|
الدور الثقافي للدولة الصهيونية
حمدي عبد العزيز
صحيفة
القدس العربي اللندنية 28/8/2004
يشير مفهوم
الدولة الوظيفية إلى تلك الدولة التي تسكنها عناصر سكانية تم نقلها
من أوطانها الأصلية لتقوم على خدمة مصالح الدولة الإمبريالية الراعية
التي أشرفت على عملية النقل السكاني وساهمت في عمليات قمع السكان
الأصليين (بالإبادة أو الطرد أو الإرهاب) وضمنت لهم البقاء
والاستمرار.
ومن الأمثلة
الدالة على هذا المفهوم الدولة الصهيونية التي لم يتم تأسيسها
لاعتبارات دينية أو اقتصادية وإانما لكونها ستقدم دوراً استراتيجياً
يؤمن السيطرة الغربية على العالم وكان هرتزل في مساوماته مع القوى
الاستعمارية للحصول على مستعمرة في أي مكان يشير بداهة إلى الأسطورة
الجبارة عن فلسطين لم تكن سوى شعار حاشد لمشروع استعماري محض ومر هذا
المشروع قبل التوصل لسحر الأسطورة بحلول أخرى مثل أوغندا وقبرص
وسيناء والأرجنتين.
ومزج هرتزل
كل العناصر في استعارته الشهيرة بالقول: سنقيم في آسيا جزءاً من حائط
لحماية أوروبا يكن عبارة عن حصن منيع للحضارة الغربية في وجه الهمجية
ولعل هذه الاستعارة تشير إلى خطورة هذا الدور وخصوصاً في جوانبه
الثقافية والتي لا يعادله خطر آخر إلا تحويل بعض الدول الصغيرة في
المنطقة التي ليست بالضرورة استيطانية إلى دول وظيفية من خلال رشوة
الشعب بحيث يرتفع مستوى معيشته أو يتزايد اعتماده على قوة خارجية
تضمن استمراره أو تحويل النخبة الحاكمة إلى جماعة وظيفية تدين
بالولاء للاستعمار الغربي تشعر بالغربة عن مجتمعها ويزداد ارتباطها
العاطفي والثقافي والاقتصادي بالمركز الإمبريالي.
وبذلك فإن
القول: بأن (اسرائيل) ليست إلا بلداً صغيراً لا يمكن أن تشكّل خطراً
ثقافياً على المنطقة العربية الإسلامية بالعدد الكبير لسكانها - فإنه
قول يكفي لإهماله أن نتذكر كيف حكمت إنكلترا في القرن الماضي - وهي
الجزيرة الصغيرة - إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، وأثرت تأثيراً
بالغاً في التوجه الثقافي للدول الخاضعة لها؟
التحالف والوظيفة الثقافية
لم يخف منظرو
الصهيونية - بدءاً من هرتزل - أن الصهيونية السياسية كانت مشروعاً
استعمارياً وجاء اختيار بريطانيا كقوة راعية لها في بداية الأمر
لأنها أتاحت للمشروع الصهيوني فرصة التبلور في بداية القرن العشرين
الذي شهد ذروة الصعود البريطاني كما شهد نمو المشروع الاستعماري تجاه
فلسطين من جنين صغير غير واضح المعالم إلى جزء من طموح الغرب الحديث
في السيطرة على العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص. وعليه
فإن المشروع الصهيوني كان في جذوره وبيئته الأساسية مشروعاً أوروبياً
غربياً قبل أن يكون مشروعاً يهودياً بل لولا جذوره الأوروبية
المسيحية والتحامه بمشروع الهيمنة الإمبريالي لكانت الحركة الصهيونية
الآن مجرد تجمع آخر مثل التجمعات والطوائف المتعددة وسط الجسم
اليهودي العالمي.
الدور
الثقافي لا يقصد به وظيفة تقوم بها أجهزة الإعلام المعتادة، وإنما هو
في حقيقته حرب فكرية تقوم على التشويه الثابت لكل ما هو عربي، وأحد
أدوات ذلك هو تقديم التراث العربي في علاقة مناقشة فكرية دائمة مع
التراث الغربي عامة واليهودي بصفة خاصة، بحيث يمثل أحدهما - نموذج
للتخلف والتعصب وقد تجمعت في مسالكه جميع مساوئ الوجود الإنساني، أما
ثانيهما - (المشروع الغربي) فهو تعبير عن التقدم والرقي والانطلاق
والحق في القيادة.
ويتمثل الدور
الثقافي للكيان الصهيوني - أو ما يسميه العلامة المرحوم د. حامد ربيع
التعامل النفسي - في منطلقين يكمل كلاهما الآخر: تنظيف الطابع القومي
اليهودي من جانب، وتشويه الطابع العربي من جانب آخر، وفي كلا
التطبيقين فإن التنظيف أو التشويه لا يقتصر على السلوك الفردي
للمواطن، وإنما يتسع ليشمل التاريخ، وهذا يفسر عدة ظواهر منها: جعل
الأدب أداة من أدوات الصراع العقائدي، وجعل إعادة كتابة التاريخ أحد
منطلقات الوظيفة الثقافية. فلم تقف الصهيونية من الحضارة العربية
الإسلامية موقف التقييم بإبراز النواحي الإيجابية والأخرى السلبية
فقط، بل تعدت ذلك إلى تقديم تلك الثقافة على أنها ثقافة متخلفة.
إذن فإن هذا
الدور لا يقتصر على الثقافة فقط، بل يشمل - أيضاً - الخطر الذي
يواجهه نمط الحياة والسلوك والقيم والعقائد وطبيعة الولاء، وهذا لا
يعني أن الغزو الذي يقوم به الكيان الصهيوني بمساعدة غربية هو من
ثقافة متنوعة لحضارة (عربية) ضعيفة، وإنما يعني تهديد ثقافة لثقافة
أخرى بالاضمحلال أو الزوال لمجرد أن الأولى (الصهيونية) يحملها شعب
متفوق عسكرياً أو تكنولوجياً دون أن تكون ثقافته بالضرورة أكثر
استحقاقاً للبقاء.
وقد بدأ هذا
الدور على أساس رؤية ثقافية اندماجية في بداية القرن الـ 20، وترتكز
على حالة من الاعتراف بحقوق الشعب العربي والتقدير لحضارته الإسلامية
ودورها التاريخي في حماية الأقليات اليهودية، وذلك بهدف تأمين تغلغل
المشروع الصهيوني في فلسطين بالحسنى نتيجة لاختلال موازين القوى
وميلها لصالح الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت ولغياب النفوذ الغربي عن
تلك الأرض، ولكن سرعان ما انبثقت ملامح استراتيجية ثقافية أخرى،
وخاصة بعد نكبة عام 1948، وتقوم على الاستعلاء الحضاري والديني
والعنصري، وعلى ترسيخ العداء والكراهية لكل ما هو عربي، وعلى مبدأ
تغيير موازين الأمر الواقع لتميل لصالح العمل الصهيوني حتى تأتي
اللحظة المناسبة لتطبيق سياسة القوة الصهيونية لفرض اطماعها.
أدوات الحرب القذرة
هناك ثلاث
أدوات للتعامل النفسي مع المنطقة العربية، تتجه الأداة الأولى إلى
المجتمع وتتأسس على خلق القناعة بالارتقاء أو السمو العنصري، مما
يؤدي إلى إعادة تشكيل لنظام القيم، وبالتالي العزلة بين المجتمعات
العربية، وقد كان الحديث عن أي دولة عربية كجزء من الأمة، فإذا بنا
فجأة نعاصر أحاديث عن المجتمع المصري والمجتمع السوري والمجتمع
الغربي، وإذا بلغة جديدة تتسرب في الوعي الجماعي أساسها الارتباط
بالتاريخ القديم وتخطي المرحلة الإسلامية.
وعزلة
المجتمع كانت المقدمة للأداة الثانية، وهي تعميق الهوة بين الحاكم
والمحكوم بما يعني اهتزاز التماسك القومي، ثم يكمل ذلك الأداة
الثالثة، والتي لم تنفذ إلا بإنشاء دولة "إسرائيل"، وهي: التسميم
السياسي، ويقوم على مراحل ثلاث:
1 - مرحلة
التعامل مع أدوات حمل العدوى الفكرية، وتدور حول تشجيع الأقليات على
خلق الفرقة والقناعة بالولاء الطائفي، وفي ظل هذه المرحلة يفرض عدم
الثقة في الاطار السياسي الذي يرتبط به المواطن مثل: الإخلال بالأمن
واختلاق الخيانات، وقتل الزعامات، وكلها تصب في زرع عدم الثقة في
الذات القومية.
2 - مرحلة
التعامل مع الطبقات المختارة، وتدور حول تفتيت قوى المقاومة في الجسد
السياسي، إذ إنها تتجه إلى المفاصل فتضعفها، وبالتالي تسعى إلى خلق
حالة من الترهل في الحقيقة المعنوية التي يمثلها الجسد القومي، وأهم
أدوات الترهل: الدعوى العقائدية، وحرب المعلومات، والحرب
الأيديولوجية من أكثر الأدوات خبثاً فمثلاً يقوم الأمريكان بدعم
اليسار والمفكرين الشيوعيين، وذلك بهدف خلق البلبلة الفكرية.
3 - مرحلة
الاغراق الجماهيري وهي مرحلة الصراع المباشر على المستوى الجماعي
والكلي بعد أن أضحى جسد المجتمع مترهلاً والمفاصل فقدت قدرتها على
التماسك، فإن تفتيت الوحدة الوطنية يصير أمراً سهل المنال، والأداة
المباشرة في هذه المرحلة هي الدعاية التي توسع من زراعة القيم
الدخيلة فإذا بها قيم كلية وتُضَخَّم فإذا بها قيم عليا، وهكذا تنخفض
قيم الأمة إلى مرتبة ثانوية، ويساند هذه العملية بعض العناصر
الجانبية مثل: صناعة العملاء، وتدعيم مراكز البحوث لإعطاء الصيغة
العلمية على حركة التعامل النفسي وشراء وتطويع الفئات المختارة، ثم
توجيه النظم الإعلامية من خلال البرامج المعدة لهذا مسبقاً. وأخيراً
خلق حالة الذعر الجماعي، حيث الاشاعة تلعب دوراً مهماً، وحيث رفع
الأسعار أو التحكم في بعض السلع الأساسية بالإغراق ثم بالمنع تصير
بدورها عناصر حاسمة في بلبلة الإرادة القومية، وإضعاف المقاومة
الجماعية.
أخطار تتهددنا
إن خطر هذه
الحرب التي يقوم بها الكيان الصهيوني يتضح للعيان في حالة وجود هزيمة
نفسية من جانب العرب، وسيادة الاعتقاد لديهم بأن سبب التفوق العسكري
الذي أحرزته (إسرائيل) عليهم هو تفوق قيمي وأخلاقي وحضاري وثقافي،
ومن ثم يظهر من بين ظهرانينا مفكرون وكتاب يصدقهم عدد متزايد من
الناس يدعون إلى احتذاء (إسرائيل) ليس فقط في تطبيق التكنولوجيا
الحديثة، بل في أسلوبهم في التنظيم والإدارة والنظام السياسي
وعلاقاتهم وقيمهم الاجتماعية ونمط سلوكهم.
وقد بدأت هذه
الدعوة على استحياء بعد الهزيمة في حزيران (يونيو) عام 1967، ثم زادت
جرأة في أعقاب زيارة السادات للقدس عام 1977، وتوقيع اتفاقية الكامب
عام 1979، فقد ظهر كتّاب يعبرون عن موقف الهزيمة النفسية بطريقة غير
مباشرة، عن طريق التأكيد على أن تكرار هزائم العرب في مواجهة
(إسرائيل) إنما يرجع إلى تخلفهم عن السير في ركاب الحضارة الغربية،
بينما لحقت "إسرائيل" بها دونما أي تمييز بين الجوانب الإنسانية في
التقدم الغربي والجوانب الثقافية التي تمثل إفرازاً، خاصة لثقافة
بعينها. وبصرف النظر عن توالي الهزائم العسكرية على يد الكيان
الصهيوني منذ عام 1948، فإن الخطر الثقافي الصهيوني قد أتيحت له قناة
جديدة تتمثل في قبول مصر الانفتاح الاقتصادي والثقافي على "إسرائيل"
منذ توقيع اتفاقية الكامب عام 1979، فالسلع الإسرائيلية ستحمل نمطاً
للاستغلال وأسلوباً للحياة لم يختره المصري أو العربي بإرادته أو
بمقتضى تطوره الاقتصادي والاجتماعي الطبيعي، كما سيؤدي التعاون بين
مصر و(إسرائيل) في مجالات الإعلام إلى طبع وسائل الإعلام المصرية ثم
العربية بالطابع التجاري الاستهلاكي الذي يكرس تغريب الحياة!
ومن أشد
الأخطار التي يمثلها هذا الغزو تهديده للمشروع الحضاري العربي
الإسلامي، والذي يقوم على اعتبار الوطن العربي وحدة سياسية وثقافية،
ذلك أنه من المستحيل أن نتصور أن يتم تكامل بين بلد عربي أو مجموعة
عربية مع "إسرائيل" في ظل وجود تكامل اقتصادي وسياسي بين الدول
العربية، إلا إذا كان هذا التكامل العربي في خدمة المصالح الاقتصادية
والسياسية للدول الغربية أو لإسرائيل نفسها.
كذلك فإن
الانفتاح الثقافي للدول العربية على (إسرائيل) من شأنه أن يخلق عقبات
تتراكم في وجه التكامل الثقافي العربي مثل: الاهمال المتعمد لتعليم
اللغة العربية، وتوسيع نطاق التعليم باللغات الأجنبية، وإعادة كتابة
التاريخ بما يتواءم مع ظروف الحقبة (الإسرائيلية)، بل وإهمال قواعد
الدين تحت شعار الانفتاح على العالم المتحضر ومجاراة العصر.
ومع استمرار
الدور الثقافي لـ (إسرائيل) يمكننا توقع عدة سيناريوهات لمستقبل
المنطقة:
1 - الهيمنة
الإسرائيلية وبروز (إسرائيل) كقوة عظمى، ووضح ذلك منذ قمة شرم الشيخ
في شهر آذار (مارس) عام 1996، والتي اجتمع فيها أهم زعماء العالم إثر
قيام حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ببعض العمليات الاستشهادية ضد
الإسرائيليين، وتعهد هؤلاء الزعماء بضمان أمن "إسرائيل" واتخاذ
الخطوات الكفيلة لمحاربة ما يسمى بـ (الارهاب).
2 - رد فعل
قوي تجاه (إسرائيل) يفسد وظيفتها ويهدد وجودها تلعب فيه الحركات
الاسلامية دوراً كبيراً، وهو سيناريو مرشح للظهور بقوة مع ازدياد
نطاق الحركة وذيوع تصورها بشأن الصراع العربي الصهيوني وطريقة حسمه،
وقد يعوق فعالية هذا الفعل الإسلامي استمرار صراع بعض الأنظمة
العربية مع الحركة الإسلامية.
3 - تعليق
الآمال على ظهور زعيم أو كاريزما عربية - على الغرار الناصري - تعيد
ترتيب أوضاع المنطقة لصالح الأمة، ولكن المؤشرات تؤكد صعوبة ذلك.
4 - نجاح
مصر في استعادة حيوية دورها الإقليمي والتصدي لمحاولات الهيمنة
الإسرائيلية، ومن الممكن حدوث واستعجال هذا السيناريو في ظل توجهات
مصرية تسعي لتذويب الخلافات العربية - العربية، ولكن ينقص هذا الدور
المساندة العربية.
وفي حال نجاح
السيناريو الأول فإن ذلك يمثل تهديدات حقيقية للأمة العربية
الإسلامية، حيث ستعجز عن تقديم اسهاماتها في بناء الحضارة الإنسانية،
وبالتالي سيفقد العرب والمسلمون إلى الأبد فرصتهم - التي لا زالت
متاحة لهم -ـ لتحقيق الأستاذية عبر خيرية الأمة الوسطية، وتنطبق
عليهم حينئذ سنة التبديل.
كاتب من مصر
|