الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

 

 

صهيونية تابعة

د. عبد الوهاب المسيري

مفكر - مؤلف الموسوعة الصهيونية

صحيفة الاتحاد 20/2/2003

عادةً ما يُوصف (ثيودور هرتزل) بأنه مؤسس الحركة الصهيونية أو الأب الروحي لها، وهو وصفٌ يفتقر إلى الدقة، وإن كان ينطوي على شيء من الصحة.

 

فقد ظهرت تسمية الصهيونية، باعتبارها وسيلةً لحل ما عُرف باسم المسألة اليهودية في أوروبا، عندما استخدمها الكاتب النمساوي اليهودي (ناثان بيرنباوم) (1864-1937) في عام 1980، لوصف تيارٍ يدافع عما يُسمى العِرق اليهودي والبحث عن وطنٍ للفائض البشري اليهودي انطلاقاً من أن السمات العِرقية اليهودية قيمة مطلقة بدلاً من الدين اليهودي. ولكن الإرهاصات الأولى لهذا المفهوم ظهرت قبل ذلك بكثيرٍ، وفي أوساطٍ غير يهودية على وجه الخصوص، بل وشديدة العداء لليهود واليهودية في أغلب الأحيان.

 

فعلى سبيل المثال، طالب (إرنست لاهاران)، المساعد الشخصي لنابليون الثالث، في كتيبٍ صدر عام 1860، بتهجير الجماعات اليهودية الأوروبية إلى فلسطين وتوطينهم فيها لاستعادتها من الدولة العثمانية. كما سرد لورد بالمرستون (1784-1865)، في رسالةٍ إلى السفير الإنجليزي لدى الدولة العثمانية عام 1840، المكاسب التي ستعود على الإمبراطورية الإنجليزية من توطين يهود أوروبا في فلسطين، ولا سيما الوقوف في وجه التطلعات القومية لمحمد علي.

 

وعندما ظهر هرتزل على مسرح الأحداث، كانت الصيغة الأساسية للفكرة الصهيونية قد تبلورت من خلال كتابات عددٍ من الكتاب اليهود من أمثال (موسى هس) (1812-1875) (وليو بنسكر) (1821-1891)، و(بيرتس سمولنسكين) (1842-1885)، و(موشيه ليلينبلوم) (1843-1910) وغيرهم، وكانت جمعيات أحباء صهيون تسعى جاهدةً إلى تهجير أعدادٍ من يهود شرق أوروبا للاستيطان في فلسطين، من خلال عمليات تسللٍ تحظى برعاية وتمويل بعض أثرياء اليهود في أوروبا.

ولكن هذه الكتابات ظلت مجرد تصوراتٍ نظريةٍ أقرب إلى الأمنيات التي لا تستند إلى أي أساسٍ واقعي، ولا تحظى بتأييد جماهيري، كما ظلت محاولات التسلل إلى فلسطين محدودة الأثر، ولم تتخذ شكل حركةٍ منظمة ومستمرة. وكان هرتزل هو الذي حوّل الأفكار والأماني إلى حركةٍ ذات إطار تنظيمي محدد هو المنظمة الصهيونية، ومن ثم وضع أولى اللبنات لتحقق المشروع الصهيوني. فلماذا نجح هرتزل فيما أخفق فيه الآخرون؟ ولماذا استمر مشروع هرتزل، ومن بعده وايزمان، وتحوَّل إلى واقعٍ ملموسٍ بينما تراجعت المشاريع الأخرى؟

 

لعل الإنجاز الأساسي لهرتزل يكمن في إدراكه لاستحالة وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ دون الاستعانة بدعم ورعاية إحدى القوى الاستعمارية الكبرى، ومن ثم سعيه الدؤوب للبحث عن قوةٍ كبرى تجد مصلحةً في تبني هذا المشروع وتسخيره لخدمتها. ويصف هرتزل شكل الدولة المقترحة لتوطين اليهود فيؤكد أنها ستُبنى على غرار مشاريع الاستعمار الاستيطاني المنطلق من القارة الأوروبية، وأنها ستكون بمثابة حائطٍ منيعٍ بين أوروبا المتحضرة وآسيا البربرية، وسيكون على هذه الدولة أن تبقى على اتصالٍ بأوروبا، بينما سيكون على أوروبا واجب ضمان وجود هذه الدولة.

 

وبالمثل، سار وايزمان على الطريق نفسه، متمسكاً بالنظر إلى المشروع الصهيوني في ضوء المصالح الإمبريالية، وعارضاً توظيفه لخدمة هذه المصالح. ولكنه أدرك أن الإمبراطورية البريطانية، باعتبارها أكبر قوةٍ استعمارية آنذاك وصاحبة المصلحة الأولى في تقليص النفوذ الفرنسي في منطقة الشام، هي الجهة التي يجب أن تلجأ إليها الحركة الصهيونية من أجل تحقيق غايتها.

وقد كان صدور وعد بلفور بمثابة حجر الأساس لبناء الدولة التي سعى إليها المشروع الصهيوني، كما كان بمثابة عقدٍ بين الغرب الاستعماري، ممثلاً في بريطانيا، والمنظمة الصهيونية، تقوم الأخيرة بموجبه بحماية المصالح الغربية في المنطقة العربية مقابل ما تحصل عليه من دعمٍ في تنفيذ خططها.

 

ولم يكن هذا التوافق بين المشروع الصهيوني والمشروع الاستعماري مجرد حدثٍ عارضٍ أو إجراءٍ مؤقتٍ أملته اعتبارات مرحلية، بل ظل سمةً أساسيةً لهذا المشروع ولدولته من بعد. ولعل الدعم الأميركي المتواصل لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، والدور الذي تضطلع به إسرائيل في خدمة المصالح الغربية في المنطقة هما دليل واضح على أن التبعية هي أحد العناصر المكونة لهذا الجيب الاستعماري الاستيطاني.

 

والله أعلم.