جدار عازل في العقل الإسرائيلي
خيري منصور
صحيفة
الوطن القطرية 15/12/2003
حين كتب (أفي
شلايم) كتابه الشهير عن الجدار الحديدي الذي حاولت "إسرائيل" تشييده
وحراسته على امتداد نصف قرن، لم يكن هذا الجدار الذي شيده شارون
وأطلق عليه اسم الجدار الأمني الواقي قد أدرج في ذلك المشروع، لكن
المتوالية التي كان لابد أن تصل إلى هذا الجدار لأنها مرتهنة للخرافة
لا للتاريخ قد ينتج عنها أيضاً جدران عازلة بين اليهود أنفسهم مادام
صراع الهوية قد بدأ يطل برأسه رغم محاولات الإخفاء والتأجيل،
فاليهودي قد يكون لا يهودياً بالقدر ذاته كما قال (إسحاق دويتشر)
المفكر الروسي - اليهودي الذي اغضب بن غوريون وإدارته عندما أصدر
كتابه العقلاني في زمن غير عقلاني وتوجه به إلى دولة تحاول البرهنة
دون جدوى على أن اليهود عاشوا رغماً عن التاريخ وليس بفضله كما قال
كارل ماركس في إحدى معالجاته لما سماه المسألة اليهودية!
ويبدو أن
الجدران سواء كانت حديدية أو أمنية واقية هي تعبير دقيق عن ذهنية
الجيتو والمنعزلات اليهودية حيث لابد للخرافة من محارة تحميها كما
قال أحد نقاد الصهيونية ساخراً! بالطبع ليس لدى "إسرائيل" الآن أو
فيما مضى لؤلؤ تسعى إلى حمايته من أيدي اللصوص أو الصيادين لأن اليد
الصهيونية امتدت إلى يهود أيضاً فقد اغتيل (ابراهام ليون) مثلما
اغتيل (إسحاق رابين)، ورغم تباين الأسباب المزعومة إلا أن الهدف واحد
وهو تكريس مفهومين لا تعيش الصهيونية إلا بهما المفهوم الأول: هو
تقمص دور الضحية حتى لو تطلب الأمر ابتكار الجلاد.
والمفهوم
الثاني هو الانعزال الذاتي حتى عندما لا يكون هناك عزل قسري فأكثر
الذين قاوموا اندماج اليهود في السياقات الجغرافية والحضارية
والقومية التي عاشوا فيها جيلاً بعد جيل هم من اليهود أنفسهم مثلما
حدث بعيد الثورة الفرنسية التي بشرت بمحو الفروق على أسس عرقية أو
دينية أو لونية.
والمفارقة هي
أن من يشكون من عدم الاندماج والاغتراب الثقافي والنفسي يسعون إلى
مقاومة هذا الاندماج عندما تتوافر أسبابه! والآن حين يحتكم إلى هيئات
قانونية دولية حول ما يسمى الجدار الأمني الواقي والعازل فإن مثل هذا
الاحتكام يصنف على أنه سياسي بالدرجة الأولى والعالم الذي لا يقيم
وزناً للفلسفات والأيديولوجيات التي تتحكم بالحراك السياسي قد لا
يفطن إلى جذور هذا الانعزال لأن من يقول كلمة واحدة عن النزعة
الصهيونية «الجيتوية» يصبح مرشحاً بقوة لأن يضاف اسمه إلى قائمة
أعداء السامية خصوصاً بعد أن تحققت نبوءة ميلان كونديرا على نحو
معكوس وأصبح الاتهام شاملاً لكل العالم أو الجوييم من غير اليهود إلى
أن يثبت هذا العالم براءته من دم السامية!!
وأول ما
يتفرع من هذا الفهم للظاهرة في بعدها الشامل والمجرد هو ما تحاوله
الدولة العبرية من اصطناع عقبات ومصدات ضد أية صيغة مقترحة للسلام
حتى لو كانت هذه الصيغة لمصلحتها وبشروطها هي لا بشروط الطرف الآخر
المعتدى عليه! ذلك ببساطة لأنها كما وصفها المؤرخ البريطاني (أرنولد
توينبي) تعيش بالحرب وتموت بالسلام فالسلام كمناخ فكري ومزاج سياسي
عام يحرم الصهيونية من مواصلة تحذير اليهود من الآخرين بوصفهم أعداء
محتملين أو أعداء بالقوة إذا استعرنا المصطلح الفيزيائي فالتاريخ له
فيزياؤه أيضاً، وإن كانت "إسرائيل" تريد أن تقلب المعادلة وتعطي
للعامل المساعد دور البطولة في كل سياقات الصراع أو الحوارات التي
تسعى إلى جعله قابلاً للتدجين والوصول بعد ذلك إلى شاطئ آمن!
وثمة الآن من
يتهربون من تسمية الأشياء أو الظواهر بأسمائها الحقيقية فالقول: إن
شارون يكرر مواقفه الراديكالية الرافضة للسلام والتي تبتكر أسباب
المواجهة العسكرية والاحتقان السياسي يجب أن يسمى باسمه وهو أن
الجنرال ليس مجرد رجل ضل الطريق أو أصابته الرعونة بالعمى السياسي،
إنه يصدر عن موقف واستراتيجية طالما تبناها سابقوه ومنهم حزب العمل
ورموزه وأحياناً يغيب عن العرب أن معظم الحروب والمجازر حدثت إبان
تولي حزب العمل الإسرائيلي ورموزه للسلطة وقد تكون مجزرة «قانا» هي
الأقرب الآن إلى الذاكرة فالذي نفذها هو (شمعون بيريز) الحمامة
الكاذبة أو الصقر الذي يتنكر بريش حمامة ويحاكيها في الهديل
الدبلوماسي في المحافل الدولية، كما أن أهم المستوطنات التي تحولت
إلى كماشة حول القدس وضواحيها كان بيريز نفسه قد اتخذ قرار توسيعها
وترسيخها وتسليحها!
ولعل أخطر
المقتربات الفكرية أو المعالجات السياسية للحقبة الشارونية ذلك
الاختزال الذي يشخصن تياراً أو أيديولوجيا برمتها وكأن ما جرى
للفلسطينيين كان بسبب سوء طالعهم لأن أرييل شارون بالتحديد قد فاز في
الانتخابات الإسرائيلية لمرتين على التوالي! إن هذا التبسيط معناه
تبرئة المؤسسة الاستيطانية من دم الفلسطينيين وإلقاء الحمولة كلها
على كاهل جنرال معين حتى لو كان مصاباً بالسادية وشهوة الدم والقتل!
ما نحتاج
إليه كعرب الآن وبعد كل هذا اللدغ المتكرر من الجحر الإسرائيلي ذاته
هو عدم تصديق خرافة فساد الأشخاص كبديل عن فساد السياسات
والاستراتيجيات والظواهر، ويبدو أن علينا تجريب عدد لا آخر له من
الجنرالات الإسرائيليين والقادة من مختلف الأحزاب كي نتأكد من حقيقة
واحدة ودامغة هي أن الفلسفة التي تشكل حاضنة الصهيونية ومرضعتها هي
ما يحتكم إليه أولاً وأخيراً في الدولة العبرية، وأن مفهوم الجدار
الحديدي الذي تحدث عنه «آفي شلايم» وهو شاهد من أهلها كما يقال لأنه
كاتب يهودي رأى كل شيء من الداخل ليس من إسمنت أو فولاذ أو أسلاك
بقدر ما هو من أفكار ومفاهيم وأيديولوجيا مدججة بالتحريض وتجديد
أسباب الكراهية والصراع كلما بدت قابلة للتلاشي أو الشحوب!
لكن مثل هذا
الوعي بالنسبة للعرب يبدو باهظ التكاليف ويتطلب إعادة نظر في أشكال
المواجهة، والعمل على التقليل ما أمكن من الخلل الكارثي في ميزان
القوة، أن تحميل جنرال واحد أو زعيم إسرائيلي واحد الوزر كله يعفي
الدولة العبرية واحتياطيها «الحركي» من أي نقد أو إدانة وهي في
الحقيقة ما يستحق التجريم لأنها بيت الداء وليست مظاهره الخارجية أو
البثور التي نتصفحه على سطح الجلد، والعرب بسبب فائض الضعف والهشاشة
اللذين نتجا عن فائض قوة الخصم وصلابة موقفه يبحثون عن نافذة خلفية
للهرب والحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه أمام شعوب لا تكف عن
المساءلة ورصد منسوب الخضوع السياسي لأنظمتها.
لكن هذه
اللعبة انتهت صلاحيتها منذ زمن وإن كان النظام العربي هو آخر من يعلم
بمثل هذه النهاية والقول بأن النظام السياسي العربي الذي تحاصره
الشيخوخة من كل جانب قد أضاع الوقت والفرصة الأخيرة لاستدراك ما يمكن
استدراكه ليس من المبالغة أو التشاؤم بحيث نستبعده أو نتطير من ذكره،
فـ"إسرائيل" ذاتها تعي ذلك جيداً وقد رسمت سياستها في العقود الثلاثة
الأخيرة في ضوء هذا الوعي لهذا استطاعت أن تحزر مساحة ردود الأفعال
العربية قبل حدوثها ومن ثم تسعى إلى مصادرتها وإجهاضها قبل أن تولد
من رحم التاريخ.
وكان الشعار
الإعلامي الذي ساد في العالم العربي بعد هزيمة حزيران 1967 وهو «أعرف
عدوك» التقطته "إسرائيل" ومارسته وأعطته معناه لكن من طرحوه أفرغوه
من المضمون وحولوه كالعادة إلى مجرد شعار أعزل يتردد موسمياً في
مناسبات محددة، ومعرفة العدو بأبسط بديهياتها هي دراسة السايكولوجيا
الفردية والجماعية للخصم وقدر تعلق هذا بـ"إسرائيل" فقد رصدت خلال
نصف قرن وبهواجس يمتزج فيها الأمني مع الاستشراقي والدفاعي
والاستباقي كل ما أفرزه العقل والوجدان العربي من أدب وفنون وفلسفات
وكرست لهذا الغرض مؤسسات ومراكز أبحاث تابعة لأهم الجامعات فيها
بينما يخلو الوطن العربي من مؤسسات ومعاهد جادة ومماثلة لتلك التي
تحولت إلى خنادق إضافية لدى الطرف الآخر!
وإذا عدنا
إلى مفهوم الجدران العازلة سواء بالمعنى السياسي الذي أورده (آفي
شلايم) أو بالمعنى المادي الذي يحدث الآن في الجدار الأمني الواقي
فإن إزالة واحد من هذه الجدران بقرار دولي أو بالمصالحة أو بأية صيغة
أخرى لن يزيل الجدران من الذهنية والعقل السياسي، لأن طبيعة الفلسفة
الصهيونية بوصفها المرجعية الجذرية للمشروع الصهيوني برمته لا تقوى
على الديمومة أو البقاء على قيد الحياة بلا جدران وجيتوهات وعوازل،
ذلك لأن الآخر «العدو» يجب أن يبقى باعتباره شرطاً للوحدة الداخلية
وتأجيل الصراعات «البينية» أو ما يسمى التذرر اليهودي بعد إثارة سؤال
الهوية مادام اليهود ليسوا متساوين وأن هناك معياراً تقاس من خلاله
يهودية اليهودي سواء كان شرقياً أو غربياً أو ممن يقيمون داخل
"إسرائيل" أو خارجها!
ولولا أن
سارع نتانياهو أثناء توليه الحكم إلى إغلاق هذا الملف لما انتهت
إشكالياته واشتباكات اليهود حوله حتى الآن! إن ما يعوق السلام ليس
جنرالاً فرداً ولا حتى حكومة أو حزباً بعينه، لهذا ابتلي من صدقوا
أكذوبة الشخصنة في الأدبيات السياسية الإسرائيلية بعدة صدمات متعاقبة
ومتصاعدة لأنهم عولوا على حزب فاجأهم بأنه أنكى وأشد شراسة من توأمه
اللدود.
وإلى أن
يتفهم العرب فلسفة الجدران اليهودية العازلة سيكون قد مر من الوقت ما
يكفي لأن تترجم "إسرائيل" معظم أحلامها إلى واقع من حلم ودم وتراب،
والرهان الإسرائيلي الدائم على ذلك هو أن العرب الذين قرروا الهرب من
نافذة التاريخ لم يعد لديهم من الشجاعة والقوة والصدق مع الذات ما
يكفي لأن يعرفوا عدوهم ولو بالحد الأدنى!