|
الصهيونية تؤسس لعالم أكثر شراً!!
د. رفعت سيد أحمد
صحيفة
العرب اللندنية 5/2/2003
من نذر
العدوان على وجود الأمة ذاته، وليس على أرض بلد بعينه، ومع بروز
التحالف الشيطاني بين أمريكا والكيان الصهيوني، نحتاج إلى إعادة
تأكيد الحقائق والمسلمات بعد أن اهتزت بفعل العدوان الدائم على معاقل
الذاكرة في الأمة، فرغم ما يحدث على الأرض من تحولات درامية إلا أن
أصل الصراع مع هذه الغزوة، سيبقى كما هو، صراعاً تاريخياً، حضارياً
سياسياً مركباً، ولأنه كذلك، فإنه يحتاج منا دائماً أن نركز على
أبجدياته، ونعيد قراءة مصطلحاته الأساسية والتي يراد لها أن تزيف،
وأن ننساها.
في مقدمة هذه
الأصول والمصطلحات التي قام عليها المشروع الصهيوني في منطقتنا خلال
المئة عام الماضية، والتي أيضاً ستتقرر عندها ملامح مستقبل المنطقة،
مصطلح الصهيونية ومدى علاقته باليهودية وأطماع هذا المصطلح حين ترجم
واقعياً لدولة إرهابية في المنطقة وآفاق المستقبل الذي تبشر به، هذا
جميعه، ورد في عشرات الموسوعات والدراسات والمحاضرات واليوم نعرض
لواحدة منها وهي الأبرز والأفضل بين قريناتها، وهي المحاضرة العلمية
الجادة التي ألقاها الباحث والسياسي المصري فاروق العشري المشرف على
ندوة المصطلح التي تعقدها شهرياً اللجنة العربية لمساندة المقاومة
الإسلامية في لبنان - لجنة مصرية مستقلة، وألقيت المحاضرة قبل أيام
في قاعة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي بمركز يافا للدراسات والأبحاث
بالقاهرة، وحضرها لفيف من المثقفين والسياسيين المصريين والعرب من
جميع الاتجاهات السياسية وأثارت ردود فعل واسعة ومناقشات مهمة تعرضت
لقضاياها الرئيسية التي عرضها العشري بموضوعية ووعي يعكس إخلاصه
كمناضل مصري مرموق، ونحاول هنا أن نقدم أبرز ما احتوته المحاضرة، في
وقت تمر فيه الأمة بظروف صعبة وتحديات قاسية، نذرها وشرورها مقبلة من
الخليج على هيئة رياح مسلحة تهب على بغداد والمنطقة، وتتلاقى مع رياح
أكثر حدة وعدوانية تظلل فلسطين والجنوب اللبناني.. فماذا عن الأفكار
الرئيسية لهذه المحاضرة المهمة؟
1
بداية يرى
فاروق العشري أن الصهيونية كلمة اشتقت من لفظ صهيون الذي جاء ذكره
لأول مرة في التوراة، ثم تكرر ذكره فيما بعد في الأسفار اليهودية
الدينية، وصهيون في الأصل جبل يقع إلى الشرق من مدينة القدس القديمة
أورشليم ونجد مما ورد في التوراة أن النبي داوود قد انتزعه من
اليبوسيين الذين كانوا يسكنون فلسطين قبل مجيء العبرانيين إليها،
وكان يراد به -في الأسفار المذكورة- مدينة داوود، أي عاصمة مملكتهم
ورمز مجدهم.
ويتركز مفهوم
الصهيونية بمعناها الخاص في الاعتقاد بضرورة تكوين مجتمع يهودي يحكم
نفسه بنفسه في فلسطين، وتحقيق أمل اليهود بالعودة إلى الأرض المقدسة.
والصهيونية
بمعناها العام هي حركة سياسية تستمد أصولها من الفكر الصهيوني النابع
من عقائد التوراة المزيفة وشرائح التلمود، كما تستمد صهيونيتها من
ارتباط الفكر اليهودي بعقائد دينية وعنصرية ثابتة في أذهانهم، ومن ثم
أصبحت الصهيونية حركة سياسية واضحة المعالم تقوم -كغيرها من الحركات
السياسية- على أيديولوجية ثابتة.
هذا ويعتقد
البعض أن الصهيونية كفكرة وليدة القرن التاسع عشر، ولكن الواقع أنها
فكرة قديمة تمتد جذورها منذ اللحظة الأولى التي تشرد فيها اليهود من
فلسطين، فاليهود الذين سيقوا إلى بابل عام 586 ق.م، أي منذ أكثر من
ثلاثين قرناً، هم أول من وضعوا فكرة العودة إلى صهيون، ورددوا هذه
الفكرة في صلواتهم وأناشيدهم، وقد تأصلت هذه الفكرة طوال القرون
والتي صاحب آثارها سقوط مملكة يهودا عام 135م وكانت سياط الحكام
وموجات الاضطهاد تثيرها من حين لآخر، هكذا تتحدث المزامير المزيفة
والتي أورد فاروق العشري نماذج لها ومنها المزمور 137 ، غير أنه يمكن
القول بأن القرن التاسع عشر قد أعطى للفكرة الصهيونية شكلها الأخير
وطابعها السياسي، حين أكد المؤتمر الأول المنعقد في بال سنة 1897 أن
الصهيونية هي القومية الجديدة للشعب اليهودي، كما حدد لها هدفاً
قومياً واضحاً وهو إقامة دولة خاصة بهذا الشعب.
ومما يؤكد
قدم الصهيونية أن دعاتها جعلوا من التلمود وهو التوراة الشفوية
لليهود، وقد نص مؤلفوه من حاخامات اليهود في القرن الخامس للميلاد،
على أن الله أرسله على يد موسى شفوياً، وقد عثر على التلمود
الأورشليمي في سنة 320م وتلمود بابل 500م أساساً للدولة التي رسمها
خيال الحاخامات قبل أن يفصح عنها هرتزل في مؤتمره، ويؤكد وجودها في
جميع أرجاء الأرض، وأن في تعاليم التلمود ما يؤكد هذه الدعوة
الصهيونية ووجودها منذ أن بدأ "بنو إسرائيل" يرسمون خطتهم لتكوين
دولة دينية لهم.
والتلمود هو
شريعة "بني إسرائيل" وسجل تعاليم اليهودية وآدابها، انتقل باليهود
منذ نشره في القرن التاسع عشر من مرحلة اليهودية إلى مرحلة الصهيونية
حتى عرفت الصهيونية بأنها الامتداد الطبيعي والتطور التاريخي
لليهودية.
واليهود
المزيفون جميعاً يؤمنون أنهم شعب الله، وأن الله اختارهم للسيادة على
الشعوب، وهم لذلك يعملون ليتقلبوا على الشعوب الأخرى، وأنهم سيتملكون
الأرض كلها، حيث يكون الأمميون أتباعاً لهم وحياتهم المرتقبة هي هذه
السيادة وارتبطت هذه الفكرة لديهم بظهور المسيح المخلص الذي يملأ
حياة "إسرائيل"، ثم الأرض كلها عدلاً ورحمة، بعد أن ملئت جوراً وقسوة
الألفية السعيدة .
ثم أشار
فاروق العشري إلى أقسام من هؤلاء اليهود حيث يوجد:
الصدوقيون:
وهؤلاء يربطون بين القومية والدين، لأنهم يرون أن يهوه إله "بني
إسرائيل" وحدهم، اختارهم من بين الشعوب واختار فلسطين وطناً لهم
فالمحافظة على القومية وعلى الأرض مما يمليه الدين، وتقودهم هذه
العقيدة القومية إلى نقاء جنسهم وإلى كون الدين قومياً جماعياً.
الفريسيون:
يستند اعتقادهم على فكرة يوم الخلاص ومجيء المخلص أو المسيح الموعود
الذي يعيد لـ"إسرائيل" سيادتها وعظمتها، ويعلق وحدانية يهوه، ومذهبهم
الديني يقوم على انتظار يوم أفضل انتظار المسيح الموعود.
الحماسيون:
وعندهم أن فلسطين أرض اختارها الله لشعبه، فهي أرض الله والاعتداء
عليها إثم، والرضا بوضعها في يد غير يهودية كفر بشريعة التوراة.
2
وعن الرابطة
بين اليهودية والصهيونية يقول فاروق العشري: إن اليهودية دين عرف في
التاريخ منذ أكثر من ثلاثين قرناً من الزمان أيام يعقوب وموسى وداوود
ـ غير أن اليهودية التي كتبها الأحبار والمزيفون من قادتهم كانت
دائماً مجموعة من الأساطير لا علاقة لها بالأديان، فهي لا تعبر عن
طائفة دينية فحسب، وإنما تعبر أيضاً عن حركة سياسية امتدت أصولها منذ
أن أزال الرومان مملكة يهوذا من خريطة الوجود، ومن ثم كان ارتباط
اليهودية، ونؤكد دوماً أننا وكذلك الأستاذ فاروق العشري، نقصد
اليهودية المزيفة الحالية وليست اليهودية كرسالة سماوية صحيحة أنزلت
من السماء، هذه اليهودية المزيفة ارتبطت بالصهيونية منذ القدم، وأضحت
اليهودية والصهيونية منذ ذلك التاريخ - صنوين بمعنى أن أحدهما لا
يفترق عن الآخر، وأصبحتا تمثلان وجهين لعملة واحدة.
وقد حرص
اليهود الذين حرفوا اليهودية كرسالة سماوية -منذ البداية- ألا يكشفوا
عن نواياهم الحقيقية، بل حاولوا أن يخلعوا على إعلان الحركة
الصهيونية وأهدافها وبرامجها ثوباً إنسانياً عاماً، وأن يوهموا بأن
الهدف منها هو مد يد المساعدة إلى اليهود المضطهدين في شتى نواحي
العالم، والبحث عن ملجأ يحيون فيه ثقافتهم ولغتهم ويمارسون فيه
طقوسهم الدينية بحرية وطمأنينة.
وتتمثل هذه
الرابطة بشكل ظاهر في كثير من التعاليم المزيفة للدين اليهودي ففي
التلمود قد نص على أن اليهودي الذي يرحل عن فلسطين ويغادرها لا حق له
في إكراه زوجته على مرافقته وعلى عكس ذلك عندما يهاجر إلى فلسطين فإن
له الحق في أن يطلق زوجته إذا هي رفضت أن ترافقه إليها، كما نجد مثل
هذه التعاليم في الأدب الديني اليهودي، حيث ينص على أن من كتب له أن
يعيش في أرض فلسطين فإن الله يغفر له ذنوبه كلها.
وقد أوضح
(تيودور هرتزل) هذه الرابطة بصورة صريحة حين أعلن في المؤتمر
الصهيوني الذي عقد في بال عام 1897 بأن العودة إلى صهيون يجب أن
تسبقها عودتنا إلى اليهودية، كما أوضح المفكر اليهودي (سولمون شيختر
1847 ـ 1915) وحدة الصهيونية واليهودية وترابطهما بقوله: حينما يكون
الصهيونيون عاملين نشيطين تكون اليهودية حية فعالة. كما حدد بعض كتاب
اليهود هذه الرابطة حين قالوا عن العقيدة الصهيونية بأنها: إيمان
باليهودية وما تعنيه من مفاهيم فكرية وتاريخ وعادات من الناحية
النظرية، ثم الهجرة إلى فلسطين للإقامة فيها بقصد بناء الدولة من
الناحية العملية، ويقول وايزمان: إن يهوديتنا وصهيونيتنا متلازمان
متلاصقان، ولا يمكن تدمير الصهيونية دون تدمير اليهودية.
أما عن أسس
الصهيونية فيرى فاروق العشري أنها باعتبارها القومية الجديدة لليهود
- على الأسس التالية:
1 - الروابط
التاريخية والدينية القديمة المزيفة بالنسبة إلينا نحن العرب
والمسلمين وكل إنسان أو باحث محايد موضوعي التي تربطهم بأرض فلسطين
باعتبارها أرض الميعاد التي وعد الرب بها شعبه المختار من "بني
إسرائيل" لتكون لهم ملكاً ووطناً.
2 - إن
اليهود في شتى أنحاء العالم يمثلون شعباً واحداً ينتمي إلى أصل واحد،
وأن هذا الأصل مرجعه إلى أرض فلسطين، ومن ثم كان اعتبار يهود العالم
جميعا أعضاء في الجنسية الإسرائيلية.
3 - إن
فلسطين وما حولها من أرض تمتد من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر
الفرات هي دولتهم المنشودة.
4 - إن الرب
قد تعهد لإبراهيم بأن يرقى بذريته في النهاية إلى السيادة على
العالم، فهم شعبه المختار الأثير لديه على كل بني البشر.
أما عن أطماع
الصهيونية فيرى بشأنها فاروق العشري أن جمع يهود العالم في الدولة
اليهودية يمثل الهدف الأول للصهيونية، أما الهدف الثاني فهو توسيع
حدود "إسرائيل" بحيث تسع يهود العالم ولتوفير المقومات الأساسية
الكافية لبناء دولة "إسرائيل" الكبرى ولتحقيق التكامل السياسي
والاقتصادي لها، وهكذا يمكن أن نحدد أهداف الصهيونية الحالية في
هدفين رئيسيين:
1 - جمع شتات
يهود العالم في "إسرائيل" وتكتيل قلوب اليهود حولها.
2 - توسيع
حدود "إسرائيل" بحيث تشمل فلسطين التاريخية، ثم الامتداد من النيل
إلى الفرات حتى ينفسح المجال لتوطين اليهود الوافدين إليها من مختلف
أنحاء العالم.
وفي ذلك تأتي
تصريحاتهم واضحة:
فقد تحدث (بن
جوريون) في خطاب له في مؤتمر حزب الماباي في سبتمبر عام 1951 قائلاً:
لن يكتب لدولتنا البقاء ما لم تشن حرباً وقائية على الدول العربية،
وتعمل على مد حدودها داخل هذه الدول حتى تضمن سلامتها وحتى تحقق
الحلم الذي طالما راود فلاسفة الصهاينة ألا وهو إقامة إمبراطورية
إسرائيلية ممتدة الأرجاء تفرض سلطانا قوياً يخشاه الجميع.
وخطب (مناحم
بيجن) في تل أبيب قائلاً: إن "إسرائيل" بوضعها الحالي لا تمثل إلا
خمس ما يجب أن تكون عليه أرض الآباء، وأنه يجب العمل على تحرير
الأربعة أخماس الباقية .
وإن الخريطة
التي وضعها اليهود لدولتهم المرتقبة تشمل:
فلسطين وشرقي
الأردن وسوريا ولبنان وقسماً كبيراً من العراق ومن سوريا ومصر بما
فيها شبه جزيرة سيناء كلها والدلتا، كما تضم أراضي جنوبي العقبة بما
فيها المدينة المنورة أي تلك المناطق التي يزعمون أنها كانت لهم في
الحجاز، كذلك فإن الخريطة الرسمية المستعملة في مدارسهم تسمى الأجزاء
العربية من فلسطين وشرقي الأردن "إسرائيل" التي يحتلها العرب.
3
ثم نأتي إلى
الرد على أبرز الدعاوي الكاذبة الصهيونية والتي يمكن حصرها في الآتي
من واقع المحاضرة التي ألقاها المناضل فاروق العشري ومن واقع مداخلات
العلماء والباحثين:
أ - الروابط
التاريخية القديمة: فقد سكن الكنعانيون العرب فلسطين قبل اليهود،
ودام عهدهم بها خمسة عشر قرناً، وغزاها بعدهم الأشوريون والكلدانيون
والفرس والإغريق والعرب الأنباط والرومان وحكموها أكثر من أحد عشر
قرناً، ثم جاء الفتح العربي عام 636م وصبغ فلسطين بالصبغة العربية
الخالصة طوال أربعة عشر قرناً، وفي هذا العرض ما يكفي لدحض مزاعم
اليهود الخاصة بوجود روابط تاريخية قديمة تشدهم إلى فلسطين.
ب - خرافة
الجنس اليهودي: إن ما تروجه الصهيونية من أن اليهود في مختلف الأقطار
ينتمون إلى أصل واحد، وأن هذا الأصل مرجعه إلى "بني إسرائيل" في أرض
فلسطين، قول ينقصه البحث العلمي الصحيح، فلا يمكن اعتبار يهود العالم
جنساً واحداً له مميزاته الأثنولوجية الخاصة، فهذه خرافة تنقصها
الحقيقة الأثنولوجية التي تؤكد أن اليهود الذين عاشوا في مختلف
الأوساط في شتى نواحي العالم منذ مئات السنين لا يختلفون البتة عن
سائر أفراد الشعوب التي يعيشون معها في اللون أو في العادات أو
التقاليد أو في اللغة أو في غير ذلك من مظاهر حياتهم.
وقد وضع أحد
علماء اليهود واسمه جوروفتسن الذي كان يشغل أستاذ الأجناس في الجامعة
العبرية وعميد كلية الطب فيها في نفس الوقت، كتاباً أوضح فيه نتائج
التجارب التي قام بها منذ سنوات على المهاجرين اليهود الذين وفدوا
إلى "إسرائيل" من مختلف أنحاء العالم، وكان القصد من هذه التجارب هو
فحص دماء هؤلاء المهاجرين لبيان ما إذا كان اليهود جنساً واحداً له
فصيلة واحدة من الدم وذلك باستخدام إمكانات العلم الحديث الذي استطاع
أن يعين فصائل الدم لكل شعب من الشعوب وأن يرجع بهذه الفصائل إلى
بعضها البعض للدلالة على القربى بين الشعوب والأجناس، والذي برهن على
أن الدم موروث، وأن كل شعب من الشعوب القديمة له فصيلة من الدم ورثها
عن سلالته.
وقد أوضحت
هذه التجارب التي سجلها في كتابه أن اليهود ليسوا شعباً، بل طائفة
دينية تضم جماعات مختلفة من الناس اعتنقوا ديناً واحداً، وأن نسبة
ضئيلة جداً من يهود الأقطار العربية هم من نسل يعقوب وإسحاق، وأن
يهود أوروبا الشرقية لا ينتمون إطلاقاً إلى الفصيلة اليهودية، وبذلك
تسقط الخرافة الصهيونية التي تزعم وحدة الجنس بين يهود عالم اليوم.
ولو نظرنا
إلى اليهود في مختلف أقطار العالم اليوم لوجدنا بينهم الشقر ذوي
العيون الزرقاء والشعر الأصفر، كما نرى بينهم السمر ذوي الشعر المجعد
في هضبة الحبشة الفلاشا والسود في جنوب الهند، والصفر المغوليين في
الصين، ولرأينا بينهم طوال القامة وقصار القامة، كما نرى فيهم ذوي
الرؤوس العريضة وذوي الرؤوس المستطيلة.
جـ - هل
اليهودية دين أم قومية: عندما ظهرت القوميات في القرن التاسع عشر
نشطت اليهودية في الترويج ليهوديتها على أنها دين وقومية وراحت تبحث
عن اليهود في كل بلدان العالم تبعث فيهم بذور هذه الفكرة وتبعث فيهم
روح "إسرائيل" ومجدها الغابر مستندة في ذلك إلى التلمود، وقد استتبع
هذا بطبيعة الحال أن تنكر اليهود لولائهم للبلدان والأقطار التي
يقيمون فيها ولقومياتها، وإعطاء ولائهم كاملاً لقوميتهم الجديدة
ولدولتهم اليهودية الموعودة، ومن هنا نشأت المشكلة اليهودية في كل
بلد يعيش فيه أناس يدينون بالديانة اليهودية.
والواقع أنه
لا يمكن اعتبار اليهود أمة لأن ولاءهم القومي يجب أن يتبع البلاد
التي يعيشون فيها كمواطنين، فما هم سوى جماعة دينية قد تربط هذه
الرابطة الدينية بينهم، بينما تنتفي عنهم كل رابطة جنسية أو قومية،
فقد تلاشت عن اليهودية قوميتها منذ عهد بعيد، وما القومية اليهودية
الحديثة التي ينادي بها اليهود اليوم إلا تصويراً خاطئاً لروح
العقيدة اليهودية، ولا يمكن أن يتم وضع الأمور في نصابها إلا بأن
يذوب اليهود في البيئات التي يقطنونها لا بخلق دولة سياسية لهم.
والزعم الذي
يدعيه اليهود بأن دولتهم تقوم على أساس الرابطة الدينية التي تشدهم
إلى بعض قول من وجهة نظر فاروق العشري لا يقره القانون الدولي، لأنه
لا يعترف بالأديان كأساس قومي، أي أنه لا يقيم العلاقات الدولية على
أسس دينية، وإنما يعترف بالجنسيات وإلا لطالبت كل أقلية دينية أن
تكون لنفسها دولة استناداً إلى هذا العرف، ومن ثم كان قيام "إسرائيل"
افتئاتاً على القانون الدولي وخرقاً صريحاً للمواثيق الدولية، ولذلك
فإن الرابطة الدينية بين اليهود لا يمكن اعتبارها رابطة قومية، هكذا
يخلص المناضل القومي فاروق العشري في محاضرته الموسوعية التي تطرق
فيها أيضاً إلى قضايا أخرى مهمة مثل أطماع الصهيونية في السيطرة على
العالم ومصادر هذه الرغبة من التلمود ثم نقده لما يسمى بالحركة
اليهودية المعادية للصهيونية وكيف أنها مازالت ضعيفة قياساً بالتيار
الأكبر والأكثر تأثيراً، إن هذه الدراسة والندوة المتخصصة التي ألقيت
فيها تعد إضافة فكرية وسياسية مهمة تستحق الإشادة بصاحبها وبنشاط
الزملاء في اللجنة العربية لمساندة المقاومة الإسلامية في لبنان
وفلسطين وهي تتطلب في الوقت ذاته المزيد من أجل كشف زيف الدعاوى
الصهيونية وإعادة تثبيت الأبجديات في هذا الصراع المصيري الحضاري،
والله أعلم.
|