|
الليكود والعمل من الاستقطاب التاريخي الحاد إلى
التناغم والتكامل
محمد جمال باروت/كاتب سوري
المصدر: صحيفة
الوطن السعودية 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002
ترتد جذور
الفرق الراهن بين تكتل الليكود وحزب العمل في "إسرائيل" إلى
الاستقطاب التاريخي الحاد بين الصهيونية العمالية (اليسارية) التي
قبلت إقامة الدولة في حدود الرقعة الانتدابية البريطانية على فلسطين،
وبين الصهيونية التصحيحية (اليمينية) التي تمسكت بمبدأ إقامة الدولة
على كل ما يسمى صهيونياً بـ" أرض إسرائيل" ومن هنا لم تنظر الصهيونية
التصحيحية إلى تقبل الصهيونية العمالية للانتداب البريطاني على
فلسطين والأردن في عام 1922م، والعمل على بناء الدولة_ مرحلياً_ في
حدود الرقعة الانتدابية البريطانية على فلسطين دون الأردن، إلا
كاعترافٍ صهيونيٍٍ بتقسيم بريطانيا لما يسمى صهيونياً بـ" أرض
إسرائيل"، إلى منطقة الوطن القومي اليهودي في فلسطين وإمارة شرق
الأردن العربية، يفرّط بالحق اليهودي المزعوم في الضفة الشرقية (
تقريباً الأردن الحالي). ومن هنا عُدَّ وصول الليكود إلى الحكم لأول
مرة في انتخابات عام 1977م بمثابة انقلابٍ أيديولوجيٍ- سياسيٍ في
"إسرائيل" نقل السلطة من اليسار الذي تولى عملية بناء الدولة
وتأسيسها إلى اليمين.
إن الليكود
يقول دوماً في معرض منافسته مع حزب العمل إن حكومته في عهد بيجن
تلميذ مؤسس الصهيونية التصحيحية اليمينية جابوتنسكي، هي أول من أبرم
اتفاقية سلام بين "إسرائيل" وأكبر دولة عربية هي مصر. لكن إذا ما
تفحصنا في أمر تلك الاتفاقية، نجد أن تيار بيجن لا يَعدُّ سيناء في
إطار" أرض إسرائيل"، و بهذا المعنى لم يخرج اليمين عن التزامه
العقائدي بـ" أرض إسرائيل" من جهة أولى كما يفسر من جهة ثانية رفض
بيجن بشكلٍ حازم لأي حلٍ في الضفة الغربية يتخطى حدود الحكم الذاتي.
ومن هنا درج
الليكود على وصف الضفة الغربية بـ" المناطق المحرّرة"، بقدر ما درج
حزب العمل على وصفها بـ" المناطق المدارة". ولقد أخذ الحل الإسرائيلي
لـ" المشكلة الفلسطينية" يتبلور بين خيار الليكود في الحكم الذاتي
وتصور حزب العمل في الخيار الأردني ثم في دولة فلسطينية. وصحيح أن
بعض التيارات اليسارية الصهيونية قد برّرت قيام دولة فلسطينية على
أساس حق الشعب الفلسطيني بدولةٍ مستقلة له، إلا أن الدقة تتمثل في أن
حزب العمل الذي عَدَّ نفسه مركز اليسار الإسرائيلي قد عَدَّ قيام
دولة فلسطينية عبر عملية تفاوضية انتقالية شرطاً لابد منه للحفاظ على
الطبيعة اليهودية للدولة، ومن هنا رفض الضم السيادي للضفة على اعتبار
أن ذلك سيؤدي إلى تحويل دولة "إسرائيل" إلى دولة ثنائية القومية.
إن الدولة
الفلسطينية بهذا المعنى الذي طرحه حزب العمل تمثل حاجةً كيانيةً
إسرائيليةً بدرجةٍ أولى، غير أنها لم تدخل في الأجندة المستقبلية
فعلياً إلا بتأثير الانتفاضة الفلسطينية الأم، التي كان اتفاق أوسلو
في عدد من الوجوه ثمرةً لها على الرغم من كل ما قيل عن هذه الثمرة"
العجفاء".
ما يهمنا هنا
في ميدان تحليل الفروق الجوهرية بين الليكود والعمل حول المسألة
الفلسطينية، هو أن الاستقطاب التاريخي الحاد بينهما في حياة التجمع
الاستيطاني (الييشوف اليهودي) خلال مرحلة الانتداب وبعد قيام الدولة،
قد بات يتقلص بمعدلاتٍ متسارعة بعد إبرام أولى اتفاقيات السلام
الإسرائيلية- العربية مع مصر، وهي الاتفاقية المعروفة بكامب ديفيد.
إذ بات حل المسألة الفلسطينية يدخل في إطار ما يعرف بـ" الإجماع
القومي" . ومن هنا حرص إسحق رابين آخر زعيمٍ تاريخيٍ حقيقيٍ لحزب
العمل قبل انتخابات عام 1992م على أن يجيب عن سؤال يتعلق بسياسته
تجاه مسألة السلام بعد احتمال فوزه في الانتخابات، بأنه امتداد
لبيجن. وينطبق ذلك على اليمين نفسه إذ حرص بنيامين نتنياهو الليكودي
عشية معركته الانتخابية مع بيريز العمالي بأنه سيواصل سياسة بيجن وبن
جوريون. وربما يفسر ذلك حرص شاؤول موفاز عشية معركة الانتخابات
التمهيدية الأخيرة في الليكود أن يلقي خطاباً مليئاً بالاقتباسات من
بن جوريون العمالي اليساري.
لقد نشأت حال
إسرائيلية فريدة قلما نجدها في أشكال الاجتماع السياسي الأخرى، وهي
الحال التي يتبادل فيها مركزا اليمين واليسار التكامل من داخل
الصراع. ويعني ذلك أن الاستقطاب التاريخي الحاد بين العماليين
والليكوديين قد أخذ ينحل بشكلٍ متسارعٍ لمصلحة التكامل والتداخل. إن
هذا التكامل هو ما يترجم في "إسرائيل" مؤسساتياً تحت اسم حكومة"
الوحدة الوطنية". لكن تقلص الاستقطاب إلى تكامل، لم يستكمل دورته إلا
في مرحلة حكومة الوحدة الوطنية الأخيرة المنهارة بزعامة شارون (ينحدر
بالمناسبة من أصولٍ عمالية يسارية) وبن أليعازر ( ينحدر من أصول
يمينية) إذ تحول العمل بالفعل في ظل الحكومة السابقة إلى مجرد ظلٍ
ذيليٍ لليكود في سياسته الفلسطينية.
إن فرضيتنا
تكمن في أن الانتفاضة الفلسطينية قد أدت إلى انهيار ما يسمى بمعسكر
السلام الإسرائيلي، لمصلحة العودة بشكلٍ هيستيريٍ جماعيٍ إلى ينابيع
الصهيونية التصحيحية اليمينية، وخططها الفظة في الترانسفير أو إعادة
الاحتلال الكامل أو الفصل، غير أن هذه الفرضية لا تفهم على مستوى
السياسة الإسرائيلية الفلسطينية إلا في ضوء التكامل بينهما الذي حل
مكان الاستقطاب، والذي سبق لكل من رابين ونتيناهو أن عبرا عنه، ووجد
صدى له في خطاب موفاز الأخير.
إن الترسيمة
العربية التي تنكر أي فارقٍ بين الليكود وبين العمل، لم تترسخ كما
ترسخت خلال الشراكة الأخيرة بينهما في حكومة شارون. ومن هنا عَدَّ
يسار ووسط حزب العمل انتخاب متسناع على أنه نوع من استعادة هوية
العمل المميزة التي طمسها تحالفه مع الليكود. لكننا نجد في المقابل
الليكودي أن مركز الليكود قد صعّد البراغماتي شارون الذي يقول بدولة
فلسطينية وليس نتنياهو المدعوم من زعامة الليكود الأيديولوجية التي
تتمسك بالحكم الذاتي.
بكلامٍ آخر
صعّد كل من حزب العمل والليكود" وسطه" إلى الزعامة. ولأول مرة يمرر
شارون بطريقة براغماتية تأكيد مندوبه في الأمم المتحدة في الأسبوع ما
قبل الماضي على قبول خريطة الطريق المبنية على رؤية بوش لدولة
فلسطينية إلى جانب دولة "إسرائيل"، غير أنه لا يوجد جديد حقيقي هنا
خارج المراوغة، إذ سبق لشارون أن أكد أكثر من مرة أن دولة فلسطينية
ستقام في نهاية المطاف، لكنه يستثمر ذلك هنا لتوجيه رسالتين مزدوجتين
على ما يبدو، الأولى إلى واشنطن التي ينتظر منها ضمانات الأربعة عشر
مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي المنهك، والثانية إلى حزب
العمل وتحديداً إلى يمينه ونسبة الـ56 بالمائة منه التي تقول آخر
الاستطلاعات إنها تضغط منذ الآن على متسناع كي يخفف مما يوصف
بتصريحات "يساريةٍ"، وذلك بهدف استقطاب جمهوره، وجر الحزب مرةً
ثانيةً إلى حكومة وحدة وطنية تؤمن لشارون" إجماعاً قومياً".
أما دولة
شارون الفلسطينية فهي منذ الآن ليست أكثر من الحكم الذاتي الليكودي
التقليدي لكن بمرتبة دولة مفككة الأوصال ومنزوعة السلاح والسيادة من
الناحية الفعلية، وذلك على أربعين بالمائة من الضفة الغربية وثلاثة
أرباع قطاع غزة.
بكلامٍ آخر
إن كلاً من شارون الذي تغلب على مركز الزعامة الأيديولوجية لليكود
ومرشحها نتنياهو، ومتسناع الذي تغلب على يمين العمل ممثلاً ببن
أليعازر، يسعيان إلى كسب ما يسمى في "إسرائيل"، الوسط، الذي تقدره
الكاتبة الإسرائيلية (تانيا راينهارت) بأنه يشكل ثلث الناخبين، وأن
ثلث هذا الثلث غير أيديولوجي بمعنى أنه يريد الهدوء. شارون مدجج
بتكتله ذي الـ310 آلاف عضو ومتسناع يتقدم بحزب يجهد لاستعادة هويته
المميزة عن الليكود بعضوية لا تتجاوز الـ110 آلاف عضو، لأسباب
انتخابية وليس سلامية مع الفلسطينيين. ومن هنا فإن طرح شارون للدولة
الفلسطينية وتأييده (على طريقته) لخريطة الطريق سيحاول اجتذاب الوسط
وقطع الطريق على برنامج متسناع الذي يستند إلى هوية حزب مشروخ لم
يتخلص بعد من تضعضعه. فالفارق التاريخي بين الليكود والعمل قد تهاوى
إلى درجةٍ كبيرة، بشكلٍ يمكن فيه القول إن هناك فرقاً بينهما لكنه
فرق في الفروع وليس في الأصول، وفرق بين سياسة" القبضة اللطيفة"
وسياسة" القبضة الغليظة"، وإن قضية السلام لا تعدو حتى هذه اللحظة أن
تكون أكثر من ورقةٍ انتخابية داخلية، يبدو أن عرب الداخل لم يعودوا
منخدعين بها كما انخدعوا بها في عام 1999م حين صوّتوا لباراك. |