الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

جدار الفصل أو بنتوستان الشرق الأوسط

 

محمد جمال باروت/كاتب سوري

صحيفة الوطن السعودية

 

تثير خطة الحكومة الإسرائيلية في بناء جدار الفصل أو العزل بين الإسرائيليين والفلسطينيين أسئلةً مقلقةً عما يمكن أن يعنيه بالفعل مفهوم" دولة فلسطينية قابلة للحياة" في نهاية الخطوات الافتراضية لخريطة الطريق. فالجدار الذي طلبت كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي من الحكومة الإسرائيلية تجميده والعودة عنه، كما اعتبره الرئيس بوش في مؤتمره المشترك مع محمود عباس رئيس الحكومة الفلسطينية" مشكلة"، بحكم أنه ينطوي على ترسيم الحدود ما بين "إسرائيل" وفلسطين من طرفٍ واحد، يتخطى في دلالته إلى حدٍ بعيدٍ مفهوم" السور" في اللغات غير العبرية، بشكلٍ يمكن فيه القول مع المعلق الإسرائيلي عميرة هاس، إن مصطلح" جدار الفصل" المستخدم في "إسرائيل" ليس سوى مصطلحٍ" مريحٍ ومضلّل" للتعبير عن منظومة التحصينات التي تقيمها "إسرائيل" الآن على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدعوى الأمن.

 

إن بناء جدار أسمنتي يرتفع إلى ثمانية أمتار على مدى مئات الكيلومترات، وتحيطه جدران معدنية وأجهزة كهربائية حساسة وخنادق على الجانبين، مع مناطق أمنية محظورة في العمق، ومواقع خاصة متقدمة للأبراج بين كل مئتي متر، ومسارات الدوريات العسكرية، هو أكثر بكثير مما يمكن أن تعنيه كلمتا" جدار" أو "سور"، ويحيل مباشرةً إلى الذهنية الأيديولوجية العنصرية التي تتحكم به، والتي ليست في حقيقتها ذهنيةً أمنيةً بقدر ما هي ذهنية فصلٍ عنصريٍ، يشكّل الأمن مجرد تسويغٍ تبريريٍ في الظاهر لها.

 

وإذا ما كانت هناك ضرورة لاستخدام كلمة "السور" فإنه لا بد لنا أن نضيف إليها كلمة "الحديدي" بشكلٍ يكون فيه لدينا تعبير "السور الحديدي"، الذي ينتمي حرفياً ومصطلحياً إلى المعجم الصهيوني اليميني أو "التصحيحي"، في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وبشكلٍ أكثر تدقيقاً إلى مرجعه السياسي- القومي الصهيوني الممثل بفلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، الذي تصور ثلاثة حلولٍ حصريةٍ لـ"المشكلة العربية" في دولة "إسرائيل" قبل قيامها، هما حل "الترانسفير" القسري، وحل "مبادلة السكان"، أو إقامة "سور حديدي لا يمكن للسكان الأصليين أن يخترقوه. هذه سياستنا تجاه العرب، وإن صوغها بـأي طريقةٍ أخرى يعدّ نفاقاً" فـ"كلّنا نصفّق ليل نهار للسور الحديدي" على حد تعبير جابوتنسكي.

 

إن التبرير التسويغي الإسرائيلي لبناء هذا "الجدار" العازل أو الفاصل هو الأمن في إطار نظرية "الأمن هو الذي يحقق السلام" وليس "السلام يحقق الأمن"، في حين أنه يبدو عودةً محدثةً إلى نظرية "السور الحديدي" الجابوتنسكية التي يمثل الليكود الحاكم استمراريتها التاريخية في الحركة الصهيونية. فما يسكت عنه هذا التسويغ الأمني هو على وجه الضبط تلك الذهنية التي تحاول أن تبني أول بنتوستان (معزل عنصري) حقيقي في الشرق الأوسط بعد أن تصورت الإنسانية نهاية البنتوستان مع نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. فتختلف ذهنية الفصل الإسرائيلية هنا عن ذهنية الفصل العنصرية في جنوب إفريقيا السابقة، في الفروع وليس الأصول، بمعنى أن المركزية الإثنية لخطة الفصل الإسرائيلية تقوم على أساسٍ إثنيٍ دينيٍ يهوديٍ تتطابق فيه الهويتان الدينية والقومية في حين كان الأساس الإثني لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عرقياً. فيحتل الدين/ القومية في خطة الفصل الإسرائيلية ما كان يحتله العرق في الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وهو ما يحتمله أحد معاني الكلمة العبرية "هفرداه" التي تعني فيما تعنيه "الفصل" و"العزل" بكل الدلالات التوراتية.

 

لقد وضع المخططون الإسرائيليون منذ عام 1988 بناءً على طلب المستوى السياسي أي الحكومة عدة خططٍ للفصل على امتداد "الخط الأخضر" وما خلف الكتل الاستيطانية التي تتمسك "إسرائيل" بضمّها إليها، وهي تقارب طريقة حل باراك-بن عامي لمشكلة المستوطنات في مفاوضات كامب ديفيد(2)، غير أن خطة "الجدار" الحالية على طريقة الليكود، والتي رسمها العقيد داني تيرز الملقب بـ"السيد جدار" تفوق خطط الفصل السابقة كلها من حيث مراعاتها الدقيقة لمبدأ "أرض أكبر وعرب أقل"، إذ تعني - حتى في مرحلتها الأولى التي كان مقرراً الانتهاء منها في نهاية يوليو الحالي، قبل الملاحظات الأمريكية، في إطار امتداد الجدار على مدى 500 كلم حتى نهاية هذا العام إذا ما سارت الأمور على ما يرام- عملية اغتصابٍ أخرى لآلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية، بشكلٍ لا يبقى فيه للفلسطينيين أرض إلا بالكاد، فهذه المرحلة من "الجدار" تفصل مثلاً بيت ساحور وبيت غالا وقلقيلية عن أراضيها، كما تدمر كل الطرق الفرعية لقرى جنين، فكيف بنهايته المفترضة؟

 

إن الجدار يحوّل "إسرائيل" بالفعل إلى نوعٍ محدث من القلاع الصليبية المنيعة التي أقامها المستوطنون الصليبيون القدماء فيما يعرف بـ"الشرق الإفرنجي" في المنطقة، بقدر ما يحشر الفلسطينيين في كانتونات فعلية يتم المنّ عليها كي تكون الدولة المؤلفة منها "قابلةً للحياة" بمعابر اتصال معلومة وخاضعة كلياً للسيطرة الإسرائيلية. فـ"الجدار" على طريقة الليكود، يؤدي وفق أرقام البنك الدولي، إلى التضرر المباشر لحوالي 95-200 ألف فلسطيني سيفقدون أراضيهم. وهو قد يكون وفق أهداف مخططيه سلاحاً لمنع من يسمون باللغة الإسرائيلية بـ"الماكثين غير القانونيين" من "التسلل" إلى القرى العربية في "إسرائيل" والسكن فيها، وهم بحدود 150 إلى 200 ألف فلسطيني، تتوزع عائلاتهم ما بين "إسرائيل" و"فلسطين"، لكنه ليس حلاً لمشكلة الحفاظ على الأكثرية اليهودية في الدولة التي يرفع حزب العمل خطة الفصل من أجلها، إذ سيؤدي إلى ضم عشرات الألوف من الفلسطينيين إلى الدولة، وفصلهم عن قراهم وعائلاتهم، وتفاقم المشكلة العربية في الدولة مستقبلياً، بما يحتمله ذلك من طرح خطة الفصل بين الإسرائيليين وعرب 1948 على مستوى الدولة نفسها، كما هو الأمر عليه اليوم، وهو الأمر الذي تبدو بعض كتل اليمين مهووسةً به، إلى درجة طرح إخلاء عرب 1948 وتجميعهم في مجالٍ مركزيٍ مسيطرٍ عليه أي في بنتوستان أو معزلٍ عنصريٍ مضبوط.

 

الدولة الفلسطينية المرتقبة لا يمكن أن تكون مع الاستيطان و"جدار الفصل" قابلةً للحياة، والمعابر التي ستصمم بينها لتحقيق تواصلٍ جغرافيٍ بينها، لا يمكنها أن تجعل من الفلسطينيين سوى "شعبٍ في قفص". ومن هنا فإن بقاء الضغط الأمريكي عند حدود "النصيحة" و"الرغبة" قد يؤدي إلى تعديل مسار الجدار أو تبطيء بنائه، لكنه لا يؤدي وفق المعطيات الراهنة إلى منع بناء أول بنتوستانات الشرق الأوسط تحت مسمى "دولة فلسطينية"، في عالمٍ معولمٍ يتجه فيه نموذج الدولة للتحول التاريخي من نمط الدولة أحادية الهوية المتركزة إثنياً إلى نمط الدولة المتعددة الهويات. فالنموذج الصهيوني للدولة الذي تفتق عن "عبقرية" قلاع الفصل والعزل تحت دعوى الأمن هو خارج هذا التحول، بل يمثل نقيضاً له، ويعود بنموذج الدولة في عالمنا إلى نموذجٍ محدثٍ من النماذج العنصرية الجديدة. وإنه لفضيحة أن ينظر العالم إلى "جدار الفصل" في ضوء الادعاءات الأمنية الإسرائيلية المضلّلة وأن يسكت عن مضامينه ووظائفه العنصرية التي تدبّ اليوم في "إسرائيل".

 

إن ما تحضّره "إسرائيل" للفلسطينيين هو اليوم بنتوستان وليس دولة مفترضة "قابلة للحياة".