار/مايو 1948 إلى (1،2) مليون دونم أو ما نسبته (8%) من مساحة اليابسة في فلسطين (13)، وأكدت المصادر نفسها على «أن تسرب هذه المساحات من الأراضي الفلسطينية لليهود نتج عنه طرد (2746) أسرة من (22) قرية في سهل مرج بن عامر، وطرد (500،15) مواطن من وادي الوارث، إضافة إلى طرد (25) ألف آخرين من سهل الحولة، وطرد ألوف آخرين من أراضي الساخنة وغور بيسان وطبعون والزبيدات والمنسي وغيرها (14).

أما على صعيد المستعمرات اليهودية التي واصلت هيئات ومنظمات الحركة الصهيونية اقامتها فوق الأرضي المستملكة فقد «ارتفع عددها من (47) مستعمرة عام 1914، إلى (259) مستعمرة عام 1944 أي بزيادة معدلها (7) مستعمرات في السنة الواحدة، على مدى ثلاثين عاماً» (15).

وفيما يلي جدول يبين نسبة ملكية الأراضي في مخلتف مناطق فلسطين حتى عام 1945 (16):

المنطقة أملاك عربية أملاك يهودية أملاك أميرية
صفد 68% 18% 14%
عكا 87% 3% 10%
طبريا 51% 38% 11%
الناصرة 52% 28% 20%
حيفا 42% 35% 23%
بيسان 44% 34% 22%
جنين 84% 51% 15%
طولكرم 87% 17% 9%
نابلس 98% 51% 1%
رام الله 47% 51% 51%
يافا 77% 39% 14%
الرملة 84% 14% 9%
القدس 96% 3% 3%
الخليل 75% 1% 3%
غزة 15% 4% 21%
بئر السبع - 1% 84%

 

ما بعد إعلان دولة إسرائيل

واصلت الحركة الصهيونية العالمية، بالتعاون مع الدول الاستعمارية الغربية، ممارسة الضغوط المتزايدة على كثير من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار توصية بشأن تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، وكان أن تبنت الجمعية قرار التقسيم الذي صدر بتاريخ 29/11/1947 ونص على «إقامة دولة يهوية فوق 56% من مساحة فلسطين، ودولة عربية فوق (42%) منها وقطاعاً دولياً يضم القدس وضواحيها فوق (2%) منها» (17).

غير أنه في اعقاب الحرب العدوانية التوسعية التي شنتها المنظمات العسكرية بعد أن أعدت لها العدة جيداً تحت سمع وبصر وتعاون الانتداب البريطاني ومساندته، تمكنت تلك المنظمات من احتلال حوالي (79%) من مجموعة مساحة أرض فلسطين، إذ قامت تلك المنظمات دولة إسرائيل فوق «ما مساحته (000،290،22) دونم من فلسطين، وذلك حسب خطوط الهدنة، منها (425) ألف دونم مساحات مائية، بينما تم توزيع الباقي كالتالي:

000،675،17 دونم أملاك أميرية.

000،800 دونم مملوكة للصندوق القومي.

000،450 دونم مملوكة لمنظمة بيكا.

000،820 دونم مملوكة للأفراد والجمعيات اليهودية.

000، 175،3 دونم تم تهجير السكان العرب منها عام 1947/1948 (18).

وفي اعقاب احتلال هذه النسبة الكبيرة جداً من الأراضي التي تعادل أربعة أخماس مساحة فلسطين العربية تقريباً، نجحت سلطات الكيان الصهيوني كما هو معروف باستغلال أملاك السكان الفلسطينيين الذين طردوا وشردوا من أراضيهم وبيوتهم، وأخذت تلك السلطات تستقطب مئات آلاف المهاجرين والمهجرين اليهود كما ورد سابقاً، وتعمل على توطينهم في تلك الأراضي، وعلى سبيل المثال لا الحصر «فإن السلطات الصهيونية أقامت (370) مستعمرة يهودية خلال الفترة 1948 - 1953، منها (350) مستعمرة أقيمت على أراض يمتلكها العرب، وقدر في عام 1954 أن ربع المباني المستعملة في فلسطين المحتلة هي من أملاك عرب فلسطين المطرودين من ديارهم (19).

وعلاوة على الأجهزة والمؤسسات التنفيذية الصهيونية التي عملت قبل إنشاء الكيان على استملاك الأراضي واستقدام اليهود من الخارج وتوطينهم فيه، شكلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة العديد من السلطات والدوائر التي أوكلت إليها مهمات الاستيلاء على ما تبقى من الأراضي العربية بأيدي الفلسطينيين الصامدين في الكيان الصهيوني، كما سنت العديد من القوانين والتشريعات وابتكرت الأساليب لقد أنشأت الدولة الصهيونية «مجلس أراضي إسرائيل» لإدارة معظم الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة الإسرائيلية وأسست هيئة التخطيط الزراعي عام 1950 وقسم الاستيطان في والوكالة اليهودية، وسلطة الزراعة والاستيطان والتخطيط والتطوير القروي عام 1976، وسلطة الإنشاءات القروية في وزارة الإسكان.

وشكلت اللجنة الاستيطانية المشتركة للحكومة الإسرائىلية والمنظمة الصهيونية العالمية في أعقاب حرب حزيران 1967 «(20) وغيرها من الهيئات والمنظمات التخطيطية التنفيذية لمشاريع المصادرة والاستيطان.

أما أبرز القوانين والأساليب التي سنتها وابتكرتها سلطات الاحتلال الصهيوني للاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، في «قوانين أملاك الغائبين» واستملاك الأراضي في أعوام 1950 و1953 و1957 (21)، وكذلك قانون الحاضر الغائب «وهو الوحيد من نوعه في العالم أجمع ويسمح للسلطات بمصادرة جميع أملاك اولئك الذين تركوا منازلهم خوفاً من الحرب، حتى وإن كانوا قد غابوا عنها لبضع ساعات فقط، وانتقلوا إلى قرية مجاورة، وحتى الذين ما زالوا يعيشون كمواطنين شرعيين في إسرائىل، لكن لا يسمح له بالعودة إلى منازلهم وأملاكهم (22)، وكذلك قوانين تجميع الأراضي عام 1960.

ولاضفاء صفة قانونية على استملاك الأراضي التي استولت عليها الحكومة الإسرائيلية من أملاك الغائبين، فقد سنت في عام 1954، قانون استملاك الأراضي (تصديق الإجراءات والتعويض) وبموجب هذا القانون أقرت الحكومة الإسرائيلية آنذاك التعويضات لأصحاب الأراضي العرب الذين صادرت أراضهيم، وعلى الرغم من صعوبة تدقيق مساحة الأراضي التي صودرت من العرب فإن بعض المصادر الرسمية تضع هذه الأرقام بين (000،300) و(000،000،1) دونم (23).

كما صادرت تلك السلطات الأراضي الأميرية بحجة أن ملكيتها لا تعود للعرب بل إلى الدولة (24)، لقد أدت سياسة مصادرة الأراضي من أصحابها الفلسطينيين إلى تقليص حجم الأراضي المملوكة من قبل العرب بصورة مذهلة، وإلى تقويض عدد من فروع الزراعة العربية، وتدني مساحة الأراضي المملوكة بالنسبة للوحدة الزراعية في القرية من أكثر من (25) دونماً في زمن الانتداب إلى حوالي 3 دونمات فقط (1967) وتحولت القرى العربية إلى ثكنات للنوم، للعمال الذين يتركون قراهم للعمل في الزراعة والصناعة اليهودية المقامة على أراضيهم التي صودرت منهم.. وحرمت القرى العربية من إمكانيات التطور الصناعي والزراعي (26).

لقد واصلت سلطات الكيان الإسرائيلي سياسة الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وما تزال تسعى حتى يومنا لتجريد السكان الفلسطينيين مما تبقى بين أيديهم من أراض زراعية.

ويوضح الجدول التالي (الخاص بتطور الأراضي المزروعة وتوزيع الأراضي بين العرب واليهود منذ عام 1950 إلى 7/1966) الأبعاد الخطيرة والظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني جراء سياسة نهب الأراضي (27).

 

السنة مجموع الأراضي الزراعية أراضي زراعية عربية النسبة المئوية للأراضي العربية الأراضي الزراعية اليهودية
50/1951 3350 645 19.3 2705
51/1952 3665 680 18.6 2985
52/1953 3575 590 16.6 2960
53/1954 3560 620 16.5 2940
54/1955 3600 625 17.4 2965
55/1956 3630 655 18.1 3030
56/1957 3820 675 17.7 3145
57/1958 3940 700 17.8 3240
58/1959 4105 755 18.4 3330
59/1960 4075 745 18.3 3265
60/1961 4150 885 21.3 3180
61/1962 4030 850 21.1 3145
62/1963 3965 830 20.7 3145
63/1964 3450 890 25.8 3460
66/1967 4165 865 20.8 3300

إضافة إلى كل ذلك، «قامت سلطات الكيان الإسرائيلي عام 1993 بمصادرة (2250) دونماً من منطقة الناصرة، و(5100) دونم من قرى البعنة ودير الأسد ونحف (معركة الشاغور)، وعام 1965صادرت (3555) دونماً من (25) قرية عربية في الجليل، فأصبحت الدولة بذلك تمتلك (9،16) مليون دونم من مجموع مساحة البلاد البالغة (3،20) مليون دونم، أي أنها سيطرت على حوالي 85% من مجموع المساحة (28).

 

وفي الضفة الغربية والقطاع أيضاً:

وامتداداً لهذه السياسة الصهيونية الاستعمارية ازاء الأرض العربية، فقد سعت سلطات الاحتلال الصهيوني بعد عدوان حزيران/يونيو 1967 إلى متابعة مسيرتها العدوانية في نهب الأراضي العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة وهذه المرة اتبعت أسلوباً مكملاً للأساليب السابقة تمثل في تزوير وسرقة ملكية الأراضي من أصحابها الشرعيين، ونقلها إلى جهات إسرائيلية - شركات أو مؤسسات - أو حركات استيطانية.

ومع أن هذا الأسلوب وغيره من الأساليب الأخرى مثل إغلاق المناطق العربية بحجة الأمن والاستيلاء على أراضي الدولة وممتلكاتها، ثم وضع اليد على الأراضي التي تجاور المناطق السكنية، إلى جانب الاستيلاء على أراضي وممتلكات الغائبين، أو بذريعة المشاريع التنظيمية بموجب الأمر رقم (50) الصادر في اعقاب ذلك العدوان من قبل ما يسمى بمجلس التنظيم الأعلى في قيادة الجيش الإسرائيلي (29).

يقول المهندس الإسرائيلي «يعازي روزن» وهو أحد سماسرة الأرض «أنه بين عامي 1980 - 1983 منح المسؤولون عن عمليات الاستيطان تسهيلات كبيرة للمتعهدين والسماسرة للاستيلاء على أكبر مساحات ممكنة من الأراضي لصالح الحركة الاستيطانية، سيما وأن الأيديولجية التي يرتكز عليها الليكود في ممارساته هذه في هذا المجال تسوغ كل الأساليب وتبرر كل الوسائل والطرق التي تحقق فكرة «أرض إسرائىل الكبرى» (30).

لقد لجأ السماسرة وتجار الأراضي ممن لهم ارتباط بالليكود إلى اتباع عمليات تزوير مكشوفة، وذلك مقابل دفع الأتاوات ومبالغ ضخمة من المال لليكود لدعمه في مشروعاته الحزبية كالإنفاق على حملة الانتخابات التي جرت في شهر آيار/مايو عام 1984، وهذا ما اثبته التحقيق فعلاً مع سماسرة الأراضي والشركات التي أخذت على عاتقها تنفيذ الصفقات أما عمليات التزوير والاحتيال والسلب فكانت تتم على النحو التالي:

1 - العثور على سماسرة لهم دراية ومعرفة كاملة بموقع الأرض، حيث كان يقوم هؤلاء السماسرة باصطحاب المشترين إلى مواقع الأراضي ليتمكنوا من أخذ فكرة كاملة عن طبيعة الأرض.

2 - كان لا بد للحصول على سجل ملكية الأراضي للتأكيد من تسجيل هذه الأراضي في دوائر المالية وهو ما لا يظهر واضحاً في مخطط الأرض بعكس الطابو التي تكشف كل تفاصيل الأرض وموقعها وحدودها.

3 - ولكي يشرع بتنفيذ الصفقة كان لا بد للسمسار من الحصول على 10% من قيمة الصفقة كمقدمة ثمن الأرض.

4 - إن عدم مرافقة سجلات الملكية للمخططات أتاح الفرصة للتلاعب والتزوير أولاً من حيث المساحة، ثانياً: من حيث الموقع، ولا شك أن العمليات التي تمت بهذه الصورة قليلة جداً بل معدودة، إذ أن عملية الحصول على الأوراق الثبوتية والكواشين الخاصة بالأراضي المعينة المنوي الاستيلاء عليها كانت تتم إما عن طريق سرقة تلك الأوراق والكواشين وتزويرها، أو عن طريق اجبار أصحابها بالقوة وتحت جنح الليل على التنازل عن الأرض وغير ذلك من طرق.

 

الضوء الأخضر

قاد قادة حزب العمل من أمثال يغئال الون وموشيه ديان الطريق إلى عقد صفقات الأراضي المزورة في الضفة الغربية، فهم كانوا أول من قاد إلى عمليات الاستيطان في الضفة، فأقاموا المستوطنات على أسنة الرماح، فبادر الون إلى إقامة أول مستوطنة يهودية في الضفة وهي «كريات أربع» في نيسان/أبريل عام 1968 شرقي مدينة الخليل على طريق الخليل - بني نعيم.

لقد كانت عملية إقامة مستعمرة كريات أربع بمبادرة ومباركة وغطاء حزب التجمع - همعراخ - بمثابة الضوء الأخضر لمسيرة السلب والنهب والمصادرة للأراضي العربية الفلسطينية واستيطانها على مدى السنوات الطويلة الماضية التي اعقبت عدوان حزيران/يونيو/1967.

 

بعض الأساليب

لقد شهدت فترة حكم الليكود كما ذكرنا حمى هستيريا سلب ونهب واستيطان الأراضي العربية الفلسطينية، أما أبرز الأساليب وأشدها شيوعاً في تزوير السجلات والوثائق الخاصة بأراضي المواطنين العرب التي اتبعها السماسرة في نقل ملكية الأراضي العربية إلى التجار اليهود فيمكن إيجازها على النحو التالي:

1 - استغلال حالات الوفاة للتوقيع على أوراق مزورة يتم ختمها من قبل المخاتير المتعاونين مع الحكم العسكري ممن جرى تعيينهم مباشرة من قبل السلطات العسكرية الإسرائيلية، ظناً من أهل المتوفي أن ما حصل عليه مجرد شهادة وفاة، وهذا ما حدث فعلاً في قرية بديا على سبيل المثال، إذ عندما ذهب أحد المواطنين لاستخراج شهادة وفاة لزوجته الزمه المختار بالتوقيع على مجموعة من الوثائق فوجئ فيما بعد أن إحداها كان صك بيع لإحدى قطع الأراضي التي يملكها دون أن يعرف محتواها.

2 - اتبع السماسرة والمتعهدون أسلوب الحصول على التوقيع من خلال تصوير الوثائق وفق أسلوب التزوير المعروف بـ «الفوتو مونتاج».

3 - استغلال المرضى جسدياً وعقلياً وهذا ما قام به أحد المحامين الإسرائيليين من تشغيله لأحد المواطنين العرب وهو أصم، إذ استدعاه بواسطة سمسار للعمل لديه في حديقة منزله، وبعد يومين إثنين طلب إليه أن يوقع على وثيقة بحجة أنها وصل لقيمة الأجر، بينما كانت الورقة فارغة واستخدمت كأساس للتزييف والتزوير.

4 - عن طريق تزييف البصمات.

5 - تزوير الهويات مقابل مبالغ من المال.

6 - تزوير وتزييف التفاويض.

7 - عن طريق اقتياد أصحاب الأراضي إلى الحاكمية العسكرية الإسرائيلية ومثلوهم أمام ضابط أو كتاب عدل، واجبارهم على التوقيع على تفاويض رسمية، ونقل ملكية الأراضي التي بحوزتهم إلى تجار يهود أو شركات شبه رسمية.

هذه هي بعض الأساليب التي استخدمت إبان حمى الاستيطان اليهوي في الاستيلاء والسيطرة على الأراضي العربية الفلسطينية، وبناء المستعمرات اليهودية فوقها، فقد تمكنت سلطات الاحتلال من الاستيلاء والسيطرة على الأراضي العربية الفلسطينية، وبناء المستعمرات اليهودية فوقها، فقد تمكنت سلطات الاحتلال من الاستيلاء على أكثر من 65% من مجموع مساحة أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة ما بين 150 - 180 مستعمرة يهودية (32).

وإذا ما توقفنا اليوم أمام حمى مصادرة الأراضي وتهويدها التي تنفذها حكومة نتنياهو اليمينية، فإننا ندرك مركزية الأرض في الإستراتيجية الصهيونية، حيث يحتدم الصراع العربي/الفلسطيني - الإسرائيلي منذ أكثر من نصف قرن حول الأرض والسيطرة عليها.. وحيث تدور الحرب الحقيقية اليوم هناك على أرض الضفة الغربية، مما يفسر خلفية ودوافع حكومة نتنياهو في رفض أية أفكار أو مقترحات أو مشاريع تؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي من أنحاء الضفة.

 

الهوامش:

1 - محاضر المؤتمر الصهيوني الأول/القدس، رؤوين ماس 1946، ص 1942 - 1944.

2 - أميل توما جذور القضية الفلسطينية، ص 180 - 1981.

3 - عن تقرير لجنة بيل 1937، الكتاب الأسود عن يوم الأرض 30/3/1976، بيان اللجنة القطرية الدفاع عن الأراضي العربية في إسرائيل - حيفا - 1986، ص 14.

4 - صحيفة الجروسالم بوست الإسريئلية، عدد 12/9/1977.

5 - لمزيد من التفاصيل حول المضمون ذاته، انظر كتاب الفكر الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل، دار الجليل/عمان 1986.

6 - تقرير لجنة بيل 1937، مصدر سبق ذكره.

7 - أبشالوم روكاح، قانون الاستيطان في إسرائيل 1978، ص 62.

8 - يوسف فايتس، ملكية الأرض - الهجرة والاستيطان، القدس 1973، ص 103 - 108.

9 - مشكلة اللاجئين العرب د. ادوارد سعيد، القاهرة، 1963 ص 38.

10 - جهاد فلسطين العربية، عمر أبو النصر، 1936 - يافا ص 13.

11 - مشكلة اللاجئين العرب مصد سبق ذكره ص 40.

12 - ملكية الأرض مصدر سبق ذكره ص 106.

13 - د. حسن عبد القادر صالح المصدر السابق.

14 - المصدر السابق نفسه، ص 165.

15 - إبراهيم أبو لغد، تهويد فلسطين، بيروت، 1972 مصطفى الدباغ، بلادن فلسطين الجزء الأول القسم الأول 173 ود. حسن عبد القادر صالح مصدر سبق ذكره.

16 - كما ورد في «الاحصائيات الريفية» التي أعدتها الإدارة البريطانية في فلسطين عام 1945.

17 - د. حسن عبد القادر صالح، مصدر سبق ذكره.

18 - يوسف فايتس أملاك الغائبين، كانون الثاني،. 1953 «هآرتس والجروسالم بوست» 18 كانون الثاني 1953.

19 - عبد الرحمن أبو عرفة، الاستيطان التطبيق العملي للصهيونية، ص 138.

20 د. حسن عبد القادر صالح، مصدر سبق ذكره، ص 19.

21 - التغيير الاجتماعي والتوافق النفسي عند السكان العرب في إسرائىل، د. شريف كناعنة، جامعة بير زيت 1978، ص 114.

22 - دون بيرتس حقائق عن إسرائيل، مكتب الاستعلامات الإسرائيلي - نيويورك 1957، ص 46.

23 - الكتاب الأسود عن يوم الأرض، مصدر سبق ذكره.

24 - المصدر السابق نفسه.

25 - عنان العامري، التطور الزراعي والصناعي الفلسطيني 1900 - 1970، القدس، 1981 ص 25.

26 - مصادرة الأراضي العربية 1948 - 1976: مخططات ومعطيات، صحيفة الاتحاد الحيفاوية عدد 31/3/1987.

27 - المصدر السابق نفسه.

28 - مصادرة الأراضي العربية، مصدر سبق ذكره.

29 - عبد الرحمن أبو عرفة - مصدر سبق ذكره.

30 - يديعوت أحرنوت عدد 13/12/1985.

31 - راجع ارشيف مركز المعلومات لجنة يوم القدس

32 - المصدر السابق نفسه.

العرب اليوم - 5/5/1998.