كندا... بين حزب الله والإرهاب الإسرائيلي
بقلم : مصطفي سامي
صحيفة
الأهرام 29/1/2003
لم أفاجأ
بقرار الحكومة الكندية الذي أصدرته في الشهر الماضي بوضع حزب الله
على قائمة المنظمات الارهابية وحظر قيامه بأية أنشطة في كندا،
فالقرار، الذي أثار جدلاً واسعاً في مختلف الأوساط العربية
والكندية، وأحدث صدمة في لبنان وفي عدد من الدول العربية التي
ترتبط مع كندا بعلاقات طيبة صدر عن دولة صديقة للعرب، وتحاول منذ
نشأة "إسرائيل" أن تلعب دوراً -ولو محدوداً يتناسب مع قدراتها-
متوازناً بين طرفي الصراع، وتسعى لتحقيق سلام عادل يعتمد على إقامة
دولة فلسطينية مستقلة بجوار دولة "إسرائيل".
جاء القرار
أيضاً من الدولة التي كانت في مقدمة دول الغرب في إدانة "إسرائيل"
والتصويت إلى جانب الحق العربي في معظم القرارات التي صدرت عن الأمم
المتحدة تساند الفلسطينيين وتدين الاحتلال والقمع الذي يرتكبه جنود
"إسرائيل" ضد العرب.
وجاء القرار
أخيراً، من دولة حقوق الإنسان، فقد ساندت جميع الحكومات الكندية
السابقة حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في الحياة في مجتمعات ليس فيها
تفرقة على أساس اللون أو الدين أو الانتماء السياسي، ودخلت كندا
بسبب مبادئها ومواقفها المعتدلة في معارك وصراعات سياسية طاحنة مع
أقرب حلفائها عندما عارضت الولايات المتحدة في حصارها الاقتصادي
والدبلوماسي على كوبا، وعلى السودان وعلى شعب العراق، وعندما
أدانت الحكومة البريطانية في مواقفها المؤيدة للحكومات العنصرية في
جنوب أفريقيا.
من هنا جاءت
دهشة الكثيرين لقرار الحكومة الكندية بتجميد نشاط حزب الله باعتباره
منظمة تساند عمليات الإرهاب ضد المدنيين داخل "إسرائيل" وخارجها!!
لكن
اللامفاجأت في قرارات من الحكومة الكندية، تأتي من أسباب عدة:
(1) الحملة
الأمريكية المنظمة على حكومة أوتاوا بعد 11 سبتمبر والتي تطالبها
بوضع كافة المنظمات الفلسطينية والعربية التي تناضل من أجل استعادة
الحقوق والأراضي العربية الممثلة على قائمة منظمات الإرهاب.
(2) ضغوط
حكومة "إسرائيل" على حكومة اوتاوا وقبل 11 سبتمبر 2001 بسنوات
لوضع منظمة حزب الله اللبنانية والمنظمات الفلسطينية على قائمة
الإرهاب.
(3) دور
المنظمات الصهيونية المتعددة التي تمارس الإرهاب الثقافي والسياسي
على حكومة أوتاوا، بالإضافة إلى عملاء "إسرائيل" الكثيرين في
المؤسسات الإعلامية وفي مجلس العموم لفر ض إردتهم ومصالح "إسرائيل"
بالباطل.
(4)
الإعلام الصهيوني المضلل الذي تمثله شبكة تليفزيون كان ويست جلوبال CANWESTGLOBALCommuniCatiamCpmp
وهي واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية في كندا أسسها المليونير
اليهودي (إسرائيل هارولد اسبر) المعروف باسم (إيزي اسبر) IZZYIsraelHaroldAsper
. وقد اتسعت إمبراطورية أسبر الإعلامية في
السنوات الثلاث الأخيرة لتشمل إلى جانب شبكة تليفزيون جلوبال التي
يصل إرسالها إلى 94% من مشاهدي التليفزيون باللغة الإنجليزية في
كندا، ملكيتها لعدد من القنوات المتخصصة في التجارة والبورصة
والأفلام السينمائية والرياضة بالإضافة إلى محطة تليفزيون الجاليات
العرقية في مونتريال التي تقدم برامجها التي يفترض أنها تعبر عن
ثقافة هذه الجاليات ومن بينها البرامج التي تقدم إلى المهاجرين من
أبناء الدول العربية والتي لاتتناول بالطبع السياسة أو قضايا الشرق
الأوسط إلا في الحدود التي يسمح بها (إسرائيل آسبر)!!
و(كان ويست)
هي أكبر مؤسسة للصحافة المطبوعة في كندا الآن وللأسف بعد أن باع
(كينيث طومسون) أغلبية الصحف اليومية التي ورثها عن والده (لورد
طوسون)، واتجه إلى التركيز على التليفزيون المتخصص والانترنيت كأي
تاجر شاطر ينظر إلى المستقبل وإلى ما أحدثته وسوف تأتي به الثورة
التكنولوجية في أجهزة الاتصال، واكتفى (كيم طومسون) بملكية صحيفة
(جلوب آند ويل) القومية، وأكثر الصحف اليومية السياسية احتراماً
بين المثقفين والسياسيين وصناع القرار في كندا.
وتملك (كان
ويست) الآن 11 صحيفة يومية، تعد أهم الصحف اليومية التي تصدر في
كندا بعد (جلوب آند ميل)، من بينها (ناشيونال بوست) و(المونتريال
جازيت) و(أوتاوا سيتزن) و(فانكوفر صن)، وقد اشترى هذه الصحف منذ
ثلاث سنوات من مؤسسة هولينجر التي يملكها لورد (كونداو بلاك) الذي
باع صحفه ومعها جنسيته الكندية واتجه مع زوجته (بربارا أمييل) إلى
بريطانيا بعد معارك عنيفة مع رئيس وزراء كندا الذي رفض ترشيحه من
ملكة بريطانيا للحصول على لقب لورد، وعندما خسر بلاك معركته أمام
القضاء الكندي تنازل عن جنسيته الكندية وباع صحفه بما فيها (ناشيونال
بوست) الصحيفة القومية التي تنافس أكثر الصحف اليمينية في
"إسرائيل"، في عدائها للعرب والمسلمين، وترك كندا مع زوجته غير
مأسوف عليهما ليحتفظا بملكية الديلي والصنداي تلجراف في لندن
والجيريوزاليم بوست في تل أبيب!!
أما المشتري
لصحف بلاك فكان ايزي أسبر الذي تحولت على يده البوست من صحيفة كندية
مساندة لـ"إسرائيل" خلال عصر بلاك الأسود، إلى صحيفة صهيونية تصدر
من كندا!!
وحديثي عن
مأساة الصحافة الكندية المنحازة بوقاحة لـ"إسرائيل"، ليس خارج
موضوع هذا المقال، بل هو في لب الموضوع، والسفير اللبناني ريمون
بعقليني لم يجانبه الصواب ولم يبالغ عندما ذكر لصحيفة الشرق الأوسط
هذا الأسبوع أن أكثر من 90% من وسائل الإعلام في كندا خاضعة لسيطرة
المجموعات والمؤسسات الصهيونية.
لقد قدم
السفير بعقليني -المسيحي الماروني- إلى وزارة الخارجية في أوتاوا
جميع الوثائق والمستندات التي تؤكد أن أمين عام حزب الله حسن نصر
الله لم يدع إلى عمليات استشهادية خارج لبنان، وهو الخطاب الذي
استخدمته الصحافة الصهيونية في كندا لتحريض حكومة أوتاوا لتجميد نشاط
الحزب ووضعه على قائمة منظمات الإرهاب.
الإرهاب
الإسرائيلي ضد كندا
والهجوم على
حزب الله، وجميع الأحزاب العربية المناضلة، ليس جديداً على لغة
الخطاب الإعلامي الصهيوني في كندا، وإلصاق تهمة الإرهاب بحزب الله
ليست أيضاً جديدة، وهناك مئات المقالات التي سبق أن طالبت الخارجية
الكندية باعتبار حزب الله جماعة من الإرهابيين، وقد رفضت وزارة
الخارجية في أوتاوا جميع الضغوط التي مارسها المدافعون عن "إسرائيل"
والمزورون لرسالة وأهداف الحزب.
وقد رد (بيل
جراهام) وزير خارجية كندا في أول نوفمبر الماضي على حملات الإرهاب
الإعلامي ضد حزب الله بأن الجناح السياسي لحزب الله اللبناني لن يضاف
إلى قائمة المنظمات الإرهابية لدور الحزب في القيام بأعمال خيرية
واجتماعية بواسطة أعضائه.
وخلال
اجتماعات قمة دول الفرانكفون التي انعقدت في بيروت في منتصف أكتوبر
الماضي نشرت الناشيونال بوست ـ جريدة ايزي أسبر ـ التي تشعل نيران
الفتنة ضد العرب، مقالاً يتضمن احتجاج المنظمات اليهودية وولولتها
لدعوة الشيخ حسن نصر الله القائد الروحي لحزب الله، في اجتماعات
القمة ضمن قادة الأحزاب اللبنانية، ووجهت المنظمات احتجاجاً بوقاحة
غير مسبوقة إلى حكومة لبنان!
الغريب
والمؤسف في الأمر أن كندا طوال تاريخها لم تعان من أي نوع من الإرهاب
ولم يوجه إلي أبنائها أية أعمال إرهابية من أي دولة أو أية منظمة سوى
من "إسرائيل"، وحادث محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي
لحركة حماس قام بها إسرائيليان من عملاء الموساد في عام1997، وقد
تبين بعد القبض عليهما أنهما يحملان حوازي سفر كنديين مزورين للتغطية
على جريمتهما، بما يحتمل انتهاكاً صارخاً لسيادة وسمعة كندا،
أليست هذه الجريمة إرهاباً من "إسرائيل" ضد كندا؟؟
لقد حدث توتر
وقتها في العلاقات بين البلدين خاصة بعد أن استدعى وزير خارجية كندا
-لوين اكسورثي في ذلك الوقت- السفير الكندي في تل أبيب (ديفيد بيرجر)
والذي حاول وقتها بكافة الوسائل الدبلوماسية أن يخفف من الجريمة
الإسرائيلية، أما السفير الكندي الذي سبقه في "إسرائيل" (نورمان
سبيكوتور)، والذي تولى بعد انتهاء فترة عمله الدبلوماسي في تل أبيب
رئاسة مجلس إدارة صحيفة الجيريوزاليم بوست الإسرائيلية فحاول أن يضع
لغماً ينسف به العلاقات التي تربط كندا بالعرب، وعندما صرح بأن
جوازي السفر الذين وجدا مع عميلي الموساد من المحتمل أن يكونا قد
حصلا عليهما من المخابرات الكندية التي تتعاون مع الموساد في مكافحة
الإرهاب!
ألا تمثل هذه
الجرائم عدوانا وإرهابا ضد كندا؟!
واغتيال عالم
الصواريخ الكندي (جيرالد بول)، الأستاذ السابق في جامعة ماكجيل
ومخترع السوبر حبه أو المدفع السوبر والذي اعترف عملاء الموساد بقتله
وهو يستعد لدخول شقته السكنية الكائنة في العاصمة البلجيكية بروكسل
في مساء إحدى ليالي الشتاء في منتصف الثمانينات، وكان العالم
الكندي قد عمل مع الحكومة العراقية لتطوير أجهزتها الدفاعية... ألم
يكن ذلك إرهاباً ضد كندا.!
وقيام السفير
الكندي في تل أبيب (نورمان سبيكتور) أول سفير كندي يهودي في
"إسرائيل" خروجاً على العرف المتبع منذ أيام (لستربير سون) لضمان
الحياد بين العرب و"إسرائيل" بالهجوم على الدبلوماسيين في إدارة
الشرق الاوسط بالخارجية الكندية -الذين عمل معهم على مدى ثلاث سنوات
عندما تولى منصبه في تل أبيب- واتهامه للدبلوماسيين الكنديين في
سلسلة من المقالات نشرت في صحيفة (جلوب آند ميل) بأنهم غير
محايدين، ويعملون ضد مصالح (إسرائيل) وإطلاقه عليهم وصف المستعربين
ARABISTS لدرجة أن اضطر وزير الخارجية
(لوين اسكورثي) أن يرد عليه في مقال طويل بنفس الجدية، يؤكد فيه أن
العاملين في إدارة الشرق الأوسط بالخارجية هم من خيرة الدبلوماسيين
الكنديين الذين يعملون من أجل مصالح وطنهم!!
وجرائم
الليكود.. الحزب الذي يحكم "إسرائيل" الآن.. حزب أرييل شارون
ونيانيتاهو وله الأغلبية في الكنيست.. والمذابح التي يرتكبها شارون
ومؤسسته الحاكمة وأعمال القمع النازي ضد الاطفال والمدنيين
الفلسطينيين وتدمير منازلهم وانتهاك حرماتهم.. ألا يمثل ذلك
إرهاباً، بل وجرائم حرب، وانتهاكا لكل حقوق الإنسان..؟!
سؤال أخير:
أيهما أحق بأن يوضع على قائمة الإرهاب: حزب الله في لبنان أم حزب
الشيطان في "إسرائيل"..؟!
|