" الجدار الحديدي "
فصل عنصري باسم السلام
ترجمة : حميد
نعمان
ميتشيل
بليتنيك مجلة زد نيوز
الجدار الحديدي نظٌر له جابوتنسكي و خطط له باراك
و نفذه شارون بمباركة " الحمائم "
أثبت التاريخ و الواقع أنه كلما زادت معاناة
الفلسطينيين كلما زاد إصرارهم على المقاومة و الصمود
حين يرجع بنا
التاريخ إلى سنة 1923 سنجد أن الوضع في فلسطين وقتها كان مختلفا إلى
حد كبير عما شهدته البلاد خلال النصف الأخير من القرن الماضي . فحتى
ذلك الوقت كانت الدولة "الإسرائيلية" مجرد حلم يستأنس به المهاجرون
الصهاينة رغم المؤشرات القوية التي بدأت تظهر وقتها و تؤكد قرب
تحقيقه. و على الرغم من الاصطدامات القوية و العنيفة و الدموية التي
كانت تحدث بين الفلسطينيين و اليهود فإن الأحداث الكبرى لم يحن وقتها
بعد . و حتى تلك الفترة كان الجدل محتدما بين الصهاينة حول طبيعة
الدولة اليهودية المستقبلية أو ما كان يسمى ب " اليوشوف"(
yishuv ) و خاصة الجانب المتعلق بعلاقتها مع عرب
فلسطين . و كان الرأي المسيطر في تلك الأيام رأي زعماء الحركة
العمالية اليهودية ( JLM ) من الصهاينة
, فقد وجد هؤلاء أن الطريق الأمثل لتعبيد الطريق أمام قيام دولة
قومية لليهودية هو إقناع العرب الفلسطينيين بإيجابيات القادمين الجدد
و بأنهم أهل حضارة و جاءوا لنشر التقدم و الازدهار , و هم هنا لم
يخترعوا شيئا جديدا بل استنسخوا نفس أفكار و آراء المستعمر الأوروبي
.
و لكن كان
هناك من عارض هذا التوجه و رأى فيه خطرا يهدد الدولة اليهودية التي
لم تولد بعد.
لم يكن ذلك
إلا زئيفي جابوتينسكي , مؤسس الحركة التصحيحية اليهودية الذي كان
واحدا من أهم الآباء الروحيين للفكر المتطرف اليهودي و الذين وضعوا
القاعدة الفكرية التي أفرزت ما سيعرف فيما بعد بالليكود الذي هو
عبارة عن تكتل لمجموعة من الحركات اليهودية المتطرفة . جابوتينسكي
كشف عن آرائه من خلال دراسة أعدها سنة 1923 و عنونها ب " الجدار
الحديدي ", و يؤكد من خلالها أنه و على الرغم من اتفاقه في جزئية أن
اليهود قد يجلبون الحضارة لعرب فلسطين فإن الفكرة سخيفة لأنها تتجاهل
حقيقة أن الفلسطينيين هم شعب ككل الشعوب المستعمرة و لن يقبلوا
أبدا بالاستعمار و بإنشاء المزيد من المستوطنات في فلسطين , و
بالفعل أثبت التاريخ أن جابوتنسكي كان على حق في هذه النقطة . أما
بالنسبة له فالأهم هو تشكيل أغلبية يهودية في فلسطين و السيطرة
التامة على الفلسطينيين , و لأن هؤلاء لن يقبلوا بهذا فسيقاومون و
بهذا يدخل الجانبان في نزاع مسلح يتطلب تعبئة تامة داخل الحركة
الصهيونية العالمية لتوفير الدعم العسكري و المادي لليهود حتى
يستطيعوا التغلب على أعدائهم الفلسطينيين . و حسب جابوتنسكي فإنه و
حتى بعد تأسيس الدولة فإن الشعب الفلسطيني لن يستسلم و يذعن
للإرادة الصهيونية إلا بإقامة ما سماه ب " الجدار الحديد " الذي
سيفصل بين اليهود و العرب و لن يترك فرصة للفلسطينيين إلا بالاستسلام
. و على العكس فهنا أثبت التاريخ أن جابوتينسي ارتكب خطأ فادحا حين
أساء تقدير العزيمة و الإرداة الصلبة للفلسطينيين .
و الغريب في
جدار جابوتنسكي أنه لم يتطرق الى فكرة أن يجبر كل الشعب الفلسطيني
على مغادرة فلسطين بل كان الهدف منه فقط إجبارهم على الاستسلام
للإرادة الصهيونية . و هذا أيضا ربما يرجع للفكر السائد وقتها في
العشرينيات من القرن الماضي حين كانت فكرة التهجير غير واردة كما هي
بعد قيام الدولة , و هذا ما جعل سنة 1948 المفصل التاريخي في الفكر
الاستراتيجي اليهودي .
و قد ناقش
الكاتب الإسرائيلي آفي شلايم في كتابه " الجدار الحديدي " نظرية
جابوتنسكي و حاول التأكيد على أن فكر جابوتنسكي ظل مسيطرا على الفكر
الاستراتيجي الاسرائيلي بشكل عام منذ الأربعينيات . و يلاحظ أن عنوان
الكتاب هو نفسه عنوان الدراسة التي أعدها جابوتنسكي نفسه في 1923 ,
و هو أمر تعمده الكاتب. و يرى شلايم أن جابوتنسكي و على الرغم من أنه
يعتبر أب الايديولوجيا الليكودية فهناك الكثير من القواسم المشتركة
حتى في نظريته عن الجدار الحديدي بينه و بين زعماء حزب العمال
التاريخيين . فعلى الساحة السياسية ظل حزب العمال هو المسيطر منذ
قيام اسرائيل و حتى آواخر السبعينات. و حتى أننا نجد أن العمليات
العسكرية التي خاضتها اسرائيل بزعامة العماليين منذ تأسيسها توافقت
إلى حد كبير مع النظريات التي كان يؤسس لها جابوتنسكي في عشرينيات
القرن الماضي . فعلى الرغم من الصراع الفكري القديم بين زعماء
العمال التاريخيين و زعماء الحركة التصحيحية فإن التوافق
الاستراتيجي ظل هو الغالب على سياسات كلا الحزبين خارجيا , و لا ريب
حين نجدهما , أي الليكود و العمال, يتفقان على ترجمة أفكار
جابوتنسكي إلى واقع معايش .
فبعد 60 سنة
من موته, هاهي اليوم اسرائيل تحقق حلم الرجل و تبني الجدار الحديدي
العنصري . و تكملة للتوافق النظري الذي حاول جابوتنسكي الوصول إليه
مع حزب العمال ها نحن اليوم نشهد مشروعا حقيقيا اشترك فيه أكبر
حزبان إسرائيليان هما حزب العمال و الليكود . فمخطط الجدار الواقي
تمت الموافقة عليه سرا خلال حكم باراك و لقي تشجيعا من العديد من
رموز كلا الحزبين العمال و الليكود , و هو بتعبير آخر مشروع سلام
عمالي من خلال الفصل العنصري بين الشعبين . و لكن لم يرى هذا
المشروع النور إلا في عهد حكومة شارون و هذا ما تسبب في مغالطة عند
البعض مما دفعهم لتجاهل دور العمل في هذا المشروع العنصري .
الكوارث التي
يسببها هذا الجدار لا تعد و لا تحصى و الإيجابية التي يتحدث عنها
شارون لن تتحقق لسبب واحد فقط, أن جدارا عنصريا كهذا سيزيد من هجمات
الفلسطينيين بدل أن يحدها .
و من ناحية
أخرى نجد أن الطريق الذي يشقه الجدار يتسبب في فصل العديد من
العائلات الفلسطينية عن أراضيها و زراعتها و لقمة عيشها . و كم هو
سخيف ذلك الرد الذي جاء على لسان أحد الاسرائيليين و الذي ادعى أنهم
سوف يفتحون منافذ في الجدار تسمح للفلسطينيين بالعبور . و نسي هذا أن
الفلسطينيين لا تنقصهم نقاط تفتيش أخرى , فتكفيهم المآسي التي
يكابدونها و عنصرية الجنود ضد هذا الشعب في كل مرة يحاول فيها
فلسطيني عبور أي حاجز إسرائيلي . أما بخصوص الجماعات الفلسطينية
المسلحة فلن تعدم وسيلة ما لاختراق هذا الجدار و التسلل إلى داخل
اسرائيل .
المشروع كما
نشر على الصحيفة الإسرائيلية يدعوت أحرانوت يتعدى الخط الأخضر بكثير
جدا و يلتهم أراضي فلسطينية كثيرة , و إلى الآن أثر بصفة رئيسية على
كل من مدينة طولكرم و قلقيلية . و هناك سياج ثانوي سيعزل التجمعات
السكانية الفلسطينية في وادي الأردن ( جزء من الضفة الغربية التي
يعتبرها أرييل شارون جزء من الأرض اليهودية و أشار في أكثر من
مناسبة الى أن إسرائيل ستحتفظ بها حتى في حالة قيام دولة فلسطينية ما
) .
و أشار تقرير
صدر مؤخرا عن المنظمات الإنسانية الدولية بتعاون مع ممثلين عن
الاتحاد الأوروبي و اللجنة الأوربية لحقوق الانسان و حكومات كل من
الولايات المتحدة و النرويج و البنك الدولي و منظمة اليونسكو إلى
الآثار الخطيرة لهذا الجدار على الفلسطينيين و الاسرائيليين و
المنطقة برمتها . و حسب التقرير فإن أول المتضررين منه هم
الفلسطينيون الذين سيفصلون عن مزارعهم و أراضيهم التي التهمها و
مازال هذا الجدار , و هذا ما سيزيد من بؤس هذا الشعب و سيعمق من
أزمته الاقتصادية المدمرة أصلا بفعل الاحتلال . و اعتبر التقرير
الجدار خرقا لاتفاقيات أوسلو و أيضا لاتفاقية خارطة الطريق الأخيرة .
و لكن
إسرائيل مازالت مصرة مع الأسف على تكرار الخطأ التاريخي الذي وقع فيه
جابوتنسكي , فقد أثبت هذا الواقع و بشكل جلي أنه كلما زادت معاناة
الفلسطينيين زاد إصرارهم على المقاومة أكثر من أي وقت مضى و ليس
العكس كما ظن اليهود الذين طالما آمنوا بفكرة " كلما أمعنت في قتل
الفلسطينيين كلما اقتربت من تحقق السلام ". اذا فقد تبين للجميع أن
جدار جابتونسيكي النظري فشل و الجدار الخرساني الذي بدأه باراك
كمخطط و نفذه شارون فشل لأن الأمن الاسرائيلي مرهون بأمن الفلسطينيين
.
اسرائيل
اليوم تريد أن تعيش منعزلة خلف جدارها عن بقية المنطقة المحيطة بها و
عن العالم أيضا و هي بهذا تحيي تاريخ العزلة اليهودية مع العالم
الخارجي . و على ما يبدو فالحكومة الاسرائيلية تريد عزل شعبها عن كل
مناظر الجرائم التي ترتكبها في حق الفلسطينيين , و لكن ما يؤرق
اليهود حقا هو بناء حائط سوف يعزلهم مرة أخرى عن بقية العالم .
فلقرون مضت و اليهود يصارعون من أجل التخلص من "غيتوات" أوروبا , و
طوال التاريخ ظلوا منعزلين عن العالم , أحيانا بمحض إرادتهم و في
أحيان أخرى بسبب القوى الكبرى المسيطرة عليهم . و لم يتمكن اليهود
من التمرد على هذا الواقع إلا في ظل عصر " التنوير " أو ما يسميه
اليهود ب " الحسكلا " الذي فتح الباب واسعا أمام اليهود للاندماج في
المجتمعات التي يعيشون فيها و الانفتاح على الآخر بدل أن يظلوا
منعزلين كما كانوا . و المفارقة الغريبة أنه و بعد أن تخلص اليهود من
عزلتهم و تمكنوا من تأسيس دولة عنصرية هاهم اليوم يحنون الى تاريخ
العزلة و يبنون جدارا ليعزلهم أكثر فأكثر عن بقية العالم . فالغيتوات
اليهودية و رغم أنه لم يعد لها وجود في العالم اليوم إلا أنها مازالت
معشعشة في عقولهم , و اليوم يؤسسون أكبر غيتو يهودي في العالم و هو
المسمى ب " إسرائيل " .
و حقيقة
فالدافع الرئيسي لبناء هذا الغيتو هو الخوف و لا شيء غير الخوف , و
هو نتاج سياسة التخويف و الترهيب التي تعاملت بها الحكومات
الاسرائيلية المتعاقبة مع شعبها و خاصة خلال الانتفاضة الحالية , حتى
بات الرعب و الخوف هو السمة الغالبة على كل الشعب الاسرائيلي بدون
استثناء .
و الملاحظ
ايضا أنه غيتو مزدوج , إذ لا يتوقف تأثيره على الاسرائيليين بل سيشمل
الفلسطينيين أيضا , لأنه سيتسبب في قطع أرزاق الآلاف من العائلات و
فقدانهم لأراضيهم, و أيضا سيعرقل حركة النقل و السفر و يشل أكثر من
أي وقت مضى الاقتصاد الفلسطيني و سيصعب على أي مفاوض فلسطيني استعادت
الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 . و لكنه أيضا سيدفع هذا الشعب
المغتصبة أرضه إلى المقاومة و إلى الانتقام من الاسرائيليين , لأن
العنف لا يولد إلا العنف .
يقول حزب
السلام الاسرائيلي " غوش شالوم " أن الجدار " لن يوفر الأمن و السلام
للاسرائيليين لأنه رمز للاحتلال لا أقل و لا أكثر . و من خلال نظرة
عابرة لمخطط هذا الجدار يلاحظ يعكس رؤية شارون الحقيقية للحدود التي
يجب أن تتوقف عندها أي دولة فلسطينية في المستقبل ".
|