الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الإرهاب في الاستراتيجية العسكرية ضد الدول العربية

 

منذ أن تم الإعلان عن الدولة اليهودية في فلسطين يوم 14/5/1948، والمعارك تتوالى بين العرب والإسرائيليين، وقد كانت اليد الطولى في جميع تلك الحروب للدولة اليهودية، ولم يستطع العرب خلال هذه الحروب تحقيق هدفهم المعلن وهو المحافظة على باقي أراضي فلسطين واستعادة ما تم أخذه من قبل الإسرائيليين، وقد مارس اليهود في هذه الحروب أبشع أنواع الإرهاب من قتل وترويع للفلسطينيين أو للأسرى الذين تم أسرهم خلال الحرب مع الجيوش العربية، كما لا يفوتنا أن نذكر بأن إسرائيل عبارة عن دولة عسكرية ولا تستطيع البقاء بلا جيش وعسكر ولذلك فإنها تكرس جلّ جهودها وقدراتها وطاقاتها لصالح المؤسسة العسكرية أولاً، كما أنها كيان دائب البحث عن القوة وواقع تحت تأثير هاجس التفوق وإرهاب الأعداء وتخويفهم وعدم إفساح المجال للتفكير في التطاول على كيانهم، من خلال ذلك يمكن اعتبار إسرائيل ثكنة عسكرية تحاول التعبير عن ذاتها من خلال ممارسة القتل والدمار وإراقة الدماء وسفكها وتدمير البيوت وتهجير السكان وإرهاب الأطفال، فتاريخها حتى قبل عام 1948 عبارة عن تاريخ دموي .

وإن كنا هنا نحاول قراءة التاريخ الدموي للصهيونية من خلال الحروب العربية الإسرائيلية، فإننا نقف فقط عند محطات فاصلة في تاريخ الصراع بيننا وبين بني صهيون، ولهذا فإنه تم تمييزها عن المحطات الأقل عنفاً والأخف حفة ولكن أن نفصل بين الإرهاب الصهيوني في جميع مراحل صراعنا مع العدو المحتل .

حرب عام 1948:

في الوقت الذي بدأ فيه الفلسطينيون يفقدون السيطرة على الأمور في ظل غياب قيادة تجمعهم وتنظم جهدهم المقاوم للتصدي للأطماع الصهيونية في فلسطين، ونتيجة لإصرار بريطانيا على تنفيذ وعد بلفور عام 1917، وتبنيها سياسات تدعم وتساند اليهود على تملك الأراضي الفلسطينية وقيام الثورات الفلسطينية الرافضة لهذا الوضع، كل ذلك أدى إلى قيام بريطانيا عام 1937 بطرح مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما يهودية والأخرى عربية على أن تبقى القدس وحيفا تحت إشراف دولة الانتداب، ولكن هذا الاقتراح، رفض من جانب الطائفتين اليهودية والعربية (1) .

وفي عام 1939 أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض حيث أعلنت فيه ((إن تعهداتها لليهود والمصالح القومية البريطانية لا تسوغ استمرار الحكومة في تطوير الوطن القومي اليهودي إلى أبعد من النقطة التي بلغها، حيث لم يعد ممكناً تطويره إلا باستعمال القوة التي لا يمكن تبريرها)) (2) ، وكان لوقوع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وانشغال بريطانيا في هذه الحرب أن كثف اليهود من جهودهم من أجل ترسيخ أقدامهم في فلسطين، وأصبح واضحاً أن المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين في طريقه إلى الإنجاز، وبرزت قضية فلسطين على جدول أعمال الدول العربية أثناء التحضير لإنشاء جامعة الدول العربية، وتم الاتفاق بين القادة العرب الذين اجتمعوا بالإسكندرية في أواخر العام 1944 على أن فلسطين ركن أساسي من أركان الدول العربية، وقد أكد ميثاق الجامعة العربية في ملحق خاص على استقلال فلسطين كبلد عربي. وفي 16 و 19 سبتمبر/ أيلول 1947 عقد اجتماع في صوفر بلبنان لبحث القضية الفلسطينية، وتقرر في هذا الاجتماع تأليف لجنة فنية دائمة مقرها القاهرة لدراسة حاجات فلسطين الدفاعية. وتخصيص مليون جنيه مصري لإعانة عرب فلسطين واجتمع مجلس الجامعة العربية مرة أخرى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 1947 بحضور رؤساء كل من مصر والسعودية والأردن وسوريا واليمن ولبنان والعراق وأصدر المجلس قراراً بتقديم المساعدات اللازمة لعرب فلسطين من أجل تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، وأن ترصد الأموال اللازمة لذلك على أن تتوالى إنفاق هذه الأموال لجنة خاصة، وتضمن القرار أن ((تتخذ الدول العربية احتياطات عسكرية على حدود فلسطين على أن تيسر الدول المتاخمة لفلسطين للدول غير المتاخمة سبيل الاشتراك والتعاون في هذا الواجب بالاتفاق بينها)) (3) ، كما تقرر في نفس الاجتماع تشكيل لجنة عسكرية برئاسة اللواء الركن إسماعيل صفوت لتجنيد المتطوعين العرب وتسليحهم ووضع الخطط العسكرية لإنقاذ فلسطين. واتخذت اللجنة من دمشق مقراً لها وأنشأت معسكراً لتدريب المتطوعين في قطنا قرب العاصمة السورية .

وفي 26 تشرين ثاني 1947 اتخذت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين. كما صوتت الجمعية  العامة في نفس التاريخ على قرار ينهي الانتداب البريطاني على فلسطين اعتباراً من 1 مايو / أيار 1948. واجتمعت اللجنة السياسية للجامعة العربية في القاهرة في الفترة من 12-18ديسمبر / كانون الأول 1947 حيث تم الإعلان عن القرارات التالية:

1.  وقوف الحكومات العربية وشعوبها مع شعب فلسطين حتى يتحقق استقلال بلادهم .

2.  رفض قرار التقسيم .

3.  خوض المعركة وذلك من أجل منع التقسيم .

4.  التأكيد على مبادئ الأمم المتحدة انعكاساتها على الأرض المقدسة التي من المفترض أن تسودها العدالة والمساواة بين جميع الأجناس .

كما عقد اجتماع للجنة السياسية للجامعة العربية في القاهرة يوم 10 نيسان 1948 ولم يسفر الاجتماع عن شيء ذي بال (4) .

ونتيجة لتخاذل بعض الحكومات في التعاطي مع المشكلة الفلسطينية فقد شهدت العديد من العواصم العربية احتجاجات أرهبت حكوماتها، فقد أعلن الإضراب العام في بيروت في 16/2/1948 لإجبار الحكومة اللبنانية على التدخل العسكري. وأعلن الإضراب العام في دمشق بعد ذلك بأسبوع بعد أن وصلت أنباء احتلال الصهاينة لحيفا، وأضرب الطلبة في بغداد عن الطعام لحث الجيش العراقي على التحرك نحو فلسطين (5) .

وعقد اجتماع في العاصمة الأردنية في 23 نيسان 1948 حضره عدد من رؤساء الوزارات والوزراء العرب، وتقرر فيه دخول الجيوش النظامية العربية إلى فلسطين حال انتهاء الانتداب، وعهد المجتمعون إلى رؤساء أركان الجيوش العربية بتنفيذ ذلك (6) .

ووافقت اللجنة السياسية للجامعة العربية المجتمعة في القاهرة يوم 24 أبريل/ نيسان 1948 على مقررات عمان .

وتمشياً مع هذه القرارات قررت الدول العربية حشد جيوشها لدخول فلسطين وتحقيق استقلالها في 15 مايو/ أيار 1948، وبدأت الدول العربية بحشد جيوشها استعداداً للحرب وكذلك فعل جيش الجهاد المقدس الذي أنشأته الهيئة العربية العليا بمساعدة الدول العربية، بالإضافة إلى جيش الإنقاذ الذي تألف من متطوعين عرب بقيادة فوزي القاوقجي ووضعت هذه الجيوش جميعها تحت قيادة الملك عبدالله بن الحسين ملك شرق الأردن آنذاك.

وفي اجتماع آخر عقد في بغداد في 9 مايو/ أيار 1948 تقرر إنشاء القيادة العامة للجيوش النظامية العربية حيث أسند إلى اللواء الركن نور الدين محمود، وأقرت اللجنة السياسية للجامعة العربية هذا التعيين في اجتماعها الذي عقد في دمشق في 11 مايو/ 1948 (7) .

الوضع العسكري قبيل الحرب:

لم يكن الوضع العسكري قبل الحرب مطمئناً للعرب والفلسطينيين حيث أن استعدادهم للحرب لم يكن كما ينبغي لمعركة كهذه، إذ كانت همومهم بعيدة كل البعد عن مسألة الاستعداد لطرد اليهود المحتلين من أرض فلسطين، كما لم يكن قد تكوّن لديهم في ذلك الوقت الشعور بالأمن القومي أو الدفاع عن مصالحهم الخاصة والعامة ضد أي عدوان أجنبي، كما يعود ذلك أيضاً إلى سبب جوهري وهو خضوع تلك الدول لنفوذ بعض الدول الغربية واعتمادها على مساعدة تلك الدول في تسيير أمورها الداخلية والخارجية أيضاً. أما اليهود فقد بدأ استعدادهم لصد أي هجوم محتمل من قبل العرب وبناء دولتهم الخاصة على أرض فلسطين منذ أن بدأوا بالهجرة والاستيطان في فلسطين وقد وجدوا في قوات الانتداب البريطاني التي قدمت لهم الحماية والتسهيلات والدعم بكافة أشكاله خير معين لهم في بناء قدراتهم الدفاعية والعسكرية .

أ)الوضع العسكري العربي والفلسطيني:

1- قوات الجهاد المقدس

ألفت الهيئة العربية بعد صدور قرار التقسيم قوات الجهاد المقدس وعهدت بقيادتها إلى عبد القادر الحسيني في 22/12/1947. وتم تعيين كامل عريقات الضابط السابق في البوليس الفلسطيني، نائباً للقائد العام وقاسم الريماوي أميناً للسر، وداود الحسيني مفتشاً عاماً، وتولت الهيئة الإنفاق على هذه القوات التي اتخذت من قرية بير زيت مقراً عاماً لقيادتها (8) .

وقد كانت هذه القوات مفتقرة إلى التدريب والانضباط والنظام بسبب عدم قدرة قيادتها على تنظيمها وتطويرها لتصبح ذات فعالية قتالية. أما أسلحتها فكانت خفيفة وقديمة ومتنوعة وينقصها العتاد الكافي (9) .

وقد تألفت هذه القوات من المجندين الذين يشكلون القوة المتحركة، ومن "المجاهدين المرابطين" الذين يشكلون المدن والقرى الفلسطينية (10) .

2-الحاميات المحلية الفلسطينية:

انتظم المقاتلون المحليون الفلسطينيون إلى مجموعات قتالية صغيرة، وكانت كل مجموعة مرتبطة بقائد محلي يعتمد على مساندة ودعم أبناء القرى المجاورة في أي عملية قتالية يقوم بها، وكانت هذه المجموعات تفتقر إلى التنظيم والتدريب العسكريين. ونشأت في المدن تنظيمات دفاعية محلية مهمتها حماية الأحياء العربية وحراستها، كما تشكل في المدن الكبرى "حرس قومي" تشرف عليه اللجان القومية المحلية وقد افتقرت هذه القوات كسابقاتها إلى التدريب والتنظيم العسكريين، وبالرغم من حالة هذه القوات المحلية السيئة وافتقارها إلى السلاح والذخيرة فقد تحملت العبء الأكبر في الحرب ضد اليهود خلال هذه الفترة .

3-جيش الإنقاذ:

كما سبق أن ذكرنا، تأسست لجنة عسكرية لجمع المتطوعين وتدريبهم وتسليحهم، بعد اجتماع مجلس جامعة الدول العربية واللجنة السياسية، وكانت دعوة الشباب العربي القادرين على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في جيش التحرير العربي الذي أسمته "جيش الإنقاذ" هو أول ما قامت به اللجنة. وتولى قيادته العامة اللواء الركن إسماعيل صفوت (العراق) يساعده العقيد محمود الهندي (سوريا) للإدارة، والمقدم شوكت شقير (سوريا) والرئيس وصفي التل (الأردن) للعمليات، وتولى العقيد طه الهاشمي (العراق) منصب المفتش العام للجيش وأسندت إليه مهمة التدريب والتنظيم(11) .

بدأ التجنيد في صفوف جيش الإنقاذ على نطاق واسع في بداية سنة 1948، وتقدم للتطوع في صفوف هذا الجيش فئات مختلفة من الضباط والجنود السابقين وطلبة المدارس وصغار الموظفين والفلاحين والعمال الذين يدفعهم حماس وطني جارف. وتألفت سرايا من مدن ومناطق معينة مثل السرية الحلبية (أسود الشهباء) والسرية اللبنانية وسرية الفراتين وفوج جبل العرب والمفرزة الحموية والمفرزة الشركسية والمفرزة الأدلبية، والمفرزة الأردنية والمفرزة البدوية والمفرزة اليوغسلافية * (12) .

وقد درب هذا الخليط من المتطوعين في معسكرات قطنا قرب دمشق تدريباً بسيطاً غير كافٍ لاشتراكهم في أي قتال حرب وتسلح هذا الجيش بخليط من الأسلحة المتباينة وبعضها قديم وغير صالح للاستعمال، وبعضها الآخر لا عتاد له (13)، وبسبب هذا الخليط من القوات  غير النظامية سادت الفوضى وسوء التنظيم وحدات جيش الإنقاذ. وكان الجندي الذي لا تعجبه الخدمة في فوج أو في سرية من سرايا يهرب إلى فوج آخر أو سرية أخرى (14) .

4- المتطوعون العرب غير النظاميين

تألفت مفارز وسرايا من المتطوعين العرب للمشاركة في الدفاع عن عروبة وإسلامية أرض فلسطين تلبية لدعوة الجهاد. وانضوى بعضها تحت لواء جيش الإنقاذ، بينما تعاون بعضها الآخر مع قوات الجهاد المقدس، وعمل عدد منها بصورة مستقلة، وسميت هذه المفارز والسرايا بأسماء المناطق أو الأقطار أو المدن التي أتت منها (15). وقد شارك الإخوان المسلمون الفلسطينيون بنصيب كامل في الجهاد عن أرض فلسطين وشاركهم في شرف الجهاد المقدس إخوانهم المسلمون المصريون حيث أبرق الشيخ حسن البنا في 9 أكتوبر / تشرين أول 1947 إلى مجلس الجامعة العربية يقول أنه على استعداد لأن يبعث إلى فلسطين 10 آلاف مجاهد كدفعة أولى، إلا أن التضييق الشديد على الإخوان من قبل الحكومة المصرية جعل مشاركتهم محدودة، كما قام الإخوان المسلمون في الأردن بالمشاركة مع إخوانهم في الدفاع عن أرض فلسطين الإسلامية، وذلك من خلال تأسيس لجنة لجمع التبرعات والمساعدات، وتشكيل سرية من إخوان منطقة عمان وما حولها تضم نحو 120 مجاهداً من الإخوان المسلمين (17) .

الاستراتيجية العربية والاستراتيجية الصهيونية في حرب 1948

الاستراتيجية العربية:

لم تكن للعرب في هذه المرحلة استراتيجية محددة. واضحة المعالم بشأن القضية الفلسطينية ووقف الزحف الصهيوني في فلسطين، وكان الخلاف بين الدول العربية في قمته، إذ يصف وزير الخارجية البريطاني سابقاً دوجلاس هيوم الاستراتيجية العربية في تلك المرحلة بقوله (19). ((ولما كان العرب دائماً بدون استراتيجية فلم يكن هناك وضوح أو شعور عما يلزم العرب فعله على الأرض التي يدعونها فلسطين)) .
لم تكن الجيوش العربية المشتركة في الحرب مستعدة للدخول في حرب نظامية مع القوات الصهيونية، إذ انه وبعد تصويت مجلس النواب المصري على اشتراك مصر في حرب فلسطين علق أحمد صدقي باشا على قرار المشاركة متسائلاً وهل الجيش على استعداد؟ الأمر الذي أثار موجة من السخرية، بينما كان النقراشي رئيس الحكومة المصرية آنذاك يرد قائلاً ((إنني أتحمل مسؤولية استعداد الجيش للاشتراك في القتال). وليس أدل على عدم استعداد الجيش المصري للحرب من أن قائد القوة الزاحفة العقيد محمد نجيب رفع صوته ينذر رؤساءه بأن أربع كتائب فقط من مجموع اللوائين المحتشدين في العريش أصبحت مستعدة للاشتراك في القتال. وكان جواب اللواء أحمد علي النواوي على تحذيرات محمد نجيب هباء، فلم يكن هناك قتال حقيقي ولا مقاومة فعلية (20) ، كما يذكر الملك عبدالله ملك الأردن عن مجريات حرب 1948 بصفته القائد العام للجيوش العربية أنه لم يؤذن له بزيارة المواقع المصرية إذ يقول ((ولقد كان سفرنا إلى مصر في تلك المدة من الهدنة وعرضنا ما نعلم وسألنا المرحوم النقراشي باشا أن نزور مركز القيادة المصرية العليا في فلسطين بصفتنا القائد العام، فأشار إلى أن هذا لا يتناسب مع دام جلالته (أي الملك فاروق) لم يزر الجبهة بنفسه)) (21) ، كما يشير جلالته إلى أن التدخل العربي في حرب 1948 في فلسطين لم يكن سوى تظاهر إذ يقول ((ثم كان التظاهر العربي العسكري والقرار المرتجل في إدخال قوات قرر رؤساؤها أنها كانت غير كافية ووحدة القيادة أسمالاً لا أفعالاً، وعدم السماح للقائد العام بتفتيش ما قيل أنه تحت إمرته من قوات، ثم دخول الجيوش العربية إلى فلسطين ووقوفها وتحيرها وعدم تهيئتها حتى تلت ذلك الهدنة في رودس وما عرفه ا لناس جميعاً من تلك الدخائل)) (22) .

أما الجيش العراقي فلم يكن أحسن حالاً من الجيش المصري إذ دخل إلى فلسطين بدون خرائط (23) ، أما غلوب باشا الذي كان يستولي على قيادة الجيش العربي، فلم يكن ينوي إعطاء الأمر لرجاله كي يجعلوا هدفهم تل أبيب أو البحر فقد أصدر أوامر مشددة لضباطه البريطانيين بأن يبقوا ضمن المناطق المخصصة للعرب في خط التقسيم (عام 1947) وكانت خطته تقضي بأن يترك جنوده على طول منطقة الجبال الوعرة التي تشرف على المنطقة الساحلية وأن يحركهم من موقع إلى آخر كلما اقتضت الحاجة إيقاف أي زحف يهودي يحاول اختراق المعابر الجبلية (24) .

فلم يكن استعداد العرب لمثل تلك المواجهة كاملاً، فقد صرح الأمين العام للجامعة العربية آنذاك بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين قائلاً ((بأنه لم يكن يتوقع أن الدول العربية ستلتزم بالقتال)) (25) . وليس أدل على سوء تقدير الدول العربية بقيادتها السياسية والعسكرية للموقف من وضع الجيوش العربية التي زج بها في معركة خاسرة سلفاً لم تكن مهيأة لها (26) .

الاستراتيجية الصهيونية:

جاءت حرب 1948 بعد أن كانت العناصر الإرهابية الصهيونية قد ضاعفت نشاطاتها الإجرامية، وكانت الاستعدادات العسكرية الصهيونية قد بلغت ذروتها من تدبير الأسلحة وحشد الطاقات البشرية. وجاء التدخل العربي في فلسطين وقد أعدت القوات الإرهابية الصهيونية لهذا اليوم عدته بأن وضعت استراتيجية محددة لمجابهة هذه المرحلة الحاسمة (27) .

هذا وقد اعتمدت الاستراتيجية الصهيونية في هذه المرحلة على الآتي:

1-سياسة بناء المستعمرات في المناطق النائية والاحتفاظ بها وعدم التخلي عنها مهما كان الثمن، ذلك أن هذه المستعمرات يمكن أن يحول إليها جزء على الأقل من الضغط الغربي على المراكز اليهودية وبالتالي استخدام هذه المستعمرات كقواعد لأعمال العصابات خلف خطوط العدو .

تجنب أي صدام مباشر مع القوات البريطانية حتى لا يؤدي ذلك إلى إعاقة خطط جلاء هذه القوات وتأخرها، وكان هدف العمليات الحربية هو تقويض مركز القوات البريطانية وشعورها بالأمن وفوق ذلك إقناعها أنه بدون موافقة اليهود لن تستطيع بريطانيا إبقاء فلسطين كقاعدة آمنة ومفيدة في هذه المنطقة الحيوية .

العمل على خلق اتصال أرضي داخل كل منطقة يسيطر عليها اليهود لتحقيق الأمن بطرق المواصلات الداخلية وتوفير القوى البشرية وخلق الموقف العسكري الملائم لمقابلة التهديدات العربية .

التركيز على استمرار الهجرة اليهودية كان من أهم أهداف الاستراتيجية الإسرائيلية في تلك المرحلة، وقد كانت الهجرة تتم عن طريق البحر أو البر أو عن طريق الرحلات الجوية السرية، وقد بلغ عدد المهاجرين اليهود من 1945-1948 حوالي 100 ألف يهودي (28) .

من خلال استعراض الاستراتيجيتين العربية والإسرائيلية يمكن القول أن الدول العربية وجيوشها لم تكن مستعدة ولا قادرة على التعاطي مع المشكلة الفلسطينية كما أنها قد تكون غفلت أو تغافلت عما سيؤول إليه الوضع في فلسطين وهو الأمر الذي أدى إلى ضياع معظم أراضي فلسطين في تلك الحرب، أما الجانب الإسرائيلي فقد كان مدركاً لحقيقة الوضع ومستعداً تمام الاستعداد لأي خطوة مباغتة يقوم بها العرب، لذلك فقد تم وضع الخطط والآليات التي سيتم اعتمادها للاستيلاء على فلسطين .

التسليح وحجم القوات العربية :

كان من أبرز المشاكل التي واجهت القوات العربية في فلسطين مشكلة التسليح، فقد حرمت حكومة الانتداب البريطاني السكان العرب الفلسطينيين من حمل السلاح واستعماله واقتنائه، وسنت قوانين صارمة لمن يحمل السلاح أو يقتنيه (29) ، وقد سعت اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية إلى شراء السلاح والعتاد من أوروبا فلم توفق في ذلك وبناء عليه فقد اتجهت إلى الدول العربية وفرضت عليها الكميات التالية من السلاح مع ألف طلقة لكل بندقية:

  • العراق 2000 بندقية .

  • سوريا 2000 بندقية .

  • العربية السعودية 2000 بندقية .

  • مصر 2000 بندقية .

  • الأردن 1000 بندقية .

  • لبنان 1000 بندقية .

وتلكأت بعض الدول العربية في إرسال المطلوب منها، فلم تتسلم اللجنة العسكرية في دمشق سوى (4110) بندقية من (10,000) بندقية و (18,9,000) من أصل (1,000,000) طلقة حتى 8/2/1948. هذا وقد جاء في التقرير السري الذي قدمه اللواء إسماعيل صفوت إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في 23/3/1948 أن اللجنة العسكرية تسلمت تسعة آلاف بندقية ة (3860000) طلقة نارية وعدد من الرشاشات من الدول العربية (30) . وتعاقدت سوريا مع مصانع شكودا التشيكية لحساب الجامعة العربية، لشراء عشرة آلاف بندقية وألفي رشاش و (12,5) مليون طلقة، غير أن الصفقة لم تصل إلى سوريا بسبب اكتشاف أمرها على يد المخابرات الصهيونية والاستيلاء عليها وهي في عرض البحر (31) .

وتكونت القوات العربية المشاركة في حرب 1948 كالتالي:

  • الجيش المصري حوالي 10,000 جندي .

  • الجيش العراقي حوالي 3,000 جندي .

  • الجيش الأردني حوالي 4,500 جندي .

  • الجيش السوري حوالي 3,000 جندي .

  • الجيش اللبناني حوالي 1,000 جندي (32) .

  • قوات الجهاد المقدس الفلسطيني حوالي 8,000 جندي .

  • قوات جيش الإنقاذ حوالي 3,000 جندي .

التسليح وحجم القوات الصهيونية :

سعت الوكالة اليهودية إلى شراء معامل الأسلحة من أمريكا وأوروبا وتهريبها إلى فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ففي كانون الثاني 1946 اتجهت بعثة من عصابة الهاجاناه إلى الولايات المتحدة لشراء معامل أسلحة أمريكية. كما أنشأت الوكالة اليهودية أربع شركات وهمية لشراء ما تحتاجه من المعامل والأجهزة الحربية، وتمكنت من شراء خمسين جهازاً لفحص العيارات النارية وحوالي ألفي جهاز وماكنة نقلت إلى فلسطين في خريف 1947 وهربت إلى المستعمرات اليهودية. وأنشأت إدارة لمشروع الصناعات الحربية الجديد خصص له (3,2) مليون جنيه فلسطيني لإنتاج المدافع الرشاشة والرشاشات والمسدسات والعيارات النارية، كما أنشئ مشروع مواز باسم "المشاريع الكيماوية" في كفار فيتيكن وفي بارديس أبريليه قرب مستعمرة رامات غان من أجل إنتاج المواد المتفجرة. وأقام وكلاء الهاجاناه في أوروبا مخابئ سرية لتخزين الأسلحة المشتراة لتهريبها إلى فلسطين. ووصلت أول دفعة منها في شتاء 1947 واشتملت على 3000 مدفع برن وألفي بندقية إنجليزية وألمانية و(400) رشاش و(500) مسدس ومليون ونصف عيار ناري (33) .

بدأت القيادة الصهيونية في فلسطين بإنشاء الصناعات العسكرية في الأربعينات بصورة سرية، وشرعت مؤسسة "إيلون" للصناعات الحربية التي أنشئت قرب مستعمرة رحوفون بإنتاج العيارات النارية منذ سنة 1946. وبلغ مجموع ما أنتجته حتى نهاية سبتمبر / أيلول 1947 زهاء مليوني طلقة لرشاش من نوع "ستفى" وأنتجت المصانع الحربية الأخرى خلال سنتي 1940 و 1946 ما يربو على مائة مدفع هاون عيار (2 بوصة) و (44500) قذيفة من هذا العيار. وأنتجت من الرشاشات نوع ستن بين 1946 وخريف 1947 (8800). كما أنتج معمل القنابل اليدوية من نوع ميلز في مستعمرة تل موند خلال هذه الفترة (53) ألف قنبلة (34) .

وأخذت المصانع الحربية الصهيونية تنتج الأسلحة والذخيرة بكميات كبيرة، وبلغ عدد العاملين في هذه المصانع في ربيع 1948 نحو (500) عامل وفني، كما توسعت هذه المصانع في إنتاج الألغام بمختلف أنواعها. وأنتجت هذه المصانع مدفع البرغوش (البرغوث) الذي يبلغ مداه مائة متر، وراجمة دافيدكا والتي استخدمت لأول مرة في 13/3/1947 في الهجوم على حي أبو كبير في يافا (35) .

وتمكن وكلاء الهاجاناه من شحن (215) طناً من الأسلحة بحراً من إيطاليا  إلى فلسطين خلال الشهرين الأوليين من 1948 وإرسال شحنة زنتها (320) طناً في 4/5/1948 احتوت (96) طناً من مادة ت.ن.ت و (223) مدفعاً رشاشاً، و(1535) بندقية و (3,5) مليون طلقة نارية. وتمكن هؤلاء من شحن خمسين مدفعاً عيار 65 ملم مع قذائفها و (24) مدفع عيار (120)، و(11) مدفعاً رشاشاً عيار (20) ملم و (250) مدفعاً رشاشاً من نوع ساتو من ميناء مرسيليا إلى تل أبيب فوصلت إليها في 13/5/1948. واشترت الوكالة اليهودية عدة طائرات شحن من طراز تورسمين من مخلفات الجيش الأمريكي في ألمانيا الغربية. وقادها طيارون من خارج فلسطين إلى هولندا حيث جرى إصلاحها وترميمها ونقلت إلى تل أبيب في 2/5/1948 محملة بالسلاح والذخيرة (36) .

وفي هذه الأثناء وبالرغم من وفرة السلاح بيد الصهاينة فإن عصابة الهاجاناه الإرهابية لم تتوانى عن شراء الأسلحة من القوات البريطانية المرابطة في فلسطين ومن التجار المحليين، بهدف تقليل كمية الأسلحة التي بحوزة العرب (37). وكانت تفاصيل القوات الصهيونية المشاركة في حرب عام 48 كالتالي: -

  • 20,000 جندي دربوا تدريباً كاملاً وكانوا مزودين بالسلاح الكامل .

  • 10,000 جندي دربوا تدريباً كاملاً ولم يزودوا بالسلاح الكامل .

  • 30,000 جندي دربوا تدريباً جزئياً ولم يزودوا بالسلاح .

  • 60,000 جندي ينتمون إلى عصابة الهاجاناه الإرهابية .

  • 7,000 جندي ينتمون إلى عصابة الأورغون الإرهابية وكان بعضهم مسلحاً (38) .

من خلال المقارنة بين حجم القوات المشتركة في حرب عام 1948 من كلا الجانبين يتبين لنا بوضوح أن القوات الإسرائيلية التي شاركت في الحرب كانت تفوق الجيوش العربية بأكثر من ثلاثة أضعاف، بالإضافة إلى أن الجيش اليهودي كان على مستوى عال من الخبرة وحسن التنظيم والتدريب .

 

مجريات الحرب:

دخلت الجيوش العربية فلسطين في منتصف ليلة 15 مايو / أيار 1948 من عدة نقاط وذلك بهدف ضرب القوات الصهيونية والمحافظة على عروبة وإسلامية فلسطين وتحقيق استقلالها. وكان جيش الإنقاذ قد سبقها إلى ذلك واشترك مع جيش الجهاد المقدس والفدائيين المصريين ومجموعات المقاتلين المحليين في مواجهة الصهاينة، ولقد أخذت الأعمال القتالية التي خاضتها الجيوش العربية في هذه المرحلة طابع الهجوم على مختلف الجبهات، ولعبت القوات العربية شبه النظامية دور القوة المساعدة للجيوش النظامية. في حين لجأت القوات الصهيونية إلى الدفاع الهجومي، المستند إلى عقد المقاومة شكلت هذه العقد من المستعمرات والتجمعات السكنية اليهودية القريبة من مسارح القتال أو الواقعة فيها، معدة لاحتواء الهجمات العربية واستتزافها، وخلق  الظروف المناسبة لنجاح الهجمات المعاكسة الملقاة على عاتق الألوية النظامية (39) .

وقد كان الهجوم العربي على الصهاينة مقسماً إلى عدة محاور هي :

الجبهة اللبنانية (الجبهة الشمالية) :

كانت الخطة التي وضعتها القيادة العربية العليا تقضي بأن يتقدم الجيش اللبناني من رأس الناقورة على طول الطريق الساحلي الممتد من الناقورة إلى عكا، وعلى أثر ذلك تقدمت القوات اللبنانية نحو قريتي المالكية وقدس وسيطرت عليهما فاتحة الطريق نحو وادي الأردن باتجاه بحيرة الحولة، وقد ساعدتها في ذلك قوات جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي التي توغلت في منطقة الجليل بين صفد وعكا. كما كان من مهامه مشاغلة وحدات عودية المنتشرة في الجزء الغربي من "إصبع الجليل" ودعم الجيش السوري وجيش الإنقاذ إبان قيامهما بالهجوم على المستعمرات اليهودية، والتصدي لهجمات لواء يفتاح المنتشر في عمق "إصبع الجليل" كقوة احتياطية متحركة هجومية.

الجبهة السورية (الجبهة الشمالية) :

نظراً إلى عدم وجود اتصال جغرافي مباشر بين الجليل والأراضي السورية، فقد قررت القيادة العامة للقوات العربية زج الجيش السوري عبر الحدود اللبنانية – الفلسطينية للعمل مع الجيش اللبناني وجيش الإنقاذ ومجموعات المجاهدين الفلسطينيين المنتشرين في الجليل، في حين بقيت عدة تشكيلات سورية داخل الأراضي السورية منتشرة على طول الحدود السورية – الفلسطينية. وقد تقدمت القوات السورية المقاتلة نحو بلدة سمة الواقعة جنوب – شرق بحيرة طبرية وسيطرت عليها مما دعا الصهاينة إلى إخلاء بعض مستوطناتهم القريبة، هذا وقد صدت القوات السورية في هجمات لها على بعض المستوطنات اليهودية، إلا أنها استطاعت أن تحتل مستعمرة مشمار هياردن الأمر الذي سهل لها الاتصال بالقوات اللبنانية وجيش الإنقاذ .

الجبهة الأردنية (الجبهة الشرقية) :

قبل اندلاع الحرب عام 1948 كانت وحدات من "الفيلق العربي" الذي حمل فيما بعد اسم الجيش الأردني، منتشرة في فلسطين، وعند اندلاع الحرب بين العرب والصهاينة. ثم تحركت قوات أردنية أخرى إلى فلسطين عبر جسور نهر الأردن. وقد كلفت القيادة العربية الجيش الأردني والقوات شبه النظامية العاملة في الجزء الأوسط من فلسطين بمنع الصهاينة من التوسع في احتلال مدينة القدس، وإحباط محاولاتهم الرامية إلى فتح الطريق بين القدس وتل أبيب، وحماية المدن والقرى الداخلة في إطار الدولة العربية (حسب قرار التقسيم). وعليه فقد تقدم الجيش الأردني داخل المناطق المخصصة للعرب وأقام في مدينتي اللد والرملة، أما بالنسبة لمدينة القدس الشريف فقد سيطر الجيش على مستعمرة عطاروت الواقعة شمال المدينة، وسيطر أيضاً على منطقة المصرارة وحاصر الحي اليهودي في البلدة القديمة حتى استسلم، كما حاولت القوات الأردنية محاصرة القدس الغربية (الجديدة) ففشلت في ذلك. وقد فتح الطريق أمام القوات الأردنية للالتقاء بالقوات المصرية في مدينة بيت لحم بعد أن قامت القوات العراقية بالسيطرة على مستوطنة النبي يعقوب .

عمليات الجيش العراقي (الجبهة الشرقية) :

كان قد وصل لواء مشاة عراقي معزز بالمدفعية والمدرعات إلى شرقي الأردن وتجمع في المفرق جنوبي اربد قبل بدء الحرب، وفي 14 مايو/ أيار انتشرت وحدات هذا اللواء على الحدود الأردنية الفلسطينية في المرتفعات الواقعة جنوبي نقطة التقاء الحدود السورية – الفلسطينية – الأردنية، والمطلة على الجزء الجنوبي من سهل طبرية، وقد كانت مهمته الأساسية اجتياز نهر الأردن عبر جسر المجامع، والتقدم نحو الغرب على الجناح الأيسر للقوات السورية المكلفة بمهاجمة سمخ، تقدمت القوات العراقية أولاً نحو منطقة جنوب طبرية واحتلت مستعمرة يهودية تدعى غيشر، لكنها لم تستطع البقاء فيها فانسحبت ودخلت فلسطين نحو مدينة نابلس، وتقدم الجيش العراقي نحو المناطق العربية (حسب قرار التقسيم) حتى وصل إلى بعد عشرة كيلومترات من مستعمرة ناتانيا على شاطئ البحر الأبيض مقابل مدينة طولكرم، كما استطاعت القوات العراقية طرد الصهاينة من مدينة جنين بعد أن كانوا قد احتلوها.

القتال على الجبهة المصرية (الجبهة الجنوبية):

تم حشد القوات البرية المصرية وتجهيزها بالعريش، وانضمت إليها قوة سعودية بقوام سرية معززة، كما ألحقت بها كتائب المجاهدين المصريين التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين والعاملة تحت قيادة البكباش (المقدم) أحمد عبد العزيز .

وقد حددت خطة القيادة العربية العليا للقوات المصرية الهجوم على محورين: المحور الأول، وهو رئيسي وتعمل فيه القوات النظامية، ويسير بمحاذاة الساحل الفلسطيني، ويمتد من العريش باتجاه تل أبيب، مروراً برفح وغزة وعسقلان والمجدل وأسدود ولا يتجاوز الحدود العربية (حسب قرار التقسيم).

المحور الثاني وهو داخلي وفيه تهاجم القوات شبه النظامية (المجاهدون) المنطقة الداخلة في إطار الدولة اليهودية، حسب قرار التقسيم ويمتد من أبو عجيلة حتى بيت المقدس، مروراً ببئر السبع والخليل .

ومن الجدير بالذكر هنا أن القوات المصرية والمشتركة معها في الجبهة الجنوبية لم تكن كافية لتحقيق التفوق اللازم للهجوم، لأن القوات الصهيونية المواجهة لها كانت تضم لواء النقب المنتشر في منطقة النقب، ولواء غفعاني المعدّ للانتشار خلفه في المنطقة الممتدة من طريق تل أبيب – القدس حتى طريق المجدل – بيت جبرين، ووراء هذين اللوائين كانت هناك قوة احتياطية معدة لدعم الجبهة الوسطى أو الجنوبية حسب تطور الموقف .

تقدمت القوات المصرية عبر سيناء نحو النقب واحتلت مستعمرتي نيريم وكفار ديروم، كما دخلت القوات المصرية مدينة غزة وتوجهت نحو مدينة المجدل شمالاً، واحتلت في طريقها مستعمرة يادمردخاي، ثم توجه جزء من هذه القوات نحو أسدود، وجزء آخر نحو بئر السبع فدخلتها وتوجهت شمالاً لتلتقي مع القوات الأردنية في بيت لحم، وبذلك تمكن الجيش المصري أن يعزل المستوطنات اليهودية في جنوبي فلسطين عن المناطق الشمالية فيها .

عمليات جيش الإنقاذ:

كانت وحدات جيش الإنقاذ العاملة في شمالي فلسطين تحت قيادة فوزي القاوقجي قد انتشرت في منطقة الجليل الأعلى وجزء من الجليل الأسفل. وكانت منطقة انتشارها على شكل جيب يمتد من الحدود اللبنانية – الفلسطينية حتى أطراف سهل البطوف جنوباً. ومن هضاب الجليل غرباً حتى أطراف الجليل الشرقي شرقاً. وقد كانت قواعد إمداد هذا الجيش منتشرة في جنوبي لبنان .

هذا وقد تابع جيش الإنقاذ أعماله القتالية ضد المستعمرات القريبة من منطقة انتشاره، كما تابع نصب الكمائن على طرق المواصلات اليهودية بالتعاون مع مجموعات المجاهدين الفلسطينيين. أما وحداته المنتشرة في منطقة الوسط فقد تحولت منذ بدء الحرب إلى قوات مساعدة لعمليات القوات الأردنية والعراقية. وتعاونت قواته المنتشرة في منطقة الجليل مع الجيشين السوري واللبناني وعززت جهودهما القتالية. وعلى الرغم من بعض العمليات التعرضية التي نفذها جيش الإنقاذ، فإن الطابع العام لعملياته في مرحلة الحرب بقي دفاعياًن وتعتبر معركة الشجرة من أهم المعارك التي خاضها الجيش. ففي 11/6 هاجم الجيش ومجموعات من المجاهدين الفلسطينيين مواقع حاكمة شمالي الشجرة وغربيها، وقطعوا  الطريق إلى كفار طابور بالنيران، إلا أن فشلهم في اقتحام بلدة الشجرة والمستعمرة المجاورة لها أجبرهم على الانسحاب مع حلول الظلام .

7-عمليات المجاهدين المصريين:

عملت كتائب المجاهدين المصريين منذ اختراق النقب كقوات خفيفة متحركة مهمتها الدفاع عن بئر السبع والمواقع العربية في شرقي الطريق الساحلي، والإغارة على المستعمرات الصهيونية في النقب وتهديد المواصلات إليها. وقد كان لقوات المجاهدين التابعة للإخوان المسلمين دور فعال في معارك تيغبا وعراق سويدان، ولقد نشطت كتائب الفدائيين المجاهدين على جبهة القدس منذ وصولها إلى بيت لحم في 19/5، فأغارت على المستعمرات الصهيونية وطرق المواصلات الصهيونية جنوبي طريق القدس، كما تعاونت مع جيش الجهاد المقدس في حماية القرى العربية على أطراف منطقة الخليل، وكان لها دور أساسي في معركة رامات راحيل جنوبي القدس، وكان لعملياتها تأثير غير مباشر على معارك القوات الأردنية في منطقة القدس الشريف .

الهدنة الأولى (11/6 –9/7/1948)

اعتبرت الدول الكبرى دخول الجيوش العربية فلسطين لتحريرها (لفظياً) تدخلاً خارجياً لا بد من إيقافه، وتحدياً لقرارات مجلس الأمن الدولي وبالرغم من النجاحات المحدودة التي حققها العرب على أرض فلسطين، فقد رأت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ان استمرار الحرب يهدد الوجود الصهيوني اليهودي وتعطيل المشروع الغربي الرامي إلى زرع جسم غريب في قلب الوطن العربي والعالم الإسلامي لخدمة مصالحه المستقبلية في المنطقة، كما لعبت الصهيونية العالمية دوراً كبيراً في إثارة العالم الغربي تجاه العرب والدول العربية التي تحاول مسح الوجود اليهودي في فلسطين. ويبدو التحيز لإسرائيل جلياً في هذا الموقف. إذ أن الدول التي ضغطت لإيقاف الحرب وفرض العقوبات على الدول العربية انطلاقاً من حرصها على الالتزام بقرار مجلس الأمن، فقد بقيت على صمتها عندما احتلت القوات الصهيونية الساحل الفلسطيني من عكا حتى الناقورة، مع أن ذلك الاحتلال مخالف لقرار مجلس الأمن .

وعليه فقد هبت الدول الغربية لدعم إسرائيل بعدما حل بقواتها وتوجهت لمجلس الأمم ليضع حداً لهذا الأمر، حيث عين المجلس الكونت برنادوت وسيطاً دولياً للبحث عن حل لهذه الأزمة في 20 مايو/ أيار 1949 وفي 22 مايو/ أيار 1948 اتخذ المجلس القرار رقم (50) والقاضي بوقف إطلاق النار بين الدول العربية من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى .

وقد رفضت الدول العربية في بادئ الأمر القبول بوقف إطلاق النار، إلا أن بريطانيا استغلت علاقاتها السياسية والاقتصادية والتسليحية المتميزة مع كل من العراق والأردن ومصر، فشددت الضغط على هذه الدول التي كانت تملك أكبر القوات والقدرات العسكرية، وهددتها بالامتناع عن تزويدها بالأسلحة والذخائر في حال استمرار القتال في فلسطين. وظهر التباين في الموقف العربي في تلك الحقبة بين موقف الحكومة السورية التي لم تكن حساسة إزاء الضغوط البريطانية ومواقف الدول العربية المرتبطة مع بريطانيا.

عندما وصلت الأوضاع إلى هذا الحد عقد زعماء دول الجامعة العربية اجتماعاً لهم في عمان لمناقشة مقترحات الوسيط الدولي وانقسمت الآراء حول الموقف، ولكن عندما تبين أن الأكثرية من الدول العربية تميل إلى قبول الهدنة عدا سوريا، فقد قبلت الدول العربية الموافقة على عقد هدنة في 29 مايو / أيار 1948 والذي أصبح نافذ المفعول في 11 يونيو / حزيران 1948 .

بعد أن تمكنت القوات الصهيونية من إعادة ترتيب قواتها، وحصولها على المزيد من الأسلحة من الدول الغربية وأمريكا، وبعد أن تأهلت للقتال وأصبحت في وضع يسمح لها بالانتقال من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم. خرقت القوات  الصهيونية قرار مجلس الأمن قبل موعد انتهاء الهدنة في 8 يوليو/ تموز 1948 وسيطرت على بعض القرى العربية وطردت أهلها منها.

بدأ القتال للمرة الثانية في 9 يونيو / تموز 1948 حيث أخذت تميل الكفة لصالح إسرائيل. وحاولت القوات الصهيونية دحر القوات العربية على مختلف الجبهات فنجحت في بعض المواقع وفشلت في بعضها الآخر. فقد فشلت في هزيمة القوات العراقية في منطقة جنين، في حين حققت إنجازاً بسيطاً في منطقة طولكرم، كما نجحت القوات الصهيونية في احتلال مدينة اللد ومطارها، ومدينة الرملة، وتقهقر الجيش الأردني أمامها، لكنها فشلت في الاستيلاء على مدينة القدس الشرقية. وقد أصدر مجلس الأمن قراراً بوقف إطلاق النار وأصبح نافذ المفعول في 18 يوليو/ تموز 1948، لكن إسرائيل لم تستجب للقرار ولم تضغط عليها دول مجلس الأمن لتنفيذ القرار. وقد أقدمت العصابات الصهيونية على قتل الوسيط الدولي الكونت برنادوت في 17 سبتمبر/ أيلول 1948 لأنه كان ينوي تقديم مشروع تقسيم جديد للأمم المتحدة .

مع حلول أكتوبر/ تشرين الأول 1948 نظمت القيادة الصهيونية سلسلة من العمليات تركزت أساساً ضد الجيش المصري، وأبرزها عملية "الضربات العشر" وعملية "عين". كما نفذت القوات الصهيونية عملية "حيرام" في منطقة الجليل. وقد تمكنت القوات الصهيونية بعد انتهاء هذه العمليات من تعزيز مواقعها العسكرية وفرض الحصار على جيب الفالوجة والتقدم نحو خليج العقبة واحتلال قرية أم الرشاش المصرية (إيلات)، كما تمكنت من احتلال الجليل الأعلى ودفع جيش الإنقاذ خارج فلسطين بعد دحر القوات السورية واللبنانية، وفي 22 أكتوبر / تشرين الأول 1948 أصدرت القيادات العربية أوامرها لجميع القوات بإيقاف إطلاق النار !! وصمتت المدافع على مختلف الجبهات وأصبحت القوات الإسرائيلية تسيطر على 77% من مساحة فلسطين وتقلصت المساحة الواقعة تحت أيدي العرب من حوالي 12,000 كم2 إلى 6,000 كم2 .

وخضعت الضفة الغربية والجزء الشرقي من مدينة القدس الشريف التي غدت جزءاً من المملكة الأردنية في حين خضع قطاع غزة لإدارة عسكرية مصرية .

على أثر الهزيمة التي منيت بها القوات العربية عقدت محادثات بين دول هذه القوات والكيان الصهيوني من أجل عقد هدنة دائمة وذلك في جزيرة رودوس في عام 1949 وقد وقع الكيان الصهيوني اتفاقيات الهدنة مع كل من مصر في 24 فبراير/ شباط 1949، ولبنان في 23 مارس/ آذار 1949، والأردن في 3 أبريل/ نيسان 1949، وسوريا في 20 أكتوبر / تشرين أول 1949. وهكذا ضاع الجزء الأكبر من أرض فلسطين بعد تكالب القوى الغربية والحركة الصهيونية للسيطرة عليها في ظل واقع عربي متخاذل ومتآمر أحياناً، وأصبحت مصر والأردن وسوريا ولبنان تفصلها عن الكيان الصهيوني خطوط هدنة لا حدود قانونية (40) .

وكان من أهم نتائج هذه الحرب تشريد مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني وحرمانهم من حق العودة إلى ديارهم وبيوتهم التي خلفوها وراءهم .

أسباب الفشل العربي في الحرب:

عدم إشراك السياسيين القادة العسكريين في أي نقاش بخصوص الحرب.

رجحان ميزان القوى لصالح الكيان الصهيوني ومساندة القوى الدولية لهذا الكيان .

ضعف القدرة والخبرة العسكرية لدى القوات العربية حيث كان بعضها حديث التشكيل وبعضها كان بقيادة أجنبية، ولم يسبق لها الاشتراك الفعلي في قتال .

طبيعة التوجه الرسمي العربي حينها الذي لم يكن في نيته خوض معركة مع التوجهات الدولية .

ضعف التنسيق وتباين التوجهات لدى القادة السياسييين للبلاد العربية .

افتقار العرب إلى قيادة عسكرية موحدة جادة وقادرة على التخطيط والتنسيق والإشراف على العمليات العسكرية .

 

حرب 1956

العدوان الثلاثي على مصر:

شاركت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في العدوان على مصر في العام 1956، ولئن اختلفت أسباب كل طرف من الأطراف المتعاونة فإنها اتفقت على توجيه ضربة عسكرية لمصر. وقبل الحديث عن تفاصيل العدوان لا بد من التطرق إلى الأسباب التي دعت كل طرف إلى المساهمة بالعدوان .

بعد أربع سنوات من استيلاء الضباط الأحرار على الحكم في مصر، وتولي جمال عبد الناصر زمام السلطة أعلن في 26 يوليو/ تموز 1956 رداً على سحب الولايات المتحدة وبريطانيا عروضهما بتمويل السد العالي جنوب منطقة أسوان. وبدأت بريطانيا تعلن عن عزمها على استخدام القوة المسلحة لحماية مصالحها في قناة السويس (41) .

بدأت العلاقات  العربية الفرنسية وبخاصة المصرية الفرنسية بالتدهور نتيجة تسليح فرنسا لإسرائيل بشكل مكثف وبأحدث المعدات العسكرية، وهو الأمر الذي دفع بالرئيس المصري جمال عبد الناصر في ذلك الوقت للإعلان أن ((الأعداء الحقيقيين لمصر هم بريطانيا وفرنسا التي ترسل الأسلحة لإسرائيل)) (42)، كما كان لمساندة النظام الحاكم في مصر للثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي وهو ما اعتبرته فرنسا تدخلاً في شؤونها الداخلية، إذ كانت تنظر إلى الجزائر كإحدى المقاطعات الفرنسية، وجاءت خطوة تأميم قناة السويس لتكون بمثابة المبرر لمشاركة فرنسا بالعدوان على مصر بحجة الحفاظ على مصالحها الحيوية في استخدام القناة (43) .

أما بالنسبة لإسرائيل فقد كانت معنية بالعدوان على مصر لعدة أسباب هي(44) :

توجيه ضربة وقائية تقضي على القوة العسكرية المصرية، والتي كانت تشكل القوة العربية الرئيسية. بعد أن اشترت مصر الدبابات والمدافع والزوارق والطائرات، وأصبح لديها قوة لا يستهان بها .

فتح خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية إذ سيطرت مصر على مدخل خليج العقبة المعروف بمضيق ثيران وعلى الجزيرتين الواقعتين عليه وهما ثيران وصنافر، وأغلقتهما في وجه الملاحة الإسرائيلية. وفكرت إسرائيل أكثر من مرة بالقيام بعملية عسكرية محدودة للاستيلاء على شرم الشيخ في سيناء والسيطرة على المضيق .

القضاء على العمليات الفدائية التي كانت تنطلق من منطقة قطاع غزة الذي كان تحت السيطرة المصرية في ذلك الوقت .

من هنا نلاحظ اختلاف توجهات كل طرف من الأطراف المشاركة بالعدوان، وإن كانت جميعها قد اتفقت على أن تأميم قناة السويس يعد تهديداً للمصالح  الاستراتيجية لكل منهما .

الوضع العسكري قبل بدء العدوان:

كان وضع القوات المصرية التي ستشارك في صد العدوان على مصر على النحو التالي (44) :

19 لواء: من بينها 1 لواء مشاة نظامية، و4ألوية احتياطية، و4 مجموعات قتالية مدرعة كل واحدة منها بقوة لواء تقريباً، و3 كتائب دبابات مستقلة تعادل بمجموعها أكثر من لواء مدرع. أما القوات الجوية المصرية فكانت تضم 14 سرباً: من بينها 7 أسراب مقاتلة اعتراضية، وسرب قاذفات مقاتلة، وسربي قاذفات قنابل، و3 أسراب نقل جوي، وسرب إمداد واتصال. وفي المجال البحري كان الأسطول المصري مكوناً من 4 مدمرات و5 فرقاطات و4 زوارق طوربيد، وعدة زوارق إنزال ودورية ساحلية، بالإضافة إلى 3 غواصات لم يكتمل إعداد طواقمها بعد .

أما الجانب الإسرائيلي المكلف بالمشاركة في العدوان على مصر فقد تكون من 18 لواء: من بينها 3 ألوية مدرعة، و12 لواء مشاة، ولواءان ميكانيكان، ولواء مظليين، في حين كانت قواتها الجوية الذاتية المعززة بأسراب فرنسية معارة ومتمركزة في المطارات الإسرائيلية منذ 23/10/1956 تضم 28 سرباً: من بينها 9 أسراب مقاتلة اعتراضية، و7 أسراب قاذفة، و4 أسراب قاذفات، و3 أسراب استطلاع و3 أسراب نقل جوي وسربيّ إمداد واتصال، ولم يكن يضم سلاح البحرية الإسرائيلي سوى مدمرتين و 5 فرقاطات و22 زورق طوربيد، و17 زورق إنزال، و3 سفن حراسة، 6 زوارق دورية ساحلية (45) .

خصصت بريطانيا للمشاركة المباشرة في العدوان قوة برية وبحرية وجوية كبيرة احتشدت في قبرص ومالطا وليبيا وعدن. وكانت هذه القوات تضم 12 لواء، و10 أسراب مقاتلة اعتراضية و 15 سرب قاذفات مقاتلة، 15سرب قاذفات قنابل. و3 أسراب استطلاع و 7 أسراب نقل جوي وسربيّ هليكوبتر اقتحام وسرب إمداد واتصال .

أما على الصعيد البحري، فقد كانت القوة البريطاينة مؤلفة من 5 حاملات طائرات و 6 طرادات و 14 مدمرة و 7 فرقاطات، و7 غواصات، بالإضافة إلى وسائط الإنزال البحري وسفن الدعم اللوجستي (نقل، إصلاح، مستشفى، إمداد، صهريج، اتصالات سلكية ..الخ) وكانت هذه القطع البحرية موزعة بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط (46) .

أما القوات الفرنسية التي كانت معدة للاشتراك بالعدوان فقد ضمت: 5 ألوية، و 24 سرباً جوياً (عدا الأسراب المعارة لإسرائيل) من بينها 9 أسراب مقاتلة اعتراضية، و3 أسراب قاذفة مقاتلة تنطلق من حاملات الطائرات، و3 أسراب استطلاع، و 5 أسراب نقل جوي، وحاملتي طائرات، وبارجة، وطرادين، و 4 مدمرات و 8 فرقاطات، وغواصتين، وعدداً من وسائط الإنزال والدعم اللوجستي البحري (47) .

من خلال مقارنة القوات العسكرية في الجانب المصري مع القوات التي شاركت بالعدوان على مصر يتضح لنا بجلاء أن ميزان القوة العسكرية لم يكن في صالح الجانب المصري من المعركة، بالرغم من أن الألوية البريطانية والفرنسية لم تشترك كلها في القتال (48) ، الأمر الذي ساهم في جعل إسرائيل متحفزة بالبدء بالعدوان على مصر لتحقيق أهدافها المشار إليها سابقاً .

في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1956 تم التوقيع على البروتوكول النهائي لغزو مصر (49) في ضاحية سيفر بالقرب من باريس، ووكل عن الجانب الإسرائيلي دافيد بن غوريون وزير الدفاع الإسرائيلي، وكريستان بينو عن فرنسا وباتريك دين عن بريطانيا (50)، وقد اتفقت الدول الثلاث على بدء الهجوم يوم 29 أكتوبر/ تشرين أول 1956 حسب الترتيب التالي (51) :

تقوم إسرائيل بالهجوم على شبه جزيرة سيناء براً عبر خطوط وقف إطلاق النار وبإنزال جوي في مصر مثلاً الاستراتيجي. ويشترط بعد بدء العملية أن يذكر بأن العملية الحربية تعرض قناة السويس للخطر (حتى تتمكن فرنسا وبريطانيا في التدخل) .

تقوم بريطانيا وفرنسا بالهجوم على منطقة قناة السويس من بور سعيد بداية ثم إلى السويس والإسماعيلية وذلك من البحر الأبيض .

يقدم طلب إلى كل من مصر وإسرائيل، بصفتين مختلفتين، فيتضمن البلاغ المرسل لإسرائيل فقرتين هما المطالبة بوقف إطلاق النار وسحب القوات مسافة عشرة أميال من القناة، ويضاف بالنسبة إلى لمصر فقرة ثالثة حسب المطالبة بوضع قوات فرنسية وبريطانية في منطقة القناة .

يسمح للطائرات الفرنسية باستخدام القواعد الإسرائيلية الجوية لتوفير الحماية الجوية للمدن الإسرائيلية .

تضمن بريطانيا وفرنسا حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة بعد إنهاء الحرب وفي المقابل فقد اتخذت مصر إجراءات وقائية تحسباً لهجوم بريطاني فرنسي على جبهة القناة واتخذت عدة إجراءات منها:

·    إرسال جزء من الجيش المصري لمواجهة العدوان الإسرائيلية في سيناء .

·    توظيف جزء آخر من الجيش في منطقة القناة .

·    الإبقاء على جزء آخر تحت تصرف القيادة لنقله إلى مناطق أي حشود عسكرية غير متوقعة .. (52) .

بدء العدوان (53) :

في 27 أكتوبر/ تشرين أول 1956 كان معروفاً أن القوات الإسرائيلية تتحرك على وجه السرعة. وفي 28 من الشهر نفسه أصدرت وزارة الحرب الإسرائيلية بياناً عن التحركات الإسرائيلية لإخفاء الهجوم على مصر ذكرت فيه أن الحشد العسكري يستهدف الأردن لوقف نشاط الفدائيين المنطلقة من هناك، ولمزيد من  التضليل سرب الإسرائيليون أنباء عن قرب الاعتداء على أهداف أردنية .

وفي عصر 29 أكتوبر/ تشرين أول انطلقت 16 طائرة إسرائيلية وأنزلت قوات من المظليين في ممر متلا واجتازت خط الهدنة إلى سيناء، وبدأت القوات المصرية المحتشدة في المنطقة بالتصدي للقوات للقوات الإسرائيلية في ممر متلا وفي سيناء، واضطر الإسرائيليون للاشتباك مع القوات المصرية بالرغم من أنها كانت تتجنب البدء بالقتال حتى إنزال القوات البريطانية والفرنسية إلى أن تأخر البريطانيون والفرنسيون دفع بإسرائيل لمواجهة القوات المصرية .

وفي الساعة 19.00 من يوم 31 أكتوبر / تشرين أول بدأ العدوان البريطاني والفرنسي على المطارات المصرية في منطقة القاهرة والسويس، وقد أسفرت الغارات التي استمرت لمدة يومين على إخراج الطيران المصري من القتال وإبطال الدفاعات الجوية المصرية الرئيسية، وفي 31 أكتوبر/ تشرين الأول صدر قرار بسحب القوات المصرية من سيناء وتجمعها في منطقة القناة، حتى لا تتعرض لضربات جوية مدمرة لا تستطيع الدفاعات الجوية الأرضية منعها أو التخفيف من تأثيرها بشكل كاف. وعندما كانت القوات المصرية تستعد لتنفيذ الانسحاب كان الإسرائيليون يستعدون لاستثمار الموقف المستجد ومتابعة الاندفاع نحو قناة السويس. وفي هذه الأثناء وقعت عدة معارك بين المصريين والإسرائيليين في رفح وغزة وخان يونس وأبو عجيلة وشرم الشيخ. ودخلت القوات الإسرائيلية رفح في 2/11 بدون مقاومة، كما سقطت غزة في يوم 2/11 أيضاً أما خان يونس فسقطت في 3/11 وبعد سقوط رفح وخان يونس وقطاع غزة تقدمت القوات الإسرائيلية نحو قناة السويس دون صعوبة تذكر .

احتدم العدوان على مصر عن مدخل قناة السويس وفي سيناء وقذفت الطائرات قنابلها ودكت المواقع العسكرية والمدنية وقصفت القوات المصرية من البر والجو والبحر وفي ظل هذه الظروف تقدمت  القوات الإسرائيلية وتمكنت من احتلال شرم الشيخ في 6/11. وبسقوط شرم الشيخ انتهت العمليات الإسرائيلية في سيناء وحققت ثلاثة من أغراضها العسكرية، وهي:

·    الوصول إلى قناة السويس .

·    احتلال المواقع المشرفة على مدخل خليج العقبة .

·    السيطرة على قطاع غزة .

أما القوات الفرنسية والبريطانية، فلاقت مقاومة مصرية عنيدة ومستميتة على الرغم من شدة القصف الجوي على المدينة، لم يستطع المعتدون سوى السيطرة على منطقة بور سعيد وبور فؤاد على مدخل القناة .

انتهاء العدوان :

على أثر المعارك المحتدمة على الجبهة المصرية صدر عن كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إنذاراً منفرد للدول المشاركة بالعدوان على مصر دعت فيه إلى وقف العدوان والانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها، ونجم عن ذلك قبول الحكومتين البريطانية والفرنسية وقف القتال في ليلة 6-7/11، وأعلنتا أنهما ستبقيان في مصر حتى وصول القوات الدولية، وفي 22 ديسمبر/ كانون أول 1956 انسحبت القوات البريطانية والفرنسية من مصر، ودخلت قوات الطوارئ الدولية مدينة بور سعيد، ثم دخلتها القوات المصرية. أما إسرائيل فإنها ادعت أن الانسحاب من سيناء وقطاع غزة سيخلق لها وضعاً جديداً يهدد أمنها في المستقبل، ورفضت الانسحاب من المناطق التي احتلتها إلا بعد أن وافقت مصر على وضع قوات الطوارئ الدولية في شرم الشيخ. وقدمت الولايات المتحدة تعهداً شفهياً بالامتناع عن القيام بأي عمل عدائي ضد إسرائيل، بما في ذلك عمليات الفدائيين من قطاع غزة، وفي الوقت نفسه قدمت الدول البحرية الكبرى إلى إسرائيل تعهداً بضمان حرية الملاحة بجميع السفن في مضائق تيران، وفي 6 مارس / آذار 1957 انسحب آخر جندي صهيوني من قطاع غزة .

 

حرب العام 1967

جاءت حرب العام 1967 لتمثل جزء من مسلسل الإرهاب الصهيوني المتمثل في قتل المدنيين وترويعهم والاستيلاء على الأراضي بعد تهجير سكانها، فبعد الهزيمة السياسية التي منيت بها القوات الصهيونية إثر العدوان الإرهابي على مصر في العام 1956، إذ لم تحقق إسرائيل أهدافها من المشاركة في العدوان على مصر سوى فتح خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية. كما أن عدوان 1956 خلق لإسرائيل مشاكل استراتيجية تمثلت في عدم تمكن الكيان الصهيوني من اكتساب مساحات جديدة من الأرض تمكنه من توسيع حدود كيانه وذلك لحماية كيانه الوليد. لذا فقد رأى قادة العدو أنه لا بد من حرب جديدة، فأخذت تعد العدة للحرب منذ العام 1957، واستمرت تعبئ قواها طول عشرة أعوام، ويمكن حصر أبرز أسباب التوجه الصهيوني لشن حرب عدوانية ضد العرب بما يلي (54) .

التوسع: يتفق قادة الدول العربية على أن ما سلبوه من أراضي في العام 48 لم يكن ليحقق لهم التطلعات الاستراتيجية التي تمكنهم من إقامة كيان آمن وقوي. ولتشجيع تيار الهجرة إلى (إسرائيل) وخاصة بعد أن تم احتلال أراضي عربية أخرى لتكون أرضاً جديدة للاستعمار الاستيطاني. لذا فقد تولدت لديهم قناعة بأن ذلك لن يتحقق إلا عن طريق اكتساب المزيد من الأراضي العربية ويؤكد ذلك ما ذهب إليه موشي دايان وزير الحرب في تلك الفترة بقوله ((تواجه إسرائيل مشكلة أمن معقدة تعقيداً غير عادي، إن مساحة البلاد لا تتجاوز 8100 ميل مربع، ويبلغ طول حدودها 400 ميل ، إن ثلاثة أرباع سكان إسرائيل يعيشون في السهل الساحلي الممتد من شمالي حيفا إلى جنوب تل أبيب، وإن متوسط عرض هذه المنطقة المكتظة بالسكان لا يتجاوز 12 ميلاً، بين البحر الأبيض المتوسط وحدود الأردن، وبالإمكان رؤية مقر رئاسة الأركان الإسرائيلية الواقعة في السهل الساحلي، وذلك من التلال الواقعة على الحدود الأردنية، والطرق الرئيسية والسكك الحديدية معرضة للغزو السريع السهل، ويكاد لا يوجد مكان في إسرائيل لا تطاله نيران العدو باستثناء صحراء النقب)) (55) .

 بلغت العلاقات العربية – العربية، رغم مؤتمرات القمة، حالة من التفسخ والتفكك لم تعانها بالحدة نفسها من قبل .

استكمال القوات المسلحة الإسرائيلية استعدادها للحرب، وتشكيلها لقواتها الضاربة التي تهيئ لها القدرة على شن حرب خاطفة وحاسمة في الوقت نفسه ضد ثلاث جبهات عربية .

السيطرة على مصادر المياه العربية، فقد عملت إسرائيل على إقامة مشاريع مائية مختلفة لتحقيق أقصى استغلال للمياه المتوفرة، وكان من ضمنها مشروع بحيرة الحولة الذي تم في الخمسينات، كما بدأت تفكر في السيطرة على منابع نهر الأردن لتبقى المياه في مأمن من التهديد العربي .

كانت المشاكل الاقتصادية تتفاقم داخل الكيان الصهيوني مع نهاية عام 1966 وأصبحت الحرب هي الحل الأنسب للتخلص من هذه المشاكل الاقتصادية، وذلك استدراراً للمعونات الاقتصادية والمالية والعسكرية من الدول الصديقة ومن المنظمات الصهيونية والجاليات اليهودية في العالم .

مقدمات الحرب:

بعد تصريح رئيس هيئة أركان الحرب الإسرائيلية اسحق رابين من ((أن القوات المسلحة الإسرائيلية قد تهاجم دمشق، إذا لم تتوقف العمليات الإرهابية السورية)) .. مضيفاً أن هذا سيعني الإطاحة بنظام الحكم القائم )) (56) بات من المؤكد أن الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة على وشك البدء. إذ بدأت القوات الصهيونية في العام 1966 بحشد قوات من جيشها على الحدود السورية، وتلى ذلك توقيع معاهدة للدفاع المشترك بين مصر وسوريا في 24/11/1966. بالإضافة إلى المعاهدة المصرية الأردنية بشأن الدفاع المشترك والموقعة في 30/5/1966، وقد سبق تلك الأحداث خروج قوات الطوارئ الدولية بين مصر والكيان الصهيوني بعد طلب مصر من هذه القوات بالخروج من الأراضي المصرية.وفي شهر مايو/ أيار 1967 بدأ الصهاينة بحشد قواتهم على الحدود السورية فيما حشدت القيادة السورية قواتها على الحدود الجنوبية لها، وما كان من مصر إلا أن أصدرت أوامرها لقواتها بالتوجه نحو سيناء، وفي 23/5/1967 أغلقت مصر مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه وصلت إلى الدول العربية قوات عراقية وسورية وكويتية وسعودية للوقوف بجانب دول المواجهة في الحرب القادمة .

مجريات الحرب (57) :

بدأ الكيان الصهيوني حربه ضد الدول العربية بهجوم جوي شامل شنته القوات الجوية الصهيونية على القواعد الجوية المصرية في الساعة 45،8 من صباح يوم الإثنين 5 يونيو / حزيران 1967. وقد أطلق الكيان الصهيوني على خطة هجومه الإرهابي اسم (حركة الحمامة) أما اصطلاح بداية الهجوم الجوي فهو الاسم الرمزي كولمب. وبموجب المخطط الإرهابي الإسرائيلي، أطلق الصهاينة جميع طائراتهم (حوالي 164) المقاتلة ضد القواعد الجوية المصرية، بحيث لم تحتفظ إلا باثنتي عشرة طائرة (ثمانية طائرات كمظلة لحماية سماء الكيان الصهيوني، وأربعة طائرات على الأرض لمجابهة الطوارئ). وقد شمل الهجوم 9 مطارات رئيسية: 4 في سيناء، و5 غربي القناة، وحلقت الطائرات المغيرة على ارتفاع منخفض جداً بلغ أحياناً عشرة أمتار تقريباً فوق سطح البحر، وذلك حتى تبقى تحت مستوى رصد أجهزة الرادار المصرية .

وكانت الطائرات الصهيونية تقصف المدارج أولاً، لتمنع الطائرات المصرية من الطيران ثم تنقض عليها لتدميرها، وقد استثنى الصهاينة مطار العريش من التدمير بغية استخدامه كقاعدة تموين أمامية ومطار لطائراتها، وبذلك يكون سلاح الطيران المصري قد أخرج من المعركة منذ الساعات الأولى للحرب، ووفقاً للخطة الصهيونية فقد تزامن القصف الجوي الصهيوني مع تدفق القوات الإسرائيلية إلى ساحل غزة وسيناء حيث اشتبكت هذه القوات مع قوات جيش التحرير الفلسطيني في ساحل غزة، ومع الجيش المصري في سيناء، وعلى الرغم من المقاومة التي أبداها الجيش المصري إلا أنه لم يستطع الصمود طويلاً لأنه كان يقاتل مكشوفاً أمام الطيران الإسرائيلي ودون دفاعات كافية، وبناء على ذلك يمكن القول أن المعركة على الجبهة المصرية قد حسمت خلال الساعات الأولى من العدوان الصهيوني على مصر. أما الجبهة الأردنية فلم يكن حالها أفضل من الجبهة المصرية فقد دمرت جميع طائرات السلاح الجوي الأردني (32 طائرة) في مطاري "عمان" و"المفرق" ظهر يوم 5 يونيو / حزيران بعد أن قامت بعضها بعدة غارات على المطارات الإسرائيلية (نتانيا وبتاح تكفا وسكرين)، ودمرت 4 طائرات نقل على الأرض في حوالي الساعة الحادية عشرة ظهراً. الأمر الذي أدى إلى بقاء القوات الأردنية الموجودة في الضفة الغربية دون غطاء جوي يساعدها على صد العدوان الصهيوني، وقد دار قتال بري تركز معظمه في منطقتي القدس وجنين لما تتمتعان به من أهمية استراتيجية، وانهار الجيش الأردني ظهر اليوم الثاني لبدء العدوان، وتراجع شرقاً نحو خط الدفاع الثاني وهو نهر الأردن، ولم تشارك قوات الدول العربية المتواجدة على الأراضي الأردنية في القتال .

أما الجبهة السورية فقد تكرر فيها ما حدث على الجبهتين المصرية والأردنية من تدمير للمطارات والطائرات السورية وألحقت بها خسائر جسيمة. وكان القتال البري محدوداً بسبب تشتت القوات الصهيونية على الجبهتين المصرية والأردنية. وبعد أن أنهت القوات الصهيونية على الجبهتين السابقتين توجه جزء من قوات العصابات الصهيونية إلى الجبهة السورية لدعم القوات المتواجدة لهم هناك، وازداد الضغط الصهيوني على مرتفعات الجولان واستطاعت أن تتسلق المرتفعات وتحتلها في اليوم السادس للحرب .

وكان نتيجة ذلك أن أصبحت خطوط وقف إطلاق النار تمتد من قناة السويس غرباً وحتى نهر الأردن شرقاً ومن شرم الشيخ في الجنوب إلى جبال سوريا ولبنان في الشمال، ودخل تحت الاحتلال الإسرائيلي سكان عرب عددهم 922 ألف مواطن عربي، منهم 795 ألف في الضفة الغربية و 653 ألف في قطاع غزة، 33 ألف في سيناء و 6500 في مرتفعات الجولان، كما ترتب عن ذلك العدوان الإرهابي نزوح أعدا كبيرة من العرب من أراضيهم وهو النزوح الثاني في مدى عشرين عاماً من الإرهاب الصهيوني (58) .

حرب العام 1973 (59) :

في أعقاب الاجتياح الصهيوني للأراضي العربية عام 1967، عاش الصهاينة نشوة النصر وسادت البهجة المجتمع الصهيوني اعتزازاً بما حققه "جيش الدفاع" أو "الجيش الذي لا يقهر، كما أصبح يطلق عليه من قبل كبار قادته العسكريين، كما تعاظمت في نفس الوقت سمة ذلك الجيش على المستوى العالمي، أما في الجانب العربي فقد جاءت هزيمة العام 67 لتشكل نهاية الحلم لدى الشارع العربي في تحرير الأرض الفلسطينية الأمر الذي سبب إحباطاً كبيراً في نفسية المواطن العربي والإسلامي وارتفعت الأصوات لتتهم الأنظمة العربية بالتخاذل والفشل، وضرورة العمل لتحرير الأراضي العربية التي اغتصبها الصهاينة، في تلك الأثناء وبعد هزيمة يونيو / حزيران 67 اتفقت ((سوريا والعراق والأردن على إنشاء قيادة عسكرية موحدة للجبهة الشرقية، لتتعاون مع الجبهة الجنوبية (مصر) لتحقيق مطالب خطة تحرير الأرض والمحافظة على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، تنفيذاً لمقررات مؤتمر القمة الرابع في الخرطوم حيث اعتبر المؤتمر أن إزالة العدوان على الأراضي العربية هو مسؤولية جميع الدول العربية، ويتحتم تعبئة الطاقات العربية، وأن الهزيمة يجب أن تكون حافزاً قوياً لوحدة الصف ودعم العمل العربي المشترك)) (60) .

أهداف الحرب:

لم يكن الهدف الاستراتيجي من قرار حرب 1973 تحرير كافة الأراضي العربية المحتلة وتدمير الكيان الإسرائيلي وإنهاء وجوده في المنطقة عن طريق استخدام القوة العسكرية. وإنما خلق واقع جديد يسمح بتحقيق تحرير الأراضي الفلسطينية والسورية والمصرية المغتصبة في عام 67 بالطرق الدبلوماسية اعتماداً على المتغيرات التي تصاحب نشوب حرب عربية صهيونية رابعة، والتي من شأنها أن تنقل الوضع الدبلوماسي في المنطقة من حالة السكون والترقب إلى وضع الحركة الفاعل والمؤتمر، ويتضح ذلك من تصريح الرئيس المصري السابق أنور السادات حين يقول ((إننا نعلم وندرك أبعاد التوازن الدولي وحساسية منطقة الشرق الأوسط وأهميتها بالنسبة للغرب والشرق، ولذلك فإن حرب أكتوبر (1973) كانت حرباً محدودة، تضرب نظرية الأمن الإسرائيلية في الصميم، لإدراكنا أن ذلك سيتبعه تغييرات هامة تخطو بنا نحو التحرير الكامل للأراضي)) (61) .

اندلاع الحرب:

بدأت الحرب بداية مفاجئة بالنسبة للصهاينة ففي الساعة 14,5 من يوم 6/10 بدأ القصف التمهيدي بنيران المدافع والهاونات والراجمات ومدافع الدبابات واستمر 53 دقيقة، في نفس الوقت الذي انطلقت 200 طائرة مصرية وسورية متجهة إلى المواقع العسكرية الإسرائيلية على الطرف الآخر من خطوط وقف إطلاق النار التي رسمتها نتائج حرب 1967، واشتعلت الحرب على الجبهتين السورية والمصرية فقط، حيث بقيت الجبهة الأردنية هادئة طول مدة الحرب، رغم اشتراك قوات من الجيش الأردني في القتال على الجبهة السورية، وبناءاً على قرار مؤتمر الخرطوم فقد شاركت قوات عربية (عراقية – كويتية – سعودية – ليبية – مغربية – جزائرية – سودانية – إماراتية) إلى جانب دول المواجهة في الحرب. وخلال 45 دقيقة كانت القوات المصرية وبمساعدة القوات العربية تتدفق إلى الجانب الشرقي وتدمر الحواجز والألغام وتحاصر استحكامات خط بارليف، واقتحم الجنود العرب الاستحكامات الصهيونية واستسلم لهم جنود العدو بأسلحتهم ودباباتهم واستطاع الجيش المصري وبمعاونة اخوته العرب تحرير مساحات على طول خط قناة السويس .

أما بالنسبة للجبهة السورية، فقد استطاع الجنود السوريون بمعاونة إخوانهم في الجيوش العربية المشاركة من اعتلاء قمة جبل الشيخ كما استطاعوا احتلال أكثر المواقع الصهيونية تحصيناً، وأخذت الدبابات تحرر الموقع تلو الآخر وتخترق مواقع العدو الصهيوني وسرعان ما كانت القوات السورية تطل على بحيرة طبرية وإصبع الجليل. هذا وقد حاول الصهاينة استخدام سلاحهم الجوي في تلك المعركة إلا أن الدفاعات الأرضية العربية تصدت لها وأسقطت العديد منها وقد فر جنود الصهاينة من أرض المعركة أمام الجنود الذين ملأوا ساحات المعركة بنداء الله أكبر. وأصبح جيش الصهاينة على وشك الانهيار، فاندفعت الولايات المتحدة بمد الكيان الصهيوني بالأسلحة والمعدات الحديثة بكميات كبيرة وبغزارة، ليس لها مثيل، وذلك عبر الجسر الجوي الأمريكي الذي بدأ عمله بصورة علنية وكثيفة يوم 13 أكتوبر / تشرين أول 1973 مما عدل من ميزان العمليات العسكرية لصالح الجيش الصهيوني .

ونتيجة لهذا الدعم الأمريكي الإسرائيلي في الحرب تمكنت القوات الصهيونية في يوم 16 أكتوبر/ تشرين أول 1973 من العبور إلى الضفة الغربية لقناة السويس عبر جسر أقامته عبر البحيرات عند نقطة الدفرسوار، وبدأت تدعم تواجدها محدثة إرباكاً كبيراً في صفوف القوات المصرية، كما حاول الصهاينة احتلال مدينة السويس لكنهم فشلوا في ذلك، غير أنهم استطاعوا محاصرة الجيش الثالث المصري، وأن تقطع عنه طرق المواصلات والتموين، أما على الجبهة السورية فقد تمكن الصهاينة من استعادة كل ما خسرته من أراضي وأن تتقدم داخل الأراضي السورية حتى وصلت طلائع قوات العدو إلى بعد 25 كم عن مدينة دمشق، وكان ذلك سبباً في قبول المصريين والسوريين قرار مجلس الأمن رقم 338 .

لم تتردد الدول العربية المنتجة للنفط في الاشتراك في المعركة باستخدام سلاح النفط ولأول مرة كسلاح فاعل، فقد عقد وزراء النفط العرب اجتماعاً في الكويت في 17 أكتوبر/ تشرين أول وأقروا تخفيض إنتاج النفط فوراً بنسبة شهرية متكررة، وحظر التصدير الكامل إلى الولايات المتحدة وهولندا، وذلك حتى يتم جلاء القوات الإسرائيلية جلاءً كاملاً عن جميع الأراضي العربية المحتلة في حرب عام 1967. إلا أن قرار الحظر ألغي من قبل الوزراء العرب في اجتماعهم في القاهرة في 10/7/1974 .

وللحد من انتشار رقعة القتال وخوفاً من تدمير الجيش الصهيوني أصدر مجلس الأمن في 22 أكتوبر/ تشرين أول القرار رقم 338، القاضي بوقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة. وإنهاء جميع الأعمال العسكرية في مدة لا تتجاوز 12 ساعة من لحظة صدور القرار، ودعوة الأطراف المتحاربة إلى البدء بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22 نوفمبر / تشرين ثاني 1967 بجميع أجزائه، وإلى البدء بمفاوضات تحت إشراف مقبول بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وقد قبلت مصر القرار بعد تمكن جيش العدو من تحقيق التقدم المذكور سابقاً على الجبهة المصرية، لكن قبول مصر لوقف إطلاق النار كان قد فاجأ سوريا وكان تقديرها أنها لا تستطيع الاستمرار في الحرب منفردة فقبلت القرار .

نتائج الحرب:

فتحت حرب العام 1973 الباب واسعاً أمام القضية الفلسطينية لتعود ثانية إلى المحافل الدولية بعد أن غيبتها القوى المساعدة لإسرائيل، أما على المستوى العسكري فبالرغم من أن القوات العسكرية العربية لم تستطع إزالة آثار العدوان الصهيوني عام 1967 فإنه يمكن اعتبار أن أهم النتائج العسكرية التي حققها العرب تمثلت في أخذ الجيوش العربية، لزمام المبادرة الاستراتيجية الهجومية لأول مرة منذ حرب 1948، وتحقيقها عدة نجاحات عملياتية وتكتيكية في المرحلة الأولى من الهجوم، كما أن النتائج الأولية للحرب كانت محصلتها إيجابية على النفسية العربية، حيث بزر الإنسان العربي كمقاتل شجاع، ومسح ما لحق به نتيجة حرب العام 1967 من تشويه، كما أوجدت نفسية جديدة في مواجهة العدو المحتل في داخل الأراضي العربية المحتلة .

أما بالنسبة لنتائج الحرب الأولية على الكيان الصهيوني، فقد تدهورت المعنويات لدى منتسبي الكيان الصهيوني بسبب الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الكيان الصهيوني واهتزت الثقة بقدرتها العسكرية داخلياً وخارجياً حيث تم تحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر .

 

حرب 1982

تميزت حرب 1982 في أنها كانت حرباً فلسطينية – إسرائيلية واضحة، فلأول مرة في تاريخ المواجهات العربية الإسرائيلية، تكون ساحة المواجهة مباشرة بين قوات الثورة الفلسطينية وقوات جيش الاحتلال الصهيوني، وهنا يظهر الفرق بين الأغراض الرئيسية لحرب عام 1982 والحروب التي سبقتها، ففي حرب عام 56 لم يكن غرض الكيان الصهيوني القضاء على مصر ككيان سياسي بقدر ما كان الغرض تدمير القوة العسكرية المصرية في سيناء، أما في حرب العام 1967 فقد سعى الكيان الصهيوني إلى التوسع الجغرافي وتدمير القوة العسكرية العربية في حين أن حرب عام 1973 التي بادرت إليها مصر وسورية، كانت ذات أغراض سياسية محدودة سعت فيها الدولتان إلى إزالة آثار حرب عام 1967، أما هذه الحرب فقد خطط الكيان الصهيوني فيها لتحقيق حسم عسكري – سياسي شامل فيها ضد منظمة التحرير الفلسطينية وبناها التحتية في لبنان .

مقدمات الحرب:

بعد تزايدت العمليات العسكرية التي تشنها قوات المقاومة الفلسطينية على مختلف توجهاتها ضد الكيان الصهيوني واتخاذها من أراضي جنوب لبنان قواعد انطلاق لتنفيذ عملياتهم، فقد قرر الكيان الصهيوني القيام بعمل عسكري لاجتياح الجنوب اللبناني وخلق منطقة عازلة توفر لسكان الشمال الأمن. وقد كانت العمليتان العسكريتان اللتان قامت بهما قوات الاحتلال الصهيوني في العامين 1978 و 1981 ضد المقاومة الفلسطينية في لبنان بمثابة المقدمة لحرب 1982، عرفت العملية الأولى باسم "عملية الليطاني" والتي استمرت ستة أيام من 15 – 21 مارس/آذار، استطاع الكيان الصهيوني خلالها أن يسيطر على منطقة الجنوب اللبناني، وأن يوكل مهمة إدارة تلك المنطقة لشخص لبناني اسمه سعد حداد والذي أعلن قيام دولة لبنان الحرة (62)، أما العملية الثانية فهي عملية يوليو/ تموز 1981 حينما قصفت القوات الإسرائيلية قواعد المقاومة الفلسطينية وقرى الجنوب اللبناني وردت قوات الثورة الفلسطينية بإطلاق المدافع والصواريخ على المستعمرات الصهيونية في الجليل الأعلى والجليل الغربي، والتي انتهت بعد أربعة عشر يوماً وذلك باتفاق وقف إطلاق النار بين المنظمة والكيان الصهيوني في 24 يوليو/ تموز 1981 ونتيجة لفشل الكيان الصهيوني في تحقيق أهدافه من خلال العمليتين الماضيتين من تدمير البنية التحتية لـم.ت.ف فقد قرر قادة الإرهاب الصهيوني من سياسيين وعسكريين القيام بغزو لبنان صيف عام 1982 بعملية أطلق عليها عملية "سلامة الجليل" .

بداية الحرب ومجرياتها (63) :

في ليلة 4 و 5 يونيو/ حزيران قصف الطيران الصهيوني الأحياء الغربية من بيروت ومن صيدا وصور والنبطية، وفي 6 يونيو/ حزيران اجتاحت القوات المغتصبة الأراضي اللبنانية، وقد دفع الصهاينة إلى ساحة المعركة 9,000 جندي و 1300 دبابة و 12,000 نقل جند ومؤن و 1300 ناقلة جند مدرعة، وقوة جوية قوامها 634 طائرة مقاتلة، وقوة بحرية لا يتوفر عملياً إمكان التصدي لها، وقد هاجمت هذه القوة الجيش والطيران السوريين على أرض لبنان وفي سمائه، غير أن الهجوم تركز ضد نحو 10,000 – 15,000 مقاتل فلسطيني ولبناني ليس لديهم قوة جوية ولا بحرية ولا مدرعات متحركة (64) . ولم تمض بداية العدوان أربع وعشرون ساعة إلا وكانت مدينة صور قد سقطت بيد الصهاينة، وأخذت القوات الصهيونية تتقدم في الجنوب اللبناني، وقد واجه الصهاينة الغزاة مقاومة عنيفة من قبل المقاتلين الفلسطينيين وتولى سقوط المواقع الفلسطينية واللبنانية الواحد تلو الآخر، الأمر الذي دفع القوات المسلحة الفلسطينية إلى الالتجاء بالعاصمة اللبنانية بيروت، وكان الاجتياح الصهيوني سريعاً لدرجة أن رجال الصحافة والمصورين تمكنوا من مشاهدة أنقاض القرى والمدن المهدمة والدخان ما زال يتصاعد منها، وشاهدوا جثث القتلى وهي تسحب من بين الأنقاض، واصطدمت قوات العدو الصهيوني بالقوات السورية المتواجدة في لبنان، ودارت بينهما معارك عنيفة على مدى عدة أيام، وقد أبدى السوريون قدرة كبيرة في حرب الدبابات، واستطاع الصهاينة خلال هذه المعارك تدمير شبكة الصواريخ السورية المضادة للطائرات، ولم تنطلق تلك الصواريخ بسبب تطور تقني أحرزه الصهاينة مكنهم من تعمية هذه الصواريخ (65)، ودمرت على الأرض، ونتيجة لذلك أطلقت سوريا طائراتها لمواجهة الطائرات المعتدية، إلا أن الطيران السورية مني بضربة قوية شلته تماماً. وكانت النتيجة انكشاف القوات البرية السورية أمام الطيران المعادي، مما كبد السوريون خسائر كبيرة في الدبابات والأنفس والمدافع، فانسحبت القوات السورية واتخذت مواقع بعيدة نسبياً عن مواقع الاشتباكات الرئيسية، وقد أدى سقوط الجنوب بيد جيش الاحتلال الصهيوني إلى فتح المجال لحصار بيروت حيث قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الرئيسية، وقد تعاونت قوات الكتائب اللبنانية مع القوات الغازية لمحاصرة الفلسطينيين (66)، وتعرضت بيروت لحصار صهيوني متواصل لأكثر من شهرين، قامت خلالها القوات المعتدية وطوال صيف سنة 1982، قام سلاح الجو الصهيوني بقصف مكثف لبيروت وبعض المدن اللبنانية الأخرى. وكان الهدف من ذلك تدمير المواقع العسكرية – المعروفة منها والمشتبه بها – التابعة لمنظمة التحرير، بالإضافة إلى المراكز المدنية الفلسطينية، وبما أن إسرائيل تعتبر جميع المؤسسات التابعة للمنظمة "إرهابية" بما في ذلك مؤسسات العناية الاجتماعية والطبية، فقد حولتها كلها إلى أهداف عسكرية، وقد عمدت إسرائيل إلى القيام بعمليات نوعية أدت إلى إصابات فادحة بين المدنيين: أولهما، القصف العشوائي لإثارة الشعب ضد منظمة التحرير، وثانيهما: القصف المركز لقتل قادة المنظمة (67) .

وقد نجح مقاتلو الثورة الفلسطينية في الصمود بوجه الآلة العسكرية الصهيونية بالرغم من قلة عددهم وعتادهم. غير أن القيادة السياسية قد اختارت أبسط وأسهل الطرق للخروج من المدينة المحاصرة من خلال اتفاق رعته الولايات المتحدة وذلك بعد ثمانين يوماً من الحصار، وقضى الاتفاق على جلاء القوات الفلسطينية من بيروت إلى دول عربية بعيدة عن خطوط المواجهة وقد اعتبر خروج هذه القوات ضربة قاسية ومدمرة للبنية العسكرية الفلسطينية .

نتائج الحرب:

تمكن القوات الصهيونية من ضرب البنية التحتية للقوات المسلحة الفلسطينية وتحجيم تواجد تلك القوى على الساحة اللبنانية .

غرق الكيان الصهيوني في مستنقع عسكري لبناني، وتعرضه إلى مقاومة عسكرية من نوع جديد قادتها التنظيمات اللبنانية (68) .

خروج الكفاح المسلح العربي الشعبي من ساحة الصراع، وبدء مرحلة جديدة أفرزت مشروعات تسوية سياسية عربية وأجنبية، شكلت نقطة تحول في مسيرة الصراع العربي – الصهيوني والقضية الفلسطينية

 

الهوامش

  1. مركز الدراسات الحضارية – قضايا دولية (عدد خاص)، العدد 261 – 1 –8 يناير 1995 ص، 47 .

  2. المرجع ا