|
غُرابان في حفلة تنكرية!
خيري منصور
صحيفة الوطن
القطرية 28/2/2005
لم تكن
السيرة الدموية لشارون على امتداد تلك العقود من ملاحقة الفلسطينيين
واقتراف جرائم الحرب بحقهم كافية لإقناع من شكوا للحظة بأن الرجل قاد
انقلاباً ضد نفسه وتحول كما وصفه الرئيس الأميركي إلى رجل سلام.
واحد من أقرب
الإسرائيليين إلى شارون وكان معه في خندق واحد منذ الخمسينيات اعترف
في مقابلة نشرتها «معاريف» قبل أيام بأن شارون يوشك أن يفقد صوابه -
إن كان له صواب - كلما ذكرت أمامه عبارة الدولة الفلسطينية فهو يرى
باختصار أن قيام هذه الدولة معناه الوحيد هو بوابة النهاية لإسرائيل،
لهذا يعود شارون بين وقت وآخر إلى أطروحته المعروفة حول توطين
الفلسطينيين في الأردن واعتباره دولتهم الممكنة.
ما يرويه مير
هارتسيون في مقابلة معاريف لا يضيف جديداً إلى ما عرف عن شارون، لكنه
يذكر من التفاصيل والمواقف ما يجزم بأن الجنرال الأعمى قد اندفع
كالثور الهائج إلى أقصى الرعونة والجنون فهو الذي ما إن عاد من قمة
شرم الشيخ حتى تنكر لكل ما صدر عنه لا يتردد على الإطلاق في أن يناقض
نفسه وأن «يلحس» تصريحات دفعت بعض السذج إلى التفاؤل والاعتقاد بأن
الجنرال الذي طالما سال لعابه على المزيد من الدم يمكن له أن يغير
مساره وأن يعترف بلحظة الحقيقة بعد أن أزفت، ولم يعد بالإمكان
تأجيلها وإذا احتكمنا إلى ما يقوله صديق شارون القديم فإن كل ما يشاع
الآن عن انفراج قادم هو من قبيل التفكير الرغائبي والاسقاطات
السياسية التي تنبئ عن إعياء شديد لدى طرف مغلوب على أمره.
بعد يومين
فقط من قمة شرم الشيخ علق إسرائيليون قائلين إن الأوضاع كانت قبل
انعقاد تلك القمة أقل سوءاً أما الفلسطينيون فقد قالوا إن شرم الشيخ
لم يكن سوى منتجع سياسي وليس سياحياً في هذا الشتاء البارد، وما
أعلنه صائب عريقات على شاشات فضائية ينبئ أيضاً عن إحساس عميق
بالخذلان لأن شارون ما أن يعود إلى مقره حتى يتنكر لكل ما صرح به
أمام الكاميرات ليظفر بصفة رجل السلام التي أطلقها عليه الرئيس بوش!
إن المسألة
أعقد بكثير من هذا الاختزال الإعلامي الذي يحذف منها أشد الأبعاد
نفوذاً وتأثيراً وتهديداً بإعادة الصراع إلى مربعه الأول، فالإصرار
على حذف كل ما له صلة بحق اللاجئين في العودة هو حذف لجوهر القضية
الفلسطينية لأنها في الأساس قضية لاجئين وسطو على أرضهم بعد اقتلاعهم
من جذورهم لهذا تبدو بعض المعالجات الإجرائية أو الموسمية أشبه
بتخدير موضعي يعقبه ألم مضاعف عندما يزول تأثيره المؤقت وإذا كان
واحد من أقرب الإسرائيليين إلى شارون ينقل عنه هذا الموقف الرافض
جملة وتفصيلاً لحق الفلسطينيين في إقامة دولة فالأمر لا يفسر على أنه
نقد لشارون بل محاولة لإعادة الثقة به خصوصاً من قبل الراديكاليين
اليهود الذين لا علاقة بقناعاتهم السياسية بالتاريخ أو الواقع بل هي
مستمدة من فلسفة غيبية وجغرافيا توراتية لا تعترف بالحدود،، ولا
بالآخرين أيضاً.
وقبل أيام من
نشر هذا الحوار مع صديق شارون كتب معلق إسرائيلي عن المفهوم الصهيوني
لمصطلح الحدود وقال إن الانتفاضة الفلسطينية هي صاحبة الفضل في إعادة
الاعتبار السياسي لمصطلح الحدود.. ودونها لا تفكر "إسرائيل" حتى
بمراجعة ما ينبغي أن يكون حدودها. وبالفعل كتب «هركابي» قبل ثلاثين
عاماً في مجلة فرنسية عن مفهوم الحدود وقال إنها حيث يتعب الجندي أو
يلقي سلاحه وبهذا تكون الدولة العبرية بلا حدود لأن جغرافياها مرنة
ومطاطة وتتسع أو تنحسر تبعاً لموازين القوة فقط!
وهناك من
يرون أن فلسفة شارون وما يمثله من تيار راديكالي تتلخص في إخضاع
الخصم عبر متوالية من الابتزازات واستثمار ما يسمى لحظات التعب أو
اليأس، ولأن الوضع العربي في ذروة التفكك والهشاشة فإن الفرصة الآن
مواتية لممارسة هذا الابتزاز وتهيئة الطرف الآخر المغلوب لقبول
القليل،، إذا كان الخيار الآخر هو العدم أو اللاشيء!
وحين يخرج
شارون قليلاً عن السياق التقليدي لاطروحاته الليكودية ويقبل بوجود
فلسطيني فهو وجود أدنى من الدولة بكثير أو بمعنى آخر دويلة غير قابلة
للحياة إذا أخذنا التعبير الذي يكرره الرئيس بوش في عدة مناسبات على
محمل الجد وهو قيام دولة فلسطين قابلة للحياة!
إن الخلل
المتفاقم الآن لا يكمن في حوار الطرشان فقط، وإصغاء كل طرف لصدى صوته
بل في المعادلة كلها فإسرائيل تطالب العرب بإفراغ ثقافتهم الوطنية من
كل ما يحرض على الجهاد والمقاومة لكنها تواصل تغذية وحقن أجيالها بما
يسميه البعض «المبيدات التربوية»، أي بث الكراهية والانتقام والثأرية
العمياء في نفوس الأطفال اليهود، وإعدادهم لحروب قادمة يبدو أن
السلام لن يكون سوى فاصلة عابرة بينها وبين الحروب الخمس التي
سبقتها!
إن صراعاً
بهذا التعقيد وله مثل هذا التراكم في الذاكرة.. واللاوعي ومختلف
تجليات الحياة لا يمكن التعامل معه وفق مقتربات إجرائية أو الاركان
إلى حلول تكتيكية مؤقتة تعقبها انفجارات لا أحد يستطيع أن يحزر
مداها، فالفلسطينيون ليسوا كائنات تحيا بالخبز وحده أو تبحث عن أدنى
الشروط العضوية والضرورية لمواصلة العيش فهذا متاح بهذا القدر أو ذاك
لكل البشر، إنهم يبحثون عن كينونة تليق بما بذلوا من ثمن وهو غال وله
استحقاقات لا ترضى بأقل من السيادة لكن مفهوم السيادة هذا بات
مصطلحاً مُتْحفياً ومهدداً بالحذف من المعاجم السياسية في عالم حسم
الأمر فيه لصالح الأقوى لا الأعدل، والأمثلة التي أمامنا الآن تغنينا
عن أي تعليق، نعرف بالطبع أن هناك إسرائيليين يشعرون بالرعب من
استمرار السياسة الشارونية التي هي مجرد أجندة عسكرية ذات طلاء سياسي
لا يصمد قليلاً تحت الشمس وهؤلاء يشعرون بالقلق على مستقبل أبنائهم
وأحفادهم اكثر مما يشعرون به على العرب وعلى الفلسطينيين بوجه خاص
لأن توريط عدة أجيال إسرائيلية في سلسلة من الحروب يعني تحويل الحياة
اليومية في "إسرائيل" إلى مجرد حراك متوتر في مستوطنة أو ثكنة عسكرية
وهذا ما بدأ كثير من الإسرائيليين يشكون منه خصوصاً بعد أن فقدوا ما
سمي الأمن الشخصي ولم تفلح وعود الجنرالات بحمايتهم لأن أبسط بدهيات
المنطق قدر تعلقها بالاحتلال.. هو أن العنف يستولد عنفاً إن لم يكن
بالقدر ذاته فأكثر منه بأضعاف لأن فيزياء التاريخ ليست محكومة
بالنواميس ذاتها التي تتحكم في فيزياء الطبيعة وعناصرها!
وهناك مسألة
أقرب إلى السايكولوجيا منها إلى السياسة هي ما تحتقن به الشعوب وما
تختزنه في باطنها من الصور التي ترسمها للآخر إذا كان لديها اعتقاد
راسخ بأن هذا الآخر قد نال منها وانتهك مصيرها، وحرمها من أبسط
الحقوق في الحياة، وما التخوف الإسرائيلي المزمن من المستقبل إلا
تعبير عن الذاكرة الصهيونية الآثمة التي يدرك من صاغوها ومن يواصلون
تغذيتها بأن دوام الحال من المُحال وأن تأبيد اللحظة الراهنة ليس
متاحاً إلا لمن يملك أن يضع نقطة في آخر سطر من كتاب التاريخ!
وبالعودة إلى
ما قاله مير هارتسيون في «معاريف» فهو يعترف بأنه قتل ذات يوم أربعة
من الأردنيين ثأراً لأخته وصديقتها، مضيفاً بأن أقل ما يمكن أن
يساويه اليهودي هو اثنان من العرب! إن هذا الكلام لم ينشر قبل ثلاثين
عاماً وفي حمى الصراع العربي - الإسرائيلي قبل أن تعقد اتفاقيات
سلام، إنه ينشر الآن وفي ذروة ما يشاع عن السلام ووضع حد لسفك
الدماء!
هي ذهنية لا
تقبل مراجعة الذات ناهيك عن نقدها، لهذا تأخذها العزة كما يقال
بالكثير من الإثم ولا يلوح في الآفاق أن هناك تغييراً نوعياً من أي
مستوى قد طرأ أو سيطرأ في المدى المنظور على هذه الذهنية لأنها تربت
في حاضنات الخرافة والفلسفة الغيبية التي لا تعترف بالتاريخ إلا
باعتباره مجالاً حيوياً للسطو والتمدد على حساب الآخرين!
وقد يكون ما
يطالب به شارون العرب من أجل تدجين نصوصهم ومرجعياتهم التي تحرض على
المقاومة وأدبيات التحرير هو لعبة اسقاطية يريد أن ينجو من خلالها
مما يعتقد أنه متورط به، فمناهج التعليم في "إسرائيل" هي أشبه
بالحلوى المسمومة التي تقدم للأطفال في المدرسة والبيت والمعبد وما
من تغيير حتى الآن طرأ على تلك المناهج بل ما حدث هو العكس وهو
ترسيخها ومضاعفة الجرعات السامة فيها.
وما أعنيه
بالبعد السايكولوجي قدر تعلقه بصراع كهذا هو ما ترسب لدى المنتصر أو
الغالب من نرجسية عرقية واستحقاقات ويقابل هذا ما ترسب لدى المهزوم
أو المغلوب مما يسمى في علم النفس «الماسوشية» أي التأقلم مع أسباب
العذاب والألم وأحياناً استمراء هذا العذاب والتلذذ بالمزيد منه!
وقد يبدو هذا
الكلام أقرب إلى الفانتازيا والتأنق المعرفي - الفطري، لكنه في صميم
الحراك السياسي والعسكري الذي يتحكم بهذا الصراع ويضبط خطواته على
«مارشاته» العسكرية !
وإذا كان
رهان شارون على تعب الفريسة هو ما يشحنه بكل هذا العنف ويسوغ له
الكذب، والتناقض فهو مخطئ حتما لأن إرادة البشر غير ذلك تماماً
وأحياناً يستولد التعب والإحساس بالعسف طاقات جديدة كانت طي
الاحتياط، فالشعوب كما نعلم استطاعت مراراً أن تحول العقبات إلى
رافعات وأن تجترح معجزاتها من واقع ظن الآخرون أنه استنقع إلى الأبد!
صديق شارون
القديم افتضح صاحبه وعراه وأوضح لقارئيه بأن الغربان لن تتقن الهديل
حتى لو تقمصت الحمائم على شطآن المنتجعات السياسية!!
|