|
"إسرائيل" ونظرية القلاقل في العالم العربي
بقلم : عاطف
العمري
صحيفة
الأهرام 15/1/2003
استراتيجية
"إسرائيل" في اتجاه الولايات المتحدة، لها مساران، أحدهما يتجه
نحو العلاقة مع صانع القرار، والثاني يتحرك بنفس القدر من الكثافة
في اتجاه الرأي العام.
وفي حركة
المسار الثاني، فـ"إسرائيل" تتصرف مثل من يرمي بذرة في التربة،
وتظل وراءها لتنمو وتكبر، وتصير واقعاً موجوداً، ولا يهم أن تعترض
النبت أعاصير ورياح، أو تقتلعه حتى من جذوره، فهي تعيد الكرة,،
حتى ولو طال الوقت والجهد، أملاً في ظروف تأتي مواتية.
و"إسرائيل" لا تتصرف بحسابات الأجل القصير، فحساباتها تخطط دائماً
للمدى الأطول مهما طال.
فهي التي
ألقت في التربة السياسية الأمريكية منذ عام 1991 فكرة العدو المسلم
بديلاً عن الاتحاد السوفيتي، ولم يتقبلها منطق التفكير الأمريكي،
فجفت أوراقها وسقطت، وعادت إلى محاولة غرسها في عام 1996، في حملة
منظمة يتحرك في مقدمتها بنيامين نيتانياهو الإرهاب الإسلامي بديلاً
عن الشيوعية على خط المواجهة القديم، ومرة أخرى لفظتها البيئة
السياسية الأمريكية، وتصدي لها الرئيس كلينتون، معلناً أن الإرهاب
موجود في كل مكان، وفي أي مذاهب دينية مهما تكن.
إلى أن
جاءتها الظروف المواتية يوم الحادي عشر من سبتمبر2001، لتحصد في
سهولة ويسر ثمرة ناضجة، لم تيأس يوماً في أنها بالجهد والمثابرة،
والحركة الدءوب، سوف تكلل بها عملها ومساعيها.
وعلى ضوء هذه
الاستراتيجية، يظهر موقفها الآن من الحرب على العراق، فهي وإن كانت
لها أسباب متعددة في التهييج لإشتعال هذه الحرب، فهناك سبب معين
يمثل متابعة لنظرية حاولت بكل جهودها نشر أفكارها في الولايات
المتحدة، ليس فقط بين مؤسسات صناعة القرار، وإنما بالقدر نفسه بين
الرأي العام الأمريكي.
هذه الجهود
كنا قد لمسناها وعايشناها في عام 1997 على وجه التحديد، رداً على
موقف كان قد أخذ يمد له جذوراً قوية في التربة السياسية الأمريكية.
فقد كان قد ساد في معظم مراكز الفكر السياسي، والبحوث السياسية،
والمعاهد الاستراتيجية، اقتناع بأن عدم حل المشكلة الفلسطينية،
سيكون السبب في حالة من عدم الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط،
وأنه إذا حلت هذه المشكلة، فسوف يتحقق الاستقرار الإقليمي، الذي
أصبح يمثل مصلحة حيوية ومصلحة أمن قومي للولايات المتحدة.
هذا الاعتقاد
طرح في عشرات من الندوات وحلقات النقاش في هذه المراكز والمعاهد،
وتضمنته أوراق، وكتابات، كان منها أوراق العمل الذي صدرت بعد نهاية
ورشة عمل لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، بل إن الكتاب الصادر
عن ورشة العمل هذه بعنوان (سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
وعملية السلام)، ذكر بوضوح قاطع أن انهيار عملية السلام سوف يؤدي
إلى تعقيدات هائلة، للجهود الأمريكية، للتصدي للتهديدات لمصالح
الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفي أنحاء أخري من العالم, وهي
التهديدات التي تضم الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل.
ولم تخرج
حكومة كلينتون عن هذا التيار السائد، فقد ركزت من ناحيتها على أن
عدم حل القضية الفلسطينية، سيكون سبباً في انعدام الاستقرار
الإقليمي في هذه المنطقة التي تحتوي مصالح أمريكا الحيوية.
ومنذ هذا
التاريخ بدأت تظهر حملة إسرائيلية مضادة، تردد وتروج للقول بإن عدم
الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، ليس سببه عدم حل المشكلة
الفلسطينية، وإن هناك أسباباً أخرى أقوى وأهم سوف تظل هي العنصر
الأساسي وراء هذه الحالة، وليس المشكلة الفلسطينية، وراحت أوراق
الدعاية، ومنتديات البحث، وحلقات النقاش الموجهة إسرائيلياً،
تتحدث بتفصيلات مدروسة ومنظمة عن أوضاع داخلية في العالم العربي،
وتجذب إليها النظر، لإيجاد انطباع مطلوب بأن أسباب عدم الاستقرار
كثيرة، وعميقة، وكامنة، وحتى لو حلت المشكلة الفلسطينية، فسوف
يتوالي تفجر هذه الأسباب واحداً وراء الأخر، لتهز الاستقرار
الإقليمي في هذه المنطقة. وبالطبع كان غزو العراق للكويت عام
1990، على رأس ما اعتبرته هذه الحملة أدلتها وبراهينها.
وحين وقعت
أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، قفز اسم العراق خلال فترة أسبوع
واحد من بعد هذه الأحداث مرشحاً لتوجه إليه ضربة انتقامية، ولم يكن
قد استقر الرأي على المسئول الحقيقي، ولم يكن أحد قد ربط بين
العراق وتنظيم القاعدة في أفغانستان، وهو الربط الذي لم تؤكده أي
أدلة أمريكية، بل إن وكالة المخابرات المركزية في تقرير للكونجرس
في منتصف عام 2002، قد نفت فيه تماماً وجود أي ربط بينهما، لكن
الموقف الإسرائيلي ظل عنصر تهييج في اتجاه الحرب على العراق، وهو
بهذا يخدم على نظريته التي كان قد غرس زرعها قبل ست سنوات، لاقتلاع
أي ربط بين المشكلة الفلسطينية وعدم الاستقرار الإقليمي.
وبالطبع هذا
ليس السبب الوحيد وراء الموقف الإسرائيلي، لكنه واحد من الأسباب،
التي سيخدمها ما بعد الحرب على العراق بما تأمله، من إيجاد حالة من
الفوضى الإقليمية، أو علي الأقل القلق الإقليمي، وإعادة ترتيب
الأوضاع، بصورة تكون أكثر استجابة لأحلامها في حل للنزاع مع
الفلسطينيين حسبما تريد حكومة شارون.
ونلاحظ أن
حملتها لتأكيد نظرية عدم الربط بين الاستقرار الإقليمي والمشكلة
الفلسطينية، لا تكتفي بالعراق، فمازلنا نشهد توالي مقولات عن
أسلحة دمار شامل في إيران، وسوريا، بل وليبيا، وغيرها، بمقولة
إنه مادام للحرب على العراق هدف معروف، فلتستكمل عملية إتمام
الهدف.
وبهذا تكون
نظرية إشاعة عدم الاستقرار، في غير أرض النزاع مع الفلسطينيين،
هزات متصلة الحلقات. وبالرغم من التغيير الذي حدث لمفهوم الاستقرار
الإقليمي من وجهة نظر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، فبعد أن كان
وسيلة تحقيقه هي أولوية حل النزاع أو النزاعات الإقليمية، أصبحت
الوسيلة هي السيطرة وفرض الحل، وليس بالتراضي المتبادل من طرفي
النزاع. وبالطبع فإن هذا الشكل للحل، ليس تسوية نهائية، بل هو
إبقاء للوضع على ما هو عليه، أو حسب نظرية شارون بالوصول بالعلاقة
مع الفلسطينيين إلى هدنة أو إجراءات وترتيبات مرحلية للعلاقة، أما
الحل النهائي للنزاع، فليترك لأجيال قادمة.
وهي نظرية من
شأنها تفجير الاستقرار الإقليمي بكامله، لأن معنى ذلك تخزين عناصر
التفجير، والضغط عليها، مما يجعلها تشتعل وتنفجر ذاتياً في لحظة
غير محسوبة.
لقد كانت
الفوضي الإقليمية وعدم الاستقرار الإقليمي، هدفاً استراتيجياً
لـ"إسرائيل"، باعتبار ما يحدثه من تشتيت تركيز العالم العربي، على
قضايا التقدم والتنمية، وحل مشكلاته، وجاءت فكرة الحرب على
العراق، مدخلاً إلى صدمة تؤثر في العالم العربي اجتماعياً
واقتصادياً على الأقل، بدرجة تفتت أي محاولة لتحرك يجمع العرب
لموازنة نفوذ "إسرائيل".
يذكرني هذا
بدراسة في جامعة تل أبيب في عام 1997، حصرت الأسباب التي كانت قد
دفعت "إسرائيل" لقبول الدخول في عملية السلام، بالرغم مما تعنيه من
تخل عن جوهر الصهيونية بضم أراض إليها، وليس بالتخلي عن أراض
احتلتها والانسحاب منها، وكان ضمن هذه الأسباب، احتمال تحول في
الظروف والأوضاع فيما بين الدول العربية، بدخولها في تكامل
اقتصادي، والتجمع في إطار سياسات واحدة ومشتركة، يتحقق بها النمو
والتقدم، بصورة قد تغير ميزان القوى الحالي لغير مصلحة "إسرائيل".
وكان هذا هو
إدراك (إيهود باراك) نفسه، وهو يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في
عام 1999، وهو ما كشف عنه الكاتب الإسرائيلي (ديفيد مكوفسكي) في
رسمه خريطة لتفكير باراك من خلال عدة لقاءات أجراها معه، وقال فيها:
إن باراك يرى أن ميزان القوى في الشرق الأوسط، ربما لا يبقي في
مصلحة "إسرائيل" إلى الأبد. وإذا تحول ميزان القوي لمصلحة العرب،
بينما لم تكن "إسرائيل" قد توصلت إلى اتفاق مع الفلسطينيين،
وعلاقتها بهم لم تستقر، فمن الممكن أن تجد "إسرائيل" نفسها مرغمة
عندئذ على تقديم تنازلات أسوأ مما كانت ستقدمه من قبل.
لكن التغير
في ميزان القوى لم يحدث، والتحول في المواقف العربية، بقبول الدخول
في تكامل اقتصادي، وفي إطار سياسة واحدة مشتركة على الأقل في
التعامل مع النزاع العربي ـ الإسرائيلي، لم يتحقق، وتكاتف تراجع
هذا الاحتمال، مع مجموعة متغيرات أخرى -ليس هذا موضوعها اليوم- في
ظل تراجع "إسرائيل" عن مفهوم السلام الذي كانت قد قبلته. لكن
مادامت الدول العربية ليست معدمة القدرات على أن تحدث هذا التحول،
فإن الاحتمال قائم، ولا يجب ألا تنظر إليه "إسرائيل" على أنه
المستحيل، لكنها في الوقت نفسه، تظل متيقظة لاستغلال كل فرصة
ممكنة، لإشعال المشكلات والأزمات، التي تبعد الاستقرار عن العالم
العربي، وتشتت تركيزه، وتفتت إرادته في المبادرة بخطوة هي
الكفيلة بإحداث انقلاب في ميزان القوى، لغير مصلحة "إسرائيل".
إن الهدفين
متلازمان، وكل يؤدي الغرض المطلوب منه. هدف إيجاد قلاقل وأزمات
داخلية وإقليمية، تلغي الفكرة القائلة: إن حل المشكلة الفلسطينية
هو الذي يتحقق معه الاستقرار الإقليمي. وهذه النتيجة هي التي تقود
للهدف الثاني، وهو استنزاف طاقة العالم العربي، اقتصادياً
ومالياً واجتماعياً ونفسياً وسياسياً، وإغراقه في حالة من التشتت
المزمن الذي يصعب معه، أن يتحقق لهم تكامل اقتصادي، أو قرار سياسي
مشترك، أو استراتيجية أمن قومي واحدة، وهو المدخل إلى تحول نوعي
عربي يغير من ميزان القوى لمصلحتهم.
وكانت فكرة
الحرب على العراق فرصة لـ"إسرائيل"، فراحت تشارك بأجهزة ومراكز تابعة
أو مناصرة لها في الساحة الأمريكية، في حملة منظمة لزيادة
الاقتناع، بضرورات هذه الحرب، خدمة للهدفين المشار إليهما،
يضاف إليهما الهدف الأشمل والأعم، والذي وصفته مصادر عسكرية
أمريكية هدف ما بعد العراق، وهو إعادة ترتيب ورسم خريطة الأوضاع
والعلاقات الإقليمية في المنطقة. |