الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الصهيونية و"معجم" الإرهاب الجديد

 

علي الخليلي 

 

صحيفة الخليج الإماراتية 7/7/2004

 

أي نقدٍ لسياسة "إسرائيل" في هذه المرحلة التي تتصاعد فيها جرائمها الاحتلالية الاستيطانية الواضحة ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه ووجوده على أرض وطنه الممزق والمحطم، يتحول على الفور، إلى "معاداة للسامية" في الخطاب السياسي الإعلامي-الثقافي الإسرائيلي، وفي الخطاب الأمريكي المتوافق معه إلى درجة التماهي. والناقد، مهما كانت جنسيته أو هويته أو انتماؤه، يصبح في هذا "التحول" أو "التحويل" المنهجي الإسرائيلي- الأمريكي، "لاسامياً" مُطارداً في كل مكان، من قِبَل ذلك الخطاب، ومُحاصراً به، ومُغرقاً الى حد الاختناق في تهمة "اللاسامية" الخطيرة.

 

يحاول هذا الخطاب الإسرائيلي- الأمريكي في هذا الشأن، أن يُخرس كل الأصوات التي تنقد سياسة "إسرائيل"، إخراساً إرهابياً حاسماً، يؤدي إلى قتل هذه الأصوات وتشويهها ونزع مصداقيتها، وإلى ردع الأصوات الأخرى التي يمكن لها أن تقترب -مجرد اقتراب- من حافة هذا النقد المنبوذ والمُطارد. وطالما أن السياسة الأمريكية الحالية في حربها الكونية المعلنة والجارية فعلياً، على مسمّى "الإرهاب" وفق تفسيرها الإمبراطوري الاستعماري الحديث لهذا المسمى على امتداد العالم، قد ازدادت تداخلاً وتشابكاً (تماهياً) مع سياسة "إسرائيل"، وبخاصة في الشرق الأوسط (الذي أصبح بالنسبة لهذا الخطاب ذاته، شرقاً أوسطياً كبيراً يضم إلى جانب الدول العربية، أفغانستان وإيران)، فإن الإخراس بتهمة "اللاسامية" يمتد أيضاً إلى الأصوات التي تنقد السياسة الأمريكية في مجالاتها (جرائمها) الشرق  أوسطية.

 

ومع أنه من المعروف تاريخياً وجغرافياً أن "اللاسامية" Anti-samitism مصطلح أوروبي بحت، نشأ وانتشر في مختلف أنحاء أوروبا، ودخل كل اللغات الأوروبية، لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تتعلق بالواقع الأوروبي نفسه، على أساس ديني يعني معاداة اليهود (الدين اليهودي  اليهودية) في الوسط الأوروبي، منذ أن استخدمه لأول مرة، الصحافي الألماني وفيلهم مار، عام 1873، في كتابه "انتصار اليهودية على الجرمانية"، إلا أن الفكر الصهيوني سعى إلى تجريد هذا المصطلح من معانيه التاريخية والجغرافية، كي يصل منذ فترة مبكرة، إلى فرض معادلة توازي بين اللاسامية ومناهضة الصهيونية.

 

في البدايات، لم يستطع الفكر الصهيوني الذي نشأت على أساسه "إسرائيل"، أن يفرض هذه المعادلة التعسفية على رؤية أو منهج أي إطار حكومي أو مدني خارج "إسرائيل". وقد وجدنا الأمم المتحدة في خريف العام 1975، تتخذ قراراً مهماً في مواجهة المسعى الصهيوني، تعتبر فيه الصهيونية حركة عنصرية. تماماً كما أن اللاسامية دعوة عنصرية. أي أن الصهيونية ذاتها، وليست مناهضة الصهيونية، هي التي توازي اللاسامية.

 

لقد قَلَب قرار الأمم المتحدة معادلة الصهاينة رأساً على عقب، وأسهم في الكشف عن حقيقة الصهيونية باعتبارها دعوة وحركة عنصرية  دينية استيطانية احتلالية إحلالية (احتلال فلسطيني وطرد وتهجير أو إبادة شعبها العربي الفلسطيني، وإحلال اليهود مكانه فيها)، بوساطة الغزو والعنف كحلّ للمسألة اليهودية.

 

بعد عشر سنوات، استطاعت "إسرائيل" (أو استطاعت الولايات المتحدة على الأصح)، أن تُجبر هيئة الأمم المتحدة ذاتها، على إلغاء قرارها هذا، بإصدارها لقرار جديد يعتبر الصهيونية حركة قومية، تحرّر وطني.. الخ. كانت الصهيونية في القرار "الأممي" الجديد، تبصق عملياً في وجه أعلى هيئة شرعية في العالم. ففي الوقت الذي ترفض فيه "إسرائيل" ذات الأيديولوجية الصهيونية المتجذرة، كل قرارات هذه الهيئة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتسخر من الشرعية الدولية، وترى في هذه الشرعية، مجرد “خرقة بالية وملوثة” حسب تعبير أحد مفكريها الصهيونيين، يصدر القرار الجديد الذي يحق لنا أن نسميه بقرار الرضوخ للهيمنة الأمريكية وربيبتها "إسرائيل"، قرار "الردة" أو الارتداد المُذلّ عن الشرعية، وعن حقائق التاريخ والجغرافيا.

 

وتأسيساً عليه، أعاد الفكر الصهيوني مسعاه لفرض معادلته بين اللاسامية ومناهضة الصهيونية. وقبل بضعة أيام فقط، بعد عشرين سنة من قرار "الردة"، اتضح أن الطبعة الجديدة من معجم “وبستر" Webster الأمريكي تتضمن تعريفاً جديداً للاسامية هو أن اللاسامي/المعادي للسامية يعني "المعارض للصهيونية والمتعاطف مع أعداء دولة "إسرائيل"".

في هذا التعريف، لم يكتف التماهي الإسرائيلي- الصهيوني- الأمريكي بمعادلة التوازي بين اللاسامية ومناهضة الصهيونية، بل أضاف الى رقعة التشويه والتضليل وإخراس أصوات الناقدين، كل متعاطف مع الحقوق العربية والفلسطينية في مواجهة العدوان الإسرائيلي. وجعل من هذه "الحقوق" التي تقف الى جانبها الشرعية الدولية "أعداء لدولة "إسرائيل"".

تعريف إرهابي مكشوف، لم يرد في مقالة بجريدة، أو على موقع في الانترنت، أو ضمن خطاب سياسي في مناسبة معينة، وإنما جاء ثابتاً وراسخاً في معجم شهير ومنتشر على امتداد العالم.

 

وقد تنبهت المندوبية الدائمة لفلسطين لدى جامعة الدول العربية لهذا الشأن الخطير، وطالبت كما علمنا بمقاطعة هذا المعجم على مستوى كل المؤسسات والمنظمات والهيئات "وعدم اعتماده في عالمنا العربي، الى أن يتم تصحيح ما ورد فيه من عدوان وتشويه للحقيقة".

 

متى يتم هذا التصحيح؟ وهل يتم حقاً؟ يُقال إن ثمة شكوى خطية من "لجنة مكافحة التمييز" قدمت للناشر، لإجراء هذا التصحيح أو "التغيير"، إلا أنها لم تلقَ أذناً صاغية لديه. وعلى أية حال، إن "التصحيح" أو "التغيير" أو سمهِ ما تشاء، إن كان يمكن له أن يكون، فلن يكون إلا في الطبعة المقبلة للمعجم، أي بعد عشر سنوات أخرى أو أكثر، حين يكون التعريف الإرهابي ذاته، قد عمّ وطمّ في الدنيا، بما فيها دنيا العرب!

 

الآن، تستغل "إسرائيل" هذا التعريف، ليس فقط في إسكات وإخراس الناقدين لسياستها الإجرامية، وإنما أيضاً لجلب المزيد من اليهود الأوروبيين إليها وتوطينهم في الأرض الفلسطينية المحتلة وتضع "إسرائيل" عينها في هذا الشأن، على يهود فرنسا، على وجه التحديد، بعد أن استطاع خطابها الإعلامي  السياسي، أن يشيع فكرة أن "اللاسامية" قد أصبحت "ظاهرة يومية" في فرنسا، وإن الحل بالتالي، هو هجرة يهود فرنسا إلى "إسرائيل"!

 

وكشفت صحيفة "معاريف" مؤخراً، أن مئات الناشطين في الوكالة اليهودية، بدعم مباشر من حكومة شارون، وصلوا بالفعل إلى باريس، لتحريك "عملية هجرة غير مسبوقة". ونقلت هذه الصحيفة عن مسؤولة كبيرة في الوكالة كُلفت بملف يهود فرنسا، قولها إن "الأجواء في فرنسا مهيأة للهجرة، وينبغي عدم تفويت الفرصة".

 

ونشرت صحيفة "هآرتس" في السياق ذاته، بعددها الصادر في 11/6/2004، أن حكومة "إسرائيل" تخطط لاستيعاب حوالي خمسة وخمسين ألف مستوطن جديد، داخل أكبر مستوطنة جديدة تجري إقامتها جنوب مدينة القدس. بذلك، تستبق حكومة "إسرائيل"، عملية تهجير يهود فرنسا، وتُعد للمهجّرين- المستوطنين الجدد، أكثر من ثلاثة عشر ألف وحدة سكنية فوق الأرض الفلسطينية المغتصبة، تستقبلهم فيها، على الفور!

 

هل يكفي أن نقاطع “المعجم”؟ هل يكفي أن نطالب بتغيير “التعريف”؟ ثمة وسائل أخرى لوقف العدوان. والمذهل، كما أحسب، ولا حول ولا قوة، سوف نجد المعجم ذاته، “وبستر” في مكتباتنا العامرة، على الرحب والسعة!