|
مصطلح الدولة اليهودية وماذا يعني؟
بقلم: د. أحمد صدقي الدجاني
صحيفة
الأهرام 26/7/2003
حمدت لمجلة
العودة التي يصدرها مركز العودة الفلسطيني الذي مقره لندن أنها
تناولت في افتتاحية العدد 138 لشهر يونيو حزيران 2003 مسألة
الترويج لمصطلح "إسرائيل" دولة يهودية.
أوضحت هذه
الافتتاحية أن وزارة الخارجية الصهيونية الإسرائيلية عممت على كل
ممثليها في الخارج عدم استعمال مصطلح حق العودة بحجة أنه لا يوجد
هناك في القانون الدولي ما اسمه حق العودة وبدلا منه يجب استخدام
مصطلح الرغبة في العودة كما حذرت الافتتاحية من أن قبول السلطة
الفلسطينية مصطلح "إسرائيل" دولة يهودية أو سكوتها عنه يعني تنازلها
عملياً عن حق العودة ودفنه إلى الأبد بشهادة فلسطينية، ومنع عودة
اللاجئين إلى وطنهم المحتل عام 1948م، كي لا تؤثر عودتهم على
الدموغرافية الإسرائيلية وطابع الدولة اليهودي ونبهت الافتتاحية إلى
أن هذا المصطلح يتضمن في طياته توجه الصهاينة نحو طرد أبناء فلسطين
من وطنهم بزعم الحفاظ علي نقاء الدولة اليهودية يستوي في ذلك
فلسطينيو أراضي67 وفلسطينيو أراضي 48 الذين فرضت عليهم الجنسية
الإسرائيلية.
إن من أسرع
التداعيات ظهوراً على المسرح هذا القرار الذي اتخذه الكنيست
الإسرائيلي يوم الأربعاء 16/7/2003 الذي قدم مشروعه الأعضاء
البرلمانيون لكتلة الليكود وفاز بأغلبية 26 وعارضه 8. وقد جاء في
نصه عن الضفة الغربية وقطاع غزة الزعم الصهيوني هذه المناطق ليست
محتلة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي،
ولا بموجب الاتفاقيات التي وقعتها "إسرائيل" وقد دعا القرار إلى
مواصلة تعزيز المستعمرات الصهيونية وتطويرها، وإلى التمسك بالخطوط
الحمراء الصهيونية وفي مقدمتها السيادة المطلقة على القدس،
والاحتفاظ بالمناطق الأمنية الغربية والمناطق الأمنية الشرقية،
وطالب في الوقت نفسه وبكل صفاقة بتفكيك ما يسميه الصهاينة منظمات
الإرهاب ووقف ما يسمونه التحريض.
هكذا جاهر
الكنيست بالموقف الصهيوني مجهزاً على ما تضمنته خريطة الطريق من
مسكنات قدمت للفلسطينيين مثل وقف الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية عام
2005 وأكمل بذلك موقف أرييل شارون الذي طرحه في لقاء رسمي حضر
اجتماع العقبة. لقد جرى تسريب محضر ذلك اللقاء من داخل مركز دانيال
زين الصهيوني للأبحاث ووصلني عبر البريد الإلكتروني، وأخضعته كدارس
تاريخ إلى علم مصطلح التاريخ فوجدته أن لم يكن صحيحاً وأن الذي صاغه
يصور الواقع بأمانة، ورجحت صحته وكان المشاركون فضلاً عن شارون
ومستشاريه وموفاز ودحلان، ووليم بيرنز المبعوث الأمريكي ومعه مندوب
جورج تينيت والقنصل الأمريكي في تل أبيب.
يصور المحضر
في أحد أجزائه رد فعل شارون حين طالبه الأمريكيون بأن يعلن موافقته
على خريطة الطريق دون أن يعلن تحفظاته الكثيرة عليها، وأن يترك
باقي الأمور معتمداً على الثقة بأمريكا. فرفض شارون ذلك وقال أقول
لكم بصريح العبارة إنه لم يخلق في دولة "إسرائيل" من يتنازل عن شبر
من أرض "إسرائيل". وأوضح أنه أرسل إلى الرئيس بوش وإلى الكونجرس في
واشنطن وزير السياحة في حكومته ليقول لهم: إن الحل الذي نقبله ولا
نقبل سواه هو أن يكون الأردن وطن الفلسطينيين، وبإمكان أي فلسطيني
في أي مكان كان، بما في ذلك عرب "إسرائيل" التوجه إلى الأردن
وإقامة دولتهم فيه. وأردف قائلاً: هذا هو الحل العملي الذي يوفر
علينا وعلى الفلسطينيين العذابات وعدم الاستقرار. فإسرائيل من
البحر إلى النهر لن تكون إلا دولة يهودية نقية. وقد حملنا وزير
السياحة اقتراحاً يقضي بإسكان أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة في
العراق وتجنيسهم بالجنسية العراقية، للإسهام في عملية تحقيق توازن
بين الشيعة والسنة.
يوضح المحضر
أن شارون ركز في نهاية اللقاء على طلبه أن يعلم عباس وكل المسئولين
الأمريكيين أن دولة "إسرائيل" هي دولة يهودية نقية، وهي لليهود في
"إسرائيل" وكل العالم. وحين نبهه وليم بيرنز أن هذا الأمر ليس في
مصلحة الإسرائيليين ويبرزهم وكأنهم عنصريون، رد شارون قائلاً:
إذا تركنا معادلة التكاثر السكاني على ما هي عليه الآن في
"إسرائيل"، فإن دولة "إسرائيل" ستنتهي لأن العرب سيحكمونها وأعلن
أنه لم يقبل الذهاب إلى العقبة إلا مثل أن يعلن الأمريكيون أن
"إسرائيل" دولة يهودية. فقال وليم بيرنز هذا الأمر يعود إلى بوش
وقد عاد الأمر إلى بوش فأعلن بملء الفم في العقبة مصطلح دولة يهودية
وأضاف تنبض بالحياة.
يكشف المحضر
أن شارون طالب عباس أن يعلق أن "إسرائيل" دولة يهودية، وألا يذكر
في خطابه القدس أو الاستيطان أو الحدود أو اللاجئين أو السيادة أو
المعتقلين أو عذابات الفلسطينيين أو الاحتلال. وحين تراجع بيان
عباس في العقبة نجد أنه لم يذكر دولة يهودية وإنما ذكر عذابات اليهود
على مر التاريخ وهو الزعم الصهيوني الذي يتفرع به لطرح فكرة الدولة
اليهودية، والتاريخ منه براء، كما خلا الخطاب من النقاط السابقة
الذكر.
لماذا أقدم
الرئيس الأمريكي جورج بوش على إعلان هويته في العقبة؟ وما دواعي
إلزامه بلاده تنفيذ البرنامج الصهيوني لهذه المرحلة؟
في محاولة
الإجابة، رجعنا إلى ما بات واضحاً من المخططات الأمريكية للسيطرة
على دائرتنا الحضارية، ونهب ثرواتها والتسلط على موارد الطاقة
فيها. وكان وقت التأمل فيما أسند من مهام للقاعدة الاستعمارية
الاستيطانية الإسرائيلية من مهام في هذه المخططات التي أسهم الصهاينة
بدور خاص في صياغتها في عهد هذه الإدارة الجمهورية المجاهرة بتبنيها
ما يعرف بالصهيونية المسيحية وقد فصلنا الحديث عن ذلك في مقالات
سابقة.
وبعد.. فما
الذي ينبغي علينا عمله؟
ألا ينبغي أن
ننظم فلسطينيين وعرباً على المستويين الشعبي والرسمي حملة على مصطلح
("إسرائيل" دولة يهودية) تتولى شرحه للعالم أجمع ومنهم اليهود غير
الصهاينة، وتفضح عنصريته ومخالفته للقانون الدولي ونكشف ما يترتب
عليه من تداعيات.
إن جامعة
الدول العربية قادرة على رسم خطوط هذه الحملة بمعاونة جميع الدول
العربية الأعضاء، وتحديد دور كل عنصر في تنفيذها.
مطلوب أن
يتضاعف تركيزنا على حق العودة بقيام كل فلسطيني بإعلان تشبثه به
وتنظم الدول العربية حملة لتأكيده ومباشرة البحث في تنفيذه. وقد
شهدت لندن يوم السبت 19/7/2003 مؤتمراً جماهيرياً شارك فيه أبناء
الشعب الفلسطيني في أوروبا منظمة مركز العودة الفلسطيني أكد على
التمسك بحق العودة إلى الوطن الفلسطيني من البحر إلى النهر لاجئين
48 ولاجئين67 على السواء.
مفروض أن
تستمر المقاومة في فلسطين وفي العراق ويتصاعد ضمنها الكفاح المسلح
الذي هو السبيل لتنبيه الشعب الأمريكي والشعب البريطاني واليهود غير
الصهاينة إلى طغيان حكوماتهم والصهيونية، وكذلك لفرض المراجعة على
بوش وبلير والتسليم على شارون. وقد رأينا كيف اقترب بلير من هذه
المراجعة حين قال في الكونجرس إن أهم وسيلة لهزيمة الإرهاب في الشرق
الأوسط (يقصد مقاومة الطغيان والعولمة المتوحشة) هي التوصل إلى
حل للصراع العربي الصهيوني. ورأينا كيف شاء الله أن يخزيه بعد
تظاهرة العولميين في الكونجرس احتفالاً به، فإذا بمقتل مستشار
وزارة الدفاع البريطانية يوقعه في أزمة غير مسبوقة وما أعظم ما يمكن
للمقاومة بكل أبعادها أن تتحقق حين يشارك فيها كل فرد من أبناء أمتنا
كل حسب طاقته ومن موقعه، وسوف تجعل بوش يعض أصابع الندم على ما
قاله في العقبة. وها نحن نرى ما يفعله فيه أبطالها في العراق
وفلسطين. |