|
فتوى الحاخامين برفض خطة الانسحاب هل تشجع على
العنف؟
جعفر هادي
حسن
صحيفة
الحياة اللندنية 27/12/2004
الحاخام
ابراهام شابيرا الذي يبلغ من العمر تسعين سنة يعتبر نفسه حارساً على
أرض "إسرائيل" ومدافعاً عنها، فهو يرفض الانسحاب مما يعتبره
"إسرائيل" الكبرى حتى من متر واحد. وهو معروف بتشجيعه على الاستيطان
ورفضه القاطع لاتفاق أوسلو. وهو اليوم يرأس المحكمة الحاخامية العليا
ويشرف على أهم مدرسة دينية (يشيفا) اسمها «مركز هاراف» لتخريج
المتدينين الصهيونيين. وكانت هذه المدرسة أسسها الحاخام ابراهام كوك
واضع الأسس الفكرية للصهيونية الدينية الحديثة.
وما أن يعرف
هذا الحاخام أن هناك خطة للانسحاب أو حتى إشاعة عن انسحاب، حتى يشهر
سلاح الفتوى لتحريض الجنود والضباط على العصيان. وقد فعل ذلك أيام
اسحق رابين وهو ما يفعله اليوم كذلك.
فبعد المذبحة
المشهورة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين وراح ضحيتها 29 فلسطينياً سرت
إشاعة بين المستوطنين بأن رئيس الوزراء سيأمر بإجلاء أولئك الذين
استوطنوا الخليل. وما أن وصلت الإشاعة إلى أذن الحاخام شابيرا حتى
أصدر فتوى بصفته رئيساً لمجلس حاخامي "إسرائيل" بتحريم إخلاء أي
مستوطنة، وجاء في فتواه «أن من الواجب رفض أي أمر بإخلاء أي مستوطنة
في أرض "إسرائيل"». وانزعج رابين كثيراً من هذه الفتوى وطلب من
المدعي العام أن يحقق في الموضوع وإمكان توجيه التهمة له بالتحريض
على الفتنة، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.
واليوم، يصدر
الحاخام فتوى أشد قوة من سابقتها وأكثر تحريضاً، بعد أن أعلنت
الحكومة الإسرائيلية عن خطتها للانسحاب من غزة وبعض المستوطنات في
الضفة الغربية، فقد اعتبر إخلاء المستوطنات جريمة في حق الهلخا
(الشريعة اليهودية)، وهو كالرفض لواجباتها ومثل أكل الطعام الحرام
وتدنيس يوم السبت، وعلى الجنود والشرطة أن يرفضوا حتى المساعدة في
الإخلاء ولو اقتضى ذلك الذهاب إلى السجن، وقال أكثر من مرة إن هذه هي
أوامر الرب.
وكما انزعج
رابين يومها من فتوى الحاخام كذلك انزعج شارون من فتواه حيث اعتبر
عدم إطاعة الأوامر «خطوة كبيرة نحو الفوضى التي ستقوض وجودنا»،
واعتبر موفاز الفتوى تمزيقاً للشعب وتقويضاً للصهيونية. كما أن يوسف
لبيد زعيم «شينوي» والعدو اللدود لسيطرة الأرثوذكس طالب بأن يقدم
الحاخام للمحاكمة بتهمة التحريض على الفتنة. كما أن حاييم رامون (من
العمل) طالب بسجنه.
وقد لا يحدث
شيء من هذا، خصوصاً أن ستين حاخاماً أيدوا فتواه وأكدوها. وخشية
المسؤولين في الدولة من نتائج هذه الفتاوى حقيقية كما عبر بعض
المسؤولين عن ذلك لأن عدد الجنود المتدينين في الجيش ازداد في
السنوات الأخيرة بعد التسهيلات التي قدمت لهم مثل إنشاء الوحدات
العسكرية الخاصة بهم وتوفير متطلباتهم وما يحتاجون إليه من أشياء
«كوشر» والسماح لهم بأداء الخدمة العسكرية جزئياً وغير ذلك.
كما أن
الضباط المتدينين الذين تصل نسبتهم في الجيش إلى 30 في المئة وصلوا
إلى وظائف عليا في الاستخبارات والتخطيط والاستراتيجيا، وهؤلاء في
الغالب يسمعون لحاخاميهم.
كما أن هذه
الفتاوى تعطي إجازة للمتدينين المتطرفين في القيام باغتيال مسؤولين،
ولإسرائيل سابقة في ذلك.
وتشجعت
المنظمات المعارضة للانسحاب بهذه الفتوى وأخذت تحرض الجنود والضباط
على العصيان. ومن أكثر هذه المنظمات نشاطاً وتأثيراً «حركة درع
الدفاع» التي يتزعمها نعوم لفنات - وهو أخو وزيرة التربية الحالية -
الذي يقول إن منظمته أسسها حاخامون.
وهو يصف
الإعلان عن الانسحاب بأنه كان صدمة لليمين وزلزالاً في نظرهم، وأنهم
ظلوا لفترة مشدوهين لا يدرون ماذا يفعلون إلى أن أيقظتهم فتوى
الحاخام شابيرا حيث أخذ الحاخامون يقنعون الجنود «بأن أوامر الرب هي
أهم من أوامر الجيش وأن أوامر التوراة مطلقة في عدم التخلي عن أي جزء
من أرض "إسرائيل"».
وأخذ لفنات
والمنتمون إلى حركته بتوزيع فتوى الحاخام شابيرا على الجنود والضباط
في طول البلاد وعرضها من أجل اقناعهم بعدم إطاعة الأوامر. وهو يقول
إنه جمع آلاف التواقيع للجنود الحاليين والاحتياط. وهم لم يكتفوا
بهذا، بل يذهبون إلى بيوت السكان بيتاً بيتاً يبيّنون لهم خطورة
الانسحاب والضغط على شارون لإجراء استفتاء حول خطته.
وهو يؤكد أن
جمع التواقيع لا يكفي و«من الضروري تقوية المستوطنات في غزة ودعوة
المستوطنين من خارجها للانتقال إليها، حتى يكون من الصعب على الجيش
تطبيق خطة الانحساب، وأخبر شارون أن الإخلاء غير ممكن وإننا بجهودنا
ومساعدة الرب، سنتمكن من أن نهزم شارون».
وطبقاً لما
ذكرته صحيفة «هآرتس»، فإن حركة «أمانا» ساعدت إحدى عشرة عائلة على
النزوح إلى غزة والسكن فيها «رداً على الصواريخ وخطة الإخلاء وحكومة
شارون»، كما ذكرت إحدى مسؤولاتها.
وبعد صدور
الفتوى أخذ مجلس المستوطنات «يشع» يكثر من الاجتماعات ويشرك في
اجتماعاته بعض الحركات المتطرفة مثل «كاخ» و«الجبهة القومية
اليهودية». وهم يعلنون بأنهم يتخذون قرارات لمضاعفة العمل وتطبيق
أفكار جديدة «وإننا لا يمكن أن نتحدث عن الشعارات وشارون يغتصبنا
بشراسة، إذ أن المجلس يشعر بأن الشعارات قد أصبحت غير كافية». وعبر
البعض من هؤلاء عن استعداده لمخالفة القانون «لأن ما يعمله شارون هو
ضد القانون وأن الوقت حان لنا لمخالفة القانون، وندعو الناس للذهاب
إلى «غوش قطيف» وإذا كان هذا غير قانوني فإننا مستعدون إلى الذهاب
إلى السجن».
بينما قال
آخرون كان هناك حديث عن سد طرق ودعوة إلى القيام بحملة عصيان مدني
و«إننا نتمكن من شل البلد خلال أيام»، كما أنهم انتقدوا خطاب شارون
في هرتزيليا نقداً شديداً وقالوا إن أفكاره لا تختلف عن أفكار بيريز
وأنه سيدفع ثمن سياسته هذه. ويبدو أن هؤلاء مصممون على استعمال العنف
كلما اقترب موعد الانسحاب. والحكومة تعرف ذلك ولذلك بدأت تأخذ بعض
الإجراءات مثل منع دخول أي شخص إلى غزة قبل موعد الانسحاب بثلاثة
أشهر، كما أن «الشين بيت» قد شدد الإجراءات الأمنية حول شارون.
والذي يبدو
أيضاً أن الحكومة ماضية بتطبيق خطة الانسحاب على رغم احتمال حدوث
العنف لأن الانسحاب من وجهة نظر شارون ضرورة يحتمها أمن "إسرائيل".
ولكن هؤلاء الرافضين للانسحاب يقومون بنشاط آخر غير منظور وهو نشاط
مكثف تساعدهم فيه منظمات مسيحية صهيونية هدفه إسقاط الحكومة الحالية
والتعجيل بالانتخابات حيث يأملون بأن لا يفوز فيها من ينوي الانسحاب.
أكاديمي عراقي - لندن.
|