الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة


 

أميركا و"إسرائيل" وحرب الإرهاب.. أهداف ومصالح مشتركة

بقلم : لواء صلاح الدين سليم محمد

صحيفة البيان الإماراتية 13 كانون الأول (ديسمبر) 2002

بعد صدور وعد بلفور في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917 كانت استراتيجية الصهيونية الرئيسية هي خلق إنسان يهودي جديد يكون البذرة الرئيسية للدولة اليهودية في فلسطين، ويواجه كلا من البريطانيين والعرب بالقوة، ليرهب أعداء اليهود أنى وجدوا. وأنشأ جابوتنسكي تنظيمين عسكريين عملا سراً في فلسطين قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وهما الهاجاناه «الدفاع»، والأرجون تسفاي ليومي «المنظمة العسكرية الوطنية».

وضمت قوة الهاجاناه بقايا الفيلق اليهودي الذي شكله جابوتنسكي بنفسه ليحارب في صفوف البريطانيين في الحرب العالمية الأولى ضد العثمانيين في الشرق الأوسط بعد أن أعادت الوكالة اليهودية في فلسطين تنظيمه وتسليحه لحماية المستوطنات الاستعمارية والتوسع فيها.

أما الأرجون تسفاي ليومي فهي عصابة إرهابية صرفة تمثل الجناح المسلح للحركة الصهيونية المتشددة، وكرس رئيسها (مناحم بيجين) جهوده لتكون قوة ضاربة لترويع الفلسطينيين وشن حرب نفسية ضدهم تقترن باجتياح قراهم واغتيال المئات من سكانها دون تفرقة بين رجل أو امرأة أو طفل، ونسف وتدمير منازلهم، والتهجير الجماعي للآلاف من الفلسطينيين إلى خارج وطنهم بحدوده التاريخية المتعارف عليها منذ ما قبل بدء الحكم العثماني في القرن السادس عشر الميلادي. وشكل مناحم بيجين قوة ضاربة للاغتيالات الفردية والقتل الجماعي والتدمير بقيادة (إسحاق شامير) تحت اسم شتيرن، وهي التي نسفت فندق الملك داوود في القدس واغتالت لورد موين في القاهرة.

واستلهم اليمين السياسي في "إسرائيل" أفكار وأساليب جابوتنسكي ومناحم بيجين وشامير، وحافظ عليها وتطرف فيها حتى اليوم، وبخاصة منذ تعاظم دور اليمين المتطرف في الدولة الصهيونية عند تشكيل حكومة وحدة وطنية في "إسرائيل" خلال أزمة نكسة يونيو 1967، ولدى هزيمة الجيش الإسرائيلي في سيناء عام 1973، ثم عند سقوط حزب العمل في انتخابات مايو 1977 بعد أن حكم "إسرائيل" لمدة 29 عاما متصلة. وروجت كتلة ليكود بوجه خاص لاعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة جزءاً من أرض فلسطين التوراتية غرب نهر الأردن، ولمشروعية كل أساليب القهر ضد الفلسطينيين لتحويلهم إلى أقلية سكانية محدودة في هذه الأرض الموعودة، ودعت للاستيطان الاستعماري في المواقع الحيوية على امتداد أراضي فلسطين المحتلة بكاملها.

وقد أيدت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية هذا الاتجاه الاستعماري بكل قوة، حتى بعد إبرام اتفاقية أوسلو - 1 في أيلول (سبتمبر) 1993 وصدور إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي. وتهاونت سلطات الأمن والجيش الإسرائيلي في التعامل مع المتطرفين اليهود في السنوات العشر الماضية بشكل يكاد يهدد تماماً إمكانية التعايش بين "إسرائيل" والدولة أو الدويلة الفلسطينية المرتقبة عام 2006 أو بعد ذلك طبقاً للمشيئة الاميركية ونتيجة لضعف الإرادة العربية والدعم الإسلامي للشعب الفلسطيني.

ونشير هنا إلى أسلوب الاستيطان اليهودي الدموي في منطقة الخليل بالذات منذ بداية عام 1968، مروراً بمذبحة مسجد إبراهيم الخليل في شباط (فبراير) 1994 وحتى توسيع نطاق القدس الشريف في إطار مشروع القدس الكبرى التي يراد لها أن تشطر الضفة الغربية لنهر الأردن إلى قسمين منفصلين تماماً!! وتبنت حكومات "إسرائيل" منذ عام 1996 عملية تسييس القضاء في فلسطين المحتلة بما يسمح بالطرد الفردي والإبعاد الجماعي للفلسطينيين من أراضيهم في إطار سياسة الردع باستهداف المدنيين، واقتلاعهم من جذورهم في وطنهم المحتل في انتهاك مطلق لكل اتفاقيات جنيف لعام 1949 وفي استهانة تامة بمنظمة الأمم المتحدة وباطمئنان كامل للانحياز الأميركي الأعمى لإسرائيل.

 

من هم الإرهابيون ؟

المسألة واضحة إذن، فأصول الإرهاب في فلسطين صهيونية تماماً، بينما يعتبر وصم كل حركة مقاومة وطنية، وبخاصة إذا كانت إسلامية التوجه، بالإرهاب زعماً باطلاً على الإطلاق فالكفاح المسلح مشروع بكل الطرق والوسائل ضد قوات الاحتلال والمستوطنين طبقاً لقواعد القانون الدولي. ومع أن حكومات "إسرائيل" المتعاقبة منذ عام 1996 وإلى الآن هي التي ضربت عرض الحائط باتفاقيتي أوسلو الأولى والثانية، ومضت في التوسع في الاستعمار الاستيطاني في فلسطين المحتلة، فإن تعامل تلك الحكومات مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية كان إرهابياً مروعاً ويقوم على تكريس الاحتلال وإعطائه مشروعية كاذبة باسم أمن المواطن الإسرائيلي والحدود الآمنة للدولة الصهيونية، وشمل التصفية الجسدية لرجال المقاومة الوطنية ونسف منازلهم وطرد أسرهم من مدنهم وقراهم.

واتبعت حكومة شارون بوجه خاص أسلوب تدمير كيان السلطة الفلسطينية، والبنية الأساسية المتواضعة التي أقامتها في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، ثم إذلال ياسر عرفات ورجاله ودفعهم إلى إدانة الانعطافة المسلحة للانتفاضة الفلسطينية الثانية، وقبول الحصار وقصف مقار السلطة ونسف مبانيها والاكتفاء بحديث ممجوج عن سلام الشجعان أو وفاق الأرانب، والاستسلام لمطلب واشنطن بشأن اطلاع الأميركيين مسئولية الأمن لدى السلطة الفلسطينية باعتبار ذلك الحل العملي الوحيد لتدارك أزمة عدم الثقة في إجراءات سلطة أو وزارة عرفات ضد ما يسمونه في الولايات المتحدة و"إسرائيل" بمنظمات الإرهاب وزعاماتها ورجالها، كما أن الأميركيين يريدون ممارسة تجربة هدم منظمة إسلامية كحماس من الداخل. ويأمل الأميركيون من خلال الخبرة العملية والميدانية الوصول إلى أسلوب نموذجي يقدم للدول الراغبة في ضرب ما تسميه واشنطن بالتطرف الإسلامي في الشرق الأوسط الكبير الممتد من المغرب وموريتانيا غرباً إلى شبه القارة الهندية شرقا، ومن آسيا الصغرى والوسطى والقوقاز الجنوبي شمالاً إلى القرن الإفريقي جنوباً! وبغير شك فإن تحالف الصهيونية العالمية مع اليمين الأميركي المتطرف بعد أحداث 11 سبتمبر من العام الماضي، والدعوة إلى قيام الولايات المتحدة بدورها الإمبراطوري في مناطق مصالحها الحيوية في العالم الثالث، قد خدم أطماع اليمين الإسرائيلي، المستقر في الحكم لسنوات طويلة قادمة، في وأد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتدمير بنية منظمات المقاومة المسلحة في فلسطين المحتلة، وبخاصة بعد تصنيفها أميركياً وأوروبياً ضمن جماعات ومنظمات الإرهاب الدولي، وإصرار واشنطن على ضرب ما تطلق عليه عقائد ومنظمات التطرف.

وبالطبع سوف تستمر الحرب الأميركية ضد تنظيم القاعدة بضع سنوات وبخاصة مع اقتناع الأميركان بأن عناصر هذا التنظيم قد انتشرت بعد حرب بوش المريرة في أفغانستان في دول عديدة ومنها باكستان وبنجلاديش، والشيشان وداغستان، وتركيا، واليمن والصومال، وإريتريا، وجنوب لبنان وقطاع غزة، بل وجنوب إفريقيا! وبينما تعتبر واشنطن أن القرن الأفريقي قد أصبح أهم قواعد الجماعات الإرهابية في آسيا وإفريقيا، فإن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد حذرت مواطنيها من التوجه إلى كينيا وإريتريا وأثيوبيا وجنوب إفريقيا، في حين دعا الرئيس الإسرائيلي (موشيه كاتساف) إلى مطاردة وتصفية المسئولين عن هجمات مومباسا ضد الفندق والطائرة الإسرائيليين!

 

بوش وأفريقيا والتطرف

تتجاهل الولايات المتحدة تماما ما فعله الأوروبيون بأفريقيا في فترة الاحتلال الاستعماري أو خلال تحالفاتها الماضية والحالية مع نظم الحكم الفاسدة في دول أفريقية عديدة، وتتناسى ما أعلنه جيمس موريس المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي من أن القارة الأفريقية تواجه أزمة غذاء غير مسبوقة، وأن 38 مليون مواطن أفريقي مهددون بالموت جوعاً، وبخاصة في مناطق أفريقيا جنوب الصحراء، والقرن الأفريقي والبحيرات العظمى، وغرب أفريقيا. وتغفل الإدارة الاميركية النظر في أحوال الصومال الذي فقد كيان الدولة منذ عام 1990، ومعاناة ستة ملايين أثيوبي وأكثر من مليوني إريتري وثلاثة ملايين سوداني من الجوع الشديد بسبب الجفاف والنزاعات السياسية والتوترات العسكرية، كما تتدخل واشنطن بدعم المتمرد جون قرنق بالسلاح والمال حتى تستمر الحرب الأهلية السودانية وتصل إلى الهدف الأميركي بفصل جنوب السودان عن شماله وضرب التقارب العربي الأفريقي في الصميم.

ولا تهتم الإدارة الأميركية الحالية، أو حلف الناتو بجذور ودوافع التطرف في آسيا وأفريقيا، والبعد الاقتصادي فيها، ونزعات مقاومة الإمبريالية الجديدة التي تريد واشنطن فرضها في القارتين، بل تكتفي استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة بضرورة القضاء نهائياً على المجموعات الإرهابية أينما وجدت في مناطق المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وبخاصة إذا كانت تنتمي إلى شبكات إرهابية متعددة القوميات وتستند إلى أبعاد عقائدية وطيدة.

ويرى أقطاب الحرب في الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم ديك تشيني، وكوندوليزا رايس، ودونالد رامسفيلد وتابعه وولفوفيتز أن الأوان قد حان لضرب الإرهاب بأسلوب الهجمات الوقائية والمسبقة بمعنى تدمير مصادر التهديد المحتملة قبل أن تمارس أعمالها التخريبية في إخلال تام بضوابط الدفاع الشرعي عن النفس التي حددتها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وترى واشنطن أن مطاردة الإرهابيين يمكن أن تتم بالتنسيق مع الحكومات المعنية، كما حدث في اليمن وكينيا والفيليبين وجورجيا، أو بانفراد واشنطن بالعمل أينماً ومتى كان ذلك ضروريا دون اهتمام بمسألة السيادة الوطنية لكل دولة بالنظر إلى أن الإرهاب عابر للحدود الدولية ولا يحترمها، كما أن المصالح الأمنية للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وفي مقدمتهم "إسرائيل" وبريطانيا، ذات أسبقية أولى قبل احترام أية مواثيق أو تعاهدات أو أعراف دولية.

ويعتقد جورج بوش الابن أن شبكة القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن يخططان لضرب بعض الأهداف الأميركية والمصالح الإسرائيلية في إفريقيا، وبخاصة في منطقة القرن الأفريقي، وقد قرر الرئيس الأميركي أن تسهم المخابرات الأميركية في تأمين نظم الحكم الصديقة في دول هذه المنطقة، واستخدام عناصر الاستطلاع الأميركية قرب الحدود الصومالية المشتركة مع كينيا وأثيوبيا، وفي المناطق الحيوية في اليمن وأوغندا والكونغو الديمقراطية إلى جانب وجود عسكري أميركي مباشر ومتنام في كل من ميناءي جيبوتي ومومباسا ثم في مصوع في مرحلة لاحقة، وسيكون مركز عمليات القوات الأميركية في القرن الأفريقي في جيبوتي وهي قاعدة فرنسية عسكرية منذ ستينيات القرن الماضي.

وتشارك أطقم من المخابرات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» والموساد في التحقيق في حوادث مومباسا في 28 نوفمبر الماضي، والإسراع بإجراءاته في ضوء التقرير الأميركي الذي يتوقع أعمالا تخريبية جديدة ضد أهداف أميركية وإسرائيلية في منطقة شرق أفريقيا بكاملها وليس في القرن الأفريقي وحده. وبدأ البنتاغون يدرس من جديد إمكانية القيام بعملية عسكرية أميركية خاطفة في الصومال لتأديب بعض أمراء الحرب فيها من قادة الميليشيات المتصارعة وللقضاء على منظمة الاتحاد الإسلامي الصومالية المتهمة بصلاتها الوثيقة بتنظيم القاعدة.

ووجه الخطورة في السياسة الأميركية لمحاربة الإرهاب في أفريقيا هو ذلك الدور الذي يؤيده بوش الابن بمشاركة "إسرائيل" في العمليات الأميركية المقبلة في شرق أفريقيا، وفي حوض البحر الأحمر بوجه خاص، وتوظيف التغلغل الإسرائيلي في بعض دول شرق ووسط إفريقيا لخدمة المصالح الأميركية في هذين الإقليمين بالغي الأهمية، وبخاصة في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية. وتستهين واشنطن تماماً بردود الفعل العربية بعد انقسام دول الجامعة وعجزها عن التعاون الاستراتيجي لتأمين حوض البحر الأحمر، أو تعزيز التعاون الشامل العربي الإفريقي، ثم تراجع الدور الريادي المصري في القارة الإفريقية عامة وفي حوض نهر النيل بصفة خاصة.

ولست أدري على وجه اليقين مدى استعداد الدول العربية لمواجهة الاختراق الإسرائيلي لدول حوض النيل والقرن الإفريقي بعد عجزها البين ـ حتى الآن ـ عن نصرة شعب فلسطين ونجدة شعب العراق، ولكننا لا نفقد الأمل في صمود الأمة العربية وفي تغييرات وشيكة قادمة في الدول المحورية العربية تمليها عبرة التاريخ وتحليل حقائق الماضي القريب وتحديات الحاضر التي تهدد أمن وبقاء عرب العصر!

مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط