|
شمعون بيريز.. ومستقبل "إسرائيل"
عبد الله خلف
صحيفة
الوطن الكويتية -2،3،5 كانون الثاني (يناير) 2003
(مستقبل "إسرائيل" كتاب جاء على هيئة حوار متواصل
أجراه الكاتب الروائي الأمريكي «روبرت لتيل» مع شمعون بيريز)
كتاب تكلم
فيه بيريز عن كل شيء الا عن مستقبل "إسرائيل" كما جاء في العنوان،
والحقيقة أنه ليس لشمعون بيريز بل لكاتب وروائي أمريكي كبير هو
(روبرت ليتل)... عادة أن المحاور وواضع الأسئلة هو صاحب الكتاب،
والكتاب كله أسئلة يجيب عليها شمعون بيريز وفي مفهوم ما خبرته وألفه
الغير أن من يجري اللقاء هو صاحب المصنف إن كان بين دفتي كتاب أو
مقابلة صحفية أو إذاعية أو تلفزيونية..
هكذا جاء
الكتاب:
(شمعون بيريز
مستقبل "إسرائيل") حوارات أجراها روبرت ليتل، ترجمة محمد نجار تقديم
ناجح المعموري.
والحقيقة أني
وجدت المحاور يضع بيريز كثيراً في زوايا حرجة لا يرتضيها عادة قادة
"إسرائيل" من أحد، ولكن مناورة بيريز الفطنة واعتماده على ثلاثة
محاور جعلته يمسك بزمام الكتاب وكأنه ملكه وصار الكاتب والروائي
الأمريكي في ضيافته بعربة الخيل التي قادها.
محاور بيريز
الثلاثة التي تحكم بها في الكتاب هي: الخبث، والذكاء، والثقافة
العالية، حقاً إنه من دهاة العصر.. هكذا تنقل الثقافة صاحبها من
منعطف إلى آخر دون أن تعثر قدمه، ويقيه ذكاؤه من الارتطام بالمواضع
الخطرة، والخبث دهاء، والدهاء خلاص من المواقف المحرجة وإن استعان
بالكذب الدبلوماسي.
وعلمنا
تاريخنا الفقهي والأخلاقي أن الورع من العظماء لا يملك ناحية الرهان
بل المخادع والمراوغ من القادة هو الذي يجتاز كل سباق.. وجدت في هذا
الكتاب الجديد ثنائية ذكاء بين مجرى الحوار وصاحبه... والأول لا يدير
ظهره للقارىء العربي بل يجاريه بقدر ما يمكنه الآخر.
عموما لا
يستطيع كاتب أمريكي وإن علت قدرته وكذلك الأوروبي أن يخطّىء يهودياً
وإلا صار هدفاً منسياً أمام الصهيونية العالمية التي امتلكت في
العقود الأخيرة من القرن العشرين معظم صحف أوروبا وأمريكا ووسائل
إعلامها المسموعة والمرئية.. قدم روبرت ليتل صورة جديدة لشمعون بيريز
الحائز على جائزة نوبل للسلام مشاركة مع ياسر عرفات ورابين سنة 1994
لجهودهم المشتركة في مساعي السلام، كما منح قبل ذلك وفي 1978 السادات
وبيجن جائزة نوبل للسلام إثر الاجتماعات التي نظمها الرئيس كارتر في
1978 في كامب ديفيد.
ومما يحسب
لبيريز من المواقف أنه تعهد بسحب القوات الاسرائيلية من لبنان عام
1982 إبان سيطرة الليكود على الحكم... وبيريز بولندي الأصل، قد غيّر
اسمه واسم عائلته، فاسمه كان (بن اموتز) بمعني النسر، أما اسم عائلته
فكان (بيرسكي)، غير اسمه وهاجر إلى فلسطين قبل احتلالها سنة 1934.
أرسل إلى
الولايات المتحدة عام 1950 ليرأس مكتب ملحق وزارة الدفاع الإسرائيلي
في أمريكا وأثناء وجوده هناك التحق بجامعتي نيويورك وهافارد.. وعاد
فاشترك في العدوان على مصر عام 1956 الذي شاركت فيه بريطانيا
وفرنسا.. بعد هذا التعريف عن بيريز أعود إلى الكتاب.
إنه كأي
سياسي يهودي غير ملتزم بالدين فهو علماني بل أقرب إلى الالحاد ولكن
نظرية الحق الإلهي ومعتقدات ما قبل الميلاد الاسطورية وخرافة عودة
هجرة الشعب إلى أرضه علماً أن بلاده لم تكن من قبل ذات انتماء يهودي
ولكن تحول ملك الخزر في القرن السابع عشر لليهودية فجعل شعبه يدين
بهذه الديانة وبعده ارتد معظمه وبقي البعض.
وصف بيريز
اللغة العبرية باللغة المقدسة واعتبرها لغة الصلاة والتراتيل
والعبادات. علماً بأن اللغة العبرية الحديثة كما بيّن ناجح المعموري
في المقدمة أن ثلثها من العربية الحديثة، والثلث الآخر من الآرامية
والعربية القديمة، والثلث الباقي من مفردات أوروبية حديثة من
الإنجليزية والفرنسية والالمانية والروسية... إذن العبرية
الإسرائيلية غير اللغة العبرية الأصولية لغة التعبد عند اليهود..
ولغتهم الحديثة ليس لها عمق حضاري وتراثي.. لذا خلق اليهود لغة
سياسية هجينة وأعطوها صفة القداسة.
ومن مراوغة
بيريز وتلاعبه في الكلمات قوله:
(كان أحد
أسباب عودتنا إلى أرض الوطن عودة إلى اللغة لم يكن بإمكاننا تصور
عودة إلى الأرض من دون الرجوع إلى اللغة).
** وقد رد
شمعون بيريز: لقد قال الله إنه أنجزها بما فيه الكفاية أنجز دون أن
يتمم... فقد ترك لنا لنقوم به، قال (فلو برت) مرة انه يوجد هناك
توزيع في العمل بين الله والإنسان فالله مسؤول عن البداية والنهاية
ونحن مسؤولون عما بين ذلك، لذلك فقد منحنا الله البداية كما منحنا
النهاية والنهاية هي بين يديه. وفي غضون ذلك قال لنا أن نكافح ونعمل
بجد ومنحنا يوم استراحة حتى نستريح قليلاً ونصلي له.
وهكذا يفتخر
اليهود أنهم هم الذين اختاروا يوما للراحة في الأسبوع قبل غيرهم.
** بيريز:
الحياة اليهودية في المنفى شبيهة برحلة في طريق فرعي فأنت تسافر في
القطار الآن ولا أحد يراك ولكنك ترى من هو في الخارج، كنا نعيش
بأفكارنا وعقولنا في "إسرائيل" وبلدة الشتات مثل محطة مرور.
** بيريز:
أعتقد ان هذا التناقض الأبدي كان ضرورياً لكي يتم الحفاظ على
استمرارية الجنس البشري..
هكذا بدأ
روبرت يذكره بأصله بعيداً عن فلسطين وبأصولية توراتية فاصلة بين فكره
ومعتقده.
يقول صاحب
المقابلة روبرت ليتل ان شمعون بيريز يمتاز بذاكرة قوية جدا يروي
احداثا شهدها منذ 65 سنة بتفاصيلها ويسترسل ويفصل بثقافة وفلسفة وجاء
في حديثه ذكر لكثير من الرؤساء ولم يتعرض بالاساءة الى أحد وخاصة
الذين انتقلوا الى رحمة الله.
ولاحظت في
الكتاب أن السيد بيريز قد أسهب كثيراً في الماضي والتفت إلى الحاضر
قليلاً ولكنه لم يعط أهمية للمستقبل غير بعض الآمال التي عرضها في
كتابه السابق (الشرق الأوسط الجديد) وجعل كل المستقبل للدول الحضارية
المنتجة، وقال إنه لا مكان للفقراء ولا للمتخلفين، والمستقبل لمن
يواكب التصنيع وبناء حضارة الإنسان ولمن يحسن استخدام الزراعة
ويطورها تطويراً علمياً مع الاستفادة بالمياه رغم قلتها.
بيريز يلقي
كل ظلاله على المعتقد الاسطوري في أنه كان لليهود هجرة وإقامة في
فلسطين قبل ألفي عام ثم نراه يتوغل في أعماق التاريخ القديم إلى
احتلال السامرة قبل القرن السابع لما قبل الميلاد. لذا فإنه يرى من
حق اليهود الرجوع حتى ولو بعد آلاف السنين. والساسة الصهاينة نراهم
يتشبثون بالفكر الأصولي رغم عدم اقتناعهم به ولكن لترسيخ المعتقد
الاسطوري المتشبث بأرض فلسطين رغم أن هذه الأرض هي إحدى اختيارات
جاورت العشرة بعد أن فكر اليهود في أن هجرتهم غير مستقرة لاختيارات
أخرى في بولندا والمانيا والبرازيل وولاية أمريكية ثم اوغندا
واسبانيا وهكذا حتى جاء الإنجليز بفكرة فلسطين بعد انتدابها وشيد
السياسيون صرح معتقدهم أنه كان له وجود لطائفة يهودية في فلسطين قبل
الميلاد بسبعة قرون. ويتحدث بيريز عن الهجرة وكأنها قامت قبل سنوات
عندما خاطب روبرت ليتل قائلاً:
(كان أحد
أسباب عودتنا إلى أرض الوطن عودة إلى اللغة لم يكن بإمكاننا تصور
عودة إلى الأرض من دون الرجوع إلى اللغة، أرض مقدسة ولغة مقدسة وقال:
إن اللغة العبرية لغة صلاتنا والحياة اليهودية تمت بالعبرية وكان
التدريس باللغة العبرية في دول المهجر.
نرى نحن أن
هذه الادعاءات تخالف التاريخ ولا يتوافق أحد مع الادعاءات اليهودية.
الأستاذ جودت
السعيد في كتابه أوهام التاريخ اليهودي يقول:
"إن اليهود
في الأزمنة التاريخية التي يشير إليها اليهود مع طوائفهم في العراق
ومصر وفلسطين لم تكن لهم لغة عبرية، مثال ذلك أن محادثات موسى وهارون
مع فرعون مصر لا بد وأنها حصلت باللغة المصرية بحكم تربية موسى في
البلاط الفرعوني وليس باللغة العبرية.
إن مكوث من
تسميهم التوراة بالإسرائيليين 430 سنة في مصر يجعلهم مضطرين إلى تعلم
اللغة المصرية والتحدث بها ويؤكد ذلك علاقتهم بالمصريين. وكذلك
الطائفة التي كانت في العهد البابلي لا يمكن أن تكون لهم لغة غير لغة
الشعب الذي عاشوا معه في حضارة بابلية واحدة.
وبالغ اليهود
في الإعلام الأمريكي إثر الحرب العالمية الثانية حتى نشرت صحيفة
نيويورك تايمز في 30/6/1940 رواية كاذبة تدعي أن النازيين قد ذبحوا
مليون يهودي.. وبالغت الصحف الأمريكية والأوروبية في موضوع حرق
اليهود وإبادتهم من قبل النازية والاضطهاد الأوروبي، ثم روّجت موضوع
العداء للسامية حتى أقنعت الأوروبيين بحلمها في أرض فلسطين.
** شمعون:
ثيودور هرتزل قال ذلك أيضاً ولم يكذب ذلك القول بل أكده على لسان
هرتزل الصحافي اليهودي الهنغاري وأحد الداعين لمؤتمر صهيوني عالمي في
سويسرا سنة 1897 لإنشاء دولة اليهود على أرض فلسطين مدعياً أنها أرض
بلا شعب.
** وكذب
شمعون بيريز في إجابته قائلاً: دعنا نواجه ذلك، لم يكن هناك دول
عربية آنذاك كما لم تكن هناك تقسيمات بين الدول. ولو نظرت إلى خارطة
الشرق الأوسط لرأيت أنها قد قُسمت بين بريطانيا وفرنسا بموجب معاهدة
سايكس بيكو عام 1916 أو بين البريطانيين والمصريين.
لا أعرف كيف
أجاز للصهيونية أن يكون لها حق في هذه المعاهدة السرية الاستعمارية
وما دخل المصريين في هذه المعاهدة. الكذب عند الساسة اليهود سنة
خاطئة.
** شمعون:
إنهم كانوا ساذجين إلى حد كبير فقد ظنوا أنهم سيأتون ويجلبون البركة
للعرب. لم يتصوروا حدوث أي صدام معهم. لقد اعتقدوا بأنهم سيجلبون
معهم التنوير والحياة العصرية والتعليم والصحة.
** شمعون
بيريز: لا، لم تكن لديهم أدنى فكرة عما كان عليه العرب فهم لم يروا
العرب مطلقاً في حياتهم قبل مجيئهم لفلسطين، وهذا الأمر كمثل قراءة
الأدب الروائي، فقد كان الأمر مجهولاً، وليس موضوع اللامبالاة، ثم
سأل ليتل بيريز عن اسحاق رابين الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك حيث
أصدر أمره المشهود للجنود الاسرائيليين بتكسير عظام الفلسطينيين
وأنكر بعد ذلك رابين، إلا أن الجنود اعترفوا خلال التحقيق.
"شمعون: إني
أصدق نفي رابين وأكذب الجنود الإسرائيليين."
هكذا كان
رابين يراوغ أحياناً بذكاء وأخرى بمكابرة كاذبة ويستشهد ببعض الوقائع
التاريخية غير المتفقة مع واقع السؤال والموضوع، كما استشهد
بالادعاءات الاسطورية التاريخية رغم عدم اعتقاده بها كمثقف عصري،
وراوغ في ادعاء الصهاينة الأوائل أن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب ولكن
حصار الكاتب الأمريكي وضع للقارىء الحروف على النقاط.
إن معظم
الدول الاستعمارية قد احتلت دولاً بحجج كاذبة واهية، حققتها المظالم
والاضطهادات والقوة.. العالم المتحضر في الغرب والشرق بل الإنسانية
كلها تعلم أن لا حجة للصهيونية العالمية في احتلالها لدولة عريقة
قائمة منذ آلاف السنين وهي جزء من عالم عربي..
كذبت باسم
ساستها أن هذه الأرض خالية من الشعب، والشعب اليهودي بحاجة لوطن،
وكيف يحق لليهود احتلالها، بعد أن تأكد لهم أنها دولة بشعبها.. علماً
أن اليهود كأي ديانة لها أوطانها ضمن الديانات الأخرى ولا تنبع
القومية من دين.. يعلم الكل أن ذلك ادعاء بالقوة والمال وإلا كيف حدث
ذلك..؟!!
لو سلمنا
بكذبهم أن بلاداً دون شعب فهل من حق أحد أن يحتل اراضي في الولايات
المتحدة أو كندا أو استراليا صحراوية أو نائية لم يصلها الاعمار...
وعندما علم
بيريز أن هذه الارض كانت آهله بشعبها ولها تاريخ وحضارة لماذا اقتنع
بادعاءات تيو دور هرتزل الصحافي، ولم لم يسأل اليهود رجال التاريخ
وعلماءه أو يسألوا أهل الأرض من الشعوب العربية ثم عندما حضروا الى
فلسطين ورأوا فيها ناسها وشعبها لم يكذبوا هرتزل ويعودوا إلى بلدانهم
في أوروبا...
** بيريز:
يجب العودة إلى العقيدة ولا يوجد فرق بين النظام الديني والدولة..
وهذا الاعتقاد يخالف الحضارة الغربية التي فصلت الدين عن الدولة..
جاء بيريز
إلى فلسطين سنة 1934 فغير اسمه الأوروبي من اموتز إلى بيريز بمعنى
النسر وغير اسم عائلته إلى بيرسكي.. وتفاخر بيريز على الأمم حيث
أسبقية اليهود في التوحيد، وهذه الفكرة لا ينكرها الإسلام، بل من
عقيدة الإسلام الاعتراف بالديانتين السماويتين السابقتين اليهودية
والمسيحية ويرون التوحيد الإلهي في كل الأديان الصحيحة وما تغير بعد
ذلك هو من صنع البشر.
** بيريز:
العنف والوحشية والقتل والاغتيال كلها كانت في عالم عندما كان هنالك
آلهة عديدة.. وعندما نتحدث عن التوحيد فإننا نتحدث عن صورة الرب،
والإله الواحد صورة تعنينا جميعاً.
** شمعون
بيريز: نعم وضعت رسائلي إلى الله داخل الحجر طالباً السلام.
شمعون: صحيح
فإذا ما عشت في تخلف فهذا لا يعتبر شيئاً مبجلاً وأنك ترى عندما يقول
بعض العرب بأنكم تريدون الهيمنة على حياتنا، فإنني أجبت على ذلك.. لا
تكونوا أغبياء، لا أحد يريد الهيمنة على الفقر لقد رويت للرئيس مبارك
القصة التالية: تخيل لو أن دزرايلي رئيس وزراء بريطاني سابق جاء
اليوم الى الملكة فيكتوريا وقال لها مليكتي لقد احضرت لك بعض الهدايا
من بنغلادش باكستان وغانا فإنها ستطرده من الغرفة وتقول له: اذهب
للجحيم، من يحتاج إلى ذلك ولماذا؟... أعطني مختبراً جيداً، أو فكرة
جيدة بدلاً من ذلك. فمن الذي يتطلع للسيطرة على الناس والأرض هذه
الأيام، فما أنت بحاجة له هو استخدام العلم والسيطرة غزو الطبيعة.
إنظر معي إلى
ما قاله بيريز، إنه في منتهى التكابر والمغالطة.. لو قدم هذه الهدايا
الوضيعة في نظره باكستان بنجلاديش وغانا لطردت الملكة رئيس الوزراء
الأسبق. لماذا إذن احتلت بريطانيا الهند بجيوشها عندما كانت باكستان
وبنجلاديش أهم أجزائها وبنجلاديش لا تزال السلة الغذائية لشعوب وأمم
بما تزرعه السلة الغذائية لشعوب وأمم بما تزرعه وبما فيها من مخزون
عالمي من الماء. |