الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

"إسرائيل" والمشروع المؤجل لتغيير الشرق الأوسط

 

بقلم‏:‏ عاطف الغمري

صحيفة الأهرام 27/8/2003

 

دائماً كان هناك هدفان متلازمان للمشروع الصهيوني لإقامة دولة "إسرائيل"‏،‏ منذ طرح فكرة الدولة لأول مرة في القرن التاسع عشر‏.‏ الهدف الأول أن تقوم الدولة‏،‏ والثاني أن تهيمن على المنطقة بأن تصبح هي محور النظام الإقليمي للمنطقة سياسياً وأمنياً‏،‏ ومركز حركته اقتصاديا‏ً.‏

 

ولنا أن نلاحظ أن الهدف الثاني الذي أخفقت "إسرائيل" في تحقيقه‏،‏ يحاول أن يتحرك الآن مدفوعاً بطاقة الديناميكية الاستراتيجية للنتائج العسكرية للحرب في العراق‏،‏ وإن كانت قوة الدفع الأمريكية له‏،‏ ليست وليدة اليوم‏،‏ بل إنها تتحرك على أساس من جهود جرت منذ سنوات في الولايات المتحدة لتحقيق هذه النتيجة‏،‏ وكان يقودها مجموعة - ممن يشغلون الآن مواقع رئيسية ومؤثرة في حكومة الرئيس بوش - منذ تصديهم لتقديم هذه الفكرة في دراسات من خلال مراكز بحوث مرتبطة بـ"إسرائيل"‏،‏ وفي أوراق كتبت خصيصاً لكي تكون هادياً استراتيجياً لبنيامين نيتانياهو عندما كان يتأهب لتولي رئاسة الحكومة الإسرائيلية في عام ‏1996،‏ وبرز منهم في القيام بهذا الدور ريتشارد بيرل‏،‏ ودوجلاس فايث‏،‏ واليوت أبرامز‏،‏ من أقطاب حركة المحافظون الجدد التي تدير الآن السياسة الخارجية‏،‏ والعسكرية في حكومة بوش‏.‏

 

ثم انتقل هذا الهدف من إطار الطرح النظري‏،‏ إلى دائرة التطبيق العملي‏،‏ حين أصبح متداولاً بين المراكز السياسية والاستراتيجية في الولايات المتحدة‏،‏ التي كانت تتابع التخطيط لحرب العراق‏،‏ بالمتابعة والتحليل ورأت أن إعادة رسم الخريطة الإقليمية للشرق الأوسط‏،‏ لتحتل فيها "إسرائيل" موقعاً مركزياً سياسياً واقتصادياً وأمنيا‏ً،‏ هو أحد الأهداف غير المعلنة رسميا‏ً،‏ لحرب العراق‏.‏

وجذور هذا الهدف قديمة قدم التفكير في قيام دولة يهودية‏،‏ وسجلها نبي الصهيونية ثيودور هيرتزل في عام ‏1899،‏ في مفكرته‏،‏ والتي صدرت في عام‏ 1902‏ في كتابه الدولة اليهودية‏،‏ الذي يتضمن نظرية سياسية استعمارية‏،‏ يتحدث عن الهدف الأول وهو قيام "إسرائيل"‏.‏ ثم ينتقل إلى الحديث عن قيام القاعدة الصناعية المتقدمة بعد قيام الدولة‏،‏ وفتح الجسور بينها وبين الدول العربية‏،‏ التي تسهم برءوس أموالها في دفع هذا التقدم الصناعي ونموه‏،‏ وتفتح أسواقها لتستوعب الإنتاج اليهودي‏،‏ وتسيطر "إسرائيل" على مصادر الثروة في الشرق الأوسط‏.‏

 

وكانت نظرة الحركة الصهيونية للشرق الأوسط‏،‏ أن له وضعاً متميزاً يجب الاستفادة منه‏،‏ فالشرق الأوسط كان في أغلب فتراته التاريخية قاعدة لدولة كبرى مثل مصر الفرعونية‏،‏ والإمبراطورية الرومانية‏،‏ والإمبراطورية العثمانية وغيرها‏.‏ وحيث لا توجد في هذا الوقت تلك الدولة الكبرى في الشرق الأوسط‏،‏ فإن "إسرائيل" يمكن أن تكون هذه الدولة الكبرى‏.

وكان معروفاً أن الحركة الصهيونية درست جيداً تاريخ الدولة العثمانية منذ قيامها‏،‏ وحاولت الاستفادة من تجربتها‏،‏ حيث كانت تركيا التي قامت على أساسها الإمبراطورية العثمانية دولة صغيرة‏،‏ تجاورها من ناحية الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي أصابها الضعف‏،‏ ومن ناحية أخرى العالم الإسلامي المفكك والمتناحر مع بعضه البعض‏.‏

 

وبالاستفادة من هذه الظروف‏،‏ كان من اليسير لتركيا الصغيرة أن تسيطر على جيرانها‏،‏ وتقيم دولتها الكبرى‏.‏

 

‏*     *     *‏

 

أي أن الهدف الثاني لإسرائيل‏،‏ تاريخيا‏ً،‏ كان يعني أن الصدام حتمي بين المشروع الصهيوني‏،‏ والمشروع القومي لأي نهضة عربية‏،‏ وبالتالي كانت العروبة وفكرة القومية العربية‏،‏ بمعني التكامل العربي سياسياً واقتصادياً وأمنيا‏ً،‏ تمثل من البداية عقبة‏،‏ لابد من العمل على تفتيتها‏.‏

 

ولذلك صاحب كل الحروب العربية الإسرائيلية‏،‏ حشد إسرائيلي مكثف لأسلحة الردع النفسي‏،‏ القصد منها إحداث حالة جماعية من الإحباط النفسي‏.‏ لدى الأمة العربية‏،‏ وفقدان الثقة بالنفس‏،‏ ومن ثم الثقة بفكرة العروبة ذاتها‏،‏ وقدرة العرب على أن يقفوا حتى مع أنفسهم‏،‏ والتشكيك في الهوية العربية الجماعية‏،‏ وأصولها الحضارية أو الثقافية‏،‏ وكان جزءاً من دوافع إثارة الأزمات والحروب الأهلية والإقليمية - وأشهرها الحرب الأهلية اللبنانية‏،‏ وأزمة غزو العراق للكويت - يرمي إلى توسيع فجوة الشقوق فيما بين العرب والعرب وتفتيت الهوية الجماعية العربية‏.‏

 

وفي الأوقات التي اكتسبت فيها فكرة تفعيل الهوية الجماعية العربية‏،‏ قوة دفع‏،‏ فقد كان رد الفعل الإسرائيلي يظهر قوياً ليطرح البديل عن النظام الإقليمي العربي‏،‏ حدث هذا عقب انتهاء الحرب الباردة في أواخر عام ‏1989،‏ وما بدأ يسود من اعتقاد‏،‏ بأن قدرة أي دولة مستقبلاً على مواجهة التحديات والتنافس في العصر الجديد‏،‏ هي رهن أدائها ضمن تكتل إقليمي اقتصادي‏،‏ مهما يكن ثراء مواردها‏.‏

 

وإن المستقبل هو للكيانات الإقليمية التي تتكامل اقتصاديا‏ً،‏ وبعد أن قفز عنصر القدرة التنافسية الاقتصادية‏،‏ إلى رأس قائمة أولويات مكونات الأمن القومي للدولة‏،‏ وعندئذ بدأ الترويج للمبدأ الذي طرحه شيمون بيريز عن الشرق الأوسط الجديد‏،‏ والذي كان في ظاهره إطاراً للتعاون الإقليمي الاقتصادي والاستثمارات المشتركة وفتح الحدود والأسواق وإن كان في باطنه نبض مشروع الحركة الصهيونية الأساسي والقديم‏.‏

 

عن الهدف الثاني بعد قيام الدولة اليهودية‏،‏ وهو أن تكون هذه الدولة هي مركز الهيمنة الصناعية أو السياسية والقوة الكبرى في المنطقة‏..‏ ليس لأن قوتها خارقة‏،‏ وإنما لاستفادتها بالتخطيط المنظم‏،‏ من ضعف الآخرين‏،‏ وغياب مفهوم التخطيط طويل الأجل عن عملهم‏.‏ وأن تكون هذه القوة الكبرى‏،‏ التي تدير قوتها الصناعية والاقتصادية بطاقات دول المنطقة‏،‏ قادرة على هذا النحو‏،‏ على أن تكون نداً لدول العالم الكبرى الأخرى‏.‏

 

ويذكرني هذا التوجه الاستراتيجي‏،‏ بموقف لبنيامين نيتانياهو رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق‏،‏ أمام المؤتمر السنوي لمنظمة اللوبي اليهودي‏ (‏الإيباك‏)،‏ وكنت حاضراً هذا المؤتمر في واشنطن عام ‏1997‏ - وكان يعرض لقدرة "إسرائيل" وحدها على قيادة التقدم في المنطقة‏،‏ بناء على قدرتها على الهيمنة وليس على عملية السلام‏،‏ يومها قدم في حركة حماسية لأحد علماء "إسرائيل" الذي أمسك بيده وكان جالساً إلى جواره على المنصة‏،‏ ليطلب منه أن يشرح إنجازاته العلمية‏،‏ ليقنع الحاضرين بأن الذي يحكم ميزان القوى في المنطقة‏،‏ هو التقدم العلمي‏،‏ وعنصر آخر هو الديمقراطية‏،‏ وراح بنفس الأداء الحماسي الدرامي‏،‏ وهو يلوح بساعديه في الهواء‏،‏ يحاول إقناع الحاضرين بألا فائدة من اتفاقات سلام مع أنظمة غير ديمقراطية‏،‏ وقد علت نبرات صوته وكأنه يصرخ وهو يقول‏،‏ أنتم ‏(يقصد الأمريكيين‏)‏ لا تعرفون الشرق الأوسط‏،‏ الذي نعيش نحن فيه‏،‏ فهذه منطقة‏،‏ يحكمها حكام‏،‏ لا يعني توقيع أي معاهدة‏،‏ بالنسبة لهم‏،‏ شيئا‏ً.‏

 

أي أن فكرة الهيمنة‏،‏ وأن تكون "إسرائيل" هي الدولة المحورية‏،‏ التي تقود وتخطط وتقرر‏،‏ ظلت في عمق التفكير الإسرائيلي للمشروع الصهيوني‏،‏ حتى وإن كان موضوع الحديث هو اتفاقات السلام‏.‏

 

‏*     *     *‏

 

‏والمشروع القديم للحركة الصهيونية‏،‏ قد بعث من جديد لعدة أسباب هي‏:‏

 

‏(1)‏ انقلاب حكومة شارون ‏(‏الليكود‏)‏ على ما كان قد بدأ يعرف في أوساط المفكرين اليهود في "إسرائيل" وفي الخارج‏،‏ بعصر ما بعد الصهيونية‏،‏ باستكمال السلام الشامل على كل المسارات‏،‏ بناء على مبدأ الأرض مقابل السلام‏،‏ وإغلاق ملف النزاع العربي الإسرائيلي‏،‏ وإعادته للمشروع الصهيوني بكل أفكاره القديمة‏،‏ عن التوسع‏،‏ ولغة القوة‏،‏ والدولة الكبرى‏.

 

‏(2)‏ أن المجموعة التي كانت تساند فكر المشروع الصهيوني من الأمريكيين قد وصلت إلى مقاعد السلطة وصناعة القرار في الولايات المتحدة‏،‏ وكثير من أفرادها له أفكاره المعلنة والمنشورة منذ سنوات مضت‏.‏

 

‏(3)‏ أن هذا المشروع كان أحد الأسباب لحرب العراق‏،‏ فلم يكن ما يشغل أمريكا أو يقلقها وجود صدام حسين‏،‏ وعلاقته بالقاعدة‏،‏ ووجود أسلحة دمار شامل في العراق‏،‏ ولقد ثبت أن الذين اتخذوا قرار الحرب لهذه الأسباب‏،‏ كانوا يعرفون أن صدام لا علاقة له بالقاعدة‏،‏ ولا دليل على امتلاكه أسلحة الدمار‏.‏

 

وأصبح دعاة الفكر القديم للهدف الثاني للمشروع الصهيوني بعد قيام الدولة‏،‏ يرون أنفسهم في طريق صدام مع المشروع القومي لأي نهضة فعلية لتقدم عربي ديمقراطي‏،‏ يغير من ميزان القوى في المنطقة‏،‏ والمثير للتأمل أن الصدام هو بين طرف ‏(‏العرب‏)‏ يملك طاقات وإمكانات التحول إلى قوة إقليمية ودولية‏،‏ لكنها منزوع عنها الفكر الاستراتيجي‏،‏ والإرادة السياسية‏،‏ والتخطيط‏،‏ وبين طرف لديه كوادر وخطط‏،‏ لكنه يعرف أن حلمه لن تقوم له قائمة - بمقاييس العصر‏،‏ وموازين القوة المتغيرة‏ - إلا إذا وضع يده على مصادر ثروة وقوة الطرف الآخر ‏(‏العرب‏)‏ ليقيم منها قاعدة مشروعه‏.‏

 

واللافت للنظر‏،‏ أن مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية في "إسرائيل"‏،‏ لم تستبعد من برامجها تجاهل‏،‏ احتمال أن تتنبه الدول العربية لمفهوم الفكر الاستراتيجي الغائب عنها‏،‏ وأن تزدهر فيها الحركة الديمقراطية‏،‏ الحقيقية‏،‏ التي تفتح أبواب الصحوة علميا‏ً،‏ واقتصاديا‏ً،‏ وتوسع دائرة الوعي والمشاركة سياسياً‏،‏ وثقافيا‏ً،‏ واجتماعيا‏ً،‏ بما يؤدي لتغيير ميزان القوى لمصالحة العرب‏.‏

وحين كانت تظهر لهم شواهد تمثل في نظرهم مؤشرات على أن هذا الاحتمال قد يصبح حقيقة‏،‏ فقد كان ذلك يشكل قوة ضغط على المؤشرات السياسية للقبول باتفاقات تعيد الأرض مقابل السلام‏،‏ بل كان المزاج لدى الرأي العام‏،‏ يتجه أكثر نحو قبول السلام‏.‏

 

أما حين تبدو صورة العرب قاتمة بلا أمل في حدوث شيء من هذا‏،‏ فإن عنصر الضغط نحو السلام يضعف‏،‏ ويتلاشى مفعوله‏.‏

وفيه أن القوى في هذا الصراع بين العرب و"إسرائيل‏"،‏ تحكمه مكونات يملكها العرب لكنهم لا يملكون وسيلة وضعها في خدمتهم‏،‏ وخدمة مصالحهم‏.‏