"إسرائيل" والأرجنتين.. والإصرار على الابتزاز
بقلم :طلعت
شاهين- كاتب مصري
صحيفة
البيان الإماراتية 24/7/2003
هناك مثل
شعبي يقول: «التاجر اليهودي عندما يصيبه الفلس يفتش في دفاتره
القديمة»، لكن ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن السياسي «الصهيوني» أكثر
تطرفاً في بحثه في دفاتره لأنها لا تحتوي على شيء سوى كثير من الزيف
والاختلاقات، وإن كان تفتيش التاجر اليهودي عن ديونه القديمة يمكن أن
يكون إحدى السمات الإيجابية في شخصيته، فهو لا يكون لحوحاً في
المطالبة بديونه إلا تحت إلحاح حاجة ما.
ومن تلك
الحاجات ولا شك أيضاً صمته عن المطالبة بديونه لفترة ما انتظاراً
للحظة معينة يكون فيها مدينه في ضائقة مالية فينقض عليه مطالباً
ببدائل يعجز عنها المدين، ولا يكون أمامه من طريق سوى تلبية كل طلبات
دائنه اليهودي، وهذا هو ما فعله «شيلوك» في مسرحية «تاجر البندقية»
التي أبدعها العبقري الإنجليزي شكسبير، ولم تفلح محاولات كل تجار
الصهيونية في وقف عرضها بطول العالم وعرضه، لأنها شخصية متقنة وتمثل
الواقع المعاش في كل العالم.
أما السياسي
الصهيوني فإنه أسوأ في هذا المجال من التاجر، لأنه دائماً ما يطالب
بديون وهمية، غير موجودة أصلاً، أو لم توجد أصلاً، ولكنه يستغل أدنى
تخيل وهمي بوجود دين ما ليطالب باستيفائه، حتى لو كان الدين المتخيل
ناتجاً عن إشاعة، في كثير من الأحيان يطلقها الصهيوني نفسه، ويضخمها
من خلال الإلحاح عليها، وتعظيمها حتى تكاد تصبح حقيقة واقعة، تماماً
كما فعل الصهاينة فيما يتعلق بحقيقة ما حدث في ألمانيا النازية خلال
الحرب العالمية الثانية، لأن كل الحقائق الموضوعية والوثائق تؤكد أن
ضحايا النازية لم يكونوا اليهود وحدهم، بل شاركهم هذا المصير الكثير
من الأقليات.
وتثبت
الوثائق أيضاً أن عدد الضحايا الغجر خلال تلك الحرب يفوق كثيراً عدد
اليهود الذين يقال إنهم لقوا حتفهم في المحرقة، وربما لهذا السبب لعب
الصهاينة دوراً كبيراً في نشر سحابة من التعتيم على مطالبة الغجر
بتعويضات عن ما أصابهم، وعندما حصل الغجر على بعض تلك التعويضات قبل
سنوات قليلة كان الحرص تاماً على ألا يصاحب تسلمهم لتلك التعويضات أي
دعاية إعلامية، حتى لا يؤثر ذلك على «انفراد» اليهود بصفة «الضحية»
خلال سنوات النازية.
أيضا حاول
الصهاينة إسدال ستار من التعتيم على هجرة معظم اليهود المطاردين أو
المطرودين من أوروبا خلال وبعد الحرب العالمية الثانية إلى
الأرجنتين، تلك الدولة التي تكاد تنفرد بين دول العالم أجمع بأنها
فتحت ذراعيها لأكبر عدد من اليهود المهاجرين والمهجرين من أوروبا
خلال تلك الفترة، ولكنها في الوقت نفسه كانت الملجأ الأول لمعظم
النازيين الألمان السابقين، فكانت الأرجنتين وطناً ثانياً مشتركا
لليهودي والنازي في وقت واحد، أي وطناً للضحية والجلاد إن كان هناك
ضحية وجلاد حقيقة، لأن ما حدث لهؤلاء في أوروبا حدث لغيرهم من
الأقليات العرقية كما أشرنا من قبل، وما حدث خلال فترة حكم النازي
حدث مثله بل وأعظم منه في مناطق أخرى من العالم، وفي فترات تاريخية
مختلفة.
ربما أكثر
فترات التاريخ التي تعرض فيها شعب للاضطهاد والتهجير الإجباري أو
الإجبار على التخلي عن المعتقدات بنسبة اكبر بكثير، واضطهاد أكبر كان
خلال فترة حكم الملوك الكاثوليك لإسبانيا بعد سقوط غرناطة عام 1492،
وكان ضحية هذا الاضطهاد هم المسلمون من الموريسكيين مع اليهود، وإن
كان عدد اليهود الذين عانوا اضطهاد الملوك الكاثوليك قليلاً، لأنهم
كانوا أقلية في الأندلس خلال فترة الحكم العربي الإسلامي هناك.
ومع ذلك
حاولوا ونجحوا في تصوير الأمر على أنه كان اضطهاداً موجهاً إليهم
وحدهم دون غيرهم، برغم أن الموريسكيين تعرضوا جميعاً إما للتنصير
الإجباري والتخلي عن دينهم، أو التهجير الإجباري إلى شمال أفريقيا
العربية من المغرب وحتى تونس ومصر تاركين من خلفهم كل أموالهم
وممتلكاتهم التي استولت عليها الكنيسة الكاثوليكية، ولم يعوضهم أحد
عنها حتى هذه اللحظة!.
التعايش بين
اليهود وبقايا النازيين الألمان في الأرجنتين كان ولا يزال كاملاً
طوال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والذي وصل في كثير من
الأحيان إلى حد الاختلاط، ولم يشهد ما يعكر صفو هذه العلاقة سوى بعض
العمليات الإسرائيلية التي أوكلت إلى جهاز مخابراتها السري «الموساد»
لأهداف خاصة، أولها إثارة الرعب والخوف بين الجالية اليهودية الكبيرة
في الأرجنتين ودفع فقرائهم إلى الهجرة إلى "إسرائيل"، واستغلال
الأغنياء منهم ليكونوا مصدراً مالياً لا ينضب، خاصة أنهم يسيطرون على
قطاعات كبيرة مهمة ومؤثرة في المجتمع الأرجنتيني وعلى رأسها الإعلام.
من أهم
العمليات التي عكرت صفو العلاقة بين اليهود والألمان المقيمين في
الأرجنتين كانت عملية خطف «ايخمان» التي قام بها جهاز الموساد
الإسرائيلي متخطياً كل القوانين الدولية، لأنها كانت عملية إعلامية
أكثر منها القصاص من ذلك الرجل، وظلت تخيم آثار هذه العملية على
العلاقات السياسية بين البلدين لسنوات طويلة، ولم تتحسن تلك العلاقات
إلا في ظل دكتاتورية «الخونتا» العسكرية، التي استفادت من خبرة
الموساد في عمليات خطف وتعذيب وقتل معارضيها، ووصلت هذه العلاقات إلى
قمتها خلال رئاسة الرئيس الأرجنتيني السوري الأصل كارلوس منعم الذي
ضمت حكومته يهوداً في أكثر المناصب حساسية.
خلال تلك
الفترة بدأت الصهيونية في استغلال وجود الرئيس كارلوس منعم لصالحها
بعمليتين غريبتين تمتا في فترة متقاربة بعد قليل من توليه السلطة في
فترة رئاسته الأولى عام 1992، العملية الأولى كانت نسف السفارة
الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية، ثم كانت الثانية نسف مقر
الجالية اليهودية هناك عام 1994، وكأن ما حدث محاولة للتخفيف أو
تخويف الحكومة التي يرأسها سياسي من أصل عربي.
ومثل كل
العمليات المشابهة تم توجيه أصابع الاتهام منذ اللحظات الأولى نحو
عدد من المنظمات الفلسطينية في محاولة لاستغلال الفرصة في تشويه تلك
المنظمات ووصمها بالإرهاب، أو استغلال الحدثين في تشويه العلاقة
الرسمية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأرجنتينية.
مع مرور
الوقت وتقدم التحقيقات حول الجاني الفعلي الذي يقف خلف هاتين
العمليتين كان صمت الحكومة الأرجنتينية يزداد برغم أن المسئولين عن
تلك التحقيقات في وزارة الداخلية كانوا يتبعون وبشكل مباشر وزير
الداخلية اليهودي «قوراش»، الذي كان يصحب الرئيس كارلوس منعم في كل
زياراته كظله برغم غرابة أن يكون اسمه أكثر وجوداً خلال تلك الزيارات
عن اسم وزير الخارجية المفترض أن زيارات رئيس الدولة من أول
اختصاصاته.
كان هذا
الصمت يجري في ظل تقلب الاتهامات الإسرائيلية والدوائر الصهيونية
التابعة لها بين الجالية اليهودية في الأرجنتين، مرة المتهم بالتخطيط
والتمويل تكون سورية، وفي مرات أخرى إيران، ولكن المنفذ المتهم
دائماً منظمة من المنظمات الفلسطينية دون تحديد لهوية تلك المنظمة أو
توجهها.
كان التقلب
في توجيه الاتهام يتم حسب توجه السياسة الخارجية لحكومات الأرجنتين،
وحسب اللحظة الراهنة التي تمر بها تقلبات السياسة الدولية، فعندما
قرر منعم زيارة وطنه الأصلي سورية رافق تلك الزيارة حملة إعلامية
مسعورة معادية لسورية ونظامها، باعتباره المسئول عن تلك التفجيرات،
ولم يخفف من غلواء تلك الحملة سوى توجه الرئيس كارلوس منعم بعدها إلى
"إسرائيل".
ثم تم توجيه
الاتهام إلى إيران لإجهاض تنفيذ اتفاق اقتصادي كبير لتصدير كميات من
القمح الأرجنتيني إلى إيران، وفي وقت جرى فيه الحديث عن تعاون نووي
في مجالات سلمية، وبشكل خاص مجال إنتاج الطاقة، وهو مجال تعتبر
الأرجنتين إحدى الدول القليلة من خارج المنظومة الغربية المتقدمة في
هذا المجال.
لكن من وقت
لآخر كان يتم تسريب أنباء عن وجود شبهات تحوم حول بعض رجال الموساد
الإسرائيلي في الأرجنتين خلف تلك التفجيرات، سواء تلك التي استهدفت
السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية، أو التي استهدفت مقر
الجالية اليهودية هناك، خاصة بعد أن ثبت أن الانفجارات تمت من
الداخل، ولم تتم بسيارة مفخخة تقف خارج المباني وتنفجر كما هو معروف
في عمليات التفجير التي كانت تقوم بها بعض المنظمات الفلسطينية، لكن
في تفجير السفارة الإسرائيلية ثبت من التحقيقات ما يؤكد أن المتفجرات
كانت موجودة في مبنى السفارة، ربما لاستخدامها في عمليات خاصة ولكنها
انفجرت ربما لسوء التخزين.
كانت
التحليلات تؤكد دائماً أن الهدف من تلك التفجيرات كان إفساد تقارب
أرجنتيني عربي أو إيراني، أو التأثير على الجالية اليهودية لتتخذ
موقفاً مؤيداً للحكومات الإسرائيلية، وأكد أحد المحللين السياسيين في
مقال له بصحيفة أرجنتينية وقتها أن حكومة «نتانياهو» كانت تهدف من
نسف مقر الجالية اليهودية التأثير على زعماء تلك الجالية الذين كانوا
يرون أن حكومته متطرفة بشكل يهدد مصالح "إسرائيل" الحيوية بسبب تعنته
تجاه الفلسطينيين، وأنه كان وراء إجهاض كل خطط السلام المطروحة بين
الجانبين.
المهم أن ما
حدث قبل ثماني سنوات خلق ذريعة للسياسيين الصهاينة لاستغلاله في
التفتيش في الدفاتر القديمة من وقت لآخر لتحقيق هدف من الأهداف،
تماما كالبحث في الدفاتر عن ديون قديمة، ولكن دفاتر السياسيين
الصهاينة قد لا يكون لها من هدف سوى الإبقاء على ما حدث على صفحات
الصحف وشاشات التليفزيون ووكالات الأنباء تحسباً لحدوث شيء يؤثر على
خططهم، وعندما تحين تلك اللحظة تكون دفاترهم جاهزة للحديث عن «ديون»
لم يتم استيفاؤها.
من هذا
المنطلق عاد الحديث من جديد في وسائل الإعلام الأرجنتينية حول عملية
تفجير مقر الجالية اليهودية خلال الاحتفال بمرور ثماني سنوات على
حدوثه، ظاهره ينصب الحديث على التذكر، ولكن الهدف من هذا الحديث شيء
آخر، فقد جاء إحياء هذه الذكرى بعد أيام قليلة من رفض الأرجنتين
الطلب الأميركي بإرسال قوات إلى العراق، وهو ما اعتبرته واشنطن
تمرداً غير مقبول من جانب حكومة بوينس آيريس، وخلال مباحثات مهمة
تقوم بها الحكومة الأرجنتينية الجديدة بقيادة الرئيس نستور كريشنور
مع صندوق النقد الدولي للحصول على دعم مالي جديد يساعدها على الخروج
من الأزمة الاقتصادية التي أغرقتها قبل عامين، وقبيل أيام قليلة من
لقاء الرئيس الأرجنتيني بالرئيس جورج بوش الذي غير أجندته الصيفية
لعقد هذا اللقاء على عجل على الرغم من أنه كان مقرراً عقده في شهر
أكتوبر القادم.
دفاتر
السياسي الصهيوني قد لا تختلف كثيراً عن دفاتر التاجر بديونها
القديمة، لكن دفاتر التاجر بديونها القديمة تظل أكثر أمانة من دفاتر
السياسي الصهيوني، لأن دفاتر السياسي الصهيوني ديونها القديمة لا أصل
لها، أي ديون مزيفة وأهدافها أكثر تزييفاً، لكنها تظل صالحة دائماً
لإثارة المشاكل، وبالتالي للحصول على مكاسب لا يستحقها صاحبها.
|