الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

قضية الأسرى من الحل إلى الابتزاز والتعطيل

 

 بقلم: عبد الكريم محمد

صحيفة البيان الإماراتية 28/7/2003

 

ليس من المستغرب أن تتحول قضية الأسرى الفلسطينيين من خطوة أولية بالاتجاه الصحيح للشروع في تنفيذ خريطة الطريق، إلى ملف لابتزاز كل الأطراف الجادة في بناء الثقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، للوصول إلى حلول مرضية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

 

فما أن بدأت الكثير من الأصوات المهللة بنهاية عهد دام للدخول في عهد مخملي كما تحلم، عاد شارون وحكومته اليمينية إلى سابق عهدهما في خلق الكثير من المبررات والحجج والعقبات التي من شأنها أن تعطل كل الجهود الدبلوماسية والسياسية المبذولة إقليمياً ودولياً.

 

 وعلى ما يبدو أن سياسة الابتزاز الإسرائيلية ليست وقفاً على هذا الطرف الحاكم أو ذاك، بل هي نهج متبع من قبل الإسرائيليين بشكل عام، فمنذ مؤتمر مدريد وحتى هذه اللحظة التي نعيش نشهد وضع «العصي بالدواليب» من خلال التمترس خلف ملف واحد بهدف وأد الملفات الأخرى التي لا تقل أهمية عن نفس الملف العالق. وهنا ليس من قبيل الصدفة أو حتى الأهمية، أن نشهد هذه الأيام إشكالية ملف الأسرى الفلسطينيين، الذي يهدف من ورائها شارون وحكومته اليمينية صرف الأنظار عن باقي الاستحقاقات السياسية التي فرضتها خريطة الطريق، رغم ما تحمله من هفوات وآلام فلسطينية لمصلحة "إسرائيل" تحديداً.

 

 بمعنى أكثر شمولية، وجد شارون في ملف الأسرى الفلسطينيين ضالته، في ابتزاز العالم هذه المرة وليس الفلسطينيين وحدهم، فقد دخل من مسامات المطلب الفلسطيني في ضرورة الإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، إلى توسيع هذه الحلقة بضرورة التباحث حول نفس الملف مع الأميركيين والمصريين من خلال ما سمي بالاقتراح غير الرسمي بالمبادرة إلى «بادرة حسن نية رئاسية» من الرؤساء بوش ومبارك ومعهم الرئيس الإسرائيلي موشي كتساف تقود إلى إطلاق سراح جوناثان بولارد المعتقل بالولايات المتحدة بتهمة التجسس لصالح "إسرائيل" على الملف النووي الأميركي ومزاياه، وعزام عزام الجاسوس الإسرائيلي المسجون في مصر بتهمة التجسس والتخريب ومحاولة بناء شبكات تخريبية في مصر لمصلحة "إسرائيل"، قبالة ذلك يتم الإفراج عن المعتقل الفلسطيني مروان البرغوثي، وعلى خلفية أجواء التسامح الناشئة يخرج مئات من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

 

لم يقف الابتزاز والتسويف عند هذا الحد، بل تجاوز الأمر ذلك، فشارون لا يترك محفلاً دون أن يتقدم ببادرة حسن نية لدفع عملية السلام من خلال دفع الاستحقاقات المؤلمة، بالمقابل يدفع مؤسسته السياسية في عرقلة كل الجهود الهادفة لإنجاح العملية السلمية أو التسووية إذا شئت، ولعل تجاهل سجناء فلسطينيين دون غيرهم ومحاولة تصنيف بعضهم دون بعضه الآخر، هي محاولة جادة للتخلص من كل التعهدات الإسرائيلية التي قدمت تباعاً لوزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول، ولمستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي كوندوليزا رايس خاصة في زيارتها الأخيرة لكل من السلطة وتل أبيب، والتي رأت بضرورة التوقف عن استكمال بناء السور الواقي في الضفة الغربية.

 

 فبعيداً عن العقلية البوليسية، يمكننا أن نستشف من سياسة الابتزاز والتسويف والتصنيف الشارونية للمعتقلين جملة من الأهداف الخطيرة، أهمها:

 

 أولاً: محاولة نقل الكرة للملعب الفلسطيني الداخلي بعد أن عجز شارون عن إحداث شرخ فلسطيني داخلي، عبر مقولة مقاومة الإرهاب الفلسطيني وتفكيك بناه، فقد وجد في ملف الأسرى الفلسطينيين مدخلاً جديداً يمكن النفاذ من خلاله إلى البيت الفلسطيني مرة أخرى.

 

 وهذا ما أكد عليه رئيس جهاز الشاباك، عندما تحدث صراحة في جلسة الحكومة الإسرائيلية الأخيرة عن الإفراج عن معتقلين من حركة فتح فقط، متجاهلاً آلاف الأسرى الفلسطينيين، ظناً منه أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس سيقبل بهذه القضية كصفقة أولية ومن ثم تستعر حرب الإعلانات والبيانات الفلسطينية - الفلسطينية، التي بدورها ستتطور لتصل إلى ما يشبه الحرب الأهلية.

 

 وإذا أخفقت هذه الخطوة يتم جر حماس والجهاد وحتى كتائب الأقصى إلى معركة جديدة، سعياً لإسقاط طرفي السلطة هذه المرة، بعد أن كان الرئيس الفلسطيني هو الهدف الرئيسي في العملية الصراعية.

 

 الأمر الذي سيؤدي بدوره لتغييب المرجعية السياسية الفلسطينية، بعد أن تبلورت وأصبحت معترفاً بها محلياً وإقليمياً ودولياً وحتى إسرائيلياً من خلال مقولة «مكره أخاك لا بطل»، وبذلك يكون شارون قد تخطى قضية دفع الاستحقاقات السياسية ولو جزئياً، خاصة استكمال الانسحابات إلى المواقع التي كان الجيش الإسرائيلي منتشراً فيها قبل الانتفاضة من جهة، وتغييب ما تحاول السلطة الفلسطينية البدء به من تحضير للانتخابات داخل السلطة الفلسطينية وتحديد الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية وإعادة فتح المؤسسات الفلسطينية في شرقي القدس والبدء بمفاوضات جدية ومكثفة حول المسائل الأساسية مثل مكانة القدس والمستوطنات وحق العودة ومصادر المياه.

 

 ثانياً: اختزال العملية السياسية في قضية الأسرى بصرف النظر عن الملفات السياسية والأمنية العالقة التي لا تقل أهمية بالنسبة للفلسطينيين عن ملف الأسرى ذاته، بموازاة ذلك العمل مسبقاً على تطويق الدبلوماسية الفلسطينية التي تسعى من خلال زيارة رئيس الوزراء الفلسطيني إلى البيت الأبيض ولقاء الرئيس الأميركي جورج بوش، في قضية يتيمة واحدة وهي قضية الأسرى كما أسلفنا، وصرف الأنظار عن القضايا الأخرى.

 

 ولعل زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي سلفان شالوم إلى الولايات المتحدة ولقاء وزير الخارجية الأميركي هو التفاف على المطالب الفلسطينية، وتمرير استكمال جدار الفصل العنصري حول القدس وبعض مدن الضفة.

 

 وقد يكون المؤتمر الصحفي الذي عقده شالوم لم يتطرق سوى إلى تبرير جدار الفصل، بحيث اعتبره حقاً إسرائيلياً لمواجهة ما يسمى بالقاموس السياسي الإسرائيلي - الأميركي بالإرهاب الفلسطيني، منطلقاً في ذلك من أن جدار الفصل قد نجح في قطاع غزة ويجب استكماله في الضفة وتحديداً في محيط القدس. وقد يكون تفضيل شارون للذهاب إلى البيت الأبيض بعد أبو مازن، وليس قبله.

 

صحيح أنه يفقد بذلك الأولوية، ولكنه يوفر على نفسه ضغوطاً مزدوجة. خاصة وأن الكثير من المحللين الإسرائيليين يرون بأنه لو استبقت زيارة شارون للولايات المتحدة زيارة رئيس الوزراء الفلسطيني، لكان مطلوباً منه أن يدفع الثمن مرتين، وهذا الثمن يتلخص في إطلاق سراح الأسرى وإخلاء المواقع الاستيطانية، إزالة الحواجز والقيود المفروضة على الحركة.

لكن السؤال الأكثر أهمية، هل سينجح شارون في نقل أجندة تحالفه اليميني في تسويقها أميركياً؟ على ما يبدو، أن بوش قد حاول حتى الآن من خلال فرضه «خريطة الطريق» على حكومة شارون الإيحاء بأنه مستعد للضغط على "إسرائيل"، فإن الأسابيع والشهور المقبلة قد تبين جدية هذا الموقف.