المسألة الفلسطينية: عودة إلى التطهير العرقي!
مرزوق الحلبي*
صحيفة
الحياة اللندنية 3/3/2004
قضيتان
محوريتان تظلان في صلب الموقف الإسرائيلي من المسألة الفلسطينية وهما
الخوف من الزوال والديموغرافيا. وإذا ما سبرنا غور الطروحات
الإسرائيلية للتسوية فإننا سنخلص إلى حقيقة أنها مأسورة بهاتين
القضيتين. فهما مطبقتان على كل مشاريع التسوية كفكي كماشة إلى حد
صارتا عنده بنيوياً منتهى المقترحات الإسرائيلية وغايتها، من "كامب
ديفيد" الأول حتى مقترحات شارون الأخيرة التي لا نشك بجدية طارحها
واحتمالات الذهاب في جولة تجريبية لتطبيقاتها. وهنا أؤكد فرضيتي أن
مقترحات شارون الأخيرة لا تأتي منأورة للتخلص من تبعات الإجراءات
القضائية ولا استجابة لفظية لضغوط المحافل الدولية ولا أحبولة
سياسية. في اعتقادنا أن شارون يقرأ جيداً التيارات الجوفية في مجتمعه
ويدرك تماماً أن هذا المجتمع جاهز في غالبيته العظمى للذهاب في
الرحلة معه بعد عقد من السيولة التي لا يمكنه أن يتحملها أكثر.
تعزيزاً
لاعتقادناً آنف الذكر نشير إلى أن كماً هائلا من التوصيات والأبحاث
الإسرائيلية أعدت في العقدين الأخيرين وطرحت في أروقة الحكم والجيش
والمؤسسة الأمنية توصي بالذهاب إلى تسوية. والجديد أن هذه الأبحاث لم
تصدر عن "معسكر السلام" الإسرائيلي أو المنظمات المرتبطة له فحسب بل
عن تلك المرتبطة بقوى الوسط السياسي واليمين وأبرزها تلك العاملة إلى
جانب الجامعات في تل أبيب والقدس وحيفا وهرتسليا. بل هناك اعتقاد
متنام في محافل الحكم في "إسرائيل" أن مراكز صنع القرار لم تعد في
مؤسسات الحكم لا سيما البرلمان (على رغم مركزيته في الحياة الدستورية
الإسرائيلية) بل انتقلت إلى مراكز البحث العلمي المتخصصة في الشؤون
الاستراتيجية والشرق الأوسطية التي تمولها بالأساس الجاليات اليهودية
الأنغلو - سكسونية.
فقد تحولت
الحلقات الدراسية في هذه المراكز أهم حيز إسرائيلي لتلاقح الطروحات
وبلورتها. وهذه الأبحاث تتمحور بدورها حول قضيتي الخوف
والديموغرافيا، تسلط الضوء على الأولى ثم تعلي شأن الثانية في حركة
أرجوحة بين هذا وتلك.
ويشار هنا
إلى حقيقة وجود الديموغرافيا أساساً في طروحات اليسار الإسرائيلي
وتسويغاته ضرورة الانسحاب من المناطق المحتلة. وهناك من يرى أن عجز
مؤسسات الحكم عن إحداث اختراق للحال المأزقية في "إسرائيل" يعطي
وزناً خاصاً لمؤسسات المجتمع المدني والأكاديميا التي تبادر إلى
إنتاج حلولها. وقد صارت محجاً للسياسيين الإسرائيليين وغير
الإسرائيليين يعولون عليها لحسم ما عجزت عنه المؤسسات. فليس صدفة أن
تصير الطروحات والأوراق الصادرة عن هذه المراكز صاعقاً يفجر نقاشات
وتشغل الرأي العام وتثير الاهتمام أكثر من أي قرار حكومي أو قانون
برلماني.
اقتراحات
شارون إذن لا تأتي من غرفة عمله في صحراء النقب وإنما من صفحات
أطروحات هذه المراكز واجتهاداتها. ولأنها كذلك النظر إليها باهتمام
خاص وعلى أنها قابلة للتجريب على هذا النحو أو ذاك. ونرى بوضوح أن
هذه الاقتراحات تربط بين عاملي الخوف والديموغرافيا بشكل يطابق
بينهما. وعلى هذا النحو أتت طروحات شارون وأفكاره. فهو يؤكد البعد
الأمني في مسار الجدار الفاصل في الضفة الغربية والبعد الديموغرافي
في الانسحاب من غزة، ويربط بين الإبقاء على البؤر الاستيطانية في
"الضفة" وبين تعديلات حدودية تشمل تحويل مناطق مأهولة بالعرب من
السيادة الإسرائيلية إلى السيادة الفلسطينية. وفي هذا إصرار إسرائيلي
على فكرة الدولة العرقية التي ينبغي رسم حدودها على مقاسات الجماعة
العرقية وبالحد الأقصى من التطابق. ففي صلب أفكار شارون رسم حدود
دولة "إسرائيل" على أوسع مساحة من الأرض مع أقل نسبة من السكان العرب
الفلسطينيين.
فالمرحلة
الراهنة من الصراع خلقت شروطاً أعادت الوضع إلى ما كان عليه في نهاية
الأربعينات من حيث العلاقة بين المجموعتين القوميتين في فلسطين
ومشاريع تنظيم السيادة على الأرض. ومثلما أخذت ترتيبات التقسيم في
1947 العامل الديموغرافي فإنها لا بد أن تأخذها مشاريع الحلول
المقترحة. لكن مع فارقين أساسيين بين ما كان في حينه وبين ما يمكن أن
يحصل اليوم. الأول، كان الطرف اليهودي أقل قوة وقدرة على المناورة
همه كسب الشرعية الدولية إلا أنه اليوم الطرف الأقوى في المعادلة
وبإمكانه المناورة في مصالحه ولأجلها حتى إشعار آخر.
الثاني، أن
الوقائع على الأرض مختلفة من حيث المناطق الخاضعة للسيادة
الإسرائيلية ومن حيث تعداد السكان اليهود (الديموفرافيا) بين النهر
والبحر. فقد شهدت أرض فلسطين التاريخية تحولات جذرية شرق الخط الأخضر
وغربه لا يمكن القفز فوقها.
حال السيولة
الراهنة مرشحة إذن وفق منطق شارون للذهاب في مسار الحسم الديموغرافي
من خلال التطهير العرقي على النحو الذي يمكن للتفوق الإسرائيلي أن
يفرضه. ونرجح أننا على عتبة مثل هذا التطور لأن الوضع قابل للتحول من
ليلة إلى ضحاها، لتوافر عدة أسباب تراكمت في العقد الأخير وأهمها:
1 - غالبية
ساحقة من الإسرائيليين تقبل مبدأ الحسم الديموغرافي من أجل الحفاظ
على الدولة اليهودية وتكريسها ومن أجل التخلص من التهديد الأمني
اليومي ولو افتراضاً، حتى بثمن تقليص حدود الدولة أو تعديلها.
2 - لا يزال
نقاش التسويات مأسوراً في خطاب "الدولة القومية" أو "العرقية" وحق
تقرير المصير وفق هذا المنظور الأمر الذي يؤسس منطقياً لمثل هذا
الحل. كأن يقال للفلسطينيين في المثلث ضمن دولة "إسرائيل" لماذا ما
دمتم فلسطينيين لا تنضمون بمنطقتكم كلها إلى الدولة الفلسطينية؟
3 - ضعف
فلسطيني وعربي وصل أرقاماً قياسية خصوصاً بعد احتلال العراق مقابل
تفوق إسرائيلي على الجبهات كافة عدا الجبهة الأخلاقية.
4 - مناخ
دولي يعطي أولوية لمفهوم الأمن والحرب الاستباقية الوقائية وحق الأمم
والدول في الدفاع عن نفسها بما في ذلك اعتماد إجراءات استثنائية.
وعقدة الذنب في الغرب كفيلة بإيجاد فتوى أخلاقية لما يمكن أن تفعله
"إسرائيل".
5 - المدّ
المعادي للإسلام الخائف منه طغى على مفهوم الحق الفلسطيني وشرعية
مقاومة الاحتلال بحيث استطاع المعنيون أن يقيموا التطابق بين النضال
الفلسطيني وبين الإرهاب، بين عدل القضية الفلسطينية وعلمانية خطابها
ومطالبها وبين الخطر الإسلامي ومفاعيله.
6 - تتوافر
في المجتمع الإسرائيلي قابلية لمثل هذه الحلول من حيث الجمع بين ذرى
جديدة من الخوف الجمعي الوجودي من الزوال واليومي على المشروع
الصهيوني في فلسطين، من غائلة الديموغرافيا الفلسطينية وبين توافر
تفوق واضح في القوة السلطوية والعسكرية للطرف الإسرائيلي.
حال السيولة
المشار إليها تسري على كل الأرض الممتدة من النهر إلى البحر وهذا
يعني أن القضية الديموغرافية واردة بالنسبة لسكان كل هذه المساحة
بغير اعتبار يذكر لما سميناه "الخط الأخضر". ونرجح أن الطرف
الإسرائيلي سيفضل أن يتعاطى مع الموضوع على هذا النحو. وذلك سعياً
إلى تجاوز عقبة المستوطنات في المناطق المحتلة منذ العام 1967
ولإدخال فلسطينيي العام 1948 في حساب التسوية التي يطرحونها، أما
الحديث عن الانفصال من جانب واحد وهو الإسرائيلي فيعزز الاعتقاد بأن
شارون عازم على تحرير نفسه من تبعة التفاوض واستحقاقات التسوية على
الطريقة التفاوضية. وكان شارون والإسرائيليون خبروا من ناحيتهم الثمن
الذي عليهم دفعه في سبيل تسوية مرحلية للمسألة الفلسطينية كما عرضت
في أوسلو ومفاعليها وصولاً إلى "كامب ديفيد" الثانية. وقد ثبت في
الراهن على الأقل أنهم لا يريدون دفع هذا الثمن وهم قادرون على عدم
دفعه فيأتي مشروع شارون لإعفائهم من الدفع والالتفاف عليه بمشروع
أحادي الجانب.
الطرف
الإسرائيلي خائف من الديموغرافيا لسبب كامن في احتمالات تغير حالها
ليس بفعل الزيادة الطبيعية فحسب بل بفعل ما يمكن أن يطرأ عليها من
باب حق عودة اللاجئين حتى ولو إلى مساحة السلطة الوطنية أو
الكانتونات الفلسطينية المستقبلية. فالسيناريو المروع من ناحية
الإسرائيليين هو عودة مليون أو مليوني فلسطيني إلى غرب النهر الأمر
الذي سيسبب بطبيعة الحال ضغطاً هائلاً باتجاه الغرب حنيناً إلى ما
كان أو بحثاً عن مجال للعيش وفضاءً للحياة. ومن عادة الإسرائيليين أن
يحلوا المعضلات بتعقيدها. وهم هنا يواجهون حق العودة الفلسطيني غير
القابل للتصرف بموجب القانون الدولي بترحيل جماعات أخرى من
الفلسطينيين أو بمنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حتى ولو على
جزء ضيق من الأرض الفلسطينية.
التطهير
العرقي في التجربة الإنسانية تم بغير إنذار أو على الأقل من دون
اعتبار للجهة التي يتم تطهير الأرض منها! ولا تشذ الحالة الإسرائيلية
عن هذه الحالات سيما أنها شهدت التطهير في وقت مضى أو أن هذه التجربة
لم تكن لتتم لولا التطهير العرقي الذي أفضى إلى طرد نحو 900 ألف
فلسطيني خارج وطنهم في نهايات الأربعينات، تلك الحقبة التي أعيد الآن
خلق شروطها وحيثياتها من جديد. ومن هنا غير مفهوم لي هذا الصمت
العربي لا سيما لدى الفلسطينيين مواطني "إسرائيل" حيال هذه الإمكانية
وفظائعها. فالديموقراطية الصورية التي ينعمون بها قابلة للانكفاء
ومواطنتهم محفوفة بألف لغم ومفاجأة كما حصل أيام الحكم العسكري الذي
استمر حتى العام 1966، وكما حصل في يوم الأرض الأول حينما احتل الجيش
مدنهم وقراهم وكما حصل في تشرين الأول (أكتوبر) 2000 حينما قمعتهم
قوات الأمن الإسرائيلية بالحديد والنار لمجرد احتجاجهم على مجازر
الاحتلال. ومنذ ذلك الحين تتعاطى نخب إسرائيلية معهم على أنهم جزء من
المسألة الديموغرافية وليس خارجها.
"إسرائيل"
وفق المنطق الداخلي لنشوء الهوية اليهودية وتطورها كمشروع سياسي لم
تصل خط نهايتها ولم تكتمل بعد، على الأقل في أعين نخبها الجديدة
وبكاءاتها في الأوساط الأنغلوسكسونية واليهودية في أميركا الشمالية.
ولا يزال هذا المشروع ذا حيوية وطاقات متحولة تنذر باحتمالات مروعة
على الأرض الفلسطينية. فلننظر إلى مفاعيل إقامة الجدار الفاصل
بالنسبة لحياة الفلسطينيين على جانبيه! كيف حول هذا الجدار حياة
عشرات القرى وسكانها إلى مشروع إذلال يومي يحول بين الجدة وحفيدها،
بين الفلاح وزيتونته، بين المؤمن ومسجده ناهيك عن مصادرة الأملاك
واقتلاع الزيتون ومنع الدواء والعلاج والحيلولة دون الطفل ومدرسته.
وفي اعتقادنا
أن الجدار بداية لما هو أفظع وفي الجانب الإسرائيلي من يؤشر لنا على
ما يمكن أن يأتي. وأنا في خضم السيناريوهات الممكنة أتصور جدار الفصل
العنصري هذا كتلك الأسوار المقامة على الساحل الهولندي. تقام كي تسحب
ماء البحر في جهتها هذه كي تنقل إلى جهتها تلك طمعاً في تجفيف مساحة
أخرى من البحر. وأوساط يهودية واسعة هنا تتحدث بلغة تجفيف الأرض من
سكانها العرب. وأرى بعيني روحي اأواجاً من الفلسطينيين غرب الجدار
تنقل عنوة إلى جهته الشرقية. هذا ناهيك عن تحويل مناطق فلسطينية
مأهولة بكثافة في شمال المثلث أو وسطه داخل "إسرائيل" إلى السلطة
الوطنية أو ببساطة سحب السيادة الإسرائيلية منها وتركها لقدرها.
وعندما يحصل هذا لن يكون بالوفاق والاتفاق وإنما بفعل التفوق
الإسرائيلي المقرون بالخوف. فيما نحن الفلسطينيين مشغولين إلى الآن
بالنكبة وبما في الذاكرة الجمعية من صور تلك التجربة المرة، هناك من
يعد لنا تجربة مماثلة قد نستغرق نصف عقد آخر كي نبدأ بتذكر حيثياتها
وتاريخها على نهج المهزومين.
أما الصورة
الأقل قتامة فهي العدول عن التطهير العرقي وأشكاله لتسوية المسألة
الديموغرافية في فلسطين لصالح نظام أبرتهايد سافر على الساحل الشرقي
للبحر المتوسط يزج الفلسطينيون بين النهر والبحر بمقتضاه في خانات
مناطقية محددة مغلقة بالجدران أو بالأسلاك لضبطهم والسيطرة عليهم ليس
لأنهم يحملون العبوات الناسفة بل لأنهم يشكلون بتعدادهم ووجودهم هذه
العبوة.
وعليه، تراني
أرى إلى الملوحين بشعار "دولتين للشعبين" بكثير من الشفقة الممزوجة
بغضب كأنهم ذاهبون إلى الحج والناس في عودة منه. السيولة الراهنة في
النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني مرشحة إلى تصعيد الإجراءات
الإسرائيلية نحو ذرى جديدة لم نعهدها في العقود الأخيرة، سيما أن
الطرف الفلسطيني كأي شعب أو مجموعة في التاريخ سيظل ينشد تحويل وجوده
الديموغرافي إلى كيان سياسي وهو وجود مرشح للنمو بفعل أربعة ملايين
لاجئ فلسطيني لا يزال حقهم في العودة إلى مساحة الوطن كلها أو في جزء
ضيق ضيق منها ماثلا في المكان! وهذا أشد ما يقلق الإسرائيليين ويقض
مضاجعهم وعليه، نراهم يعدون له ولنا العدة. ومن هنا قد يكون الآتي
أكثر قتامة مما كان. وقد سبقه في سياقنا ما يدلّ عليه.
*أكاديمي فلسطيني، دالية الكرمل
|